تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وفاة رسول الله ﷺ (٥)

فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة، واجثم على أكباد أهلها، فإنّهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن قتيبة، وكان بالرّيّ، فينحدر إليك واكتب إلى أهل الشام ومرهم أن يحملوا إليك أهل البأس والنجدة على البريد، وابعثهم مع سلم، وأحسن جوائزهم. ففعل ما أشار به.

ولمّا سار إلى الكوفة وجّه عيسى بن موسى لمحاربة محمد، وعهد إليه فقال: إذا صرت إن شاء الله إلى المدينة، فادع محمد بن عبد الله إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فإن أجابك فاقبل منه، وإن هرب منك، فلا تتبعه، وإن أبى إلا الحرب والمناجزة، فناجزه واستعن بالله عليه، وإذا ظفرت به، فلا تخيفنّ أهل المدينة، وعمّهم بالعفو، فإنّهم الأصل والعشيرة وذرّيّة المهاجرين والأنصار، وجيران قبر رسول الله ﷺ. هذه وصيّتي إيّاك، لا كما أوصى يزيد اللعين مسلم بن عقبة حين وجّهه إلى المدينة؛ فإنّه أمره أن يقتل من ظفر به ما بين ثنيّة الوداع إلى بني عمرو بن مبذول كلّ من أنبت ويييحها ثلاثة أيّام؛ ففعل مسلم ذلك، وبلغ يزيد فعله، فتمثّل بشعر ابن الزّبعرى في يوم أحد، فخر المشركون على المسلمين يقول:

ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة
حين حكّت بقباء بركهاواستحرّ القتل في عبد الأشل
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

وأمير المؤمنين يعوذ بالله أن يبتليه بغشم رعيّته وسفك دمائهم، ويسأله أن يلهمه الرأفة بهم، والرحمة لهم، والعطف عليهم، إنّه سميع قريب. ثم سر إلى مكّة، فاعف عنهم واصفح، فإنّهم أهل [بيت] الله وجيرانه، وسكّان حرمه وأمنه، وأهل الأصل ومنبت الفرع والعشيرة، وعظّم البيت والحرم، ولا تلحد فيه بظلم، فإنّه حرم الله الذي بعث منه نبيّه ﷺ، وشرف به آباؤنا، فبتشريف الله آباءنا شرّفتنا العرب.

هذه وصيتي إليك لا كما وصّى أبو ذباب خنّور بن خنور حين وجّهه إلى مكّة، فإنّه أمره أن يقتل كلّ محتلم ما بين المعلاة والمسفلة، ويضع المجانيق على الكعبة، ويلحد ويظلم في الحرم، ففعل الحجّاج ذلك، وبلغ الخبر عبد الملك، فتمثّل قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
لنا الدنيا ومن أضحى عليهاونبطش حين نبطش قادرينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وقتل محمد بن عبد الله للنصف من شهر رمضان، وخرج إبراهيم [بن عبد الله] ابن الحسن أخوه غرّة شهر رمضان قبل قتل محمد بخمسة عشر يوما بالبصرة، وعظم أمره، فكان في سبعين ألفا، وغلب على الأهواز وفارس وواسط.

- ويقال: إنّ المنصور لم يكن [ينام] أيام حربه ابني عبد الله بن الحسن، وأنه جلس على مصلّى خمسين ليلة ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جبّة قد اتّسخ جيبها، وليس تحتها شيء، فما نزعها حتى فتح عليه. وأتته قيّمة نسائه في تلك الأيام بامرأتين أهديتا إليه من المدينة: فاطمة ابنة محمد بن محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، وأمة الكريم ابنة عبد الله من ولد خالد

بن أسيد، وكان القادم بهما إسحاق بن الأزرق، فلم ينظر إليهما. فقالت له: يا أمير المؤمنين، قد خبت نفوسهما وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك. فانتهرها وقال: ليست هذه الأيام من أيّام النساء، لا سبيل إليهما حتى أعلم: رأسي لإبراهيم، أم رأس إبراهيم لي! - ولمّا أتي المنصور برأس إبراهيم، وضعه بين يديه وجلس مجلسا عامّا، فكان الرجل يدخل، يسلّم ويسيء القول لإبراهيم ويتناوله بالكلام القبيح طلبا لرضا المنصور، وهو مطرق ممسك متغيّر الوجه، حتى دخل عليه جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فوقف وسلّم ثم قال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقّك، فأسفر لون أبي جعفر وأقبل عليه فقال: أبا خالد، ههنا، مرحبا وأهلا، فعلم أنّ ذلك قد أرضاه فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة.

- الأفوه الأودي:

فينا معاشر لم يبنوا لقومهموإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»
لا يرشدون ولم يرعوا لمرشدهموالجهل منهم معا والغيّ ميعاد
أضحوا كقيل ابن عمرو في عشيرتهإذ أهلكت بالذي أسدى لها عاد

ويروى: كانوا كمثل لقيم في عشيرته.

أو بعده كقدار حين تابعهعلى الغواية أقوام فقد بادوا
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»
والبيت لا يبتنى إلا له عمدولا عماد إذا لم ترس أوتاد
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم»
فإن تجمّع أوتاد وأعمدةوساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهّالهم سادوا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم»
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحتفإن تولّت فبالأشرار تنقاد
إذا تولّى سراة القوم أمرهمنما على ذاك أمر القوم فازدادوا
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»
أمارة الغيّ أن تلقى الجميع لدى الإبرام للأمر والأذناب أكتاد
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»
حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوافيهم صلاح لمرتاد وإرشاد
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»
فسوف أجعل بعد الأرض دونكموإن دنت رحم منكم وميلاد
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»
إنّ النّجاء إذا ما كنت في نفرمن أجّة الغيّ إبعاد فإبعاد
والخير تزداد منه ما لقيت بهوالشرّ يكفيك منه قلّ ما زاد
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ»

- قال صالح بن عليّ الهاشميّ: حضرت مجلس المهتدي وهو ينظر في المظالم، فجعلت أنظر إلى المتظلّمين، القويّ والضعيف، والشريف والوضيع، منهم ما تقرأ قصّته عليه حتى تستوفى ثم يأمر بالتوقيع فيها بما يرى، لا يعدل عن الحقّ والإنصاف، وما فيه للمتظلّم المقنع وزيادة؛ فينشأ الكتاب على التوقيع من ساعته، ويحرّر ويعلّم عليه، ويردّ إليه فيختمه، ويدفع إلى صاحبه. فأعجبني ذلك جدّا، ورأيت شيئا حسنا لم أره قبله. وجعلت أنظر إليه، ففطن لذلك ونظر إليّ، ثم صرف بصره عنّي، فنظرت، فنظر، حتى كان ذلك ثلاث مرّات. ثم قال لي:

يا صالح، فقمت وقلت: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: ادن، فدنوت، فقال: في نفسك منّا شيء تحبّ أن تقوله؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اجلس، فجلست في موضعي إلى أن قام عن مجلسه وقال لي: لا تبرح صالح بن عليّ.

ودخل فأبطأ عليّ الإذن، ثم أذن لي، فدخلت فوجدته على حصير مصلاه، فدعوت له. فقال: اجلس، فجلست. فقال: يا صالح، تقول ما دار في نفسك أو

أقوله أنا لك؟ قلت: ما رآه أمير المؤمنين. قال: كأني بك وقد استحسنت ما رأيت من أمرنا في العامة فقلت في نفسك: أيّ خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بمقالة أبيه في القرآن! فورد عليّ أمر جليل بقيت له متحيّرا؛ ثم قلت يا صالح: [وهل] نموت إلّا مرّة واحدة! وهل يحسن الكذب في جدّ أو هزل؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما خرمت حرفا ممّا دار في نفسي. فأطرق ساعة ثم قال لي: يا صالح، اسمع منّي ما أقول لك، فو الله الذي لا إله غيره لتسمعنّ منّي حقّا ما شانه غيره.

فقلت: يا سيّدي، ومن أولى بالحقّ منك، وأنت خليفة الله، وابن عمّ رسول الله؟

فقال: ما زلت برهة من خلافة الواثق ﵁ أقول بهذه المقالة حتى أقدم ابن أبي دواد علينا في المحنة شيخا من أهل الشام، ثم من أهل أذنة؛ فأحضره الواثق، فأدخل شيخ جميل تامّ بهيّ، وفي رجليه قيدان ثقيلان؛ فرأينا الواثق كالمستحي منه، الراحم له، فأسندناه حتى قرب منه؛ فسلّم الشيخ فردّ عليه، ودعا فأوجز في الدعاء؛ فقال له الواثق: يا شيخ، ناظر أحمد بن أبي دواد على ما يناظرك عليه؛ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أحمد يصبو ويضعف عن المناظرة ويقلّ عنها أيضا؛ فغضب الواثق وقال: ويلك! أبو عبد الله يصبو ويضعف ويقلّ عن مناظرة مثلك! واحمرّ وجهه ودارت عيناه؛ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هوّن عليك، وليسكن ما بك، وائذن في مناظرته تعلم صدق قولي.

قال الشيخ: يا أحمد، تسألني أم أسألك؟ قال: سل؛ قال: إلام تدعو الناس وتدعوني؟ قال: إلى أن يقولوا: إنّ القرآن مخلوق.

قال الشيخ: ولم يا أحمد؟

قال: لأنّ كلّ شيء دون الله مخلوق.

فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن هذه المقالة، هي داخلة في عقد الدين، فلا يكمل الدين حتى يقال بها؟

قال: نعم.

قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تحفظ علينا ما يجري، فافعل.

قال الواثق: نعم.

قال الشيخ: يا أحمد، فأخبرني عن رسول الله ﷺ لمّا بعثه الله إلى خلقه، ستر عليهم شيئا ممّا أمره الله به في دينهم؟

قال: لا.

قال: أفأخذ رسول الله ﷺ بهذه المقالة؟ فسكت أحمد.

فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هذه واحدة.

ثم قال الشيخ: يا أحمد، فدع ذا؛ زعمت أنّ الدين لا يكون كاملا حتى يقال فيه بهذه المقالة. فأخبرني عن الله ﷿ حين أنزل على رسوله ﷺ:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

(المائدة:) أكان الله ﵎ الصادق في كماله، أو أنت الصادق في نقصانه؟ فسكت.

فقال الشيخ: يا أحمد، أجب، فسكت. فقال الشيخ: اثنتان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم.

وقال الشيخ: ودع ذا؛ أتقول إنّ رسول الله ﷺ علم مقالتك هذه فلم يطالب الأمّة بها لأنّه اتّسع له الإمساك عنها؟

قال أحمد: نعم.

قال: وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ بعده؟

قال: نعم.

قال: فترك الشيخ ابن أبي دواد وأقبل بوجهه إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، إن لم يتّسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ممّا زعم ابن أبي دواد أنّه اتّسع لرسول الله ﷺ، ولأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فلا وسّع الله عليك. فضحك الواثق ثم قال: نعم لا وسّع الله عليّ إذن.

قال: وكان بيد الواثق قلم أو قضيت فلم يزل يفركه حتى كسره، فظننّا أنّ ذلك لغيظه على أحمد. ثم قال: اقطعوا قيد الشيخ، فقطع. فضرب الشيخ بيده إلى القيد فجذبه إليه ومنعه الحدّاد من أخذه، فقال الواثق: دعوا الشيخ يأخذه، فجعله في كمّه، فقال له الواثق: لم أخذته، أحاجة منك إليه؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، لكني عقدت في نيّتي إذا حضرني الموت أن آمر من يتولّى أمري أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به يوم القيامة بين يدي ربي هذا الظالم، وأومأ إلى ابن أبي دواد، وأقول يا ربّ، سل عبدك هذا لم قيّدني وروّع ولدي وأهلي؟ فبكى الواثق بكاء شديدا وبكينا حوله. ثم قال له الواثق: يا شيخ، اجعلني في حلّ وسعة ممّا نالك، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك منذ أوّل يوم في حلّ وسعة إكراما لرسول الله ﵇ إذ كنت رجلا من أهله. فسرّ الواثق بقوله وقال: يا شيخ، فإنّ لي إليك حاجة؛ قال: قل يا أمير المؤمنين؛ قال: تقيم عندنا فينتفع بك أولادنا ومن معنا. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه أنفع لك من مقامي قبلك رجوعي إلى الثّغر الذي أخرجني منه هذا الظالم. وأخبرك بأوّل منفعة ذلك، وهو أني أكفّ عنك دعاء ولدي وأهلي وإخواني، فإني تركتهم يدعون الله عليك.

فقال الواثق: ههنا حاجة أخرى، قال: قل يا أمير المؤمنين، قال: تذكر كلّ ما تحتاج إليه لمؤنتك ونفقتك ونفقة عيالك، فتأخذه ونجعله لك جاريا يقيمه العامل بتلك الناحية. قال: يا أمير المؤمنين، أنا غنيّ عن ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا تحلّ الصدقة لغنيّ»، ولكن لي أنا حاجة يا أمير المؤمنين، قال:

قل ما أحببت؟ قال: تأذن لي الساعة بالمسير؛ قال: قد فعلت، فتزوّد منّا نفقة، قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما لي إليها حاجة كبرت أم صغرت، ولا يراني الله متغنّما مالك، ثمّره الله وألهمك إنفاقه فيما يقرّبك منه.

وخرج الشيخ، ورجعت أنا والله من ذلك اليوم عن هذه المقالة، ولم أشكّ في أنّ أمير المؤمنين الواثق رجع عنها.

- أصيب على عهد عمر بن الخطاب ﵁ رجل مقتول لا يعلم من قتله، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ، ثم قال: أيّها الناس، ناشدت الله رجلا قتله إلا أنبأنا بذلك، فقام رجل فقال:

أنا قتلته يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذلك؟ قال: لأني سمعته على فراش جار لي وهو مع امرأته، وجاري غائب في بعض البعوث، وهو يتغنّى رافعا صوته لا يكني:

وأشعث غرّه الإسلام منّيخلوت بعرسه ليل التّمام
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «حفظ الكرام»
أبيت على ترائبها ويمسيعلى قبّاء لاحقة الحزام
كأنّ مواضع الرّبلات منهافئام قد جمعن إلى فئام

فقال عمر: اقتل وأنا معك، وقبل قوله وأجاز شهادته.

- ابن الرومي:

إنّ الطبيب بطبّه ودوائهلا يستطيع دفاع مكروه أتى
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إن الطبيب بطبه ودوائه»
ما للطبيب يموت بالداء الذيقد كان يبرىء مثله فيما مضى
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن الطبيب بطبه ودوائه»
هلك المداوى والمداوي والذيجلب الدواء وباعه ومن اشترى
للشاعر محمد بن أسلم الطوسي، من قصيدة «إِنَّ الطَّبِيبَ بِطِبِّهِ وَدَوَائِهِ»

- قال الرشيد لأعرابيّ رآه يرعى: لم سمّيت الحقّة حقّة؟ قال: لأنها استحقّت أن يحمل عليها من ظهرها وبطنها، قال: أشهد أنّك راع حقّا! قيل: أوّل من عقد الولاية والألوية إبراهيم الخليل ﵇.

بلغه أنّ قوما أغاروا على لوط وأهله فسبوه، فعقد لواء جمع به مواليه وعبيده ورعاته وسار حتى استنقذ لوطا وما كان أخذ له.

قال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت الشافعيّ يقول: الأعراب أدهى قوم وأحلاهم كلاما، لقد سمعت منهم رجلا يقول لرجل اصطنع إليه معروفا: آجرك الله من غير أن يبتليك. فحدّثت بذلك الزبيريّ فقال لي: سمعت أنا أعرابيّا يقول لرجل من مياسير البلد: أحبّ أن تنسئني شيئا أستعين به وأعجّل ردّه؛ فقال له الآخر قولا اعتذر فيه، وذكر انقباض يده عن مراده. فقال له الأعرابيّ: لا جعلها الله عذرة صادقة.

قال سلمان الفارسيّ: الناس أربعة: أسد، وذئب، وثعلب، وضأن: فأمّا الأسد فالملوك يفترسون.

وأما الذئب فالتّجار.

وأمّا الثعلب فالقرّاء المخادعون.

وأمّا الضأن فالمؤمن ينهشه كلّ من يراه.

- قيل لابن عائشة: ما بال قريش ليس شعرها بجيّد؟ قال: لأنّ قريشا لم تخلق للشّعر، إنّما خلقت للقرآن.

- شاعر:

استودع العلم قرطاسا وضيّعهوبئس مستودع العلم القراطيس

- قال يحيى بن سليم: حجّ المنصور، وعامله على مكّة والمدينة حينئذ عمّه عبد الصمد بن عليّ، فأمره أن يدخل عليه رجلا حصيفا من أهل

مكة، فأدخل عليه رجلا، فلم يسلّم عليه بالخلافة، فقال له المنصور: أيّ رجل أنا عندك؟ قال: أنت ما علمت الظالم الخائن المستبدّ بالفيء تأخذه من غير حقّه وتضعه في غير أهله. فاستوى له جالسا وقال: وما علمك أنني ظالم خائن؟ أستقضيت لي فجرت عليك أو على غيرك؟ أو ههنا شيء تدّعي أنّني أخذته منك؟ هذه كتبي في ديواني ومع عمّالي آمرهم بالعدل وإيتاء النّصفة والحقّ، فمن ينكث فإنّما ينكث على نفسه. وهذا عمرو بن عبيد والأعمش وسفيان الثوريّ، أدعوهم إلى عملي فيمتنعون، فأطلب أهل العدالة والأمانة في الظاهر فإذا اختبرتهم وجدتهم خونة فجرة، أفأقدر أن أولّي الملائكة؟ أو ما علمت- لا علّمك الله خيرا- أنّ النبيّ ﷺ شكا بعض عمّاله والوحي ينزل عليه؟ أو ما علمت أنّ عمر بن الخطاب ﵁ شاطر جماعة من عمّاله أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة؟

وأمّا الفيء الذي زعمت أنّني أستبدّ به وآخذه من غير حلّه، وأضعه في غير أهله، فأخبرني: أمحتاج أنت إليه؟ فإن قلت: نعم، سألنا عمّا ادّعيت، فإن كنت صادقا أعطيناك بقدر ما يكفيك، وكنت الظالم لنفسك إذ لم ترفع إلينا حاجتك، وكان المغيّب عنّا مستورا. وإن كنت كاذبا، فما لك في هذا الفيء نصيب، لأنّ الله تعالى قسمه أقساما لم يجعل فيه لغنيّ حقّا، ولا مثلك يعطى من هذا الفيء وأنت بفناء قبّة امرأتك وحجلتها تتمرّغ على مهادك، وتتثنّى على وسادك، ولا تغزو سبيلا، ولا تجيب أميرا. وبعد، فما يؤمنك أن أبطش بك، فيقول الناس: وعظ أمير المؤمنين فعاقبه؟ فقال له: وددت أنّك عاقبتني. قال:

هيهات! إذن كنت تتّخذ عقوبتي سوقا وتقيمها تجارة، وينظر الناس إليك بعين تعظيم وتبجيل؛ لا والله، ولكن أدعك استهانة بأمرك، واستخفافا بموضعك، فتخرج إلى أصحابك فتقصّ عليهم خبري وخبرك، فإن صدّقوك قالوا:

استضعفه وهان عليه، وكان عنده ممّن لا حجّة له، وإن كذّبوك ضحكوا منك التذكرة الحمدونية

واختبؤوها فيك، وإن كنت عندهم عدلا سقطت شهادتك، وإن كنت مستورا انكشفت لهم عورتك، اخرج أخرج الله نفسك.

ثم قال لعبد الصمد: أمرتك أن تدخل عليّ رجلا حصيفا، أتدخل عليّ مثل هذا؟ اخرج فجئني بغيره. فخرج، فأدخل عليه عبّاد بن كثير، فسلّم عليه بالخلافة، فقال له المنصور: أيّ رجل أنا عندك؟ قال: أنت ما علمت ممّن قضى في إمارته بالعدل، وأمنت به السّبل وأمن به الخائف. فسرّ بذلك، فقال:

اختر إمّا جائزتنا فنعطيك، وإمّا ولا يتنا فنولّيك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ القرب منك العزّ العزيز والبهاء المنيع، وإنّ العمل لك ليزيد في عقل الأريب، ويلقّح اللبيب، ويكسب الثروة، غير أنّي شيخ كبير لم أل عملا قطّ، وإن يصلني أمير المؤمنين بشيء أقبله وأجعله من طيّب ما آكله. فأمر له بثلاثمائة دينار وكسوة.

فأخذها وقال: لي حاجة خفيفة، فإن أذنت لي ذكرتها، قال: قد أذنت. قال:

إن خطرت ببال أمير المؤمنين وذكره، فرأى أن يمدّ يده المباركة إليّ فعل. فتبسّم المنصور وقال: نفعل. ثم التفت إلى عبد الصمد فقال له: مثل هذا الشيطان يصلح لمخاطبة الملوك، لا مثل ذلك الأحمق، وكان لا يذكره إلا وجّه إليه بمال وكسوة إلى أن مات عبّاد.

قال سلمة بن محارب: لربما كان الخرس خيرا من الكلام.

قيل: كيف ذاك؟ قال: أخبرني أبي قال: كنت مع مسلمة بن عبد الملك لما قتل يزيد بن المهلّب وأتي بالأسرى منهم، فرأيت فيهم مولى لنا، فسألت الشرط تأخيره. فأتي مسلمة بالأسرى، فجعل يعفو عنهم. فناداه مولانا من آخر الناس: أصلح الله الأمير، أنا مولاك، قال: مولاي لا يخرج عليّ مع ابن المهلّب، اضربوا عنقه؛ فقتل.

يقال: العلم أحد اللّسانين، والعمّ أحد الأبوين، والتثبّت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين، وقلّة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين والوعيد أحد الضّربين، والإصلاح أحد الكسبين، والراوية أحد

الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السّبابين.

- قال ابن عبد الأعلى الكاتب: كنت بحضرة أبي الحسن ابن الفرات في وزارته الأولى وهو جالس يعمل، إذ رفع رأسه وترك العمل من يده وقال:

أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، يطيعني حقّ الطاعة، فأنفذه في مهمّ لي، فإذا بلغ ما أرسمه له أحسنت إليه إحسانا يظهر عليه وأغنيته. فأمسك من حضر، ووثب رجل يكنى بأبي منصور أخ لابن شبيب حاجب ابن الفرات، فقال: أنا أيها الوزير. فقال: أو تفعل، قال: أفعل وأزيد. قال: كم ترتزق؟

قال: أرتزق مائة وعشرين دينارا؛ قال: وقّعوا له بالضعف. وقال له: سل حوائجك. فسأله أشياء أجابه إليها. فلما فرغ من ذلك قال له: خذ توقيعي وامض إلى ديوان الخراج وأوصله إلى كاتبي الجماعة، وطالبهما بإخراج ما على محمد بن جعفر بن الحجاج، وطالبه بأداء المال، وأتلفه إلى أن تستخرج جميعه منه؛ ولا تسمع منه حجة، ولا تمهله البتّة. فأخذ من رجّالة الباب بعد أن خرج ثلاثين رجلا، فخرجت لأنظر ما يصنع. فدخل إلى الصقر بن محمد وكان هو وعبد الله بن محمد الكلوذاني شركة في الديوان. فأوقع إليه التوقيع وقال له:

أخرج ما على ابن الحجاج، فقال: عليه من باب واحد ألف الف درهم، فطالبه بذلك إلى أن نفرغ من العمل لسائر ما يلزمه. وكان محمد بن جعفر من عمّال علي ابن عيسى. قال: فأحضر ابن الحجاج وشتمه وافترى عليه، وابن الحجاج يستعطفه ويخضع له. ثم أمر بتجريده وإيقاع المكروه به، وهو في ذلك كله يقول: يكفي، الله! ثم أمر أبو منصور بنصب دقل وجعل في بكرة في رأسه حبلا وشدّت فيه يدا ابن الحجاج ورفع إلى أعلى الدقل، وهو يستغيث ويقول: يكفي، الله! وما زال معلقا وهو يسأله حطّه وإنظاره إلى أن يوافق الكتّاب على ما أخرج عليه، وهو لا يسمع، وقد قعد تحت الدقل واختلط وغضب من غير غضب،

اعتمادا لأن يبلغ ابن الفرات فعله. فلما ضجر قال: أرسلوا ابن الفاعلة- وعنده أنهم يتوقّفون ولا يفعلون- فأرسلوه ووافى ابن الحجاج إلى الأرض، وكان بدينا ثقيلا سمينا، ووقع على عنق أبي منصور فدقّها، فخرّ على وجهه؛ ووقع ابن الحجاج مغشيّا عليه، فحمل أبو منصور إلى منزله في محمل فمات في الطريق.

وردّ ابن الحجاج إلى محبسه، وقد تخلّص من التلف. وكان الناس يتعجبون من قول ابن الفرات: أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يطيعني: أما الطائع له فقد تعجّل الجزاء لوقته، وأما ابن الفرات فأمهل، وكان عاقبة أمره قتله وقتل ولده، واستئصال بيته؛ وما أعدّ الله للظالمين أشدّ وأبقى.

- لما ضرب عليّ- ﵇ وأوصى، لحقته غشية، فلما أفاق من غشيته دعا أمامة بنت أبي العاص زوجته- وأمّها زينب بنت رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم- فقال لها: يا أمامة قد أصابني من أمر الله تعالى ما ترين، وكأني بك لو قد حللت قد تزوجت معاوية. فقالت: معاذ الله! إن شئت والله يا أمير المؤمنين حرّمت الرجال على نفسي أبدا. فقال: لا أحبّ ذاك، ولكن أحبّ أن لا تتزوّجي معاوية، وأن تستشيري في أمرك المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وإن خطبك أرى أن تتزوجيه. فقالت: ذاك لك. فلما قبض ﵇، وسارت إلى المدينة وقام معاوية، كتب إلى مروان بن الحكم، وكان على المدينة، يأمره أن يخطب أمامة عليه ويعطيها ما أحبّت. فبعث إليها مروان بذلك، فقالت: ما حللت بعد. فأمسك مروان ينتظر حلّها. فلما حلّت بعثت إلى المغيرة بن نوفل تستشيره في ذلك، فقال المغيرة: وما يدخلني في هذا الأمر؟

أمير المؤمنين رجل من بني عبد شمس وأنا رجل من بني هاشم، فما يدخلني

بينكم وقد ضربت وجه معاوية أمس بسيفي؟ ثم ما عرض لي بشيء يخالفني.

فأرسلت إليه: إني والله ما ضاق عليّ من أستشيره، ولكن أمير المؤمنين ﵁ أمرني أن أستشيرك، وأمرني إن خطبتنى أن أتزوجك. فأرسل إليها: إني أعيذك بالله أن تستخلفي معاوية بعد عليّ، وأنا أخطبك أشدّ الخطبة. فأرسلت إليه: إن أمري إليك، وأشهدت له على ذلك، فتزوجها.

وبلغ الأمر مروان فغضب، وأرسل إلى المغيرة فحبسه في بيت وطيّن عليه، وأمر أن يدخل إليه طعامه وشرابه من كوّة؛ وفعل مثل ذلك بأمامة؛ وكتب إلى معاوية يخبره الخبر وأنّ المغيرة لم يرض أن ضربك بسيفه فكففت عنه حتى خطب بعد خطبتك بغير إذن ولا سلطان، وإنما حمله على ذلك معرفته بوهنك وضعفك عن عدوّك، فإما صلت به صولة تجعله نكالا لعدوك أو جعلت ذلك إليّ.

فكتب إليه معاوية كتابا وبعث به رسولا وأمره أن لا يفضّه حتى يخرج المغيرة بن نوفل وأمامة من محبسهما، وأمر مروان أن يحضرهما عنده ويحضر عشرين رجلا من قريش وعشرة من الأنصار من خيار من قبله، ثم يأمر الرسول أن يقرأ عليهم الكتاب، ثم ينفّذ ما فيه ولا يتعدّاه إلى غيره. ففعل مروان، فلما اجتمعوا قام رسول معاوية، ففضّ الكتاب وإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى مروان بن الحكم: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد بلغني ما كتبت به عن المغيرة بن نوفل وما عملته؛ فقد نظرت فيما كتبت فلم يبلغ معاوية أن يحرّم ما أحلّ الله، ولا يحلّ ما حرّم الله؛ ورجل من بني هاشم أفضل من امرأة من بني عبد شمس؛ وأما ما ذكرته من نكاحه بغير وليّ ولا سلطان، فأي وليّ يقدم على تزويجه إياها بعد خطبة أمير المؤمنين؟ ولم

تصب ولم توفّق في حبسك إياهما، وترويعك لهما؛ فإذا جاءك كتابي فخلّ بينه وبين امرأته، ولا تعارضهما؛ فبارك الله لكلّ منهما في صاحبه، وادفع إلى المغيرة عشرة آلاف دينار من مال أمير المؤمنين يستعين بها على نكاحه، وإلى أمامة خمسة آلاف دينار، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

قال عبد الله بن شبرمة القاضي: دخلت على أبي مسلم وفي حجره مصحف، وبين يديه سيف، فقال لي: أنت ابن شبرمة؟ قلت: نعم أصلحك الله؛ فقال: ما هو إلا الملك أو الترهّب، قلت: ما هو إلا الهلاك أو الرحمة.

ودخل عليه وهو يريد المسير إلى قتال عبد الله بن علي عند خروجه على المنصور، فقال له: يا ابن شبرمة، ما يقول الناس في مسيرنا هذا؟ قال:

يقولون: الأمر عظيم يشير إلى عمّ الخليفة مع نجدته وشهامته، ومعه جلّة أهل الشام، وكثير من أهل خراسان.

قال: أفرخ روعك يا ابن شبرمة! والله لو سرت إليهم وفي أيدي أصحابي القصب لهزمتهم، وما أقول هذا بعلم غيب عندي أدّعيه لنفسي، ولكن رأيت الله عذّب أهل العراق بسيف أهل الشام نيّفا وثمانين سنة، ثم أراد أن ينتقم بهم منهم، أفما تكون نقمته إلّا مقدار هذه المدّة؟

- دخل صالح بن عبد الجليل- وكان ناسكا مفوّها- على المهديّ، وسأله أن يأذن له في الكلام. فقال: تكّلم، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه لمّا سهل لنا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام المؤدّي عنهم وعن رسول الله ﷺ ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنّهي لانقطاع عذر الكتمان في التقيّة، لا سيّما حين اتّسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه. فجمعنا وإيّاك مشهد من مشاهد التمحيص ليتمّ مؤدّينا على موعود الأداء

عنهم؛ وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم، عذّبه على الجهل، وأشدّ منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدى [الله] إليه العلم فلم يعمل به، فقد رغب عن هدى الله؛ فاقبل ما هدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل، لا قبول سمعة ورياء، فإنه لا يخلفك منّا إعلام بما تجهل، أو مواطأة على فضل، فقد وطّن الله جلّ اسمه نبيّه على نزولها، تعزية عمّا فات، وتحصينا من التمادي، ودلالة على المخرج فقال وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ

(الأعراف:) فأطلع [الله] على قلبك بما يلوح به الحقّ الذي ينافي الهوى، فإنّك إن لم تفعل، لم تر لله أثرة عليك.

فبكى المهديّ حتى همّ من كان على رأسه بضرب صالح، وحتى ظنّوا أنه يموت. فقال: يا صالح، لو وجدت رجالا يعملون بما آمرهم في رعيّتي، لظننت بأنني ألقى الله تعالى وأمر أمّة محمد ﷺ أقلّ ذنوبي وأهون حسابي، ولكن دلّني على وجه النجاة، فإن لم أعمل به، كنت أنا الجاني على نفسي.

قال له صالح: أنت يا أمير المؤمنين أعلم بموضع النجاة.

قال: ما كنت أنت بعظتي أولى مني بعظتك لي، وما هو إلا أن أركب سيرة عمر بن الخطاب ﵁، ولا يصلح عليها أحد من أهل هذا العصر؛ وذاك أنّ الناس في الزمن الماضي كان يرضى أحدهم بالطّمر البالي، وتقنعه الكسرة اليابسة والماء القراح، وهم اليوم في تضاعيف الخزّ والوشي، ومائدة أحدهم مثل الغنيّ ذي العيال في زمن عمر، فإلى من أكلهم؟ إلى ولد أبي طالب، فو الله ما أرى للمسلمين راحة فيهم ولا فرجا عندهم، ولو أنّني حملت الناس على سيرة العمرين في هذا العصر لكنت أول مقتول، وذلك أنّ الفطام عن هذا الحطام شديد لا يصبر عليه إلا المبرّز السابق.

يا صالح، لقد بلغني أنّ لسعيد بن سلم ألف سراويل، ولحازم ألف جبّة، ولعمارة بن حمزة ألف دوّاج، وهذا أقلّ ملكهم؛ فما ظنّك بي وهم عددي وسهام كنانتي، ومن أشبههم كمعن بن زائدة وعبد الله بن مالك، فلو حملتهم

على التقشّف وأخذت أموالهم هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي، أو حياة أثقل عليهم من حياتي؟

فأطرق صالح مفكرا، ثم رفع رأسه وقال: يا أمير المؤمنين، إنّه ليقع في خلدي أنّك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول سمعة ورياء. فقال المهديّ: الله شهيد على ذلك. فقام صالح فدنا من المهديّ، فقبّل رأسه وقال: أعانك الله يا أمير المؤمنين على صالح نيّتك، وأعطاك أفضل ما تأمله في رعيّتك، ووهب لك أعوانا بررة صالحين يعملون بما يجب عليهم فيك، ثم خرج.

- لمّا أبعد أبو الفتح بن العميد أبا القاسم بن عباد الصاحب عن خدمة مؤيّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وتولّى الأمور، تداخله في بعض الليالي عجب وسرور بما هو فيه، فاستدعى ندماءه وهيّء له مجلس عظيم بآلات الذهب والفضّة وفاخر البلّور والمخروط الصيني والطّيب والفواكه، وحضر المغنّون والملهون فشرب آخر يومه وأكثر ليلته، وعمل شعرا أنشده ندماءه وألقاه على المغنّين حتى غنّوا فيه، وهو:

دعوت المنى ودعوت الغنىفلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيّام شرخ الشبابإليّ فهذا أوان المرح
إذا المرء أدرك آمالهفليس له بعدها مقترح

فغنّي بالشعر واستطابه، وشرب عليه إلى أن سكر، ثم قال لغلمانه: غطّوا المجلس ولا تنقضوا شيئا منه لأصطبح عليه في غد. وقال لندمائه: باكروني ولا تتأخّروا، وقام إلى بيت منامه. ووافق ذلك استدعاء مؤيّد الدولة إيّاه في السّحر، فلم يشكّ أنّه لمهمّ من خدمته، فبادر، فلما دخل دار الأمير قبض عليه، وأنفذ

إلى داره من أخذ جميع ما وجد له، ولم يزل في الاعتقال إلى أن مات تحت العذاب.

- قال أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلويّ: كان المتنبي وهو صبيّ ينزل في جوارنا بالكوفة، وكان أبوه يعرف بعيدان السّقّاء، يستقي على جمل له ولأهل المحلّة. ونشأ له المتنبي، فكان يتبع أهل العلم والأدب ويلازم الورّاقين، وكان ذكيّا حسن الذكاء. فقال لي ورّاق كان يجلس إليه: ما رأيت قطّ أحفظ من هذا الغلام ابن عيدان؛ فقلت له: كيف ذاك؟ قال: كان جالسا عندي اليوم، وقد أحضر رجل كتابا من كتب الأصمعيّ ليبيعه يكون نحو ثلاثين ورقة، فأخذه فنظر فيه طويلا، فقال له الرجل: أريد بيع هذا الدفتر، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء الله يكون بعد شهر؛ فقال له ابن عيدان: فإن كان قد حفظته في هذه المدّة فما لي عليك؟ قال: إن كنت حفظته فهو لك؛ فأخذت الدفتر من يده، وأخذ يتلوه إلى آخره، ثم استلبه من يدي فجعله في كمّه، وقام. فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل، قد وهبته لي، فمنعناه منه وقلنا له: أنت شرطت على نفسك هذا.

استدعى المتوكّل من البصرة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويّ، وأحمد بن المعذّل بن غيلان العبديّ، وإبراهيم التيميّ، فعرض على كلّ واحد منهم ولاية القضاء بالبصرة، فاحتجّ ابن أبي الشوارب بعلوّ السنّ وأمور تقطعه عن ذلك؛ واحتج أحمد بن المعذّل بضعف البصر؛ وامتنع إبراهيم التيميّ، فقيل له: لم يبق غيرك، وجزم عليه، فولي. فنزلت حاله عند أهل العلم، وعلت حال الآخرين. ويرى الناس أنّ بركة امتناع محمد بن عبد الملك دخلت على ولده، فولي منهم أربعة وعشرون قاضيا منهم ثمانية قلّدوا قضاء القضاة، وكان آخرهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبد الملك

ابن أبي الشوارب، تقلّد قضاء القضاة للقادر في رجب سنة خمس وأربعمائة، وتوفي في شوال سنة سبع عشرة وأربعمائة، ومولده في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.

حدّث ابن أبي الخير العبسيّ قال: كنّا مع أبي جعفر المنصور أيّام خرج عليه عمّه عبد الله بن عليّ وهو يحاربه، فخرج علينا أبو الخصيب- وهو إذ ذاك حاجب المنصور- فأدخل جماعة من أصحابه وأنا فيهم، وفينا ابن عطية الثعلبيّ، وكان معروفا بالشجاعة، فتقدّم إلى المنصور، فقال له: يا ابن عطية، قد عرفت بلاء أمير المؤمنين عندك وإحسانه إليك. ثم جفاك أمير المؤمنين جفوة، وأراد أن يعرض عن تلك الجفوة ويستقبل بك الكرامة، فسر في هذا الوجه، فرأي أمير المؤمنين فيك جميل، وادع من أطاعك من قومك، وخذل عن الفاسق من قبل منك، وليأت أمير المؤمنين عنك غناء يأتك منه جزاء. فقال ابن عطية في نفسه: هذا يوم شرفي وهذه مرتبتي، وقد عرفت أنّه لا يستغني عن مثلي، فقال: حوائجي يا أمير المؤمنين، قال: هات حوائجك؛ قال: تبلغ بعطائي الشرف، قال: اكتب يا سليمان، يعني أبا أيوب الموريانيّ، فكتب؛ قال: ويفرض لولدي في شرف العطاء، قال: وماذا؟ قال: ويقضى ديني، قال: وماذا؟ قال: وقطيعة عيالي، قال: نعم، فلما ولّى قال: يا سليمان أنفذ لهذا الأعرابيّ جميع ما سأل، ولا يكون ممّن يستعان به في هذا الوجه، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، لو أنّ عبد الله بن عليّ قائم على رأسي بالسيف لا ينجّيني منه إلا هذا الأعرابي، ما استعنت به بعد هذا التسحّب في حوائجه.

- حجّ الرشيد في بعض السنين فمرّ بالرّبذة وعديله الفضل بن الربيع في ليلة طخياء مقمرة، فتقدّما الناس يتحدّثان، وعلى الخيل هرثمة بن أعين،

وقد أمره الرشيد أن يتأخّر عنهما قليلا. فبينما هما يتحدّثان إذ مرّا بأعرابيين يتحدّثان فيما يقضيه الله ويقدّره وما سبق من حكمه في خلقه، ثم ضرب أحدهما بيده على منكب الآخر وقال له: اسمع:

يا أيّها المشعر همّا لا تهمّإنّك إن يقدر لك الحمّى تحم
ولو علوت سامقا من العلمممتنعا لم يعله الطير أشمّ
كيف توقّيك وقد جفّ القلموخطّ أيّام الصحاح والسّقم

فقال الرشيد: ويحك يا عباسيّ! لقد أحسن الأعرابيّ. فقال له الفضل: أعد ما قلت. فتأمّلهما ساعة ثم قال: أمّا بقولك فلا، ولكن إن قال ذاك أعد، أعدت، وأشار إلى الرشيد. فقال الرشيد: كيف تعيد بقولي ولا تعيد بقوله؟ فقال الأعرابي: أما سمعت قول الشاعر:

متى ما رأى الناس العتيق ومقرفاوقد جريا قالوا عتيق ومقرف

فضحك الرشيد واستوقفهما، وقرب الجند وهرثمة، فقال الرشيد لهرثمة:

أمعك شيء؟ قال: نعم، قال: كم هو؟ قال: أربعمائة دينار، قال: أعطها الأعرابيّ، فقال رفيقه: يا سيّدي، أما سمعت قول الشاعر:

وكنت جليس قعقاع بن شورولا يشقى بقعقاع جليس

فقال: وأعط هذا مائتي دينار.

- قال إبراهيم بن غسان: خرجنا يوما مع عبد الله بن طاهر إلى الميدان، فاعترضته امرأة برزة، فقالت له: أيّها الأمير، كادّي وكاسبي وواحدي من الدنيا ابن لي في حبس الأمير منذ أربع سنين، فإن رأى الأمير أن يمنّ به على ضعفي، فعل. قال لها: ومن ابنك؟ قالت: إبراهيم بن الحكم

البخاريّ؛ قال لها: هيهات! ما ترينه إلا على سريره، وضرب دابّته. فقالت بالفارسية: فأين الله؟ فسمعها فقال: يا إبراهيم، ما قالت العجوز؟ قلت:

ما أدري أيّها الأمير. قال: ولكني أدري، أحضروها؛ فأحضرت بين يديه وإنّ فرائصها لترعد حتى أوقفت بين يديه. فقال: كيف قلت؟ قالت: ما قلت شيئا، قال: بلى، قولي وليس عليك بأس. قالت: قلت فأين الله؟

قال: صدقت والله، عليّ بابنها. قال: فكأني أنظر إليه وقد جيء به على أعناق الرجال مكبّلا في الحديد. فقال: أطلقوا عنه. فأطلق! وقال لها:

خذيه. ثم التفت إلى الشّعرانيّ فقال: انظر كم لزمها من النفقة منذ حبس ابنها فأضعفه لها، وأعطها ما تتحّمل به إلى بخاري.

- قال مجاهد، قال عمر بن عبد العزيز: ماذا يقول الناس يا مجاهد؟

قلت: يقولون هو مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ولكني سقيت السّمّ؛ ثم دعا غلامه، فقال: أعطيت ألف دينار على أن أسقيك السّمّ وأعتق. قال: اذهب لا يراك أحد، والألف اجعلها في بيت المال. وكان لعمر مناد ينادي كلّ يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ وكان يبكي حتى يبلّ لحيته ويقول: يا ربّ، ما جعلني أحقّ هذه الأمة بهذا الأمر؟

قال محمود بن الحسن الورّاق: دخلت على أصرم بن حميد، وكان لي صديقا. فلما أردت الانصراف من عنده قام لي وودّعني، فقلت: وأين تقصد؟ قال: أريد الحجّ، فودّعته وانصّرفت. ثم اجتزت ببابه بعد أيّام، فرأيت عليه دوابّ، وخبّرت أنّه حاضر، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: ألم تخبرني أنّك حاجّ؟ قال: بلى، ولكني فكّرت وقلت: أموت في الطريق ضيعة، ويتولّاني غلماني، ويصلّي عليّ الأعراب؛ فقلت له: ألا أنشدك أبياتا حضرتني وقتي هذا؟ فأنشدته:

أقام عن المسير وقد أثيرتركائبه وغرّد حادياها
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أقام عن المسير وقد أثيرت»
وقال: أخاف عاقبة اللياليعلى نفسي، وأن تلقى رداها
فقلت له: عزمت عليك إلابلغت من العزيمة منتهاها
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أقام عن المسير وقد أثيرت»
فمن كتبت منيّته بأرضفليس يموت في أرض سواها

فقال: يا غلماني، جهّزوني، ثم حجّ ورجع معافى.

- قال معاوية لابنه يزيد: هل بقي في نفسك من النساء شيء؟ قال نعم، هند بنت سهيل بن عمرو، وكانت يومئذ عند عبد الله بن عامر. فكتب معاوية إلى عبد الله: إنّك إن طلّقتها زوّجتك بنتي هندا. قال: فطلّقها ابن عامر، فقدمت المدينة، فأرسل معاوية بأبي هريرة يخطبها على يزيد ابنه ويتلطّف لها في ذلك. قال: فلقيه الحسن فقال: لأمر ما قدمت له يا أبا هريرة، لا وقت حجّ ولا غيره! قال: بعثني معاوية أخطب هندا بنت سهيل بن عمرو على ابنه يزيد. قال:

فإذا ذكرت يزيد فاذكرني لها بعده. قال: فدخل عليها أبو هريرة فأبلغها عن الحسن بن عليّ. فقالت: ما ترى لي يا أبا هريرة؟ قال: أرى أن تتزوّجي الحسن، وإن استطعت أن تضعي فاك حيث رأيت رسول الله ﷺ وضع فاه، فافعلي، فتزوّجت الحسن.

فمكثت عنده، ثم قدم ابن عامر المدينة، فاستأذن الحسن بن عليّ في الدخول عليها وقال: إنّ لي عندها ودائع؛ فأذن له، فدخل عليها فكلّمها، فدمعت عينه وعيناها! فقال له الحسن: إن شئتما كنت لكما خير محلّل؛ قال ابن عامر: لا والله، ما لذاك بكائي. وطلبت إلى ابن عامر أن يدع ابنته منها عندها. وكلّمه الحسن فأجابه، وقال: والله لو غيرك يا أبا محمد من الناس كلّمني ما فعلت.

- حدّث الأصمعيّ عن وصيف حاجب المهدي قال: كنا مع المهدي بزبالة وقد خرج حاجّا، فإذا أعرابيّ يقول: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، إني عاشق، (قال الأصمعي: وكان يحبّ ذكر العشّاق). فدعا بالأعرابي فلما دخل عليه قال: أنت المنادي بالعشق؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو ميّاس، قال: يا أبا مياس، من عشيقتك؟ قال: ابنة عمّي، وقد أبى أبوها أن يزوّجها مني. قال: لعله أكثر منك مالا، قال: لا بل أنا أكثر منه مالا. قال: فما قصّتك؟ قال: فقال له الأعرابي: أدن رأسك مني. قال:

فجعل المهدي يضحك وأصغى إليه برأسه، فقال: إني هجين، قال: فليس يضرّك ذلك، إخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجين؛ قال ما أقلّ منفعة هذا لي إذا، فإنّ عمّي لا يزوّجني. قال: وأين عمك؟ قال: منا على ثلاثة أميال. قال:

فأرسل الخيل في طلبه، فجاءوا به. قال: ما لك لا تزّوج أبا مياس فإني أرى عليه نعمة؟ قال: متاع سوء، وليس منا زوّج مثله. قال: فإن الذي كرهت ليس بعيب عندنا، وأنا معط صداق ابنتك عشرة آلاف، ومعوّضك ممّا كرهت عشرة آلاف. قال: فذلك لك. فخرج أبو ميّاس، وهو يقول:

ابتعت ظبية بالغلاء وإنّمايعطي الغلاء بمثلها أمثالي
وتركت أسواق القباح لأهلهاإن القباح وإن رخصن غوالي

- قال أبو عثمان سعيد بن محمد: وجّهني المنتصر في إمارته إلى مصر في بعض أمور السلطان، فعشقت جارية كانت لبعض النّخّاسين عرضت على البيع، محسنة في الصّنعة ومقبولة في الخلقة، قائمة على الوزن من المحاسن والكمال.

فساومت مولاها بها، فأبى أن يبيعني إلا بألف دينار؛ ولم يكن ثمنها متهيّئا معي، وأزعجني الشخوص، وقد علقها قلبي. فأخذني المقيم المقعد، وندمت على ما

فاتني من اشترائها. فلما قدمت وقد فرغت ممّا وجّهني له، وأدّيت إليه ما عملت به وحمد أثري فيه، سألني عن حالي وخبري، فأخبرته بمكان الجارية وكلفي بها. فأعرض عني وجعل ما بي لا يزداد إلا حدّة، وقلبي لا يزداد إلا كلفا، وصبري لا يزيد إلا ضعفا، [وسليت] نفسي بغيرها فلم تسل عنها. وجعل المنتصر كلّما دخلت عليه وخرجت من عنده يذكرها، ويهيّج شوقي إليها، وتحمّلت عليه بندمائه وأهل الأنس به، وخاصّ من تحظى من جواريه وأمهات أولاده، وأمّ الخليفة، على أن يشتريها لي، ولا يجيبني إلى ذلك، ويعيرّني بقلّة الصبر. وكان قد أمر أحمد بن الخصيب أن يكتب إلى مصر في ابتياعها وحملها إليه من حيث لا أعلم، فحملت وصارت إليه، ونظر إليها وسمع منها، فعذرني فيها، ودفعها إلى قيّمة جواريه، فأصلحت من شأنها. فلما كان يوم من الأيام استجلسني وأمر بها أن تخرج إلى ستارته، فلما سمعت غناءها عرفتها، وكرهت أن أعلمه أني قد عرفتها حتى ظهر مني ما قد كتمت، وغلبت على صبري. فقال لي:

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.