تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الباب الحادي والثلاثون في المكاتبات والرسائل (٢) (٤)

وبعد، فأنا ممّن ألهمه الله حبّ الفضائل وأهلها، وأغراه بشنأة من بلي بجهلها، فإذا رأيت الدهر قد سمح بماجد كريم، وعوّض سوام الآمال بمرعى مريع غير هشيم، وجاد بعد ضنة بارعوائه وإعتابه، وعدل بعد ظلم بإقرار حقّ في نصابه، وجدت في منّتي قوة كنت عدمتها، ومن همّتي حركة منذ الأمد الطويل ما علمتها، واعتقدت أنّ بضائع الفضل البائرة قد نفقت، وأيدي مشتريها على أيدي مجهّزيها بالربح قد أصفقت، وأنّ النقص الذي استولى على الأرض من أطرافها، واشترك فيه الأعمّ الأغلب من مشروفي ساكنيها وأشرافها، قد رفع عاره عن الأمّة، وكشف بإزالته عنها حجاب الغمّة. وما برحت، منذ أنشر الله رميم الكرم الداثر الدارس، وأعاد روح المعالي زاكية المنابت نامية المغارس، بالجانب الفلاني- جمع الله بدوام سعادته شمل المجد، وبلّغه الغاية القصوى من علوّ الجد- أضوّع المحافل بعطر مدحه والأندية، وأوشّي المطارف من الثناء على مناقبه والأردية، وأبالغ في ذلك مبالغة من ملك الشّغف قلبه فما يراقب في المغالاة خلقا، ولا يخاف التكذيب من يقول حقّا، ما لم يكن لطمع عرضي، وربّ مقام قمته، وعذر في الاجتهاد أبليته وأقمته، وقد جرى ذكر هذا الجانب- أدام الله علاه- فقلت:

نفس عصام سوّدت عصاما

وهل الفخر الأوفى، وشرع المجد الأصفى، وقدح الرّياسة المعلّى، والسيادة المجاوزة رتبة الفرقدين محلّا، إلّا من وفّق الله له هذا الماجد الحلاحل، والجواد الذي ليس لبحر جوده ساحل، والكريم الذي أضحت أمواله مقسّمة بأيدي عفاته منتهبة، وأعينها لما منيت به من بغضائه منتحبة، وهمّته العليّة مستغرقة للأوقات في رسم عاف يعيده، وبرّ واف للمجتدين يفيده، ودين يقوم في حفظ معالمه إذا قعد الجميع، ويجيب داعيه وقد تصامم عنه كلّ سميع، ومصلحة جامعة يحيي رفاتها، ونفس مجدود يقضي من أوطارها ما فاتها، وعلم تنشر

أعلامه بإرفاد حامليه، وصنع جميل يتخذه عند آمليه، ومكرمة يصيب بها مواقعها، وأحدوثة جميلة يكتسي وشائعها، وذكر ملأ الآفاق نشره طيبا، وأصبح كلّ لسان بمدحه خطيبا. وهل ما يتداوله الرّواة، وتتناقله في الكتب الأفواه، من أخبار شيخ البرامك يحيى بن خالد، ومآثر كلّ كريم من قديم الزمان ماجد، والنفوس تنكر بعضه استعظاما، وتعتده سمرا أو مناما، إلّا دون ما نراه عيانا، ونستوضح في كلّ ساعة دليلا عليه وبرهانا. لعلّ وجوها كانت في هذا المقام حاضره، وأعينا رامقة إليّ ناظره، فزويت عني تلك غيظا وامتقعت، وأغريت هذه بمسارقة النظر المريب نحوي وأولعت، وأنا خالع بالمضيّ في شوطي للعذار، غير ملتفت فيما يكمد الحاسدين إلى الاعتذار. ورأيت في تصفّح هذه المفاتحة متأمّلا، وقراءتها متلقّيا بحسن القبول متقبّلا، واستئناف المواصلة بكتبه الكريمة التي تمهّد مباني الوداد، وتعمر سبل المحافظة التي يعدّها أمثاله من أولي البصائر أجمل مكتسب، وأعلى في مجاري أحواله- أجراها الله على إيثاره، وأمدّها بجنود السعادة في ليله ونهاره- ما اشتبهت أرواح الإنس بمعرفته، ولشكر صنع الله عنده في مقابلته أعلى.

وما وضع صدور الأدباء رسائل أسماء بغير أجسام، وألفاظا بغير معان، إلا ليدلوا على موضعهم من البراعة، وينبّهوا على محلّهم من البلاغة. فمنهم الجاحظ وكان مسهبا يستقي من بحر لا ينزح ماؤه، ويمتري أثباج درّ لا تقلع سماؤه، ويهدر هدير الفنيق بلا نهاية، ويؤمّ نهجا لا مقصد له ولا غاية، والمعرّي يحوم ولا يعوم، ويلوب ولا يرد، ويلغز ولا يبرّز، كأنما عنده مضمر يخاف من كشفه، وخلل إن أظهره آذن بحتفه. وله رسائل كثيرة لكنها موشيّة بوهمات الإلحاد، ومبنيّة على اختلاطه في الاعتقاد، كأنّه شاكّ مريب أو هازىء عابث، وقد استكثر من روايتها فإن تركت معجمة أهملت، وإن فسّرت خرجت عن معنى الرسائل، وصارت بكتب اللغة أشبه، مع أنّ الحرج يمنع من التعرض لتدوينها، وقد اقتصرت منها على

رسالة هي من أسلمها. وللبديع والحريريّ مع تبريز هما أبدا صريحهما عن الرغوة، وإعلانهما بالاختلاف والغربة، فوضعا حكايات مفعولة، عن أسماء مجهولة، أبانا بها عن فضائل ليست بمفضولة. نسأل الله السلامة من موبق الضلال والمين، وأن يكشف عن بصائرنا غياهب الهوى والرّين.

- رسالة كتبها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ إلى مويس بن عمران:

زينك الله بالتقوى، وكفاك ما أهمك من أمر الآخرة والدنيا، وأعزّك بالقناعة، وختم لك بالسعادة، وجعلك من الشاكرين. من عاقب- أبقاك الله- على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المقلّين، فقد تناهى في الظّلم. ومن لم يفرّق بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنا بعقوبة السّرق، وعلى القتل بعقوبة القذف.

ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب، خرج إلى مثله في باب الثواب. ولا أعلم نارا أبلغ في إحراق اهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض لقوى الأبدان من طلب الطّوائل، ولا أعظم خسرانا، ولا أخفّ ميزانا، من عداوة العاقل العالم، وإطلاق لسان الجليس المداخل. والشّعار دون الدّثار، والخاصّ دون العامّ. والطالب- جعلت فداك- بغرض ظفر ما لم يخرج المطلوب الجبان، وما لم تقع المنازلة.

ومن الحزم ألّا تخرج إلى العدوّ إلّا ومعك من القوى ما يعمّ الفضلة التي يتيحها لك الاخراج، ولا بدّ أيضا من حزم يحذّرك مصارع البغي، ويخوّفك ناصر المظلوم.

وبعد، فأنت- أبقاك الله- تضرّ من ألم الغيظ نفسك، والغيظ عذاب أليم، وربما زاد التشفي في الغيظ ولم ينقص منه. ولست على يقين من أن يعود سهمك في ضرّك، كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك. والحازم لا يلتمس شفاء غيظه باجتلاب ضغنه، ولا يطفىء نار غضبه بأحرّ من غضبه، ولا يسدّد سهمه إلّا والغرض ممكن، والغاية قريبة، ولا يهرب والهرب معجز. إنّ سلطان الغيظ غشوم، وإنّ حكم الغضب جائر، وأضعف ما يكون العزم عند التصرّف، وأضعف ما يكون الجزم والغضب في طباع سلطان [الهوى]، والهوى يتصوّر في صورة امرأة، [و] لا يبصر مساقط العيب ومواقع السّرف إلّا كلّ معتدل الطباع، مستوي الأسباب. والله لقد كنت أكره سرف الرضى مخافة جواذبه إلى سرف الهوى، فما ظنّك بسرف الغضب وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممّن تعوّد إهمال النّفس، ولم يعوّدها الصبر، ولم يعرّفها موضع الحظّ في تجرّع المرارة، وأنّ المراد من الأمور عواقبها عواجلها. ولقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور، فما ظنّك بافراط الغضب؟ وقد قال الناس: لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في طول الكفاية إذا كان يؤدّي إلى المعجزة، ولا في كثرة العيّ إذا كان يخرج إلى البلادة.

جعلت فداك، إنّ داء الحزن، وإن كان قاتلا، فإنّه داء مماطل، وسقمه مطاول، ومعه من التمهل بقدر قسطه من أناة المرّة السوداء، وداء الغيظ سفيه

طيّاش، وعجول فحّاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصيّة، ومعه من الحرق بقدر قسطه من التهاب المرّة الحمراء. وأنت روح كما أنت جسم، من قرنك إلى قدمك. وعمل الآفة في الدّقاق العتاق أسرع، وصدّها عن الغلاظ الجفاة آكد، فلذلك اشتدّ جزعي لك من سلطان الغيظ وغلبة الغضب. فإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك، من مقدار عقابك عليه، فانظر في علّته وفي مخرج سببه، وإلى معدنه الذي فيه نجم، وعشّه الذي منه درج، ومغرسه الذي فيه نبت، وإلى جهة صاحبه في التتايع والنّزع، وفي التسرّع والثبات، وإلى حاله عند التقريع، وإلى حيائه عند التعريض، إلى فطنته عند الرشق والتورية، فإن فضل الغيظ ربّما دلّ على فرط الاكتراث بكون الاقدام والاحجام، فكلّ ذنب كان سببه الرأي، أو ضيق صدر وغلق طباع، وجد مرارا، أو من جهة تأويل أو من جهة الغيظ في المقادير أو من طريق فرط الأنفة، وغلبة طباع الحمية من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة، أو من جهة استحقاقه عند نفسه، وفيما زيّن له عمله أنّه مقصّر به، مؤخّر عن مرتبته، أو كان مبلّغا عنه، أو مكذوبا عليه، أو كان ذلك جائزا فيه غير ممتنع منه، فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب، وفي هذه المجاري، فليس يقف عليها كريم، ولا يلتفت لفتها حليم، ولست أسميه بكبير معروفه كريما، حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه غالبا لطبعه، كما أني لا أسمّيه بالذي أرى من كفّه [عن] القصاص حليما، حتى يكون عالما بما ترك، وعارفا بما اخذ. واسم الحلم جامع للظّلم والقدرة والفهم، فإذا وجدت الذّنب بعد ذلك لا سبب له إلّا البغضة وإلّا تشفّي

النفس والعناد الغالب، فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم لعدّلك كثير من العقلاء، ولصوّب رأيك عالم من الأشراف. ومتى كانت طبيعته البذاء، وخليقته الشرارة والتسرّع، فاقتله قتل العقارب، وادمغه دمغ رؤوس الحيّات. وإذا كان ممّن لا يسىء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه، إلّا لتعطيه على الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقية، فامنعه من جميع رفدك، واحتل في منعه من قبل غيرك. فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته مع هذه الحكومة، فقد شاركته في سب نفسك، واستدعيت الألسنة البذيئة إلى عرضك، فكنت عينا لهم عليك، وبابا لهم إليك. وكيف تعاقبه على ذنب لك شطره، وأنت فيه قسيمه، إلّا أنّ عليك غرمه وله غنمه؟ ومن العدل المحض والانصاف الصريح أنّ تحطّ عن الحسود نصف عقابه، وتقتصر به على مقداره، لأنّ ألم حسده لك قد كفاك مؤونة شطر غيظك عليه.

وأمّا الوادّ فلا تعرض له ألبتة، ولا تلتفت لفته، ولو أتى على الحرث والنسل، وجثا على الروح والقلب. ولا تغترّ بقوله إني أودّ، ولا تحكم له بدعواه أني جدّ وامق، وانظر أنت في حديثه وإلى مخارج لفظه، وفي لحن قوله، وإلى طريقه وطبعه، وإلى خلقه وخليقته، وإلى تصرّفه وتصميمه، وإلى توقّفه وتهوّره؛ وتأمّل مقدار جزعه من قلّة اكتراثه، وانظر إلى غضبه فيك ولك، وإلى انصرافه عمّن انصرف عنك، وميله إلى من مال إليك، وإلى تسلّمه من الشرّ، وتعرّضه له، وإلى مداهنته وكشف قناعه، بل لا تقض له بجميع ذلك ما كان ذلك في أيام دولتك، ومع إقبال إمرتك، وإنّ طالت الأيّام وكثرت الشهور، حتى تنتظم له الحالات وتستوي فيه الأزمان؛ نعم، ثمّ لا تحكم له بذلك حتى يكون خلقه حالة مقصورة على محبتك، ومحتوية عليك وعلى نصيحتك، بالعلل التي توجب الأفعال، والأسباب التي تسخّر القلوب للمودّات. فإن أنت لم تحكم له بالعادة

مع احتمال هذه العلل فيه، ومع توافيها إليه، ولم تقض له بأقصى النهاية، مع ترادف هذه الأسباب، وتكافل هذه الدلائل، وتعاون هذه البرهانات، فكلّ بيّنة إذن زور، وكل دلالة فاسدة. وقد قال الأول: إنّ دلائل الأمور أشدّ تثبيتا من شهادات الرجال، إلّا أن يكون في الخبر دليل ومع الشهادة برهان، لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق، ولا يزيد ولا يبدّل، وشهادة الإنسان لا تمنع من ذلك، وليس معها أمان من فساد ما كان الإمكان قائما.

فإن جهلت- أعزّك الله- علّة غضبك، فتمثّل جهل من لا علّة له؛ وإن عجزت عن احتمال عقابك، فتمثّل عجز ما لا يطاق حمله، ولا عار على جازع إلّا فيما يمكن في مثله الصبر، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر.

وليس هذا أوّل شرك نصبته، ولا أوّل كيد أرغته، وما هي بأوّل دنيّة غطّيتها وسترتها، وحيلة أكمنتها ورمقتها. وقد كانت التقيّة أحزم، والاقتضاء أسلم؛ بل كان العفو أرحم، والتغافل أكرم. ولا خير في عقوبة تشمت العدوّ القديم، ويتنادى بها العدوّ الحادث. والأناة أبلغ من الحزم، وأبعد من الذمّ، وأحمد مغبّة، وأبعد من مخوف العجلة، وقد قال الأول: عليك بالأناة فإنّك على ايقاع ما أنت موقعه أقدر منك على ردّ ما أوقعته، وقد أخطأ من قال:

قد يدرك المتأنّي بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزّلل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

بل لو كان قال: المتأنّي بدرك حاجاته أحقّ، والمستعجل بفوت حاجاته أخلق، كان قد وفّى المعنى حقّه، وأعطى اللفظ حظّه، وإن كان القول الأوّل موزونا والثاني منثورا. وليس يصارع الغضب أيام شبابه وغرب نابه شيء إلّا

صرعه، ولا ينازعه قبل انتهائه وإدباره شيء إلّا قهره؛ وإنما يحتال له قبل هيجه، ويتوثّق منه قبل حركته، ويتقدّم في حسم أسبابه، وفي قطع حباله، فإذا تمكن واستفحل وأذكى ناره واشتعل، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعا وطاعة، فلو أسعطّه بالتوراة وأوجرته بالانجيل، ولددته بالزّبور، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم ﵇ شفيعا، لما قصّر دون أقصى قوّته، ولتمنّى أن يعار أصناف قدرته. وقد جاء في الأثر: إنّ أقرب ما يكون العبد من غضب ربّه إذا غضب. وقال قتادة: ليس يسكّن غضب العبد إلّا ذكره غضب الرّب.

فلا تقف- حفظك الله- بعد مضيّك في عتابي التماسا للعفو عني، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة لي، ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله، والسلطان على دينه، ويعلم أنّ للعقل خصوما، وللكرم أعداء؛ وتمسّك إمساك من لا يبرّىء نفسه من الهوى، ولا يبرىء الهوى من الخطأ، ولا تنكر لنفسك أن تزلّ، ولعقلك أن يهفو، فقد زلّ آدم ﵇ وهفا، وغرّه عدوّه، وخدعه خصمه، وعيب باخلاف عزمه، وسكون قلبه إلى خلاف ثقته؛ هذا وقد خلقه الله بيده وأسكنه في دار أمنه، وأسجد له ملائكته، ورفع فوق العالمين درجته. فلست أسألك إلّا ريثما تسكن نفسك، ويرتدّ إليك ذهنك، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة.

إنّ الله ليعلم، وكفى به عليما، وليشهد وكفى به شهيدا، وكفى بجزاء من يعلمه ما لا يعلم جزاء وتعرضا، وكفى به عند الله بعدا ومقتا. لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيّز الهلكى. فرأيت أنّ من الخيانة لك، ومن اللؤم في معاملتك، أن أفديك بنفس

ميّتة وأن أريك أني قد جدت لك بأنفس علق والعلق معدوم. وأنا أقول لك- أبقاك الله- كما قال أخو ثقيف: مودة الأخ التّالد وإنّ أخلق خير من مودّة الطارف، وإن ظهرت بشاشته وراعتك جدّته. سلّمك الله وسلّم عليك، وحفظك وكلأك، وكان لك ومعك.

- رسالة أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري تسمى الإغريضية:

السلام عليك أيتها الحكمة المغربيّة، والألفاظ العربيّة، أيّ هواء رقاك، وأيّ غيث سقاك، برقه كالإحريض، وودقه مثل الإغريض، حللت الرّبوة، وجللت عن الهبوة، أقول لك ما قال أخو نمير لفتاة بني عمير:

زكا لك صالح وخلاك ذمّوصبحّك الأيامن والسعود

لأنا آسف على قربك من الغراب الحجازيّ، على حسن الزّيّ، لما أقفر، وركب السّفر، فقدم جبال الرّوم في نوّ، أنزل البرس من الجوّ، فالتفت إلى عطفه،

وقد شمط فأسي، وترك النّعيب أو نسي، وهبط الأرض فمشى في قيد وتمثّل ببيت دريد:

صبا ما صبا حتّى علا الشّيب رأسهفلما علاه قال للباطل ابعد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

واراد الإياب في ذلك الجلباب، فكره الشّمات فكمد حتى مات؛ وربّ وليّ أغرق في الإكرام، فوقع في الإبرام، إبرام السّأم، لا إبرام السّلم. فحرس الله سيّدنا حتى تدغم الطّاء في الهاء، فتلك حراسة بغير انتهاء، وذلك أنّ هذين ضدّان، وعلى التّضادّ متباعدان، رخو وشديد، وهاو وذو تصعيد، وهما في الجهر والهمس، بمنزلة غد وأمس. وجعل الله رتبته التي هي كالفاعل والمبتدا، نظير الفعل في أنها لا تنخفض أبدا. فقد جعلني إن حضرت عرف شاني، وإن غبت لم يجهل مكاني، ك «يا» في النداء، والمحذوف من الابتداء، إذا قلت زيد أقبل، والإبل الإبل، بعد ما كنت كهاء الوقف إنّ ألغيت فبواجب، وإن ذكرت فغير لازب، إني وإن غدوت في زمان كثير الدّد، كهاء العدد، لزمت المذكّر فأتت بالمنكر، مع إلف يراني في الأصل، كألف الوصل، يذكرني لغير الثناء، ويطرحني عند الاستغناء، وحال كالهمزة تبدل العين، وتجعل بين بين، وتكون تارة حرف لين، وتارة مثل الصّامت الرّصين، فهي لا تثبت على طريقة، ولا تدرك لها صورة على الحقيقة، ونوائب ألحقت الصّغير بالكبير، كأنّها ترخيم التصغير، وردّت المستحلس إلى حليس، وقابوس إلى قبيس، لأمدّ صوتي بتلك

الآلاء، مدّ الكوفيّ صوته في هؤلاء، وأخفّف عن حضرة سيّدنا الرئيس الحبر، تخفيف المدنيّ ما قدر عليه من النبر، إن كاتبت فلا ملتمس جواب، وإن أسهبت في الشكر فلا طالب ثواب. حسبي ما لديّ من أياديه، وما غمر من فضل السيّد الأكبر أبيه، أدام الله لهما القدرة ما دام الضّرب الأوّل من الطويل صحيحا، والمنسرح خفيفا سريحا، وقبض الله يمين عدوّها عن كلّ معن، قبض العروض من أوّل وزن، وجمع له المهانة إلى التقييد، كما جمعا في ثاني المديد وقلم قلم الفسيط، وخبل كسباعيّ البسيط، وعصب الله الشرّ بهامة شانيهما وهو مخزوّ، عصب الوافر الثالث وهو مجزوّ، بل أضمرته الأرض إضمار ثالث الكامل، وعداه أمل الآمل، وسلم سيّدانا- أعز الله نصرهما،

ومن أحباه وقرباه- سلامة متوسّط المجموعات، فإنه آمن من المروّعات؛ فقد افتننت في نعمهما الرائعة، كافتنان الدائرة الرّابعة، وذلك أنّها أمّ ستّة موجودين، وثلاثة مفقودين. وأنا أعد نفسي مراسلة حضرة سيّدنا الجليلة، عدة ثريّا الليل، وثريّا سهيل، هذه القمر، وتلك عمر، وأعظّمه في كلّ وقت إعظاما في مقة، وبعض الإعظام في مقت، فقد نصب للآداب قبّة صار الشام فيها كشامة المعيب، والعراق كعراق الشّعيب، أحسب ظلالها من البردين، وأغنت العالم عن الهندين: هند الطّيب، وهند النّسيب، ربّة الخمار، وأرباب قمار، أخدان التّجر، وخدينة الهجر.

ما حاملة طوق من الليل، وبرد من المنتجع مكفوف الذيل، أوفت الأشاء، فقالت للكئيب ما شاء، تسمعه غير مفهوم، لا بالرّمل ولا بالمزموم، كأنّ سجعها قريض، ومراسلها الغريض، فقد ماد لشجوها العود، وفقيدها لا يعود، تندب هديلا فات، وأتيح له بعض الآفات، بأشوق إلى هديلها من

عبده إلى مناسمة أنبائه، ولا أوجد على إلفها منه على زيارة فنائه، وليس الأشواق، لذوات الأطواق، ولا عند السّاجعة، عبرة متراجعة، إنّما رأت الشّرطين، قبل البطّين، والرّشاء بعد العشاء، فحكت صوت الماء في الخرير، وأتت براء دائمة التكرير، فقال جاهل فقدت حميما، وثكلت ولدا قديما، وهيهات يا باكية أصبحت فصدحت، وأمسيت فتناسيت، لا همام لا همام، ما رأيت أعجب من هاتف الحمام، سلم فناح، وصمت فهو مكسور الجناح. إنما الشوق لمن يدّكر في كلّ حين، ولا يذهله مضيّ السنين.

وسيّدنا- أطال الله بقاه- القائل النظم في الذّكاء مثل الزّهر، وفي النقاء مثل الجوهر، تحسب بادرته التّاج ارتفع عن الحجاج، وغابرته الحجل في الرّجل يجمع بين اللّفظ القليل، والمعنى الجليل، جمع الأفعوان في لعابه بين القلّة وفقد البلّة، خشن ولان فما هان، لين الشكير يدلّ على عتق المحضير، وحرش الدينار، آية كرم النجار، فصنوف الأشعار بعده كألف السّلم، يلفظ بها في الكلام، ولا تثبت لها هيئة بعد اللام، خلص من سبك النقد خلوص الذّهب من اللهب، واللجين من يد القين، كأنه لآل، في أعناق حوال، وسواه لطّ، في عنق ثطّ، ما خانته قوة الخاطر الأمين، ولا عيب بسناد ولا تضمين، وأين النّثرة من

العثرة، والغرقد من الفرقد، فالساعي في أثره فارس عصا بصير، لا فارس عصا قصير، وأنا ثابت على هذه الطوّية ثبات حركة البناء، مقيم تلك الشهادة بلا استثناء، غنيّ عن الأيمان فلا عدم، مقيم على ما قلت فلا حنث ولا ندم، وإنما تخبأ الدرّة للحسناء الحرة، ويجاد باليمين، في العلق الثمين، ما أنفسه خاطرا اقترى الفضّة من القضّة، والوصاة من مثل الحصاة، وربما نزعت الأشباه، ولم يشبه المرء أباه، ولا غرو لذلك: الخضرة أمّ اللهيب، والخمرة بنت الغربيب.

وكذلك سيدنا: ولّد من سحر المتقدّمين، حكمة للحنفاء المتديّنين. كم له من قافية تبني السّود، وتثني الحسود، كالميت من شرب العاتقة الكميت، نشوره قريب، وحسابه تثريب. أين مشبّهو الناقة بالفدلمي، والصحصح برداء الرّدن، وجب الرّحيل، عن الرّبع المحيل. نشأ بعدهم واصف، غودروا له كالمناصف، إذا سمع الخافض صفته للسهب الفسيح، والرّهب الطليح، ودّ أنّ

حشيّته بين الأحناء، وخلوقه عصيم الهناء، وحكم بالقود في الرّقود، وصاغ برى ذوات الأرسان، من برى البيض الحسان، شنفا لدرّ النحور وعيون الحور، وشغفا بدرّ بكيّ وعين مثل الرّكيّ، وإعراضا عن بدور، سكنّ في الخدور، إلى حول كأهلّة المحول، فهنّ أشباه القسىّ ونعام السّي. وإن أخذ في نعت الخيل فيا خيبة من سبّه الأوابد بالتقييد، وشبّه الحافر بقعب الوليد، نعتا غبط به الهجين المنسوب، والبازيّ اليعسوب، إذ رزق من الخير ما ليس لكثير من سباع الطّير، وذلك أنّه على الصّغر سميّ بعض الغرر. وقد مضى حرس، وخفت جرس، وللقالع أبغض طالع، والأزرق يجنّبك عنه الفرق. فالآن سلمت الجبهة من المعض، وشمل بعضها بركات بعض، فأيقن النطيح أنّ ربّه لا يطيح، والمهقوع نجا راكبه من الوقوع، فلن يحرب قائد المغرب، ولن يرجل سائس الأرجل. والعاب وإن لحق الكعاب، ناكب عن ناقلات

المراكب. وقالت خيفانة امرىء القيس الدّباءة، لراعي المباءة، والأثفية للقدر الكفية، نقما على جاعل عذرها كقرون العروس، وجبهتها كمحذّف التروس، وأنى للكندي، قواف كهجمة السعديّ:

إذا اصطكّت بضيق حجرتاهاتلاقى العسجديّة واللطيم

فالقسيب في تضاعيف النسيب، والشباب في ذلك التشبيب، ليس رويّه بمقلوب، ولكنه من إرواء القلوب. قد جمع أليل ماء الصّبا، وصليل ظماء الظّبا، فالمصراع كوذيلة الغريبة، حكت الزّينة والرّيبة، وأرت الحسناء سناها والسّمجة ما عناها. فأما الراح فلو ذكرها لشفت من الهرم، وانتفت من الكرم إلى الكرم، ولم ترض دنان العقار، بلباس القار، ونسيج العناكب على المناكب، ولكن تكسى من وشي ثيابا، ويجعل طلاؤها زريابا. ولقد سمعته ذكر خيمة يغبط المسك أن يكون جارها من الشّيام، ويود سعد الأخبية أنه سعد الخيام.

ووقفت على مختصر إصلاح المنطق الذي كاد بسمات الأبواب، يغني عن سائر الكتاب، فعجبت كلّ العجب من تقييد الأجمال بطلاء الأحمال، وقلب البحر إلى قلت النحر، وإجراء الفرات، في مثل الأخرات، شرفا له تصنيفا شفى الريب، وكفى من ابن قريب، ودلّ على جوامع اللغة بالإيماء، كما دلّ المضمر على ما طال من الأسماء، أقول في الإخبار، أمرت أبا عبد الجبار، فإذا أضمرته عرف متى قلت أمرته، وأبلّ من المرض والتمريض، بما أسقط من شهود القريض، كأنهم في تلك الحال، شهدوا بالمحال، عند قاض عرف أمانتهم بالانتقاض على حقّ علمه بالعيان، فاستغنى فيه عن كلّ بيان.

وقد تأملت شواهد «إصلاح المنطق» فوجدتها عشرة أنواع، في عدّة إخوة الصدّيق، لما تظاهروا على غير التحقيق، وتزيد على العشرة بواحد، كأخ ليوسف لم يكن بالشاهد. والشعر الأوّل، وإن كان سبب الأثرة، وصحيفة المأثرة فإنه كذوب القالة نموم الإطالة، وإنّ «قفا نبك» على حسنها وقدم سنّها، لتقرّ بما يبطل شهادة القول الرضى، فكيف بالبغيّ الأنثى؟ قاتلها الله عجوزا لو كانت بشريّة، كانت من أغوى البريّة. وقد تمادى بأبي يوسف ﵀ الاجتهاد، في إقامة الأشهاد، حتى أنشد رجزا لضبّ، وإنّ معدّا من ذلك لجدّ مغضب. أعلى فصاحته يستعان

بالقرض، ويستشهد بأحناش الأرض ؟ ما رؤبة عنده في نفير، فما قولك في ضبّ دامي الأظافير؟ ومن نظر في كتاب يعقوب وجده كالمهمل، إلّا باب، فعل وفعل، فإنّه مؤلّف على عشرين حرفا: ستة مذلّقة، وثلاثة مطبقة، وأربعة من الحروف الشديدة، وواحد من المزيدة، ونفيثين:

الثاء والذال، وآخر متعال، والأختين العين والحاء، والشين مضافة إلى حيّز الرّاء، فرحم الله أبا يوسف لو عاش لفاظ كمدا، أو احفاظّ حسدا، سبق ابن السكّيت ثم صار كالسّكيت، وسمق ثم حار وتدا للبيت، كان الكتاب تبرا في تراب معدن، بين الحثّ والمتّدن، فاستخرجه سيّدنا واستوشاه، وصقله فكره ووشّاه، فغبطه النّيرات على الترقيش، والآل النقيش، فهو محبوب ليس بهين، على أنه ذو وجهين، وما نمّ قط ولا همّ، ولا نطق ولا أرمّ. قد ناب في كلام العرب الصميم، مناب مرآة المنجم في علم التنجيم، شخصها ضئيل ملموم، وفيها القمران والنجوم.

وأقول بعد في إعادة اللفظ: إنّ حكم التأليف في ذكر الكلمة مرتين كالجمع في النكاح بين أختين، الأولى حلّ يرام، والثانية بسل حرام. كيف يكون في

الهودج لميسان، وفي الجمعة خميسان؟ يا أمّ الفتيات، حسبك من الهنود، ويا أبا الفتيان شرعك من السعود، عليك أنت بزينب ودعد، وسمّ أيها الرجل بسوى سعد، ما قلّ أثير، والأسماء كثير. مثل يعقوب مثل خود كثيرة الحليّ، ضاعفته على التراق، وعطلت الخصر والساق.

كان يوم قدوم تلك النسخة يوم ضريب، حشر الوحوش مع الإنس، وأضاف الجنس إلى غير الجنس، ولم يحكم على الظباء بالسباء، ولا رمى الآجال بالأوجال، ولكنّ الأضداد تجتمع فتسمع، وتنصرف باللذات أذاة.

وإنّ عبده موسى لقيني نقابا، فقال هلمّ كتابا، يكون لك شرفا، وبموالاتك في حضرة سيدنا معترفا، فتلوت عليه هاتين الآيتين إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى

(طه:) وأحسبه رأى نور السؤدد فقال لمخلّفيه، ما قال موسى صلّى الله عليه لأهليه إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً

(طه:).

فليت شعري ما يطلب، اقبس ذهب أم قبس لهب؟ بل يتشرف بالأخلاق الباهرة ويتبرّك بالأحساب الطاهرة:

باتت حواطب ليلى يقتبسن لهاجزل الجذا غير خوّار ولا دعر

وقد آب من سفرته الأولى ومعه جذوة من نار قديمة إن لمست فنار إبراهيم،

وإن أونست فنار الكليم؛ واجتنى بهارا حبت به المرازبة كسرى، وحمل في فكاك الأسرى، وأدرك نوحا مع القوم، وبقي غضّا إلى اليوم، وما انتجع موسى إلّا الرّوض العميم، ولا اتبع إلّا أصدق مغيم.

وورد عبده الزهيري من حضرته المطهّرة كأنه زهرة نقيع، أو وردة ربيع، كثيرة الورق، طيبة العرق، ليس هو في نعمته كالرّيم، في ظلال الصّريم، والجاب في السحاب المنجاب، لأنّ الظلام يسفر والغمام ينسفر، ولكنه مثل النون في اللّجّة، والأعفر تحت جربة.

وقد كنت عرّفت سيدنا فيما سلف أنّ الأدب كعهود في إثر عهود، أروت النجاد فما ظنّك بالوهود؟ وأنّي نزلت من ذلك الغيث ببلد طسم كأثر الوسم، منعه القراع من الإمراع، يا بوس بني سدوس، العدو حازب، والكلا عازب؛ يا خصب بني عبد المدان، ضان في الحربث وضأن في السّعدان، فلما رأيت ذلك أتعبت الأظلّ، فلم أجد إلّا الحنظل، فليس في اللبيد إلّا الهبيد، جنيته من شجرة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار؛ لبن الإبل عن المرار مرّ، وعن الأراك طيّب حرّ.

هذا مثلي في الأدب، فأما في النّشب، فلم يزل لي بحمد الله وبقاء سيدنا بلغتان: بلغة صبر وبلغة وفر، أنا منهما بين الليلة المرعيّة، واللّقوح الرّبعيّة هذه عام، وتلك مال وطعام، والقليل سلّم إلى الجليل، كالمصلّي يريغ الضّوء باسباغ الوضوء، والتكفير بادامة التعفير، وقاصد بيت الله يغسل الحوب بطول الشّحوب.

وأنا في مكاتبة حضرة سيدنا الجليلة، والميل عن حضرة سيدنا الأجلّ والده- أعزّ الله نصره- كسبأ بن يعرب لما ابتهل في التقرّب إلى خالق النور ومصرف الأمور، نظر فلم ير أشرف من الشمس يدا، فسجد لها تعبّدا، وغير ملوم سيدنا لو أعرض عن شقائق النعمان الرّبعيّة، ومدائحه اليربوعية، مللا عن أهل البلد المضاف إلى هذا الاسم، فغير معتذر، من أبغض لأجلهم بني المنذر، وهم إلى حضرته السنية رجلان: سائل وقائل، فأما السائل فألحّ، وأما القائل فغير مستملح، وقد سترت نفسي عنها ستر الخميص بالقميص، وأخي الحتر بسجوف السّتر، فظهر بي فضله الذي مثله مثل الصبح إذا تصرّف الحيوان في شؤونه، فخرج من بيته اليربوع، وبرز عن الملك من أجل الربوع. وقد يولع الهجرس بأن يجرس في البلد الجرد قدّام أسد ورد، وإني خبّرت أنّ تلك الرسالة الأولى عرضت بالموطن الكريم، فأوجب ذلك رحيل أختها، متعرّضة لمثل بختها، وكيف لا تنقع، وفي اليم تقع؟ وهي بمقصد سيدنا فاخرة، ولو نهيت الأولى لا نتهت الآخرة.

- ومن رسائل أبي الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف ببديع الزمان المسماة بالمقامات:

حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت وأنا في عنفوان سنّي، أشدّ رحلي لكلّ عماية، وأركض طرفي إلى كلّ غاية، حتى شربت العمر سائغه، ولبست للدهر سابغه. فلما صاح النهار بجانب ليلي، وجمعت للمعاد ذيلي، وطئت ظهر المروضة، لأداء المفروضة، وصحبني في الطريق رفيق ما أنكره من سوء.

فلما تجالينا، خبرنا بحالينا، أسفرت القصة عن أصل كوفيّ، ومذهب صوفيّ.

وسرنا فلما حللنا المدينة ملنا إلى دارة ودخلناها، وقد بقل وجه النهار واخضرّ جانبه، فلما اغتمض جفن الليل وطرّ شاربه، قرع علينا الباب، فقلنا من [القارع] المنتاب؟ فقال: وفد الليل وبريده، وفلّ الجوع وطريده، وحرّ قاده الضّرّ والزمن المرّ، وضيف وطؤه خفيف، وضالّته رغيف، وجار يستعدي على الجوع، والجيب المرقوع، وغريب أوقدت النار في أثره، وأنبح العوّاء على سفره، ونبذت خلفه الحصاة، وكنست بعده العرصات، نضوه طليح،

وعيشه تبريح، ومن دون فرخيه مهامه فيح.

قال عيسى بن هشام: فقبضت من كيسي قبضة الليث، وبعثت بها إليه، وقلت: زدنا سؤالا، نزدك نوالا. فقال: ما عرض عرف العود على أحرّ من نار الجود، ولا لقي وفد البرّ بأحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفضل فليواس، فلن يذهب العرف بين الله والناس. وأما أنت فحقّق الله آمالك، وجعل اليد العليا لك. قال عيسى بن هشام: ففتحنا له الباب [وقلنا له ادخل] فدخل، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري. فقلت: يا أبا الفتح شدّ ما بلغت بك الخصاصة، [وهذا الزي خاصة]. فتبسم ثم أنشأ يقول:

لا يغرّنّك الذيأنا فيه من الطّلب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «لا يغرنك الذي أنا فيه من الطلب»
أنا في ثروة يشققّلها برده الطّرب
أنا لو شئت لاتخذتشنوفا من الذهب

- ومما أنشأه عبد الله أبو القاسم ابن محمد الخوارزمي وسماه الرّحل:

وصية لكل لبيب، متيقظ أريب، عالم أديب، يكره مواقف السقطات، ويتحفّظ من مصادف الغلطات، ويتلطف من مخزيات الفرطات، أن يدّعي

دون مقامه، ويقتصر من تمامه، ويغضّ من سهامه، ويظهر بعض شكيمته، ويساوم بأيسر قيمته، ويستر كثيرا من بضاعته، ويكتم دقيق صناعته، ولا يبلغ غاية استطاعته، وأن يعاشر الناس بأصدق المناصحة، وجميل المسامحة، وأن لا يحمله الإعجاب بما يحسنه، على الازدراء بمن يستقرنه، والافتراء على من يعترضه ويلسنه، ليكون خبره أكثر من خبره، ونظرته أروع من منظره، ويكون أقرب من الإعذار، وأبعد من الخجلة والانكسار:

فليس الفتى من قال إني أنا الفتىولكنّه من قيل أنت كذلكا
ومن مدع ملكا بغير شهادةله خجلة إن قيل أن لست مالكا

ولقد نصرت بالاتّضاع، على ذي نباهة وارتفاع، وذلك أني أصعدت في بعض الأيام، مع جماعة من العوام، بين ناجر وزائر وثاجر وتامر إلى الغريّ والحائر، حتى انتهينا إلى قرية شارعة، آهلة زارعة، وما منا إلّا من أملته السّميريّة فأغرضته، وأسقمته فأمرضته، وفتّرته فقبضته، فكثر منا الجؤار، واستولى علينا الدّوار، فخرجنا منها خروج المسجون، وقد تقوّسنا تقويس العرجون، فاسترحنا بالصعود، من طول القعود:

كأننا الطير من الأقفاصناجية من أحبل القنّاص
طيّبة الأنفس بالخلاصمنفّضات الريش والعناصي

فما استتمّت الراحة، ولا استقرت بنا الساحة، حتى وقف علينا واقف وهتف بنا هاتف: أيّكم ابن الخوارزمي؟ فقالوا له: ذلك الغلام المنفرد،

والشابّ المستند، فأقبل إليّ وسلّم عليّ وقال: إنّ الناظر يستزيرك، فليعجّل إليه مصيرك. فقمت معه، يتقدّمني وأتبعه، حتى انتهى إلى جلّة من الرجال، ذوي بهاء وجلال، وزينة وكمال، من أشراف الأمصار، وأعيان ذوي الأخطار، من أهل واسط وبغداد، والبصرة والسواد:

ترى كلّ مرهوب العمامة لاثهاعلى وجه بدر تحته قلب ضيغم

فقام إليّ ذو المعرفة لإكرامه، وساعده الباقون على قيامه، وأطال في سؤاله وسلامه، وجذبوني إلى صدر المجلس فأبيت، ولزمت ذناباه واحتبيت، وأخذوا يستخبرونني عن الحال، والمعيشة والمال، وداعية الارتحال، وعن النية والمقصد، والأهل والولد، والجيران والبلد:

وما منهم إلّا حفيّ مسائلوواصف أشواق ومثن بصالح
ومستشفع في أن أقيم ليالياأروح وأغدو عنده غير بارح

ثم قال قائلهم: هل لقيت عين الزمان وقلبه، ومالك الفضل وربّه، وقليب الأدب وغربه، وإمام العراق، وشمس الآفاق؟ فقلت: ومن صاحب هذه الصفة المهولة، والكناية المجهولة؟ فقالوا: أو ما سمعت بكامل هيت، ذي الصوت والصيت؟:

ذاك الذي لو عاش قس إلىزمانه ذا وابن صوحان
وابن دريد وأبو حاتموسيبويه وابن سعدان
وعامر الشعبيّ وابن العلاوابن كريز وابن صفوان
قالوا فخارا كلّهم إنهسيدنا إذ قال غلماني

فقلت لهم: قلدتم المنّة، وهيّجتم الحنّة، إلى لقاء هذا العالم المذكور، والسيّد المشهور، وقد كانت الرياح تأتيني بنفحات هذا الطيب، وهدر هذا الخطيب،

فالآن لا أثر بعد عين، سأصبح لأجله عن سرى القين، اغتناما للفائدة، والنعمة الباردة، ووجدانا للضالّة الشاردة:

أين أمضي وما الذي أنا أبغيبعد إدراكي المنى والطّلابا
فإذا ما وجدت عندكم العلمقريبا فما أريد الثوابا
اذهبوا أنتم فزوروا عليالأزور الهيتيّ والآدابا
لن أبالي إن قيل إنّ الخوارزميّ أخطا في فعله أو أصابا

فقالت الجماعة: بل أصبت، ووجدت ما طلبت، وقديما كنا ننشر أعلاقك، ونتمنى اتّفاقك، ونتداول أوصافك، ونحبّ مضافك، ونكثر لديه ذكرك، ونعظّم لديه قدرك، فيتحرّك منه ساكنه، ويتقلقل بك أماكنه، ونسأل الله سبحانه أن يجمع بينك وبينه بمحضرنا، وتلامح عينك عينه بمنظرنا، فيلتفّ غبارك بغباره، ويمتزج تيّارك بتيّاره، ويختلط مضمارك بمضماره، فنعرف منكما السابق والسّكيت، والسّوذانق والكعيت، ويتبين من الذي يحوي القصب، ومن يشتكي العصب، فانكما قال الشاعر:

هما رمحان خطّيان كانامن السّمر المثقفة الصعاد
تهال الأرض أن يطآ عليهابمثلهما نسالم أو نعادي

فقلت: لقد تنكبتم الانصاف، وأخطأتم الاعتراف، وأبعدتم القياس، وأوقعتم الالتباس، أين ابن ثلاثين إلى ابن ثمانين، وأبن ابن اللّبون من البازل الأمون؟

والمهر الرازح، من الجواد القارح، والكودن المبروض، من المجرّب المروض؟

وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

كيف لربيب بطائح وسباخ، وساكن صرائف وأكواخ، بين سواديّة أنباط، وعلوج أشراط، ورعاع أخلاط، وسفل سقّاط، في بلدة إن جاوزت سورها، وعبرت جسورها، صحت واغربتا! وإن رأيت وجها غريبا ناديت وا أبتاه، لا أعرف غير النبطية كلاما، ولا ألقى سوى والدي إماما، في معشر ما عرفوا الترحال، ولا ركبوا السروج والرّحال، ولا فارقوا الجدار والظلال والأطلال:

أولئك معشر كبنات نعشخوالف لا تغور مع النجوم

بمصاولة رجل جوّال، رحّال حلّال، بهيت وضع، وبالكوفة أرضع، وببغداد أثغر، وبواسط أجفر، وبالحجاز وتهامة فطامه، وبمصر والمغرب كان احتلامه، وبنجد والشآم بقل عارضه، واشتدت عوارضه، وباليمن وعمان قويت نواهضه، وبخراسان بلغ أشدّه، وببخارى وسمرقند تناهى جدّه، وبغزنة والهند شاب واكتهل، ومن سيحون وجيحون علّ ونهل، وبميسان والبصرة عوّد وقرح، وبالجبال جله وجلح، فهو يعدّ المازني إمامه، وابن جنّي غلامه، والمتنبي من رواته، والمعريّ حامل دواته، والصابي باري قلمه، والصاحب رافع علمه، وبني مقلة ناقلي غاشيته، وبني أبي حفصة بعض حاشيته، وقد قرأ الكتب وتلاها، وحفظ العلوم ورواها، ودرس الآداب ووعاها، ودوّن الدواوين وألّفها، وأنشأ الحكم وصنّفها، وفصّل المشكلات وشرحها، وارتجل الخطب ونقّحها، فهو البحر المورود، والإمام المقصود، والعلم المصمود، هذا بون بعيد، ومرتقى شديد:

أتلقون بالأعزل الرامحاوبالأكشف الحاسر الدارعا
وبالكودن السابق السّابحاوبالمنجل الصارم القاطعا

فما استتم كلامنا حتى مثل، فإذا نحن به قد طلع مهرولا، وأقبل مستعجلا، فرأيت رجلا أجلح، أهتم أقلح أفطح أروح، طويلا عنطنط، يحكي ذئبا أمعط، أخمع أخبط، فتلقّوه معظمين، وله مفخمين، فقصد في المجلس صدره، وأسند إلى المخدّة ظهره. فما استقر به المكان، حتى قيل له: هذا فلان، فقبض من أنفه، ونظر إليّ بشطر من طرفه، وقال ببعض فيه، هلمّوا ما كنتم فيه، تعسا للشوهاء وجالبيها، والقرعاء وقالبيها:

جاء دريد مجرّرا رسنهفحل فلا تمنعنّه سننه
أحبه قومه على شوهإنّ القرنبى لأمّها حسنه

فقال: كان لنا شيخ بالأنبار، كثير الأخبار، قد بلغ من العمر أملاه، ومن السنّ أعلاه، قرأت عليه جميع الكتاب، وعلم الأنساب، وأدب الكتّاب، وشعر الأعراب، ومعاني الزجّاج، ومسائل ابن السرّاج، وديوان العجّاج، وكتاب الإصلاح، وشروح الايضاح، وشعر الطرماح، والعين للفرهودي، والجمهرة للأزدي، وأكثر من المصنفات المجهولات والمعروفات. ينفخ في شقاشقه، ويزيد في بقابقه، ويتعاظم في مخارقه. وجعل القوم يقسمون بيننا الألحاظ، ويحسنون الألفاظ، وما منهم إلّا من اغتاظ، لسكوتي وكلامه، وتأخّري وإقدامه، ثم هذى الشيخ إذ وصف له رجل على الغيب ثم رآه، فاحتقره وازدراه، وأنشد متمثلا:

لعمر أبيك تسمع بالمعيديبعيد الدار خير أن تراه

وقال: هذا المعيديّ هو ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن

مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّة بن أدّ بن طابخة بن الياس ابن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، والمعيديّ تصغير معدّيّ وهو الذي قالت فيه نادبته:

أنعى الكريم النهشليّ المصطفىأكرم من خندف أو تخندفا

فقلت: ما بعد هذا المقال، وجه للاحتمال، وما يجب لي بعد هذه المواقحة، غير المكافحة، ولم يبق بعد المكاذبة من مراقبة:

ما علّتي وأنا جلد نابلوالقوس فيه وتر عنابل

ترنّ من تحريكها المعابل

ما علّتي وأنا [جلد] جلدوالقوس فيه وتر عردّ

مثل ذراع البكر أو أشدّ

فعطفت عليه عطفة الثائر العاسف، والتفتّ إليه التفاتة الطائر الخائف، فقلت له: يا أخا هيت، قد قلت ماشيت، فأجب الآن إذ دعيت، والزم مكانك، وغضّ عنانك، وقصّر لسانك: إن نادبة ضمرة خندفته، لما وصفته، وما سمعت في نسبتك إياه لخندف ذكرا، فأبن عن ذلك عذرا، فقال: إنّ خندف هي امرأة إلياس بن مضر غلبت على بنيها فنسبوا إليها كطهيّة ومزينة، وبلعدوية وعرينة، والسلكة وجهينة، وندبة وأذينة، وكشبيب بن البرصاء وبلعرجاء، فقلت:

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.