من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
حكايات عن الصحابة والنبي (ص)
- وفي الحديث: «مثل الفقر للمؤمن كمثل فرس مربوط بحكمته إلى أخيّة، كلما رأى شيئا ممّا يهوى ردّته حكمته».
- قال وهب: وجدت في كتب الأنبياء: من استغنى بأموال الفقراء، جعلت عاقبته الفقر، وأيّ دار بنيت بالضعفاء جعلت عاقبتها الخراب.
حدث أبو سعيد الخدري أنه أصبح ذات يوم وليس لهم طعام، وأصبح وقد عصب على بطنه حجرا من الجوع، فقالت امرأتي: ائت النبي ﵌ فقد أتاه فلان فأعطاه. فأتيته وهو يخطب وهو يقول: من يستعفّ يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن سألنا شيئا فوجدناه أعطيناه وواسيناه، ومن استعفّ واستغنى فهو أحبّ إلينا. قال: فرجعت وما سألته حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالا منا.
قال جابر بن عبد الله: جاء عبد الرحمن بن عوف يوما إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، أعنّي بنفسك وبمن حضر من المسلمين، قال عمر: وما ذاك؟ قال: جهّزت ألف بعير إلى الشام فيها مائتا مملوك يمتارون لي ما قدروا عليه من أصناف التجارات، فلما قمت الليلة أصلي وردي حدثت نفسي وقدّرت الإبل كأنها قدمت وساومني التجار بما فيها، وضعّفوا لي ما كنت أتمناه، فو الله ما أدري على ما أصبحت: على قرآن أم هذيان، فدونكها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها ومماليكها، فاجعلها في سبيل الله، فلا حاجة لي فيما يشغلني عن عبادة ربي.
قال محمد بن كعب القرظي: سمعت عليا ﵇ يقول: لقد رأيتني وأنا أربط الحجر على بطني في عهد رسول الله ﵌ من الجوع، وإن صدقتي اليوم أربعون ألف دينار.
- وكانت الصحابة رضوان الله عليهم ترى الفقر فضيلة ومنزلة يتنافس عليها، وفي بعض هذه الأخبار ما يدل على ذلك.
وروي أن عمر ﵁ خطب الناس وهو خليفة، وعليه إزار فيه ثلاث عشرة رقعة إحداها من أدم، وعليه عمامة وبيده الدرة.
وقال ابن سيرين: كنا عند أبي هريرة وعليه ممشقتان من كتان فتمخط فيهما فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني أجرّ فيما بين منبر رسول الله ﵌ إلى حجرة عائشة مغشيا عليّ من الجوع، فيجيء الرجل فيجلس على صدري فأرفع رأسي فأقول: إنه ليس ذاك إنما هو الجوع.
- وقال أبو بردة عن أبيه: لو رأيتنا مع نبينا ﵌ ظننت أن ريحنا ريح الضأن، لباسنا الصوف وطعامنا الأسودان: الماء والتمر.
وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب النبي ﷺ يجتزىء أحدهم بالفلذة يشويها، فإذا لم يجد شيئا أقام صلبه بخشبة أو حجر يوثقه على صلبه.
وقال سهل بن سعد: كنا نفرح بيوم الجمعة. قيل: ولم ذاك؟ قال:
كانت لنا عجوز ترسل إليّ بضاعة، فتأخذ من أصول السلق، وتنثر عليه حبات من شعير فيطرحه، وكنا نأتيها إذا صلينا الجمعة ونسلّم عليها فتقدمه إلينا. فكنا نفرح بيوم الجمعة لأجل ذلك.
- حدث الحسن أن رسول الله ﷺ قال: يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عاما. فقال جليس للحسن يقال له فروخ: أمن الأغنياء أنا أم من الفقراء؟ فقال الحسن: أتغديت اليوم؟ قال: نعم، قال: فعندك ما تتعشى به الليلة؟ قال: نعم، قال: أنت من الأغنياء.
- وقال ﷺ لرجل: استغن بغنى الله، قالوا: يا رسول الله وما غنى الله؟ قال: غداء يوم وعشاء ليلة.
وقال أبو هريرة: دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي جالسا، فقلت: يا نبي الله، أتصلي جالسا؟ فما أصابك؟ قال: الجوع. فبكيت، فقال: لا تبك فإن شدة يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا.
- وقال ابن عباس: كان رسول الله ﵌ يبيت طاويا ليالي ما له ولأهله عشاء، وكان عامة طعامه الشعير.
وروى أنس بن مالك أن فاطمة ﵍ جاءت بكسرة من خبز إلى النبي ﷺ، فقال: ما هذه يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث.
وقال أنس بن مالك: ما رأى رسول الله ﵌ رغيفا محوّرا حتى لقي الله.
وروى عروة عن عائشة قالت: لقد كان يأتي على آل محمد شهر لا يخبزون فيه، فقلت: ما كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كان له خيرة من الأنصار جزاهم الله خيرا، وكان لهم شيء من لبن فيهدون منه إلى النبي ﷺ وأهله.
وقال أبو هريرة: ما شبع رسول الله ﷺ وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا.
قال يزيد بن أبي رافع: نزل بالنبي صلّى الله عليه وآله سلّم ضيف، فبعثني إلى يهودي فقال: قل له إن رسول الله ﵌ يقول لك بعنا أو أسلفنا إلى وقت؛ قال: فقلت له، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلّا برهن.
فرجعت إلى النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، فقال: أم والله لو باعني أو أسلفني لأعطيته وقضيته، وإني لأمين في السماء، أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد فارهنها. فرهنتها، قال: فنزلت هذه الآية يعزيه عن الدنيا: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
(طه:).
قال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ﵌ الجوع، ورفعنا عن بطوننا حجرا حجرا فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين.
- وروي أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني والله لأحبّك في الله، فقال: فإن كنت صادقا فأعدّ للفقر تجفافا، فالفقر إلى من يحبني أسرع من شبعت حمدتك وشكرتك.
- وقال ﷺ: عرض عليّ ربي أن يجعل لي الصفا ذهبا، فقلت: لا يا رب! ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك.
- وروي أنه ﵌ كان يقول: اللهم توفّني إليك فقيرا ولا توفّني إليك غنيا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة، وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة.
وقيل إن ضجاعه ﵇ كان من أدم حشوه ليف.
رؤي يحطب وعليه عباءة شامية. وكان يسم الغنم وهو مؤتزر بكساء.
وقال علي ﵇: أهديت فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ فما كان فراشنا إلا مسك كبش.
روي عن داود ﵇ أنه قال: نعم العون الغنى واليسار على الدين. هذا عذر لمن عمل فيه بطاعة الله، وأنفقه في سبيل الله، حتى نال به الدرجات العلى. فأما من شحّ على المال وأعدّ الغنى لدنياه، فالحجة عليه قوله ﷿: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
(التوبة:).
عيّرت اليهود عيسى بن مريم ﵇ بالفقر، فقال: من الغنى أتيتم.
وروي أن النبي ﷺ قال: هلك المثرون؛ وقال في الثالثة: إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله وأمامه وخلفه، وقليل ما هم.
- قال بعض الزهاد:
تأمل ذا الغنى ما أدوم نصبه وأقلّ راحته، واخسر من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، ثم هو بين سلطان يهتضمه، وعدوّ يبغي عليه، وحقوق تلزمه، واكفاء يسوءونه، وولد يودّ فراقه. قد بعث الغنى عليه من سلطانه العنت، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الذمّ، ومن الولد الملامة.
ليم أفلاطون على الزهد في المال فقال: كيف أرغب فيما ينال بالبخت لا بالاستحقاق، ويأمر البخل والشره بحفظه والجود والزهد باتلافه.
خطب اثنان إلى حكيم ابنته، وكان أحدهما غنيا والآخر فقيرا، فاختار الفقير. وسأله الإسكندر عن ذلك فقال: لأن الغنيّ كان جاهلا فكنت أخاف عليه الفقر، والفقير كان عاقلا فرجوت له الغنى.
- قال رجل لسقراط: ما أفقرك! قال: لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجّع لنفسك عن التوجّع لي، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة.
قال ابن المعتز: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء وأوساط.
فالفقراء موتى إلا من أغناه الله ﷿ بعزّ القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله تعالى بتوقع الغير، وأكثر الخير مع أكثر الأوساط، وأكثر الشر مع الفقراء والأغنياء لسخف الفقر وبطر الغنى.
- وفي الحديث أن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: هذا سيّد أهل الوبر، فقلت: يا رسول الله ما المال الذي ليست عليّ فيه تبعة في إمساكه من طالب ولا ضيف؟ فقال ﵇: نعم المال أربعون والكثر ستون، ويل لأصحاب المئين إلا من أعطى الكريمة ومنح الغزيرة، ونحر السمينة، فأكل وأطعم القانع والمعترّ.
وفي رواية أخرى إلا من أعطى من رسلها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها، وذبح من غزيرتها، وأطعم القانع والمعترّ. فقلت: يا رسول الله ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها، إنها لا تحلّ بالوادي الذي فيه إبلي من كثرتها.
قال: فكيف تصنع في العطية؟ قلت: أعطي البكرة وأعطي الناب، قال:
وكيف تصنع في المنحة؟ قلت: إني لأمنح المائة، قال: كيف تعطي الطروقة؟ قلت: يغدو الناس بإبلهم فلا يوزع رجل عن جمل يختطمه فيمسكه ما بدا له حتى يكون هو الذي يردّه.
وفي الرواية الأخرى قال: فكيف تصنع في الإطراق؟ قلت: يغدو الناس فمن شاء أن يأخذ رأس بعير فيذهب به، قال: فكيف تصنع بالافقار؟ قلت:
إني لأفقر الناب المدبرة والضّرع الصغيرة، قال: فكيف تصنع في المنحة؟
قلت: إني لأمنح في السنة المائة، قال: فمالك أحب إليك أم مال مواليك؟
قلت: لا بل مالي، قال: فإن مالك ما أكلت فأفنيت وأعطيت فأمضيت. وفي الرواية الأخرى أو لبست فأبليت وسائره لمواليك. قلت: لا جرم والله لئن رجعت لأقلن عددها.
المنحة: الناقة والشاة يدفعها الرجل إلى من يحلبها ويردها، ومنه الحديث:
العارية مؤداة والمنحة مردودة. والقانع: الذي يسأل، والمعتر الذي يجلس عند الذبيحة ولا يسأل وكأنه يعرض بالمسألة ولا يصرح بها. والناب: الناقة الهرمة.
وقوله: لا يوزع رجل أي لا يمنع ولا يحبس، يقال وزعت الرجل توزيعا أي منعته وكففته، والوزع: الرجل المتحرج المانع نفسه مما تدعوه إليه. والطروقة:
التي قد حان لها أن تطرق وهي الحقة. والرّسل: اللبن، والأفقار: هو أن يركبها الناس وتحملهم على ظهورها، مأخوذ من فقار الظهر. والأطراق للفحول: هو أن يبذلها لمن ينزيها على إناث إبله.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع