من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
مقدمة المؤلف (٤)
وأتى في المكتوب بأنواع من البلاغة، مما تركت ذكره هنا لعدم تعلقه بهذا الأمر الخاص الذي ييسر لكارع الأدب مساغه، وختمه بقصيدة نفيسة من نظمه فيها ذلك الوعد، وأشهد أنه قد حاز فيها قصب السبق والمجد، وما قلت إلا بالذي علمت سعد، وهذه صورتها:
يا سيداً أفديه بالأكثر من أصغر العالم والأكبرِ
ويا وحيداً قل قولي له عطارد أنت مع المشتري
ويا مجيداً ليس عندي له إلا مقال المادح المكثرِ
أقسمت بالبيت العتيق الذي حجت إليه الناس والمشعرِ
ما للعلا والعلم إلا أبو ال؟ عباس شيخي أحمد المقري
ذاك الذي آثرني منه بال؟ علم الذي للغير لم يؤثرِ
وخصني منه بأشياء لم يفز بها غيري ولم يعثرِ
فرحت عبداً ذا وفاء له معترفاً بالرق لا أمتري
فيا أبا العباس يا من غدا أعظم في نفسي من معثري
ومن إذا ما غاب عن ناظري كان سمير القلب للمحضر
هات أفدني سيدي عن علا ال؟ مولى لسان الدين ذاك السري
ذاك الوحيد الفذ في عصره بل أوحد الأدهر والأعصرِ
ذاك الذي أخبرني سيدي عنه مزايا بعد لم تحصرِ
ذاك الذي العيوق لا يعتلي إلى معاليه ولا يجتري
ما قد وعدت العبد في جمعه من خبر عن فضله مسفرِ
بخطك الوضاح وهو الذي مخبره يربي على المنظرِ
والشيء لا يرجى إذا ما غدا منظره يربي على المخبرِ
نقش على طرس بياض كما لاحت عيون الرشإ الأحورِ
وأسطر قد سلسلت مثلما لاح عذار الشادن المقمرِ
ونزهة الأنفس معنى غدا ما بينها ينساب كالكوثرِ
عذب رقيق مثل ظبي غدا يلوح طاوي الكشح أو جؤذرِ
آثار أقلامك وهي التي أغنت عن الأبيض والأسمرِ
يراعك الجامع راوٍ غدا يروي اللغى عن لفظك الجوهري
ينثر مسكاً تارة ناظماً وينظم الجوهر بالعنبرِ
هذا ابن شاهين الفتى أحمد عن ذكرك المأنوس لم يفترِ
فاجعل له ذكراً كريماً به يزدان مغبوطاً إلى المحشرِ
واذكر بويتاتي وكل الذي كتبته نحوك في دفتري
أنت جدير بمديحي فكن ذاكر عبد بالوفا أجدرِ
وهاكها سيارة أعنقت على جواد كان للبحتري
طرف كريم سابق صافن مطهم ذي أدب أوفرِ
ورثته منه ولكنما من شاعر وافى إلى أشعرِ
ما للفتى الطائي شوط امريء يصطاد نسر الجو بالمنسرِ
واسلم لعبد لا يرى سيداً سوى الذي في ثوبك الأطهرِ
في كرم العنصر فرداً غدا طبعك فاشكر كرم العنصرِ
ما حن مشتاق أخو صبوة إلى خليل في الهوى مفكرِ
انتهت.
[تهمم المؤلف لاستئناف التصنيف]
فلما وصلني هذا الخطاب، الذي ملأ من الفصاحة الوطاب، وحلا في عيني وقلبي وطاب، تحركت دواعي الوجد، لذلك المجد، الذي ولعت به لولع ابن الدمينة بصبا نجد، وأثار من الهيام والأوار، ما يزيد على ما حصل للفرزدق لما فارق النوار، وتضاعف الشوق إلى تلك الأنجاد والأغوار، منشداً قول الأول: ((لعل أبي المغوار))، وتذكرت والذكرى شجون وأطوار، تلك الأضواء وزالأنوار، المشرقة بقطر أزهر بالمحاسن، وجرى نهره غير آسن، فلم يذم فيه الجوار:
وإن اصطباري عن معاهد جلق غريب فما أجفى الفراق وأجفاني
سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها كحلت بها من شدة الشوق أجفاني
وحصل التصميم، على التكميل للتأليف والتتميم، رعياً لهذا الولي الحميم
أفاض الله تعالى عليه غيث البر العميمي، وأبقى ظل عزه ممدوداً، وخلى سؤدده مودودا، وأناله من الخيرات ما ليس محصوراً ولا معدوداً، وجمعني وإياه، وأطلع لي بشر محياه، وأنشقني عرف اجتماعه ورياه، وكيف لا أستديم أمد بقياه، وأعتقد البشائر في لقياه، وأسقى غروس الود بسقياه، وهو الصدر الذي أصفى لي الوداد، والركن الذي لي بثبوته اعتداد:
فعليه من مصفي هواه تحية كالمسك لما فض عنه ختام
تترى بساحته السنية ما دعت فوق الغصون هديلهن حمام
ودامت فضائله ظاهرة كالشمس، محروسة بالسبع المثاني معوذة بالخمس:
ولا انفك ما يرجوه اقرب من غدٍ ولا زال ما يخشاه أبعد من أمس
وبقي من العناية في حرم أمين، آمين.
ولما حصل لي كمال الاغتباط، بما دل على صحة حال الارتباط، نشرت بساط الانبساط، وحدثت لي قوة النشاط، وانقشعت عني سحائب الكسل وانجابت، وناديت فكرتي فلبت مع ضعفها وأجابت، فاقتدحت من القريحة زنداً كان شحاحاً، وجمعت من مقيداتي حساناً وصحاحاً، وكنت كتبت شطره، وملأت بما تيسر هامشه وسطره، ورقمت من أنباء لسان الدين ابن الخطيب حللا لا تخلق جدتها الأعصر، وسلكت من التعريف به ﵀ مهامه تكل فيها واسعات الخطا وتقصر. فحدث لي بعد ذلك عزم على زيادة الأندلس ذكر الأندلس جملة ومن كان يعضد بها الإسلام وينصر، وبعض مفاخرها الباسقة، ومآثر أهلها المتناسقة، لأن كل ذلك لا يستوفيه القلم ولا يحصر، وجئت
من النظم والنثر بنبذة توضح للطالب سبله، وتظهر علمه ونبله، وتترع محاسنه من راح المذاكرة وإناءه، حتى يرى إيثار هذا المصنف وإدناءه، وكنت في المغرب وظلال الشباب ضافية، وسماء الأفكار من قزع الأكدار صافية، معتنياً بالفحص عن أنباء الأندلس، وأخبار أهلها التي تنشرح لها الصدور والأنفس، وما لهم من السبق في ميدان العلوم، والتقدم في جهاد العدو الظلوم، ومحاسن بلادهم، ومواطن جدالهم وجلادهم، حتى اقتنيت منها ذخائر يرغب فيها الأفاضل الأخاير، وانتقيت جواهر، فرائدها للعقول بواهر، واقتطفت أزاهر، أنجمها في أفق المحاضرة زواهر، وحصلت فوائد بواطن وظواهر، طالما كانت أعين الألباء لنيلها سواهر، وجمعت من ذلك كلما عالية، لو خاطب بها الداعي صم الجلامد لا نبجس حجرها، وحكماً غالية، لو عامل بها الأيام ربح متجرها، واسجاعاً تهتز لها الأعطاف، ومواعظ يعمل بمقتضاها من حفت به الألطاف، وقوافي موفورة القوادم والخوافي، يثني عليها من سلم من الغباوة والصمم، ويعترف ببراعتها من لا يعتريه اللمم، وطالما أعرض الجاهل الغمر بوجهه عن مثلها واشاح، وأنصت لهما الحبر إنصات السوار لجرس الحلي ونغم الوشاح، وفرح إن ظفر بشيء منها فرح الصائد بالقنيص، والساري العاري ذي البطن الخميص، بالزاد والقميص وتركت الجميع بالمغرب، ولم أستصحب معي منه ما يبين عن المقصود ويعرب، إلا نزراً يسيراً علق بحفظي، وحليت بجواهره جيد لفظي، وبعض أوراق سعد في جواب السؤال بها حظي، ولو حضرني الآن ما خلفته، مما جمعت في ذلك الغرض وألفته، لقرت به عيون وسرت ألباب، إذ هو والله الغاية في هذا الباب، ولكن المرء ابن وقته وساعته، وكل ينفق على قدر وسعه
واستطاعته، وعذر مثل باد، للمصنفين من العباد، إن قصرت فيما تبصرت، أو تخلفت في الذي تكلفت، أو أضعت تحرير ما وضعت، والتقمت ثدي التقصير ورضعت، أو أطعت داعي التواني فتأخرت عمن سبق وانقطعت، (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)، ومن كانت بضاعته مزجاة، فهو عن الإنصاف بمنجاة، إذ أتى بالمقدور، وتبرأ من الدعوى في الورود والصدور، وعين الرضا عن كل عيب كليلة، والسلامة من الملامة متعذرة أو قليلة، وقد قال إمامنا مالك صاحب المناقب الجليلة: ((كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر)) ﷺ أزكى صلاة وأتم سلام وشفى بجاهه من الآلام قلوبنا العليلة، وجلعنا ممن كان اتباع سنته رائدة ودليله، آمين.
والحمد لله الذي يسر لي هذا القدر، مع ضيق الصدر، وقلة بضاعتي، وكثرة إضاعتي، فإن حمده ﷻ تتضوع به المطالب طيباً، وتقتضي ببركته المآرب فيرقى صاحبها على منبر القبول خطيباً، وتعذب به المشارب فتنبت في أرض القرطاس، من زاكي الغراس، ما يروق منظراً نضيراً ويورق غصناً رطيباً، وقد أتيت من المقال، بما يقر إن شاء الله تعالى عين وامق ويرغم أنف قال، وإن كنت ممن هو في ثوب العي رافل، وعن نسبته للقصور غير غافل، وممن جعل هدفاً وصير مكان الدرر صدفاً، إذ لسان الدين بن الخطيب إمام هذه الفنون، المحقق لذوي الآمال الظنون، المستخرج من بحار البلاغة المكنون، وله اليد الطولي في العلوم على اختلاف أجناسها، والألفاظ الرائقة التي تزيح وحشة الأنفس بإيناسها:
ناهيك من فرد أغر ممدح رحب الذرا حر الكلام محسد
بهر النام رياسة وسياسة وجلالة في المنتمي والقعدد
وأتى بكل بديعة في نوعها لم تخترع وغريبة لم تعهد
ما شئت من شعر أرق من الصبا وكتابه أزهى من الزهر الندي
وبديع قرطاس توشح متنه بمنمنم من رقمه ومنجد
بهج كأن الحسن حل أديمه فكساه ريعان الشباب الأغيد
وكأنما سال العذار عليه أو خطته أيدي الغانيات بإثمد
يختال بين موصل ومفصل مطرز ومنظم ومنضد
كالبرد في توشيعه، والسلك في ترصيعه، والوشي نمق باليد
قد قيد الأبصار والأفكار من ألفاظه بمثقف ومقيد
ما فيه مغرز إصبع إلا وفي؟ هـ نتيجة لمفرع ومولد
ولكل جزء حكمة أو ملحة أو بدعة لمرسل ومقصد
أوليس مثلي قاصراً عن وصفه والحق نور واضح للمهتدي
وكما قلت وقد عجزت عن أداء الواجب وحاولت المسنون، وفضل الله سبحانه على من يشاء من عباده ليس بممنوع ولا ممنون:
ليت شعري أي العبارات توفي واجب أبن الخطيب مما أروم
وأنا عاجز عن البعض منها لقصوري وما العيي ملوم
وهو يدعي لسان دين وناهي؟ ك افتخاراً به تتم الرسوم
فبأي الحلى أحلي علا من نال فضلاً روته عرب وروم
وعلى الفرض ما الذي أنتحى من؟ هـ لدى الوصف أن يخص العموم
ألحفظ قد ارتوى من معين لصواب عليه كل يحوم
أم لفهم يستخرج الدر غوصاً من بحارٍ يخشى بها من العوم
أم لفكر مؤلف في فنون عدة ما به تداوى الكلوم
أم لنظم كأنه جوهر السل؟ ك غلا قدره على من يسوم
تتباهى به الصدور حلياً وتروق العيون منه نجوم
أم لنثر وافى بسحر بيان فهو كالروح والمعاني جسوم
وأظلته للبديع سماء تتلالا في جانبيها العلوم
فاستزادت منه النفوس رشاداً واستزانت منه النهى والحلوم
أمن لخط منمنم فاق حسناً مثل وشيٍ تلوح منه الرقوم
أو كزهر في بهجة ورواء وأريج به تزاج الغموم
والغصون الأقلام، والطرس روض ناضر، والمداد غيث سجوم
تلك ست أعجزن وصفي فإني بسواها مما يجل أقوم
ولم يكن جمعي - عليه الله - هذا التأليف لرفد أستهديه، أو عرض نائل أستجديه، بل لحق ود أؤديه، ودين وعد أقدمه وأبديه، ووقوف عند حد لا يجوز تعديه، وتلبية داع أحييه وأفديه:
إن من يرجو نوالا وندى من بني الدنيا لذو حظ غبين
فلقد كان على غير الهدى من يسومهم برب العالمين
ويرجي منهم الرزق فهل خالق الكل فقير أو ضنين
أنخلي قصد رب مالك ونرى للخلق جهلاً قاصدين
ما لنا من مخلص نأتي به غير جاه المصطفى الهادي الأمين
سيد الخلق العماد المرتجى للملمات شفيع المذنبين
فعليه صلوات تنتحي حضرةً حل بها في كل حين
والرضى من بعد عن أربعة هم بحق أمراء المؤمنين
فيميناً إن من يهواهم ليكونن من أصحاب اليمين
وسط جنات تحييه بها آنسات قاصرات الطرف عين
بقوارير لجين شربه وأباريسق وكأس من معين
والذي شرفهم يمنحنا حبهم والكون معهم أجمعين
فدونك أيها الناظر في هذا الكتاب، المتجافي عن مذهب النقد والعتاب، كلمات سوانح، اختلست مع اشتعال الجوانح، وتضاد الأمور الموانع والموانح، وألفاظ بوارح اقتضت بين أشغال الجوارح، وطرفاً أسمت الطرف في مرعاها وكانت هملاً غير سوارح، وتحفاً يحصل بها لناظره الإمتاع، ولا يعدها من سقط المتاع المبتاع، ويلهج بها المرتاح ويستأنس المستوحش المرتاع.
[منهج الكتاب]
وبعد أن خمنت تمام هذا التصنيف، وأمعنت النظر فيما يحصل به التقريط لسامعه والتشنيف، قسمته قسمين، وكل منهما مستقل بالمطلوب فيصح أن يسميا باسمين:
القسم الأول - فيما يتعلق بالأندلس من الأخبار المترعة الأكواب، والأنباء المنتحية صوب الصواب، الرافلة من الإفادة في سوابغ الأثواب، وفيه بحسب القصد والاقتصار، وتحري التوسط في بعض المواضع دون الاختصار، ثمانية من الأبواب:
الباب الأول: في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها، واعتدال مزاجها ووفور خيرها وكمالها واستوائها، واشتمالها على كثير من المحاسن واحتوائها، وكرم نباتها الذي سقته سماء البركات من جنباتها بنافع أنوائها، وذكر بعض مآثرها المجلوة الصور، وتعداد كثير مما لها من البلدان والكور، المستمدة من أضوائها.
الباب الثاني: في إلقاء بلد الأندلس للمسلمين بالقياد، وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد، وصيرورتها ميداناً لسبق الجياد، ومحط رحال الارتياء والارتياد، وما يتبع ذلك من خبر حصل بازديانه ازدياد، ونبإ وصل إليه اعتيام وتقرر بمثله اعتياد.
الباب الثالث: في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد، والقهر للعدو في الرواح والغدو والتحرك للهدو البالغ غاية الآماد، وإعمال أهلها للجهاد، بالجد والاجتهاد، في الجبال والوهاد، بالأسنة المشرعة والسيوف المستلة من الأغماد.
الباب الرابع: في ذكر قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة، وجامعها الأموي ذي البدائع الباهية الباهرة، والإلماع بحضرتي الملك: الزهراء الناصرية والعامرية الزاهرة، ووصف جملة من متنزهات تلك الأقطار ومصانعها ذات المحاسن الباطنة والظاهرة، وما يجر إليه شجون الحديث من أمور تقتضي بحسن إيرادها القرائح الوقادة والأفكار الماهرة.
الباب الخامس: في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق
الذاكية العرار والبشام، ومدح جماعة من أولئك الأعلام، ذوي الألباب الراجحة والأحلام، لشامة وجنة الأرض دمشق الشام، وما اقتضته المناسبة من كلام أعيانها وأرباب بيانها ذوي السؤدد والاحتشام، ومخاطباتهم للمؤلف الفقير حين حلها عام سبعة وثلاثين وألف وشاهد برق فضلها المبين وشام.
الباب السادس: في ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق، المهتدين في قصدهم إليها بنور الهداية المضيء المشرق، والأكابر الذين حلوا منها بحلولهم فيها الجيد والمفرق، وافتخروا برؤية قطرها المونق على المشئم والمعرق.
الباب السابع: في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم في اكتساب المعارف والمعالي والمعالي ما عز أو هان، وحوزهم في ميدان البراعة من قصب السبق خصل الرهان، وجملة من أجوبتهم الدالة على لوذعيتهم، وأوصافهم المؤذنة بألمعيتهم، وغير ذلك من أحوالهم التي لها على فضلهم أوضح برهان.
الباب الثامن: في ذكر تغلب العدو الكافر علىالجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها، وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره، واستعماله في أمرها حيل فكره، حتى استولى - دمره الله - عليها، ومحا منها التوحيد واسمه، وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه، وقرر مذهب التثليب والرأي الخبيث لديها، واستغاثة من بها بالنظم والنثر، أهل ذلك العصر، من سائر الأقطار، حين تعذرت بحصارها، مع قلة حماتها وأنصارها، المآرب والأوطار، وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها، أعاد
الله تعالى إليها كلمة الإسلام، وأقام فيها شريعة سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها، آمين.
ولم أخل باباً في هذا القسم من كلام لسان الدين بن الخطيب وإن قل، مع أن القسم الثاني بذلك كما ستقف عليه قد استقل، وهذا آخر ما تعلق بالقسم الأول، وعلى الله سبحانه المتكل والمعول.
القسم الثاني - في التعريف بلسان الدين بن الخطيب، وذكر أنبائه التي يروق سماعها ويتأرج نفحها ويطيب، وما يناسبها من أحوال العلماء الأفراد، والأعلام الذي اقتضى ذكرهم شجون الكلام والاستطراد، وفيه أيضاً من الأبواب ثمانية، موصلة إلى جنات أدب قطوفها دانية، وكل غصن منها رطيب:
الباب الأول: في أولية لسان الدين وذكر أسلافه، الذين ورث عنهم المجد وارتضع در أخلافه، وما يناسب ذلك مما لا يذهب المنصف إلى خلافه.
الباب الثاني: في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له ثم قلبه له ظهر المجن على عادته، في مصافاته، ومنافاته، وارتكابه، في شباكه، وما لقي من إحن الحاسد، ذي المذهب الفاسد، ومحن الكايد المستأسد وآفاته، وذكر قصوره وأمواله، وغير ذلك من أحواله، في تقلباته عندما قابله الزمان بأهواله، في بدئه وإعادته إلى وفاته.
الباب الثالث: في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتصل
بذلك من الأخبار الشافعية للعلة، والمواعظ المنجية من الأهواء المضلة، والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة.
الباب الرابع: في مخاطبات الملوك والأكابر الموجهة إلى حضرته العلية، وثناء غير واحد من أهل عصره عليه، وصرف القاصدين وجوه التأمل إليه، واجتلائهم أنوار رياسته الجلية.
الباب الخامس: في إيراد جملة من نثره الذي عبق أريج البلاغة من نفحاته، ونظمه الذي تألق نور البراعة من لمحاته وصفحاته، وما يتصل به من بعض أزجاله وموشحاته، ومناسبات رائقة من فنون الأدب ومصطلحاته.
الباب السادس: في مصنفاته في الفنون، ومؤلفاته المحققة للواقف عليها الآمال والظنون، وما كمل منها أو اخترمته دون إتمامه المنون.
الباب السابع: في ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه، المستدلين به على المنهاج، المتلقين أنواع العلوم منه، والمقتبسين أنوار الفهوم من سراجه الوهاج.
الباب الثامن: في ذكر أولاده الرافلين في حلل الجلالة، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين العلم والحلم والرياسة والمجد عن غير كلالة، ووصيته لهم الجامعة لآداب الدين والدنيا، المشتملة على النصائح الكافية، والحكم الشافية، من كل مرض بلا ثنيا، المنقذة من أنواع الضلالة، وما يتبع ذلك من المناسبات القوية، والأمداح النبوية، التي لها على حسن الختام أظهر دلالة.
وقد كنت أولاً سميته ب؟ ((عرف الطيب، في التعريف بالوزير ابن الخطيب))، ثم وسمته حين ألحقت أخبار الأندلس به ب؟ ((نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب)).
وله بالشام تعلق من وجوه عديدة، هادية متأملها إلى الطرق السديدة:
أولها: أن الداعي لتأليفه أهل الشام - أبقى الله مآثرهم وجعلها على مر الزمان مديدة.
ثانيها: أن الفاتحين للأندلس هم أهل الشام ذوو الشوكة الحديدة.
ثالثها: أن غالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا بالأندلس وطناً مستأنفاً وحضرة جديدة.
ورابعها: أن غرناطة نزل بها أهل دمشق، وسموها باسمها لشبهها بها في القصر والنهر، والدوح والزهر، والغوطة الفيحاء، وهذه مناسبة قوية العرى شديدة.
[خاتمة المقدمة]
هذا، وإني أسأل ممن وقف عليه، أن ينظر بعين الإغضاء إليه، كما أطلب ممن كان السبب في تصنيفه، والداعي إلى تأليفه وترصيفه، استناداً لركن الثقة، واعتماداً على الود والمقة، أن يصفح عما فيه من قصور ويسمح، ويلاحظه بعين الرضى الكليلة ويلمح، إذ ركبت شكل منطقه والأشجان غالبة، وقضية الغربة، موجبة للكربة، ولبعض الآمال سالبه، وهو - وإن لم يوف
بكل الغرض - يخلو من فائدة، وقد يستدل على الجوهر بالعرض، فإن أديت المفترض وذاك المرام الذي أرتضيه، ويوجب الود ويقتضيه:
وإلا فحسبي أن بذلت به جهدي وأنفقت من وجدي على قدر ما عندي
وقد توهمت أني لم أسبق إلى مثله في بابه، إذ لم اقف له على نظير أتعلق بأسبابه، ورجوت أن يكون هدية مستملحة مستعذبة، وطرفة مقبولة مستغربة:
هديتي تقصر عن همتي وهمتي أكثر من مالي
وخالص الود ومحض الإخا أكثر ما يهديه أمثالي
وأوردت فيه من نظم وإنشاء، ما يكفي المقتصر عليه إن شاء، ومن أخبار ملوك ورؤساء، وطبقات من أحسن أو اساء، ما فيه للمتأمل، وادكار للراحل المتحمل، وزينة للذاكر المتجمل، وتنكيت على أهل البطر، وتبكيت لمن خرج من دنياه ولم يقض من الطاعة الوطر:
أرى أولاد آدم أبطرتهم حظوظهم من الدنيا الدنيه
فلم بطروا وأولهم مني إذا نسبوا وآخرهم منيه
وفيه إيقاظ لمثلي من سنة الغفلة، وحث على عدم الاغترار بالمهلة، وتنبيه للابس برد الشباب القشيب، أنه لا بد من حادث الموت قبل أو بعد المشيب:
لله در الشيب من واعظ وناصح منهاجه واضح
كل امرئ يعجبه شأنه وحادث الدهر له فاضح
فكم باك على عصر الشبياب، وشاك لفراق عهد الصبا والأحباب، أنساه طارق الزمان سليمي والرباب:
مضى عصر الشباب كلمح برق وعصر الشيب بالأكدار شيبا
وما أعددت قبل الموت زاداً ليوم يجعل الولدان شيبا
وما أحسن قول بعض الأعلام:
مضى ما مضى من حلو عيش ومره كأم لم يكن إلا كأضغاث أحلام
وقول من أرشد سفيها:
إنما هذه الحياة متاع فالمجهول الجهول من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
وفي معناه لغيره:
دنياك شيئان فانظر ما ذانك الشيئان
ما فات منها فحلم وما بقي فأماني
وما أحكم قول ابن حطان، مع وقوعه من البدعة في أشطان:
يأسف المرء على ما فاته من لبنات إذا لم يقضها
وتراه ضاحكاً مستبشراً بالتي أمضى كأن لم يمضها
إنها عندي كأحلام الكرى لقريب بعضها من بعضها
ولغيره:
والله لو كانت الدنيا بأجمعها تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا
ما كان من حق حر أن يذل لها فكيف وهي متاع يضمحل غدا
ولآخر:
لا حظ في الدنيا لمستبصر يلمحها بالفكرة الباصره
إن كدرت مشربه ملها وإن صفت كدرت الآخرة
ويعجبني قول الوزير ابن المغربي:
إني أبثك من حدي؟ ثي والحديث له شجون
فارقت موضع مرقدي ليلاً ففارقني السكون
قل لي فأول ليلة للقبر كيف ترى أكون
وقول ماميه:
تأمل في الوجود بعين فكر تر الدنيا الدنية كالخيال
ومن فيها جميعاً سوف بفنى ويبقة وجه ربك ذو الجلال
وقول بعض العارفين:
استعدي يا نفس للموت واسعي لنجاة فالحازم المستعد
قد تبينت أنه ليس للحي خلود وما من الموت بد
إنما أنت مستعيره ما سو ف تردين والعواري ترد
أنت تسهين والحوادث لا تس؟ هو وتلهين والمنايا تجد
أي ملك في الأرض أو أي حظلامرئ حظه من الأرض لحد
لا ترجي البقاء في معدن الموت ودارٍ حتوفها لك ورد
كيف يرجو امرؤ لذاذة أيا ... م عليه الأنفاس فيها تعد وأسأل من مبلغ السائلين ما يرجون: أن يصفح عن زلاتي ويسامحني فيما أوردت في هذا الكتاب من الهزل والمجون، الذي جرت المناسبة إليه والحديث شجون، وما القصد منه إلا ترويح قلوب الذين يسوقون عيس الأسمار ويزجون، وفيما أوردت من المواعظ والنصائح، وحكايات الأولياء الذين طيب زهر مناقبهم فائح، والتوسل بمحاسن الأمداح النبوية أن يستر بفضله سبحانه القبائح، ويرينا وجه القبول بلا اكتتام، ويمنحنا الزلفى وحسن الختام:
ومن يتوسل بالنبي محمدشفيع البرايا السند الأسنى
فذاك جدير أن يكفر ذنبه ... ويمنح نيل القصد والختم بالحسنى وهذا أوان الشروع، في الأصول من هذا الكتاب والفروع، وعلى الله سبحانه أعتمد، ومن معونته أستمد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع