تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

تفسير هذه الألفاظ ومعانيها

أما قوله رضاع سخيلة: فالمعنى أن القمر يبقى بقدر ما نزل قوم فتضع شاتهم ثم ترضعها ويرتحلون.

وقوله حلّ أهلها برميلة يحتمل الإخبار عن قلة اللباث وسرعة الانتقال، لأنّ الرمل ليس بمنزل مقام للقوم، لأنهم كانوا يختارون في منازلهم جلد الأرض وهضبها والأماكن التي لا تستولي عليها السيول؛ فخصّ الرميلة لهذا المعنى.

وقوله حديث أمتين بكذب ومين: يريد أنّ بقاءه قليل بقدر ما تلقى الأمة الأمة فتكذب لها حديثا ثم يفترقان.

وقوله حديث فتيات غير مؤتلفات: أراد أنه يريد أنه يبقى بقاء فتيات اجتمعن على غير موعد فيتحدّثن ساعة وينصرفن غير مؤتلفات.

وقوله عتمة أم ربع: يقال: عتمت إبله إذا تأخرت عن العشاء، ومن هذا سمّيت العتمة لأنه أخّر الوقت في العشاء.

وقوله أم ربع يعني الناقة، وهو تأخير حلبها. يريد أنّ بقاءه بمقدار حلب ناقة لها ولد ولدته في أول الربيع، وهو أول النّتاج، والولد في هذا الوقت يسمّى ربعا إذا كان بكرا، فإن كان أنثى قيل: ربعة، فإن كان في آخر النتاج قيل:

هبع للذكر والأنثى هبعة.

وقوله عشاء خلفات قعس: فالخلفات اللواتي قد استبان حملهنّ، واحدتها خلفة. وهي واحدة المخاض من لفظها، وإنما قال عشاء خلفات لأنها لا تعشّى إلى أن يغيب القمر في هذه الليلة؛ والقعساء الداخلة الظهر الخارجة البطن.

وقوله سر وبت: يريد أنه يبقى بقدر ما يبيت الإنسان ثم يسير، فقلب المعنى لأنه يسير في الضوء.

وقوله قمر إضحيان بالتنوين فيهما: أي ضاح بارز. ويقال قمر إضحيان بالإضافة، ومنه قيل: ليلة إضحيانة إذا كانت نقية البياض.

وقوله منقطع الشّسع: أي أنه يبقى بقدر ما يبقى شسع من قدّ يمشى به حتى ينقطع.

وقوله يلتقط فيه الجزع: أي أنه مضيء أبلج لو انقطعت مخنقة فتاة فيها شذور مفصّلة بجزع ما ضاع منها شيء لصفائه وبقائه.

وقوله أضيء بالبهرة: يعني به وسط الليل لأنّ بهرة الشيء وسطه.

وقوله أمكنت المقتفر القفرة: فالمقتفر الذي يتتبّع الآثار، وقفرته موضعه الذي يقصده.

وقد جزّأت العرب الليل عشرة أجزاء، فجعلوا لكل ثلاث صفة، فقالوا: ثلاث غرر، وبعضهم يقول: غرّ، وثلاث شهب، وثلاث بهر وبهر، وثلاث عشر، وثلاث بيض، وثلاث درع ودرع، ومعنى الدّرع سواد مقدّم الشاة وبياض مؤخّرها، وإنما قيل لها درع لأنّ القمر يغيب في أولها فيكون الليل أدرع، لأنّ أوّله أسود وما بعده مضيء، وثلاث خنس، وإنما قيل لها خنس لأنّ القمر يخنس فيها أي يتأخر، وثلاث دهم لأنها تظلم حتى تدهامّ. وقال بعضهم: ثلاث حنادس، وثلاث قحم، لأنّ القمر ينقحم فيها أي يطلع في آخر الليل، وثلاث دآديّ، وهي أواخر الشهر، وإنما أخذ من الدأدأة؛ وهو ضرب من السير تسرع فيه الإبل نقل أرجلها من موضع أيديها، فالدأدأة آخر نقل القوائم، وكذلك هي أواخر أيام الشهر.

وفي حديث النبي ﷺ: «الوليمة في أربع: في عرس أو خرس أو إعذار أو توكير». فالعرس طعام المبتني، والخرس طعام الولادة مأخوذ من الخرسة؛ وهو طعام النّفساء، والإعذار طعام الختان، والوكيرة طعام البناء، كان الرجل إذا فرغ من بنائه أطعم أصحابه، يتبرّك بذلك. يقال: غلام معذور. وقال بعض أصحاب النبي ﷺ: كنّا من أعذار عام واحد، يريد تقارب أسنانهم.

- كانت العرب أشدّ الأمم عناية بمعرفة النجوم وأنوائها، وهم

أحوج إليها لأنهم أهل عمد وطنب، وحلّ وترحال، فلهم في كلّ نوء حال يصرّفون أمرهم عليها.

وقد قيل لأعرابيّ: ما أعلمك بالنجوم؟ قال: من الذي لا يعلم أجذاع بيته؟

وقيل لأعرابيّة: تعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما نعرف أشياخنا وقوفا علينا كل ليلة؟

- ولهم فيها أسجاع محفوظة متداولة.

قالوا: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.

إذا طلع الدّبران توقّدت الحزّان، واستعرت الدبان، ويبست الغدران.

إذا طلعت الجوزاء توقّدت المعزاء وأوفى على عوده الحرباء، وكنست الظباء، وعوق العلباء، وطاب الخباء.

إذا طلع الدراع حسرت الشمس القناع، وأشعلت في الأفق الشعاع، وترقرق السراب بكل قاع.

إذا طلعت الشعرى، نشّفت الثرى، وأجن الصرى، وجعل صاحب النحل يرى.

إذا طلعت الجبهة، كانت الولهة، وتغارت السفهة.

إذا طلع سهيل، طاب الليل، وحدى النيل، وامتنع القيل، وللفصيل الويل، ورفع كيل، ووضع كيل.

إذا طلعت الصرفة، اختال كل ذي حرفة، وجفر كل ذي نطفة.

إذا طلعت العوّاء، ضرب الخباء، وطاب الهواء، وكره العراء، وسنن السقاء.

إذا طلعت السماك ذهبت العكاك، وقل على الماء اللكاك.

إذا طلعت الزبانى أحدثت لكل ذي عيال شانا، ولكل ذي ماشية هوانا، وقالوا كان وكانا، فاجمع لأهلك ولا توان.

إذا طلع الإكليل هبّت الفحول، وشمّرت الذيول، وخيفت السيول.

إذا طلع القلب، جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرب.

إذا طلع الهرّاران، هزلت السّمان، واشتد الزمان، وجوّع الولدان.

والهرّاران قلب العقرب والنسر الواقع يطلعان معا.

إذا طلعت الشولة، أخذت الشيخ البولة، واشتدّت على العيال العولة، وقيل شتوة زولة، أي عجيبة.

إذا طلع سعد السعود ذاب كل جمود، واخضرّ كلّ عود، وانتشر كل مصرود.

إذا طلع الحوت، خرج الناس من البيوت.

- وهذا موضع آرائهم وأقوالهم في الأنواء. قال أبو جعفر محمد بن حبيب: العهاد الوسميّ من المطر، والوليّ ما كان من مطر بعد الوسميّ حتى تنقضي السنة، فذلك كلّه وليّ. والوسميّ أوّل مطر يقع في الأرض، وله سبعة أنجم: الفرع والموخر والحوت والشرطين والبطين والثريا- وهو النجم- والدّبران والهقعة. والوسمي يسمّى العهاد، ثم يكون الوسميّ الدفيء وهو مطر الشتاء وهو الربيع، وأنجمه الهقعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزّبرة وهي الخراتان والصّرفة آخر مطر الشتاء.

ويقال: إذا سقطت الجبهة نظرت الأرض بإحدى عينيها، فإذا سقطت الصرفة نظرت الأرض بعينيها كلتيهما لاستقبال الصيف وتقضّي الشتاء واستحلاس الأرض وتناول المال. ثم أنجم الصيف: العواء وهو السماك، والغفر والزبانيان والإكليل والقلب والشولة، فهذه كواكب الصيف، فإذا

استهلّت هذه الأنجم بعد ما قد قضى وثق الناس بالحيا. ثم بعد الصيف مطر الحميم وهو أربعة أنجم، وهو مطر الفيض، أوّلهن العنائم ثم البلدة ثم سعد الذابح ثم سعد بلع، فهذه أنجم الحميم، وإنما سمي الحميم لأنه مطر في أيام حارة، وقد هاجت الأرض فتنشر عليه الأرض، فإذا أكلته الماشية لم تكد تسلم فأصابها الهرار والسهام؛ والهرار هو سلال الماشية وذلك أن تشرب الماء فلا تروى فتسلح حتى تموت، والسهام تبرأ منه والهرار لا تكاد تبرأ منه، ثم أنجم الخريف ثلاثة:

فأولهن سعد السعود وسعد الأخبية وفرغ الدلو المقدّم.

- والبوارح أربعة: فأولهن النجم، وهي الثريا، ثم الدّبران والجوزاء والشعرى، فهذا لبّ القيظ وغرّته وشدة حرّه.

- وقولهم أيام العجوز: زعموا أنّ عجوزا دهريّة كانت من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا بقولها، وجرّوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع، فإذا هم ببرد شديد أهلك الزرع والضّرع، فقالوا: أيام العجوز. وقيل هي عجوز كان لها سبعة بنين، فسألتهم أن يزوّجوها وألحّت، فقالوا لها ابرزي للهواء سبع ليال حتى نزوّجك ففعلت، والزمان شتاء كلب، فماتت في السابعة، فنسبت الأيام إليها. وقيل هي الأيام السبعة التي أهلك فيها عاد. وقيل الصواب أيام العجز وهي أواخر أيام الشتاء.

- أسماء الأيام عند العرب:

الأحد أول، الإثنين أهون، الثلاثاء جبار، الأربعاء دبار، الخميس مؤنس، الجمعة عروبة، السبت شيار. وأنشدوا في ذلك شعرا كأنه مصنوع لأنه مختل

الإعراب وهو:

أؤمّل أن أعيش وأنّ يوميبأوّل أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفتهفمؤنس أو عروبة أو شيار

أنشد ذلك أبو عمر الزاهد.

- يقال: إنّ بدء تفرّق ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ عن تهامة، ونزوحهم عنها إلى الآفاق، وخروج من خرج منهم عن نسبه، أنّ خزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة بن معدّ كان مشؤوما فاسدا متعرّضا للنّساء، فعلق فاطمة بنت يذكر بن عنزة، واسم يذكر عامر، فشبّب بها، وقال فيها:

إذا الجوزاء أردفت الثرياظننت بآل فاطمة الظّنونا
للشاعر خُزَيمَة القُضاعي، اقرأ القصيدة
وحالت دون ذلك من هموميهموم تخرج الشّجن الدّفينا
للشاعر خُزَيمَة القُضاعي، اقرأ القصيدة
أرى ابنة يذكر ظعنت وحلتجنوب الحزن يا شحطا مبينا

فمكث كذلك زمانا، ثم إن خزيمة بن نهد قال ليذكر بن عنزة: أحبّ أن تخرج معي حتى نأتي بقرظ، فخرجا جميعا، فلما خلا خزيمة بيذكر قتله، فلما رجع وليس هو معه سأله أهله عنه فقال: لست أدري، فارقني وما أدري أين سلك. فتكلّموا فيه فأكثروا، ولم يصحّ على خزيمة بن نهد عندهم شيء يطالبونه به حتى قال خزيمة بن نهد:

فتاة كأنّ رضاب العبيربفيها يعلّ به الزّنجبيل
للشاعر خُزَيمَة القُضاعي، اقرأ القصيدة
قتلت أباها على حبّهافتبخل إن بخلت أو تنيل
للشاعر خُزَيمَة القُضاعي، اقرأ القصيدة

فلما قال هذين البيتين تساور الحيّان فاقتتلوا وصاروا أحزابا، فكانت نزار بن معد وكندة، وهي يومئذ تنتسب فتقول كندة بن جنادة بن معد، وحاء وهم يومئذ ينتمون ويقولون: حاء بن عمرو بن ودّ بن أدد ابن أخي عدنان بن أدد، والأشعرون ينتمون إلى الأشعر بن أدد، فكانوا يتبدّون من تهامة إلى الشام، فكانت منازلهم بالصفاح من الصفاح، وكان مرّ وعسفان لربيعة بن نزار، وكانت قضاعة بين مكة والطائف، وكانت كندة تسكن من العمر إلى ذات عرق، فهو إلى اليوم يسمّى عمر كندة، وكانت منازل حاء بن عمرو بن أدد والأشعر بن أدد وعك بن عدنان بن أدد فيما بين جدة إلى البحر.

قال فيذكر بن عنزة أحد القارظين اللذين قال فيهما الهذلي:

وحتى يؤوب القارظان كلاهماويرجع في القتلى كليب لوائل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

والآخر من عنزة أيضا يقال له: أبو رهم، خرج يبغي القرظ فلم يرجع ولم يعرف له خبر. هذا قول من يجعل قضاعة من معدّ، وجعل هذه القبائل أيضا من ولد إسماعيل ﵇. والأشهر من قول النسّابين أنها من قحطان، وقضاعة يقولون ابن مالك بن حمير، والله أعلم.

- قالوا: وكان سبب اصطلام طسم وجديس أنّ الملك كان في طسم، وطسم بن لوذ بن إرم بن سام بن نوح، وجديس بن جاثر بن إرم بن سام ابن نوح. فانتهى ملكهم إلى عمليق، فبغى وتمادى في الغشم والظّلم حتى أمر أن لا تزوّج بكر من جديس ولا تهدى إلى زوجها حتى يفترعها هو قبله. فلقوا من ذلك ذلّا وجهدا. فلم يزل يفعل ذلك حتى زوّجت الشّموس، وهي عفيرة

بنت عباد الجديسية، أخت الأسود الذي وقع إلى جبل طيّ فقتلته طيّ، وسكنت من بعده الجبل. فلما أرادوا نقلها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله، ومعها القيان يغنّين، ويقلن:

ابدي بعمليق وقومي فاركبيوبادري الصبح لأمر معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبيوما لبكر عنده من مهرب

فلما دخلت عليه افترعها وخلّى سبيلها، فخرجت إلى قومها في دمائها، شاقّة درعها من قبل ومن دبر، والدّم يتبيّن وهي في أقبح منظر، وهي تقول:

لا أحد أذلّ من جديسأهكذا يفعل بالعروس
للشاعر عفيرة بنت عفان الجديسية، اقرأ القصيدة
يرضى بهذا يا لقومي حرّأهدى وقد أعطى وسيق المهر
للشاعر عفيرة بنت عفان الجديسية، اقرأ القصيدة
لأخذة الموت كذا لنفسهخير من ان يفعل ذا بعرسه
للشاعر عفيرة بنت عفان الجديسية، اقرأ القصيدة

وقالت تحرّض قومها فيما أتي إليها:

أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكموأنتم أناس فيكم عدد النّمل
وتصبح تمشي في الدماء عفيرةعفيرة زفّت في الدّماء إلى بعل
فلو أننا كنا رجالا وكنتمنساء حجال لم نقرّ بذا الفعل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوّكمودبّوا لنار الحرب بالحطب الجزل
للشاعر عفيرة بنت عفان الجديسية، اقرأ القصيدة
وإلا فخلّوا بطنها وتحمّلواإلى بلد قفر وموتوا من الهزل
للشاعر عفيرة بنت عفان الجديسية، اقرأ القصيدة
فللبين خير من مقام على أذىوللموت خير من مقام على الذلّ
للشاعر هزيلة الجديسية، اقرأ القصيدة
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذهفكونوا نساء لا تعاب من الكحل
للشاعر هزيلة الجديسية، اقرأ القصيدة
ودونكم طيب العروس فإنماخلقتم لأثواب العروس وللغسل
للشاعر هزيلة الجديسية، اقرأ القصيدة
فبعدا وسحقا للذي ليس دافعاويختال يمشي بيننا مشية الفحل
للشاعر هزيلة الجديسية، اقرأ القصيدة

قال: فلما سمع أخوها الأسود ذلك، وكان سيّدا مطاعا، قال لقومه: يا معشر جديس، إنّ هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلا بما كان من ملك صاحبهم علينا وعليهم، ولولا عجزنا وإدهاننا ما كان له فضل علينا، ولو امتنعنا لكان لنا منه النّصف، فأطيعوني فيما آمركم به، فإنه عزّ الدهر، وذهاب ذلّ العمر فاقبلوا رأيي.

قال: وقد أحمى جديسا ما سمعوا من قولها، فقالوا: نحن نطيعك ولكنّ القوم أكثر وأقوى، قال: فإني أصنع للملك طعاما ثم أدعوهم إليه جميعا، فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفنا وهم غارّون فأهمدناهم، قالوا: نفعل. فصنع طعاما كثيرا، وخرج بهم إلى ظهر بلدهم، وكان منزلهم أرض اليمامة، ودعا عمليقا وسأله أن يتغدّى عنده هو وأهل بيته، فأجابه إلى ذلك، وخرج إليه مع أهله يرفلون في الحلى والحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم إلى الطعام، أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم، فشدّ الأسود على عمليق وكل رجل على جليسه حتى أناموهم، فلما فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة فلم يدعوا منهم أحدا، ثم إنّ بقيّة طسم لجأوا إلى حسّان بن تبّع، فغزا جديسا فقتلها وخرّب بلادها. فهرب الأسود قاتل عمليق فأقام بجبل طيّ قبل نزول طيّ إياها، وكانت طيّ تسكن الحرف من أرض اليمن، وهي اليوم محلة مراد وهمدان، وكان سيّدهم يومئذ أسامة بن لؤي بن الغوث بن طيّ، وكان الوادي مسبعة، وهم قليل عددهم، وقد كان ينتابهم بعير في زمان الخريف لا يدرى أين يذهب ولا يرونه إلى قابل. وكانت الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم. فاستوحشت طيّ لذلك وقالت: قد ظعن إخواننا فصاروا إلى الأرياف. فلما هموا بالظعن قالوا لأسامة بن لؤي: إنّ هذا البعير الذي يأتينا من بلد ريف وخصب، وإنّا لنرى في بعره النوى، فلو أنّا نتعهّده عند انصرافه فشخصنا معه لعلّنا نصيب مكانا خيرا من مكاننا هذا. فأجمعوا أمرهم على هذا. فلما كان الخريف جاء البعير يضرب

في إبلهم. فلما انصرف احتملوا، فجعلوا يسيرون ويبيتون حيث يبيت حتى هبط على الجبلين، فقال أسامة بن لؤي:

اجعل ظريبا لحبيب ينسىلكلّ قوم مصبح وممسى

قال: وظريب اسم الموضع الذي كانوا ينزلونه. فهجمت طيّ على النخل في الشعاب وعلى مواشي كثيرة، وإذا هم برجل في شعب من تلك الشعاب، وهو الأسود الجديسي، فهالهم ما رأوا من عظم خلقه وتخوّفوه، ونزلوا ناحية من الأرض واستبروها هل يرون أحدا غيره، فلم يروا أحدا. فقال أسامة بن لؤي لابن له يقال له الغوث: يا بني إنّ قومك قد عرفوا فضلك عليهم في الجلد والبأس والرمي، وإن كفيتنا هذا الرجل سدت قومك إلى آخر الدهر، وكنت الذي أنزلتنا هذا البلد. فانطلق الغوث حتى أتى الرجل فكلّمه وساءله، فعجب الأسود من صغر خلق الغوث، فقال له: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن، وأخبره خبر البعير ومجيئهم معه، وأنهم رهبوا ما رأوا من عظم خلقه وصغرهم عنه. قال وشغله بالكلام، فرماه الغوث بسهم فقتله، وأقامت طيّ بالجبلين بعده، فهم هناك إلى اليوم.

قال يعقوب بن إسحاق السّكّيت: ضبيعات العرب ثلاثة:

ضبيعة بن ربيعة، وضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وأمّه مارية بنت الجعيد العبدية، وضبيعة بن عجل بن لخم، وأمّه المفداة بنت سوادة بن بلال بن سعد بن بهشة.

وكان العزّ والشرف في ربيعة بن نزار وفي ضبيعة أضجم وهو ضبيعة بن ربيعة، وأمّه أمّ الأصبغ بنت الحاف بن قضاعة. وكان يلي ذلك منهم الحارث بن عبد الله ابن ربيعة بن دوفر بن حرب، وكان يقال للحارث أضجم، أصابته لقوة فضجم فمه، وهو أوّل بيت كان في ربيعة، وأوّل حرب كانت في ربيعة فيه. ثم انتقل ذلك فصار يليه منهم القدار بن عمرو بن ضبيعة بن الحارث بن الدّول بن صباح ابن العتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار.

ثم صار في عبد القيس فكان يلي ذلك منهم الأفكل وهو عمرو بن الجعيد بن صبرة بن الديل بن شن بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن حديلة بن أسد بن ربيعة. وعمرو بن الجعيد الذي ساقهم إلى البحرين من تهامة من ولده الثنى بن مخرمة صاحب علي ﵇، وعبد الرحمن بن أذينة ولي قضاء البصرة، وعبد الله بن أذينة كان عاملا.

ثم صار في النمر بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي، فكان يلي ذلك منهم عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وربع عامر الضحيان ربيعة أربعين سنة، وأمه ليلى بنت عامر بن الظّرب العدواني، وإنما سمّي الضحيان لأنه كان يجلس لهم في الضحى.

ثم انتقل الأمر إلى بني يشكر بن بكر بن وائل، فكان يلي ذلك منهم الحارث ابن غبر بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. والحارث هو صاحب الفرخ الذي كان يضعه على الطريق الذي وطئه عمرو بن شيبان الأعمى بن ذهل بن ربيعة بن تغلب، فوثب الحارث على عمرو ووثب بنو عمرو فمنعوه، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل الحارث بن غبر.

ثم انتقل الأمر إلى بني تغلب بن وائل، فصار يليه ربيعة بن مرّة بن الحارث ابن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، ثم وليه من بعده كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر، وكان من أمره في البسوس ما كان، فاختلف الأمر وذهبت الرئاسة.

ثم ضربت القبة على عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، فكان آخر بيوت ربيعة، فولد عبد الله بن عمرو خالدا وهو ذو الجدّين، فلم يزل البيت فيهم إلى الآن.

فأما مضر فلم يجمعها رئيس واحد، وكان في كل قبيلة منها بيت، فبيت تيم في زرارة بن عدي، وبيت قيس عيلان في آل بدر الفزاريين، ولم يكن لذلك البيت التقدّم في القبيلة، إنما كان الشرف فيهم والحسب.

خبر نزار بن معد بن عدنان فيما عينه لبنيه:

روي عن عبد الله بن عباس أنّ نزار بن معد بن عدنان لما حضره الموت أوصى بنيه وهم أربعة: ربيعة ومضر وإياد وأنمار، وقسم ماله بينهم فقال: يا بنيّ هذا الفرس الأدهم والخباء الأسود والقدر وما أشبهها من مالي لربيعة، فسمّي ربيعة الفرس؛ وهذه القبة الحمراء وما أشبهها من مالي لمضر، فسموا بذلك مضر الحمراء، وهذه الخادمة وما أشبهها من مالي لإياد، وكانت شمطاء فأخذ البلق من غنمه؛ والنّدوة وهي المجلس لأنمار.

وروي عن غير ابن عباس ﵀ أنه قال لبنيه: إن أصبتم فقد أوجبت حنونة نسبا، فذهبت مثلا، فإذا لم تسمع فالمع، وإن اختلفتم فتحاكموا إلى أفعى نجران، وهو جرهميّ. فلما اختلفوا توجهوا إليه فبينا هم في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال: إنّ البعير الذي قد رعى هذا الكلأ أعور؛ فقال ربيعة:

وهو أزور؛ وقال إياد: وهو أبتر؛ فقال أنمار: وهو شرود. فلم يسيروا إلا قليلا، فلقيهم رجل فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور، قال: نعم، فقال ربيعة: وهو أزور، قال: نعم، وقال إياد: وهو أبتر، قال: نعم، وقال أنمار:

هو شرود، قال: نعم، هذه صفة بعيري دلّوني عليه. فحلفوا أنهم لم يروه، فلم يصدّقهم، وسار معهم إلى الأفعى، وقال: هؤلاء أصحاب بعيري وصفوه لي وقالوا لم نره. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه؛ وقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعلمت أنه أعور؛ وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيّالا لمصع ببعره، وقال أنمار: عرفت أنه شرود لأنه كان يرعى في المكان الملتفّ نبته ثم يجوز إلى مكان آخر أرقّ منه وأخبث. فقال الجرهمي للرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه. ثم سألهم من هم، فأخبروه.

فرحّب بهم وقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى؟ ثم دعا بطعام وشراب فأكلوا وشربوا. فقام عنهم الشيخ ووقف بحيث يسمع كلامهم فقال ربيعة: لم أر كاليوم

لحما أطيب لولا أنه غذّي بلبن كلبة، وقال مضر: لم أر يوما كاليوم خمرا أجود لولا أنها على قبر، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه ليس لمن ينسب إليه، وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا.

وسمع الشيخ كلامهم فقال: ما هؤلاء؟ إنهم لشياطين. فسأل أمّه فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك منهم، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها؛ وقال للقهرمان الخمر التي شربناها ما أمرها؟

قالت: من حبلة غرستها على قبر أبيك؛ وقال للراعي: اللحم الذي أطعمتنا ما أمره؟ قال: شاة أرضعناها من لبن كلبة، فقال: قصّوا أمركم، فقصّوه فقضى بينهم. فاقتسموا مال أبيهم على ما وصفناه.

وجاء من أخبار العرب أنّ نزار بن معد كان اسمه خالدا فقدم على يشتاسف ملك الفرس، وكان رجلا نحيفا، فقال له: أي نزار فسمّي نزارا، ورووا لقمعة بن الياس بن مضر بن نزار:

خلفنا جديسا ثم طسما بأرضنافأعظم بنا يوم الفخار فخارا
تسمّى نزارا بعد ما كان خالداوأمسى بنوه الأطيبون خيارا

- وخندف التي ينسب إليها بنو إلياس بن مضر هي امرأته ليلى بنت تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ولدت له عمرا وعامرا وعميرا، فقدهم ذات يوم، فقال لها: اخرجي في أثرهم، فخرجت وعادت بهم، فقالت: ما زلت أخندف في طلبهم حتى ظفرت بهم، فقال لها إلياس: أنت خندف. والخندفة تقارب الخطو في إسراع.

وقال عمرو: يا أبه أنا أدركت الصيد فلويته، فقال: أنت مدركة. وقال عامر: أنا طبخته وشويته، فقال له: أنت طابخة، وقال عمير: أنا انقمعت

في الخباء، فقال: أنت قمعة. ولصقت بها وبهم هذه الألقاب وغلبت على أسمائهم، فالقبائل من أبنائهم ينتسبون إلى ألقابهم دون أسمائهم.

- هاشم بن عبد مناف اسمه عمرو، وسمّي هاشما لأنه هشم الثريد لقومه.

- وحلف المطيبين من قريش: بنو عبد مناف وبنو أسد بن عبد العزّى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرّة والحارث بن فهر، غمسوا أيديهم في خلوق ثم تحالفوا.

- والأحلاف بنو عبد الدار وبنو مخزوم وبنو جمح وبنو سهم وبنو عديّ، نحروا جزورا وغمسوا أيديهم في دمها وتحالفوا فسمّوا لعقة الدم.

- الأحابيش: الذين حالفوا قريشا من القبائل، اجتمعوا بذنب حبشيّ- جبل بمكة، فقالوا: تالله إنهم يد على من خالفهم ما سجا ليل وما رسا الحبشيّ مكانه. وقيل هو من التحبيش وهو من الاجتماع، الواحد أحبوش.

- الحمس: حمس قريش وكنانة وخزاعة وعامر وثقيف، سمّوا بذلك لتحمّسهم في دينهم أي تشدّدهم.

- قصي: اسمه زيد، أقصي عن دارة قومه لأنه حمل من مكة في صغره بعد موت أبيه، فلما شبّ رجع إلى مكة ولم ينشب أن ساد. وكانت قريش في رؤوس الجبال والشعاب، فجمعهم وقسّم بينهم المنازل بالبطحاء، فقيل له مجمّع.

- شيبة الحمد: عبد المطلب: لقّب بشيبة كانت في رأسه حين ولد، وسمّي عبد المطلب لأنّ عمه المطلب مرّ به في سوق مكة مردفا له، فجعلوا يقولون:

من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي. واسمه عامر.

همدان واسمه أوسلة بن مالك. أصابه أمر أهمّه فقال: هذا همّ دان، فلقّب بهمدان.

- ولد نبت بن زيد بن يشجب والشعر نابت على جميع بدنه، فلقّب بالأشعر، فغلبت عليه، وولده الأشعرون، منهم أبو موسى.

- أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان أبو غنيّ وباهلة القبيلتين، اسمه منبّه، سمّي أعصر لقوله:

قالت عميرة ما لرأسك بعدمافقد الشّباب أتى بلون منكر
أعمير إنّ أباك غيّر رأسهمرّ الليالي واختلاف الأعصر

- جعفر بن قريع التميمي: نحر أبوه ناقة قسّمها بين نسائه، فأدخل يده في أنفها فجرّ الرأس إلى أمه فنبز به وعيّر أولاده به إلى أن جاء الحطيئة فقال:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهمومن يساوي بأنف الناقة الذّنبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

فصار فخرا لهم.

- خثعم: يقال لهم في الجاهلية الفجّار لأنهم لم يكونوا في الجاهلية يحجّون. وخثعم هم سعد الريث وهم الفزر. وبنو قحافة أبناء عفرس بن بجيلة ابن أنمار بن نزار؛ وهم رهط ابن الدثنة ابن عفرس، تحالفت هذه القبائل، غمست أيديها في الدم ثم وضعتها على ورك جمل يقال له الخثعم، فسمّيت به.

- مزيقياء: هو عمرو بن عامر بن ماء السماء جدّ الأزد، سمّي بذلك لأنه كان يمزّق كل يوم حلّة جديدة لئلا يلبسها غيره؛ وقيل كان ينسج له كلّ سنة حلّة من ذهب فيلبسها يوم العيد، فإذا أمسى مزّقها، ويقوم بنسج أخرى لعيد السنة القابلة؛ وقيل لأنّ الله تعالى مزّقهم، وذلك قوله: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ

(سبأ:).

- جذيمة بن سعد الخزاعي: قيل له المصطلق لحسن صوته وشدّته، من الصّلق وهو شدّة الصوت.

بنو أمية بن عبد شمس يقال لهم: الأعياص والعنابس. والعنابس:

حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو، وأبلوا في حرب فشبّهوا بالعنابس، وهي الأسد. والأعياص: العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، والعويص، وهم أحد عشر ولدا.

- مذحج: أكمة ولدت عليها مدلّة بنت ذي منجشان مالك بن أدد، فنسب ولد مالك إليها، فمنهم الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد، ومنهم همدان بن مالك بن أدد، ومنهم زيد وجعفيّ والنخع.

- مهلهل بن ربيعة التغلبي: اسمه عدي، والمهلهل لقب غلب عليه لأنه أول من هلهل الشعر أي أرقّه، ويقال إنه أوّل من قصّد القصائد.

- الأسعر ابن أبي حمران الجعفي: لقّب الأسعر لقوله:

فلا يدعني قومي لسعد بن مالكلئن أنا لم أسعر عليهم وأنقب
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «فلا يدعني قومي لسعد بن مالكٍ»

واسمه مرثد بن الحارث.

- المتلمّس: اسمه جرير بن عبد المسيح الضبعي، وقيل جرير بن يزيد الضبعي، سمّي المتلمّس لقوله:

فذاك أوان العرض حي ذبابهزنابيره والأزرق المتلمّس

- تأبّط شرا الفهمي: اسمه ثابت بن جابر.

يزعمون أنه قتل الغول وجاء متأبّطا لها، فألقاها وسط أصحابه، فقالوا: لقد تأبّط شرا، فغلبت عليه. وقيل: بل أخذ جونة فملأها حيّات ثم أتى بها أمّه متأبّطها فقالت: تأبّط شرا.

- الحادرة هو: قطبة بن حصن.

غلب عليه الحادرة ببيت قاله وهو:

كأنك حادرة المنكبينرصعاء تنفض في جامر

- النابغة الذبياني: اسمه زياد بن عمرو ويكنى أبا أمامة، غلب عليه النابغة لأنه غبر برهة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله.

- وكذلك النابغة الجعدي: اسمه قيس بن عبد الله ويكنى أبا ليلى، وهو أسنّ من النابغة الذبياني، وطال عمره حتى أدرك أيام بني أمية.

- الأعشى الكبير ميمون بن قيس من بني قيس بن ثعلبة، غلب عليه اللقب لعشا في عينيه.

وكذلك أعشى باهلة، وأعشى همدان.

- الفرزدق همّام بن غالب.

لقّب الفرزدق لأنه كان جهم الوجه فشبّهته امرأة بالفرزدقة وهي القطعة من العجين يعمل منها الفتوت، وقيل إن أباه لقّبه بذلك تشبيها بدهقان يعرفه.

- الأخطل: اسمه مالك بن غياث بن غوث، وقال أبو عمرو:

غويث بن الصلت، قال له رجل وهو صبي: يا غلام إنك لأخطل، فغلبت عليه وقيل لخطل في لسانه وثقل في كلامه.

أبو بكرة: اسمه نضيع. كان مولى الحارث بن كلدة بالطائف، فلما حاصرها النبي ﷺ قال: أيما عبد نزل إليّ فهو حرّ، فتدلّى من السور على بكرة فسمّي أبا بكرة.

الحطيئة: اسمه جرول بن أوس بن جؤيّة بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، حبق في مجلس قومه فقال: إنما هي حطأة فسمّي الحطيئة.

- ذو الرمّة اسمه غيلان بن عقبة من عديّ الرباب سمّي ذا الرمّة بمعاذة علّقت عليه في صغره بخيط وكان خشي عليه المسّ.

- القطامي الشاعر التغلبي: شبّه بالقطامي وهو الصقر واسمه عمير ابن شييم.

- غسان: ماء بالسليّل، من نزل عليه من الأزد قيل له غساني.

- وبارق: جبل، من نزله من الأزد قيل له بارقي.

جذيمة بن عوف الأنماري: ضربه أثال بن لجيم فجذمه، فسمّي جذيمة، وضرب هو أثالا فحنف رجله فسمّي حنيفة، قال:

إن تك خنصري بانت فإنيبها حنفت حاملتي أثال

- غلبة قريش على مكة: مات كلاب بن مرّة بن لؤي بن غالب وابنه قصيّ صغير، فتزوّجت أمّه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن حزام العذريّ، فولدت له رزاحا ومحمودا وحيا وجلهمة. وكان قصيّ لا يعرف أبا غير ربيعة حتى كان بينه وبين رجل من غسان شيء، فعيّره الرجل بالغربة، فرجع إلى أمه فسألها فقالت: صدق ما أنت منهم بل أنت أفضل منهم، أنت ابن كلاب بن مرّة بن لؤي بن غالب، وقومك عند بيت الله الحرام. فأزمع قصيّ أن يلحق بقومه، وطلبت إليه أمه أن يؤخّر ذلك إلى حين خروج الحاج، فخرج مع حاجّ قضاعة، وكان رجلا جلدا أديبا عاقلا جوادا، فخطب إلى الخليل بن حبشة الخزاعي ابنته حيّة، وخزاعة يومئذ بمكة ولهم حجابة البيت، فزوّجه فولدت له عبد مناف وعبد الدار وعبد العزّى وعبد قصيّ.

ولما هلك الخليل، رأى قصيّ أنه أحق بولاية البيت وأنه بيت آبائه. فكلم من لقي من قريش ودعاهم إلى إخراج خزاعة، وقال: قوم طروا عليكم من أهل اليمن فغلبوا أوليتكم على مسجدهم، فأنتم أحقّ أن يكون في أيديكم، فقالوا: إنّ خزاعة لها عدد وعدّة، ولا نجدة لنا، وإخواننا من كنانة حلفاؤهم وأنصارهم؛ فإن تابعونا فقد هلك القوم. فمشى في كنانة وغيرهم، فكتب إلى رزاح بن ربيعة

العذريّ أخيه لأمه، فقدم عليه في ألف رجل من عذرة. فانحازت خزاعة عن قصيّ، واقتتلوا حتى كادوا يتفانون، ثم رجعوا عن القتال وراسلوا في الصلح.

فرجع الأمر إلى قصيّ، وهدرت الدماء بينهم. فكان قصيّ أوّل من أصاب الملك من بني كعب بن لؤي، فكانت إليه الحجابة والسّقاية والرّفادة والنّدوة واللواء. فقسم مكة أرباعا بين قومه، وأمر بقطع شجرها وبناها بيوتا. قال:

فهابت ذلك قريش، فأمر قصيّ أعوانه فقطعوها، وقطع معهم بيده، وسمّي قصيّ مجمّعا لأنه أول من جمع قريشا، وكانت في نواحي مكة وفي بني كنانة وما يليها من العرب. ولما ظهر أولاد قصيّ تفرّقت لؤيّ، فلحق سامة بن لؤي بأزد عمان، وصارت الحارث بن لؤي إلى غير حيّ من بني شيبان بن ثعلبة عن عكابة، وهم عائذة، وصارت سعد بن لؤي من بني ذبيان بن بغيض، وهم بنو مرّة بن عوف، فلم يعد قصيّ منهم إلا على ولد كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي.

- وقيل في خروج سامة بن لؤي غير هذا، قال ابن الكلبي: كان سبب خروج سامة بن لؤي من تهامة إلى عمان أنه فقأ عين عامر بن لؤي، وذلك أنه ظلم جارا له فغضب عامر، وكان شرسا سيّء الخلق، فخاف سامة أن يقع بمكة شرّ فيقال كان سامة سببه. وقيل: إنّ سامة كان يشرب بعكاظ، فلما أخذ منه الشراب أتاه ابن لعامر بن لؤيّ، فقال: يا عمّ هل لك في لحم؟ - وقد قرم سامة إلى اللحم للشراب الذي شربه- فقال: نعم. فمضى الغلام إلى جفرة لسامة فذبحها وأتاه بها. فعرفها سامة، فأخذ صخرة ففضخ بها رأس الغلام فقتله، ومضى سامة ومعه الحارث ابنه وهند ابنته وأمّهما هند بنت تيم الأدرم ابن غالب، وإنما سمّي الأدرم لنقصان ذقنه، فنزل قرية على بني عامر بن صعصعة. وكانت بنت الحارث بن سامة خالة كلاب بن ربيعة وأمّهم مجدانية ابنة تيم بن غالب ولدت كلابا وعامرا وكليبا وكعبا ومحمسا. فدرج محمس،

فجعل الحارث بن سامة يصارع عامرا فيصرعهم رجلا رجلا، فخشي سامة أن يقع بينهم الشر، فأتى عمان، فتزوّج ناجية بنت جرم بن زبان وهو علاف بن حلوان، فأقام بها فنهشته حية فمات. ويقال: إنّ سامة بن لؤيّ شرب هو وأخوه شرابا، فلما أخذ الشراب من كعب بن لؤي أقبل على امرأة سامة فقبلها، فأنف سامة من ذلك وقال: لا أساكنك في بلد، فلم يزل يرتاد حتى نزل عمان.

فلما أصاب المواطن التي يشتهي رجع فحمل امرأته إلى عمان واسمها ناجية، وإنما سمّيت ناجية لأنها عطشت فجعل يقول لها: هذا الماء هذا الماء حتى نجت، وركب هو ناقة، فبينا هو يسير عليها إذ مرّ بواد مخصب، فتناولت ناقته من حشيشه فعلقت بمشفرها أفعى فاحتكت بالغرز، فنهشت الأفعى ساق سامة فخرّا جميعا ميتين.

قال الشاعر: وقيل إنها لأخيه كعب:

عين بكّي لسامة بن لؤيغلقت ما بساقه العلّاقه
ربّ كأس هرقتها ابن لؤيّحذر الموت لم تكن مهراقه

وبنو ناجية ينتسبون في قريش، وبعض النسابين ينكرون ذلك، ويزعمون أنّ سامة لما مات من نهشة الأفعى تزوّجت امرأته رجلا من البحرين فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير، فلما ترعرع طمعت أمّه أن تلحقه بقريش فأخبرته أنه ابن سامة بن لؤي، فرحل عن البحرين إلى عمه كعب فأخبره أنه ابن أخيه سامة، فعرف كعب أمه وظنّه صادقا فقبله. ومكث عنده مدة حتى قدم ركب من البحرين، فرأوا الحارث فسلّموا عليه وحادثوه، فسألهم كعب بن لؤي: من أين تعرفونه؟ قالوا: هذا ابن رجل من بلدنا يقال له فلان وشرحوا له خبره فنفاه كعب ونفى أمه، فرجعا إلى البحرين فكانا هناك، وتزوّج الحارث فأعقب هذا العقب.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عمي سامة لم يعقب. وأما الزبير بن بكار فإنه

أدخلهم في قريش العازبة، وإنما سمّوا العازبة لأنهم عزبوا عن قومهم فنسبوا إلى أمهم ناجية. ولعل الزبير يقول ذلك على مذهبه في التعصّب ومخالفة أمير المؤمنين علي ﵇. وكان بنو ناجية ارتدوا عن الإسلام، فلما ولي علي ﵇ الخلافة دعاهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم وأقام الباقون على الرّدّة، فسباهم واسترقّهم، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة الشيباني ثم أعتقهم وهرب من تحت ليلته إلى معاوية فصاروا أحرارا ولزمه الثمن. فشعث علي ﵇ شيئا من داره، وقيل بل هدمها، فلم يدخل مصقلة الكوفة حتى قتل علي ﵇.

- زعموا أنّ الخطيم بن عديّ الأوسي قتله رجل من بني عامر بن ربيعة ابن صعصعة يقال له مالك، وقتل عديّ بن عمرو أباه رجل من عبد القيس. فلما شبّ قيس بن الخطيم بن عديّ، رضمت أمّه حجارة كهيئة القبر وجعلت تقول:

هذا قبر أبيك وجدّك، مخافة أن يسمع بقتلهما فيطلب بدمائهما فيقتل، وكان قيس قويّا شديدا. وإنه نازع غلاما من قومه فقال له الغلام: أما والله لو ألقيت كرعك- يعني بدنك- وقوّتك على قاتل أبيك وجدّك لكان أولى بك. فرجع إلى أمّه فقال لها: أخبريني عن أبي وجدّي. قالت: يا بني ماتا في وجع البطن وهذان قبراهما، فأخذ سيفه فوضع ذبابه بين ثدييه فقال: والله لتخبريني خبرهما أو لأتحمّلنّ عليه حتى يخرج من ظهري؟ فقالت له: إنّ أباك قتله رجل من بني عامر، وإنّ جدّك قتله رجل من بني عبد القيس. فخرج بسيفه حتى أتى ناضحه وهو يسنو، فضرب رشاءه فهوى الغرب في البئر، واختطم البعير فأقبل به عليه فشدّ جهاره حتى وقف على نادي قومه فقال: أيكم يكفيني مؤونة هذه العجوز بفضل ثمرة مالي، فإن رجعت فمالي لي وإن هلكت فلها حتى تموت ثم المال له. فقال بعضهم: أنا، فدفعه إليه ثم سار، فقالت له أمه: يا بنيّ إن كنت لا بدّ فاعلا فأت خداش بن زهير فإنه قد كانت لأبيك عنده نعمة، فسله أن يقوم معك. فمضى حتى انتهى إلى مرّ الظهران، ثم سأل عن

مظلّة خداش بن زهير فأتاها، فسأل امرأته عنه، فقالت: ليس هو ها هنا، قال: فهل عندك من قرى؟ قالت: نعم، قال: فهلمّ. فأخرجت إليه قباع تمر فتناول تمرة فأكل نصفها وردّ نصفها في القباع، ثم تنحّى فنزل في ظلّ شجرة، فلم ينشب أن طلع خداش. فدخل على امرأته فأخبرته الخبر فقال: هذا رجل متحرّم. وركب قيس بعيره ثم أقبل حتى سلّم. فقال خداش: والله لكأنّ قدم هذا الفتى قدم الخطيم صديقي اليثربي. ودخل عليه قيس فانتسب له وأخبره ما الذي جاء به، فقال له: يا ابن أخي قاتل أبيك ابن عمي وإن أردت دفعه إليك لم أقدر مع قومي، ولكن سأجلس العشيّة إلى قاتل أبيك فأحدّثه وأضرب بيدي على فخذه، فإذا رأيت ذلك فشدّ عليه واقتله فإني سأمنعك. فلما كان العشاء جلس خداش بن زهير فصنع ذلك بالرجل، وأقبل قيس إليه فضربه بالسيف حتى قتله، ووثبوا إليه ليقتلوه فحال بينهم وبينه خداش وقال: إنما قتل قاتل أبيه. قال له: ما تريد يا ابن أخي؟ قال: الطلب بدم جدي، قال: فأنا معك. وركبا جميعا فسارا حتى أتيا البحرين، فلما دنوا من قاتل جدّه قال له خداش: إني سأكمن في هذه الدارة من الرمل، فاخرج حتى يأتي الرجل فقل له: إني أقبلت أريد بلادكم، فلما كنت بهذا الرمل برح بي لصّ فسلبني وأخذ متاعي، وقد جئتك لتركب معي لتستنقذ لي ذلك؛ فإن هو أمر ناسا بالركوب معك فاضحك، فإن سألك عن ضحكك فقل له: إنّ السيّد مثلك لا يفعل مثل فعلك، إنما يخرج وحده إذا استعين على شيء حتى يفرغ منه. فخرج قيس حتى أتاه، فأمر خداش، فأحمسه فدعا بفرسه فركب معه وحده حتى أتى خداشا، فنهض إليه خداش فقال: يا ابن أخي إن شئت كفيتكه، فقال قيس: لا بل دعني أنا وإياه فإن قتلني لا يفتك، ونازله قيس فطعنه بحربة معه فقتله. فقال له خداش: إنّا إن أخذنا الطريق طلبنا وظفر بنا، ولكن اكمن بنا في هذا الرمل حتى يهدأ الطلب عنا، فكمنا فيه وفقد القوم صاحبهم فخرجوا في طلبه فوجدوه قتيلا، فتفرّقوا في كل وجه فلم يظفروا بأحد، فرجعوا وانصرف خداش وقيس راجعين، حتى إذا بلغا مأمنهما أقبل

قيس نحو قومه وهو يقول:

تذكّر ليلى حسنها وصفاءهاوباتت فأمست لا ينال لقاءها
ومثلك قد أصبيت ليست بكنّةولا جارة أفضت إليّ حياءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

سرّها، ويروى حباءها، يقول: أخبرتني بما تكتم وتسرّ.

إذا ما اصطبحت أربعا خط مئزريوأتبعت دلوي في السماح رشاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، من قصيدة «تذكرَ ليلى حسنَها وصَفَاءها»
ثأرت عديّا والخطيم فلم أضعولاية أشياخ جعلت إزاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

ويروى ورثت عديّا.

ضربت بذي الزّرين ربقة مالكوأبت بنفس قد أصبت شفاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرلها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

الشّعاع بالفتح المنتشر.

ملكت بها كفّي فأنهرت فتقهايرى قائما من دونها ما وراءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
يهون عليّ أن يروع جراحهاعيون الأواسي إذ حمدت بلاءها
وشاركني فيها ابن عمرو بن عامرخداش فأدّى نعمة وأفاءها
وكانت شجى في النفس ما لم أبؤ بهافأبت ونفسي قد أصبت دواءها
وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبّةأسبّ بها إلا كشفت غطاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، من قصيدة «تذكرَ ليلى حسنَها وصَفَاءها»
متى يأت هذا الموت لا يلف حاجةلنفسي إلا قد قضيت قضاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
وإنّي لدى الحرب العوان موكّلبإقدام نفس لا أريد بقاءها
لقد جرّبت منّا لدى كلّ مأقطدحيّ إذا ما الحرب ألقت رداءها
ونلقحها مبسورة ضرزنيّةبأسيافنا حتى نذلّ إباءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

مبسورة: مستكرهة، ضرزنيّة: شديدة.

وإنّا منعنا من بعاث نساءناوما منعت م المخزيات نساءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وأدرك قيس بن الخطيم الإسلام، وخرج مع قوم من الأنصار إلى مكة بعد العقبة الأولى، فلقوا النبيّ ﷺ، فدعا قيسا إلى الإسلام وقرأ عليه القرآن، فقال له قيس: والله إنّ حسبك لكريم، وإنّ وجهك لحسن، وللّذي أنت عليه خير من الذي أنا عليه، أفرأيت إن أنا بايعتك أيحلّ لي الزّنا؟

قال: لا، قال: أفيحلّ لي الهجاء؟ قال: لا، قال: أفيحلّ لي القتل؟ قال: لا، قال: ففي نفسي من هذه الخصال شيء، فأنا أرجع إلى بلدي فأقضي أربي، فإذا قدمت اتبعتك. فقال له النبي ﷺ: فإن لي إليك حاجة، قال قيس: هي لك، قال: إنّ امرأتك حواء بنت يزيد مسلمة فلا تؤذها ولا تحل بينها وبين الإسلام، قال: ذلك لك، وما علمت بذلك. وهي أخت رافع بن يزيد الأشهلي، وهو ممن شهد بدرا. ثم رجعوا إلى المدينة وقد فشا الإسلام في الأوس والخزرج، ودخل بعضهم في كفة بعض بعد الحرب المتصلة بينهم. وكان قيس من ذوي البلاء فيها.

فاجتمع ناس من بني سلمة فيهم رجل من بني مازن بن النجار، فقالوا: قد علمتم ما صنعت بكم الأوس يوم بعاث، وقيس بن الخطيم فتى الأوس وشاعرها فتهيّأوا لقتله، فإنّا إن قتلناه أدركنا ثأرنا. فاجتمع ملأهم على ذلك، وسألوا عنه

فقالوا: إنه يخرج في كلّ عشيّة فيأخذ على بني حارثة حتى يأتي ماله بالشوط.

فخرجوا حتى جاؤوا محيصة وحويصة والأحوص من بني مسعود، وكانت بنو سلمة أخوالهم، فمتّوا إليهم بالخؤولة وذكّروهم إخراج بني عبد الأشهل إيّاهم إلى خيبر وما صنعوا بهم في تلك الحروب. وقالوا لهم: إنّ قيس بن الخطيم يمرّ على أطمكم كلّ عشيّة، وقد أردنا قتله، فإن رأيتم أن تتركونا حتى نكمن له فيكم. فأذنوا لهم في ذلك، فكمنوا له في رأس أطمهم. فلما كان من العشيّ أقبل يمشي في ثوبين له مورّسين، حتى إذا جاء الأطم رموه، فوقعت في صدره ثلاثة أسهم، فصاح صيحة سمعها بنو ظفر. فأقبلوا يسعون إليه فقالوا: ما لك؟ قال: قتلني بنو حارثة بأيدي بني سلمة. فخرجوا يحملونه حتى جاؤوا به منزله. فلما رأته امرأته خرجت تصيح وتولول، قالت: فنظر إليّ نظرا علمت أنه لو عاش لقتلني، لا والله ما رأى عندي رجلا قطّ إلا أنه قد كان يأتي بالأسير فيأمرني فأدهنه وأرجّله ثم يقوم إليه فيضرب عنقه. فمكث قيس أياما، ويخرج رجل من قومه حتى أتى بني مازن بن النجار وهم في مجلسهم، فقال: أين ابن أبي صعصعة؟ قالوا: في منزله، فخرج حتى أتاه، فقال: يا عمّ أخل، فخلا معه في بيت في داره، فحدثه شيئا ثم وثب عليه فضرب عنقه، ثم اشتمل على رأسه فخرج وأجاف الباب عليه. فلما طلع على بني مازن خشي أن ينذروا به فيطلبوه، فقال: قوموا إلى سيّدكم يا بني مازن فإنه يدعوكم، فوثبوا وقالوا: هذا أمر حدث من أمر رسول الله ﷺ. ورفع الآخر جراميزه حتى انتهى إلى قيس وهو بآخر رمق، فقال: يا قيس قد ثأرت بك. قال: عضضت أير أبيك إن كنت عدوت أبا صعصعة، قال: فإني لم أعده. وأخرج له رأسه فلم يلبث قيس أن مات.

وقال قيس حين رمي وجاءت رزاح من بني ظفر لينظروا إليه، وكان بينه وبينهم شرّ فقال:

كم قاعد يحزنه مقتليوقاعد يرقبني شامت
أبلغ رزاحا أنّني ميّتكلّ امرىء ذي حسب مائت

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.