من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب والفصل
- قال دغفل: حمى النعمان ظهر الكوفة فخرج يوما يسير في ذلك الظهر فإذا هو بشيخ يخصف نعلا فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرّعاء فأخذوا يمينا وشمالا، فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولّدت الغنم وسلأت السمن (والنعمان معتمّ لا يعرفه الرجل) فقال: وما تخاف النعمان؟ قال: وما أخاف منه؟ لربما لمست بيدي هذه بين عانة أمّه وسرتها، فأجده كأنه أرنب جاثم. فهاج غضبا وسفر عن وجهه، فإذا خرزات الملك. فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن لا تر أنك ظفرت بشيء، قد علمت العرب أنه ليس بين لا بتيها شيخ أكذب منّي. فضحك النعمان ومضى.
- ذكر أنّ قاصا كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق معه هرم في المسجد وهو يقول حدثنا هرم مرّة بعد مرّة، بأشياء لا يعرفها هرم. فقال له:
يا هذا أتعرفني؟ أنا هرم بن حيان، ما حدّثتك بشيء. فقال له القاصّ: وهذا أيضا من عجائبك، إنه ليصلّي في مسجدنا خمسة عشر رجلا، اسم كلّ واحد منهم هرم بن حيان، فكيف توهّمت أنه ليس في الدنيا هرم غيرك؟
- وذكروا أنّ أعرابيّا أضلّ بعيرا له عربيا، وكان في الصائفة، فبينا هو يطوف في طلبه إذا هو عند حجرة الوالي ببختيّ لنابيه صريف، فتأمّله طويلا ثم رجع إلى أصحابه فقال: بعيري الذي ضلّ قد وجدته، فجاء معه نحو من خمسمائة رجل من قومه حمير إلى الوالي، فقالوا: نشهد أنه بعيره. فقال له الوالي: خذه، فلما انصرف قال له بعضهم: يا فلان، ألم يكن بعيرك الذي أضللته عربيّا؟ قال: بلى ولكنه أكل من شعير الأمير فتبختى.
قال بعض المجّان: اليمين بعد الكذب كالمترس خلف الباب.
- باع مزبّد جارية له على أنها طبّاخة، ولم تحسن شيئا فردّت، فلم يقبلها مزبد، وقدّم إلى القاضي وطولب بأن يحلف أنه ملكها وكانت تطبخ وتحسن، فاندفع وحلف بيمين غليظة أنه دفع إليها جرادة فطبخت منها خمسة ألوان، وفضلت منها شريحتين للقديد سوى الجنب فإنها شوته، فضحك من حضر ويئس خصمه من الوصول منه إلى شيء، فخلّوه.
- استعدت بنو بهز من سليم عثمان بن عفان ﵀ على الشمّاخ ابن ضرار، وادّعوا عليه أنه هجاهم، وساموه اليمين، فتلكأ عليهم ليحرّضهم عليها وليرضوا بها، فلما رضوا باليمين قال من أبيات:
يقولون لي احلف ولست بحالفأخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت غمّ الموت عني بحلفةكما شقّت الشقراء عنها جلالها
- ومثل ذلك قول الآخر، وهو الأخيل بن مالك الكلابيّ:
تمنّعت لما قيل لي احلف هنيهةلتحلو في النوكى الخساس يميني
فلما رأوا منّي التمنّع خيّلواصعوبتها عندي كقطع وتيني
ولم يعلموا أنّي قديما أعدّهالفكّ خناقي من وثاق ديوني
- وقال الأخيل أيضا:
فإنّ دراهم الغرماء عنديمعلّقة لدى بيض الأنوق
فإن دلفوا دلفت لهم بحلفكعطّ البرد ليس بذي فتوق
وإن لانوا وعدتهم بلينوفي وعدي بنيّات الطريق
وإن وثبوا عليّ وجرّرونيحلفت لهم كإضرام الحريق
- وقال آخر:
سألوني اليمين فارتعت منهاليغرّوا بذلك الإرتياع
ثم أرسلتها كمنحدر السيل تهادى من المكان اليفاع
ذكر البحتري أنه لأخيل بن مالك الكلابي.
- وحلف الأخيل العجليّ بالطلاق والعتاق أن لا يهرب فهرب وقال:
إذا أحلفوني بالطلاق منحتهميمينا كسحق الأتحميّ المخرّق
وإن أحلفوني بالعتاق فقد درىسحيم غلامي أنّه غير معتق
وإن أحلفوني بالطلاق رددتهاكأحسن ما كانت إذا لم تطلّق
- قال مسعود بن مازن العكلي، وكان لرجل من تيم الرّباب عليه دين فجحده إياه وحلف له عليه:
كفى لك بالوفاء أخيّ تيميميني إذ مضت عنك الحقوق
وما يدريك ما أيمان عكلإذا يبست من الريق الحلوق
أبت أيمانها إلّا مضيّاكما يلتجّ في الأجم الحريق
- قال الأصمعي: كان لأعرابيّ امرأتان فأخذه غرماؤه فأحلفوه بطلاقهما لا يغيب عنهم، فحلف، فأطلقوه فهرب، وقال:
لو يعلم الغرماء منزلتيهماما حلّفوني بالطلاق العاجل
قد ملّتا ومللت من وجهيهماعوجاء حاملة وأخرى حائل
لا حلوتان فتمسكا بحلاوةتشفي الضجيع ولا لدل عاسل
- قال المدائني: كان عندنا بالمدائن دهقان يقال له دينارويه، وكان خبيثا، فقال له والي المدائن: إن كذبت كذبة لم أعرفها فلك عندي شراب ودراهم وغيرها. قال دينارويه: هرب لي غلام فغبر عنّي دهرا لا أعرف له
خبرا، فاشتريت يوما بطيخا فشققته فإذا الغلام فيه يعمل خفّا، وإذا هو إسكاف. قال العامل: قد سمعت هذا. قال: كان لي برذون فدبر، فوصف لي قشور الرمان فألقيتها على دبرته فخرج من ظهره شجرة رمّان عظيمة. قال:
وقد سمعت بهذا أيضا. قال: كان لغلامي فروة فقملت فحملها القمل ميلين.
قال: قد سمعت بهذا. فلما رأى أنه يبطل عليه كلّ ما جاء به قال: إني وجدت في كتب أبي صكّا فيه أربعة آلاف درهم، والصكّ عليك. فقال: هذا كذب ما سمعته قط. قال: فهات ما خاطرت عليه، فأخذه.
- قال بعض الرواة، قلت للشرقيّ بن القطاميّ: ما كانت العرب تقول في صلاتها على موتاها؟ فقال: لا أدري، فكذبت له فقلت: كانوا يقولون:
ما كنت وكواكا ولا بزونّكرويدك حتى يبعث الخلق باعثه
فإذا أنا به يحدّث به في المقصورة يوم الجمعة.
قرع قوم الباب على الجاحظ، فخرج غلامه فسألوه ما يصنع، فقال: يكذب على الله، قالوا: كيف؟ قال: نظر في المرآة فقال: الحمد لله الذي خلقني وأحسن صورتي.
- شهد أعرابيّ عند حاكم فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وله من المال كذا ولم يحجّ؟ فقال الأعرابيّ: بل لقد حججت كذا وكذا مرة، قال: سله أصلحك الله عن مكان زمزم، فسأله فقال: إني حججت قبل أن تحفر زمزم.
- قال الأصمعي: كان قوم من الأعراب يسمطون أيمانهم سمطا
للمصدّقين، فقال مصدق: هؤلاء لا يخافون الله، ولكن أستحلفهم بأيمان في أمر معاشهم، فقال: سلخك الله برصا، وأبدى عورتك، وفتّك فتّ البعرة، وحتّك حتّ الشّعرة، ولا ترك لك صاهلا ولا ناهلا، ولا خفّا ولا ظلفا، إن كان لله في مالك حق؛ فيكيع عنها.
- أراد قاضي البدو أن يستحلف الخصم فقال: هو لا يبالي بالحلف، فقال: احمله على حلف لا يستجري عليه، فقال: جعل الله نومك نغصا، وطعامك غصصا، ومشيك رقصا، وسلخك برصا، وقطعك حصصا، وملأ عينيك رمصا، وأدخلك قفصا، وابتلاك بهذه العصا. فأبى أن يحلف وأذعن للحقّ.
- كان بفارس محتسب يعرف بجراب الكذب، فكان يقول: إن منعت من الكذب انشقّت مرارتي، وإني لأجد به مع ما يلحقني من عاره ما لا أجد للصدق مع ما ينالني من نفعه.
- شاعر:
وتقول لي قولا أظنّك صادقافأجيء من طمع إليك وأذهب
فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلسقالوا مسيلمة وهذا أشعب
- شريك بن عبد الله القاضي:
صلّى وصام لدنيا كان يأملهافقد أصاب فلا صلّى ولا صاما
- تشاجر رجلان في سواد تراءى من سطح فقال أحدهما: غراب، وقال الآخر: خفّ، وحلف كلّ واحد منهما بما قاله، فدنوا منه فطار، فقال صاحب الغراب: كيف ترى؟ فقال الآخر: امرأته طالق إن كان إلّا خفّا ولو بلغ مكة طيرانا.
- قال بعضهم: كان أبي زرع سنة الشلجم فزكا، فكان يبلغ مساحة موضع كلّ شلجمة جريب أرض. فقال الآخر: كان أبي اتخذ مرجلا فكان يعمل فيه خمسون حدّادا لا يسمع كلّ واحد صوت مطرقة الآخر، فقال صاحبه: ما أكذبك، أيّ شيء كان يطبخ في ذلك المرجل؟ قال: الشلجم الذي زرعه أبوك.
يتلوه: باب التواضع والكبر.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع