تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الثالث في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد، والقهر للعدوّ (٥)

[؟ بيعة سليمان المستعين]

ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر، وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتوامروا، فبايعوه ولقّ؟ بوه المستعين بالله، ونهضوا به إلى ثغر طليطلة، فاستجاش بابن أذفونش، ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة، وبرز إليه المهدي في كافة أهل البلد وخاصة الدولة، فكانت الدائرة عليهم، واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفاً، وهلك من خيار الناس وأئمة المساجد وسدنتها ومؤذنيها عالم، ودخل المستعين قرطبة ختام المائة الرابعة. ولحق المهدي بطليطلة. واستجاش بابن أذفونش ثانية، فنهض معه إلى قرطبة، وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر من ظاهر قرطبة، ودخل قرطبة - أعني المهدي - وملكها، وخرج المستعين مع البربر، وتفرّقوا في البسائط ينهبون ولا يبقون على أحد، ثمّ ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء، فخرج المهدي ومعه ابن أذفونش لاتّباعهم، فكرّوا عليهم، فانهزم المهدي وابن أذفونش ومن معه من المسلمين والنصارى، وابتعهم المستعين إلى قرطبة، فأخرج المهدي هشاماً المؤيد للناس، وبايع له، وقام بأمر حجابتهن ظنّاً منه أن ذلك ينفعه، وهيهات، وحاصرهم وحاشية المؤيد بالمهديّ وأن الفتنة إنّما جاءت من قبله، وتولى كبر ذلك واضحٌ العامري، فقالوا المهديّ، واجتمع الكافّة على المؤيد، وقام واضحٌ بحجابته، واستمر الحصار، ولم يغن عن أهل قرطبة ما فعلوه شيئاً، إلى أن هلكت القرى والبسائط بقرطبة، وعدمت المرافق، وجهدهم الحصار، وبعث المستعين إلى أهل ابن أذفونش يستقدمهم لمظاهرته، فبعث إليهم هشام وحاجبه واضح يكفّونهم عن ذلك، بأن ينزلوا لهم عن ثغور قشتالة التي كان المنصور

افتتحها، فسكن عن مظاهرتهم عزم أذفونش، ولم يزل الأمر حتى دخل المستعين قرطبة ومن معه من البربر عنوة سنة ثلاث وأربعمائة، وقتل هشام سرّاً، ولحق بيوتات قرطبة معرة في نسائهم وأبنائهم.

وظن المستعين أن قد استحكم أمره، وتوثبت البرابرة والعبيد على الأعمال، فولوا المدن العظيمة، وتقلّدوا البلاد الواسعة، مثل باديس بن حبّوس في غرناطة، والبرزالي في قرمونة، واليفرني في رندة، وخزرون في شريش، وافترق شمل الجماعة بالأندلس، وصار الملك طوائف في آخرين من أهل الدولة، مثل ابن عبّاد بإشبيلية، وابن الأفطس ببطليوس، وابن ذي النون بطليطلة، وابن أبي عامر ببلنسية، وابن هود بسرقسطة، ومجاهد العامري بدانية والجزائر ... وكان مائلاً لبني حمّود يهجو سليمان المستعين:

لا رحم الله سليمانكمفإنّه ضدّ سليمان
ذاك به غلّت شياطينهاوحلّ هذا كلّ شيطان

فباسمه ساحت على أرضنا ... لهلك سكان وأوطان وكان من أعظم الأسباب في فساد دولة المستعين أنّه قال هذه الأبيات مستريحاً بها إلى خواصّه، وهي قوله:

حلفت بمن صلّى وصام وكبّرالأغمدها فيمن طغى وتجبّرا
وأبصر دين الله تحيا رسومهفبدّل ما قد لاح منها وغيّرا
فواعجباً من عبشميّ مملّكٍبرغم العوالي والمعالي تبربرا
فلو أن أمري بالخيار نبذتهموحاكمتهم للسّيف حكماً محرّرا

فإمّا حياة تستلذّ بفقدهم ... وإمّا حمامٌ لا نرى فيه ما زرى وقد سلك هذا الملك المرتضى المرواني فقال:

قد بلغ البربر فينا بناما أفسد الأحوال والنّظما
كالسّهم للطائر لولا الذيفيه من الرّيش لما أصمى
قوموا بنا في شأنهم قومةًتزيل عنّا العار والرّغما

إمّا بها نملك، أو لا نرى ... ما يرجع الطّرف به أعمى وكان عليّ بن حمّود الحسني وأخوه قاسم من عقب إدريس ملك فاس وبانيها قد أجازوا مع البربر من العدوة إلى الأندلس، فدعوا لأنفسهم، واعصوصب عليهم البربر، فملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة، وقتلوا المستعين، ومحوا ملك بني أمية، واتصل ذلك في خلفٍ منهم سبع سنين، ثم رجع الملك إلى بني أمية.

وكان المستعين المذكور أديباً بليغاً، ومن شعره يعارض هرون الرشيد في قوله:

ملك الثلاث الآنسات عنانيالأبيات - قوله:
عجباً يهاب الليث حدّ سنانيوأهاب سحر فواتر الأجفان
وأقارع الأهوال لا متهيّباًمنها سوى الإعراض والهجران
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما لي على شرفي ورفعة شاني»
وتملّكت نفسي ثلاثٌ كالدّمىزهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظّلماء لحن لناظريمن فوق أغصانٍ على كثبان
حاكمت فيهنّ السلوّ إلى الرضىفقضى بسلطانٍ على سلطاني
هذي الهلال، وتلك بنت المشتريحسناً، وهذي أخت غصن البان
فأبحن من قلبي الحمى وتركننيفي عزّ ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلّل في الهوىذلّ الهوى عزٌّ وملك ثاني
ما ضرّ أنّي عبدهنّ صبابةوبنو الزمان وهنّ من عبداني
إن لم أطع فيهنّ سلطان الهوىكلفاً بهنّ فلست من مروان [بنو حمّود]

وولي الأمر بعده علي بن حمّود الحسني، تلقّب بالناصر، وخرج عليه العبيد وبعض المغاربة، وبايعوا المرتضى أخا المهدي، ثم اغتيل المرتضى، واستقام الملك لعلي بن حمّود نحو عامين، إلى أن قتلته صقالبته بالحمّام سنة ثمان وأربعمائة، فولي مكانه أخوه القاسم، وتلقّب بالمأمون، ونازعه الأمر بعد أربع سنين من خلافته يحيى ابن أخيه، وكان على سبتة، فأجاز إلى الأندلس سنة عشر، واحتل بمالقة وكان أخوه إدريس بها منذ عهد أبيهما، فبعثه إلى سبتة، ثم زحف يحيى إلى قرطبة فملكها سنة ثنتي عشرة وأربعمائة، وتلقب المعتلي، وفرّ عمّه المأمون إلى إشبيلية وبايع له القاضي ابن عبّاد، واستجاش بعض البرابرة، ثم رجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة وملكها، ثم لحق المعتلي بمكانه من مالقة، وتغلّب على الجزيرة الخضراء وتغلّب أخوه إدريس على طنجة من وراء البحر، وكان المأمون يعتدّها حصناً لنفسه، وفيها ذخائره،

فلمّا بلغه الخبر اضطرب، وثار عليه أهل قرطبة، ونقضوا طاعته، وخرج فحاصرهم فدافعوه، ولحق بإشبيلية فمنعوه، وكان بها ابنه فأخرجوه إليه، وضبطوا بلدهم، واستبدّ ابن عباد بملكها، ولحق المأمون بشريش، ورجع عنه البربر إلى يحيى المعتلي ابن أخيه، فبايعوه سنة خمس عشرة، وزحف إلى عمّه المأمون فتغلّب عليه ولم يزل عنده أسيراً وعند إخيه إدريس بمالقة إلى أن هلك بمحبسه سنة سبع وعشرين، وقيل: إنّه خنق كم سيأتي، واستقل المعتلي بالأمر، واعتقل ابني عمّه القاسم.

وكان المستكفي من الأمويين استولى على قرطبة في هذه المدّة عندما أخرج أهلها العلوية، ثم خلع أهل قرطبة المستكفي الأموي سنة ست عشرة، وصاروا إلى طاعة المعتلي، واستعمل عليهم ابن عطّاف من قبله، ثمّ نقضوا سنة سبع عشرة، وصرفوا عاملهم، وبايعوا للمعتدّ الأموي أخي المرتضى، وبقي المعتلي يردّد لحصارهم العساكر إلى أن اتفقت الكلمة على إسلام الحصون والمدائن له، فعلا سلطانه، واشتدّ أمره إلى أن هلك سنة تسع وعشرين، اغتاله أصحابه بدسيسة ابن عبّاد الثائر بإشبيلية، فاستدعى أصحابه أخاه إدريس ابن علي [بن حمود] من سبتة وملّكوه، ولقبوه المتأيّد، وبايعته رندة وأعمالها والمريّة والجزيرة الخضراء، وبعث عساكره لحرب أبي القاسم إسماعيل ابن عبّاد والد المعتضد بن عباد، فجاءوه برأسهبعد حروب، وهلك ليومين بعد ذلك سنة إحدى وثلاثين، وبويع ابنه يحيى، ولم يتم له أمر، وبويع حسن المستنصر بن المعتلي، وفر يحيى إلى قمارش فهلك بها سنة أربع وثلاثين، ويقال: إنّه قتله نجا، وهلك حسن مسموماً بيد ابنة عمّه إدريس، ثأرت منه بأخيها، وكان إدريس بن يحيى المعتلي معتقلاً بمالقة فأخرج بعد خطوب وبويع بها، فأطاعته غرناطة وقرمونة، ولقّب العالي، وهو الممدوح بالقصيدة

المشهورة بالمغرب التي قالها فيه أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا القبذاقي الأشبوني من شعراء الذخيرة، وهي:

ألبرقٍ لائحٍ من أندرينذرفت عيناك بالماء المعين
لعبت أسيافه عاريةًكمخاريق بأيدي اللاّعبين
ولصوت الرّعد زجرٌ وحنينولقلبي زفراتٌ وأنين
وأناجي في الدّجى عاذلتيويك لا أسمع قول العاذلين
عيّرتني بسقام وضنىًإنّ هذين لدين العاشقين
قد بدا لي وضح الصبح المبينفاسقنيها قبل تكبير الأذين
إسقنيها مزة مشمولةًلبثت في دنها بضع سنين
نثر المزج على مفرقهادرراً عامت فعادت كالبرين
مع فتيان كارم نجبٍيتهادون رياحين المجون
شربوا الراح على خدّ رشاًنوّر الورد به والياسمين
وجلت آياته عامدةًسبج الشّعر على عاج الجبين
لوت الصّدغ على حاجبهضمّة اللاّم على عطفة نون
فترى غصناً على دعص نقاًوترى ليلاً على صبحٍ مبين
وسيسقون إذا ما شربوابأباريق وكأسٍ من معين
ومصابيح الدّجى قد طفئتفي بقايا من سواد الليل جون
وكأنّ الظلّ مسكٌ في الثّرىوكأنّ الطّلّ درٌّ في الغصون
والنّدى يقطر من نرجسهكدموعٍ أسبلتهنّ الجفون
والثريّا قد هوت من أفقهاكقضيبٍ زاهرٍ من ياسمين
وانبرى جنح الدّجى عن صبحهكغرابٍ طار عن بيضٍ كنين
وكأنّ الشّمس لمّا أشرقتفانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن عليبن حمّودٍ أمير المؤمنين
ملكٌ ذو هيبة لكنّهخاشعٌ لله ربّ العالمين
خطّ بالمسك على أبوابه:ادخلوها بسلام آمنين
فإذا ما رفعت راياتهخفقت بين جناحي جبرئين
وإذا أشكل خطبٌ معضلٌصدع الشكّ بمصباح اليقين
فبيسراه يسار المعسرينوبيمناه لواء السّابقين
يا بني أحمد يا خير الورىلأبيكم كان وفد المسلمين
نزل الوحي عليه فاحتبىفي الدّجى فوقهم الرّوح الأمين
خلقوا من ماء عدلٍ وتقىًوجميع الناس من ماءٍ وطين

انظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين وقيل: إنّه أنشده إيّها من وراء حجاب اقتفاءً لطريقة خلفاء بني العباس، فلمّا بلغ إلى قوله:

انظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين أمر حاجبه أن يرفع الحجاب، وقابل وجهه وجه الشاعر دون حجاب،

وأمر له بإحسان جزيل، فكان هذا من أنبل ما يحكى عنه.

وخلع العالي سنة ثمانٍ وثلاثين، وولي ابن عمّه محمّد بن إدريس بن علي، وتلقّب بالمهدي، وتوفّي سنة أربع وأربعين.

وبويع إدريس بن حيى بن إدريس، ولقّب الموفق، ولم يخطب له بالخلافة وزحف إليه العالي إدريس المخلوع الممدوح بالقصيدة السابقة، وكان بقمارش، فدخل عليه مالقة، وأطلق أيدي عبيده عليها لحقده عليهم، ففرّ كثير منهم، وتوفّي العالي سنة ست أو سبع وأربعين.

وبويعمحمّد بن إدريس، ولقّب المستعلي، ثم سار إليه باديس بن حبّوس سنة تسع وأربعين وأربعمائة، فتغلّب على مالقة، وسار محمّد إلى المريّة مخلوعاً، ثم استدعاه أهل المغرب إلى مليلة [فأجاز إليهم] وبايعوه سنة ست وخمسين، وتوفّي سنة ستين.

وكان محمد بن القاسم بن حمّود لما اعتقل أبوه القاسم بمالقة سنة أربع عشرة فرّ من الاعتقال ولحق بالجزيرة الخضراء وملكها، وتلقّب بالمعتصم، إلى أن هلك سنة أربعين، ثم ملكها بعده ابنه القاسم الواثق، إلى أن هلك سنة خمسين، وصارت الجزيرة للمعتضد بن عبّاد، ومالقة لابن حبّوس مزاحماً لابن عبّاد.

وانقرضت دولة الأشراف الحمّوديين من الأندلس، بعد أن كانوا يدّعون الخلافة.

[خلافة المستظهر]

وأمّا قرطبة فإن أهلها لمّا قطعوا دعوة الحمّوديين بعد سبع سنين من ملكهم

وزحف إليهم القسم بن حمّود في البربر، فهزمهم أهل قرطبة، ثم اجتمعوا واتفقوا على ردّ الأمر لبني أميّة، واختاروا لذلك عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار أخا المهدي، وبايعوه في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، ولقّبوه المستظهر وقاموا بأمره، ومن شعره قوله:

طال عمر الليل عنديمذ تولّعت بصدّي
يا غزالاً نقض العهد ولم يوف بوعد
أنسيت العهد إذ بتنا على مفرش ورد
واجتمعنا في وشاحٍوانتظمنا نظم عقد

ونجوم الليل تحكي ... ذهباً في لازورد قال الحجاري: لو قال لؤلؤاً في لازورد لكان أحسن تشبيهاً، وأنشد متمثّلاً:

إنّا عصابتك الألىكنّا نكابد ما تكابد

هذا أوان بلوغنا ال ... نّعمى وإنجاز المواعد وكان حسّان بن أبي عبدة من وزراء المستظهر، ولمّا أكثر المستظهر دونه الاستبداد كتب إليه بقوله:

إذا غبت لم أحضر، وإن جئت لم أسلفسيّان مني مشهدٌ ومغيب
للشاعر أبو عبدة الوزير، من قصيدة «إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل»
فأصبحت تيميّاً، وما كنت قبلهالتيمٍ، ولكنّ الشبيه نسيب يشير إلى قول الأول:
يقضى المر حين تغيب تيمٌولا يستأذنون وهم شهود وعاتبه أيضاً بقوله:
إذا كان مثلي لا يجازى بصبرهفمن ذا الذي بعدي يجازى على الصّبر
وكم مشهدٍ حاربت فيه عدوّكموأمّلت في حربي له راحة الدّهر
أخوض إلى أعدائكم لجج الوغىوأسري إليهم حيث لا أحدٌ يسري
وقد نام عنهم كلّ مستبطن الحشاأكول إلى الممسى نؤوم إلى الظّهر

فما بال هذا الأمر أصبح ضائعاً ... وأنت أمين الله تحكم في الأمر وسيأتي إن شاء الله تعالى من كلام الوزير المذكور ما يدلّ على عظيم قدره، وهناك نذكر تحلية الفتح له.

[بيعة المستكفي والمعتد]

ثمّ ثار عليه لشهرين من خلافته محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، فاتّبعه الغوغاء، وفتك بالمستظهر، وتلقّب بالمستكفي، واستقلّ بأمر قرطبة، وهو والد الأديبة الشهيرة ولاّدة، ولعلّنا نلمّ ببعض أخبارها إن شاء الله تعالى فيما بعد، وكان أبوه عبد الرحمن قتله المنصور بن أبي عامر لسعيه في الخلاف.

ثم بعد ستة عشر شهراً من بيعة المستكفي رجع الأمر إلى المعتلي يحيى بن عليّ بن حمّود سنة ست عشرة، وخلع أهل قرطبة المستكفي، وولى عليهم

المعتلي من قبله، وفرّ المستكفي إلى ناحية الثغر، ومات في مفرّه، ثم بدا لأهل قرطبة فخلعوا المعتلي بن حمّود سنة سبع عشرة، وبايع الوزير أبو محمد جهور ابن محمد بن جهور عميد الجماعة وكبير قرطبة لهشام بن محمد أخي المرتضى، وكان بالثغر في لاردة عند ابن هود، وذلك سنة ثماني عشرة، وتلقّب المعتدّ بالله، وأقام متردّداً في الثغر ثلاثة أعوام، واشتدّت الفتن بين رؤساء الطوائف، واتّفقوا على أن ينزل دار الخلافة بقرطبة، فاستقدمه ابن جهور والجماعة، ونزلها آخر سنة عشرين، وأقام بها يسيراً، ثم خلعه الجند سنة ثنتين وعشرين، وفرّ إلى لاردة فهلك بها سنة ثمان وعشرين.

[انقضاء الأموية وظهور ملوك الطوائف]

وانقطعت الدولة الأمويّة من الأرض، وانتثر سلك الخلافة بالمغرب، وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خطّتها، وتغلّب بعضٌ على بعض، واستقل أخيراً بأمرها منهم ملوك استفحل أمرهم وعظم شأنهم، ولاذوا بالجزى للطاغية أن يظاهر عليهم أو أن يبتزهم ملكهم، وأقاموا على ذلك برهة من الزمان، حتى قطع إليهم البحر ملك العدوة وصاحب مرّاكش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللّمتوني، فخلعهم وأخلى منهم الأرض.

[ملوك الطوائف]

[بنو عباد وبنو جهور]

فمن أشهرهم بنو عبّاد ملوك إشبيلية وغرب الأندلس الذين منهم المعتمد ابن عبّاد الشهير الذكر بالمغرب والمشرق، وفي الذخيرة والقلائد من أخباره ما هو كافٍ شافٍ.

ومنهم بنو جهور، كانوا بقرطبة في صورة الوزارة، حتى استولى عليهم المعتمد بن عبّاد، وأخذ قرطبة، وجعل عليها ولده، ثم كانت له وعليه حروب وخطوب، وفرق أبناءه على قواعد الملك، وأنزلهم بها، واستفحل أمره بغرب الأندلس، وعلت يده على من كان هنالك من ملوك الطوائف، مثل ابن حبّوس بغرناطة، وابن الأفطس ببطليوس، وابن صمادح بالمريّة، وغيرهم، فكانوا يخطبون سلمه، ويغلون في مرضاته، وكلهم يدارون الطاغية ويتّقونه بالجزى، إلى أن ظهر يوسف بن تاشفين، واستفحل ملكه، فتعلّقت آمال الأندلس بإعانته، وضايقهم الطاغية في طلب الجزية، فقتل المعتمد اليهوديّ الذي جاء في طلب الجزية للطاغية، بسبب كلمة آسفه بها، ثم أجاز البحر صريخاً إلى يوسف بن تاشفين، فأجاز معه البحر، والتقوا مع الطاغية في الزلاّقة، فكانت الهزيمة المشهورة على النصارى، ونصر الله تعالى الإسلام نصراً لا كفاء له، حتى قال بعض المؤرخين: إنّه كان عدد النصارى ثلاثمائة ألف، ولم ينج منهم إلاّ القليل، وصبر فيها المعتمد صبر الكرام، وكان قد أعطى يوسف بن تاشفين الجزيرة الخضراء ليتمكن من الجواز متى شاء، ثم طلب الفقهاء بالأندلس من يوسف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عنهم، فتقدّم بذلك إلى ملوك الطوائف، فأجالوه بالامتثال، حتى إذا رجع من بلادهم رجعوا إلى حالهم، وهو خلال ذلك يردّد عساكره للجهاد، ثمّ أجاز إليهم وخلع جميعهم، ونازلت عساكره جميع بلادهم، واستولى على قرطبة وإشبيلية وبطليوس وغرناطة وغيرها، وصار المعتمد بن عبّاد كبير ملوك الأندلس في قبضته أسيراً بعد حروب، ونقله إلى أغمات قرب مراكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة، واعتقله هنالك إلى أن مات سنة ثمان وثمانين، وسنلمّ بما قاله الوزير لسان الدين بن الخطيب فيه حين زار قبره.

وللمعتمد هذا أخبار مأثورة خصوصاً مع زوجته أمّ أولاده الرميكية الملقّبة باعتماد، وقد روي أنّها رأت ذات يوم بإشبيلية نساء البادية يبعن اللبن في القرب وهنّ رافعات عن سوقهنّ في الطين، فقالت له: أشتهي أن أفعل أنا وجواريّ مثل هؤلاء النساء، فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد، وصيّر الجميع طيناً في القصر، وجعل لها قرباً وحبالاً من إبريسم، وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين، فيقال: إنّه لمّا خلع وكانت تتكلّم معه مرّة فجرى بينهما ما يجري بين الزوجين، فقالت له: والله ما رأيت منك خيراً، فقال لها: ولا يوم الطين؟ تذكيراً لها بهذا اليوم الذي أباد فيه من الأموال مالا يعلمه إلاّ الله تعالى، فاستحيت وسكتت.

ومن أعظم ملوك الطوائف غير من تقدّم بنو رزين أصحاب السّهلة، وبنو الفهري أصحاب البونت، وتغلّب عليهما أخيراً يوسف بن تاشفين.

[بنو ذي النون بطليطلة]

ومن أعظم ملوك الطوائف بنو ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي، وكانت لهم دولة كبيرة، وبلغوا في البذخ والتّرف إلى الغاية، ولهم الإعذار المشهور الذي يقال له الإعذار الذّنّوني وبه يضرب المثل عند أهل المغرب، وهو عندهم بمثابة عرس بوران عند أهل المشرق، والمأمون من بني ذي النون هو صاحب ذلك، وهو الذي عظم بين ملوك الطوائف سلطانه، وكان بينه وبين الطاغية مواقف مشهورة، وغلب على قرطبة، وملكها من يد ابن عبّاد المعتمد، وقتل ابنه أبا عمرو، وغلب أيضاً على بلنسية وأخذها من يد بني ابن أبي عامر.

وفي أيّام حافد المأمون - وهو القادر بن ذي النون - كان الطاغية ابن أذفونش قد استفحل أمره، لمّا خلا الجوّ من مكان الدولة الخلافية، وخفّ ما كان على كاهله من إصر العرب، فاكتسح البسائط، وضايق ابن ذي النون، حتى أخذ من يده طليطلة، فخرج له عنها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كما سبق، وشرط عليه أن يظاهره على أهل بلنسية، فقبل شرطه، وتسلّمها [ابن] الفونش، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العيّ العظيم.

ومن أعظم ملوك الأندلس الموالي العامريون مثل خيران وزهير وأشباههما. وأخبار الجميع تطول.

[بنو هود بسرقسطة]

ومن ملوك الطوائف بالأندلس بنو هود ملوك سرقسطة وما إليها، ومن أشهرهم بالمقتدر بالله، وابنه يوسف المؤتمن، وكان المؤتمن قائماً على العلوم الرياضية، وله فيها تآليف، ومنها كتاب الاستكمال والمناظر؛ وولي بعده ابنه المستعين أحمد سنة أخذ طليطلة، وعلى يده كانت وقعة وشقة - زحف سنة تسع وثمانين في آلاف لا تحصى من المسلمين ليدافع الطاغية عن وشقة، وكان محاصراً لها، فلقيه الطاغية وهزمه، وهلك من المسلمين نحو عشرة آلاف، وهلك هو شهيداً سنة ثلاث وخمسمائة، بظاهر سرقسطة في زحف الطاغية إليها، وولي ابنه عبد الملك عماد الدولة، وأخرجه الطاغية من سرقسطة سنة ثنتي عشرة، وتولى ابنه سيف الدولة، وبالغ في النكاية بالطاغية، ثمّ اتفق معه، وانتقل بحشمه إلى طليطلة، فكان فيها حمامه.

ومن شعر المقتدر بن هود قوله ﵀ في مبانيه:

قصر السرور ومجلس الذّهببكما بلغت نهاية الأرب
لو لم يحز ملكي خلافكماكانت لديّ كفاية الطلب [بنو الأفطس ببطليوس]

ومن مشاهير ملوك الطوائف بنو الأفطس أصحاب بطليوس وما إليها، والمظفّر منهم هو صاحب التلأيف المسمّى بالمظفّري في نحو الخمسين مجلّداً، والمتوكّل منهم قتل على يد جيش يوسف بن تاشفين، وفيه قال ابن عبدون قصيدته المشهورة:

الدهر يفجع بعد العين بالأثرفما البكاء على الأشباح والصّور وهي من غرر القصائد

[اللمتونيون ثم الموحدون]

فلمّا استولى لمتونة على بلاد الأندلس وأزالوا ملوك الطوائف منها، وبقيت عمّالهم تتردّد إليها وبنوهم حتى فشلت ريحهم، وهبّت ريح الموحدين، أعني عبد المؤمن بن عليّ وبنيه، فحاربوا لمتونة، واستولوا على ملكهم بالمغرب بعد حروب كثيرة، ثمّ أجازوا البحر إلى الأندلس، وملكوا أكثر بلاد الأندلس، وملك بنو مردنيش شرق الأندلس، وملخص ذلك أن الأندلس كان ملكها مجموعاً للمتونة بعد خلعهم ملوك الطوائف، فلمّا اشتغل لمتونة في العدوة بحرب الموحّدين اضطربت عليهم الأندلس،

وعادت إلى الفرقة بعض الشيء، ثم خلص أكثرها لعبد المؤمن وبنيه بعد حروب منها ما حصل بن عبد المؤمن وبين ابن مردنيش وقائده ابن همشك بفحص غرناطة، وقد استعان ابن مردنيش بالنصارى على الموحّدين، فهزمهم عبد المؤمن، وقتلهم أبرح قتل، واستخلص غرناطة سنة سبع وخمسين وخمسمائة من يد ابن مردنيش.

[غزوة الأرك]

وولي الأمر بعد عبد المؤمن ابنه يوسف، وأجاز إلى الأندلس، وكانت له مواقف في جهاد العدوّ، وولي بعده ابنه يعقوب المنصور الطائر الصيت، وكانت له في النصارى بالأندلس نكاية كبيرة، ومن أعظمها غزوة الأرك التي تضاهي وقعة الزلاّقة أو تزيد، والأرك: موضع بنواحي بطليوس، وكانت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وغنم المسلمون ما عظم قدره، وكان عدّة من قتل من الفرنج - فيما قيل - مائة ألف وستّة وأربعين ألفاً، وعدّة الأسارى ثلاثين ألفاّ، وعدّة الخيام مائة ألف وستّة وخمسين ألف خيمة، والخيل ثماني ألفاً، والبغال مائة ألف، والحمير أربعمائة ألف، جاء بها الكفّر لحمل أثقالهم لأنّهم لا إبل لهم، وأمّا الجواهر والأموال فلا تحصى، وبيع الأسير بدرهم، والسيف بنصف درهم، والفرس بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع، ونجا الفنش ملك النصارى إلى طليطلة في أسوأ حال، فحلق رأسه ولحيته، ونكس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش، ولا يقرب النساء، ولا يركب فرساً ولا دابة، حتى يأخذ بالثأر، وصار يجمع من الجزائر والبلاد البعيدة ويستعدّ، ثم لقيه يعقوب وهزمه وساق خلفه إلى طليطلة وحاصره ورمى عليها بالمجانيق وضيّق عليها، ولم

يبق إلا فتحها، فخرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه، وسألنه إبقاء البلد عليهن، فرقّ لهن ومنّ عليهن بها، ووهب لهن من الأموال والجواهر ما جلّ، وردّهنّ مكرماتٍ، وعفا بعد القدرة، وعاد إلى قرطبة، فأقام شهراً يقسم الغنائم، وجاءته رسل الفنش بطلب الصلح، فصالحه، وأمّن الناس مدّته، وفيه يقول بعض شعراء عصره:

أهلٌ بأن يسعى إليه ويرتجىويزار من أقصى البلاد على الرّجا
من قد غدا بالمكرمات مقلّداًوموشّحاً ومختّماً ومتوّجا
عمرت مقامات الملوك بذكرهوتعطّرت منه الرّياح تأرّجا [بين صلاح الدين ويعقوب الموحدي]

وهو الذي أرسل له السلطان صلاح الدين بن أيوب شمس الدين بن منقذ يستند به على الفرنج الخارجين عليه بساحل البلاد المقدّسة، ولم يخاطبه بأمير

المؤمنين، فلم يجبه إلى ما طلبه، وكلّ ذلك في سنة، ومدحه ابن منقذ بقوله من قصيدة:

سأشكر بحراً ذا عباب قطعتهإلى بحر جودٍ ما لأخراه ساحل
إلى معدن التّقوى إلى كعبة النّدىإلى من سمت بالذكر منه الأوائل
إليك أمير المؤمنين ولم تزلإلى بابك المأمول تزجى الرّواحل
قطعت إليك البر والبحر موقناًبأن نداك الغمر بالنجح كافل
وحزت بقصديك العلا فبلغتهاوأدنى عطاياك العلا والفواضل

فلا زلت للعلياء والجود بانياً ... تبلّغك الآمال ما أنت آمل وعدّتها أربعون بيتاً، فأعطاه بكل بيت ألفاً، وقال له: إنّما أعطيناك لفضلك ولبيتك.

وكان عنوان الكتاب الذي أرسله صلاح الدين إلى أمير المسلمين وفي أوّله الفقير إلى الله تعالى يوسف بن أيوب وبعده من إنشاء الفاضل الحمد لله الذي استعمل على المّلة الحنيفية من استعمر الأرض، وأغنى من أهلها من سأله القرض، وأجزى من على يده النافلة والفرض، وزيّن سماء الملّة بدراراي الذراري التي بعضها من بعض وهو كتاب طويل سأله فيه أن يقطع عنه مادّة البحر، واستنجده على الإفرنج إذ كانت له اليد عليهم، وعاد ابن منقذ من هذه الرسالة سنة بغير فائدة، وبعث معه هديّة حقيرة، وأمّا ابن منقذ فإنّه أحسن إليه وأغناه، لا لأجل صلاح الدين، بل لبيته وفضله كما مرّ، وما وقع من يعقوب في صلاح الدين إنّما هو لأجل أنّه لم يوفّه حقّه في الخطاب.

[الموحدون والأندلس]

رجع: ولمّا استفحل أمر الموحّدين بالأندلس استعملوا القرابة على الأندلس

وكانوا يسمّونهم السادة، واقتسموا ولاياتها بينهم، ولهم مواقف في جهاد العدوّ مذكورة، وكان صاحب الأمر بمراكش يأتي الأندلس للجهاد، وهزم يعقوب المنصور كما سبق قريباً بالأرك ابن أذفونش ملك الجلالقة الهزيمة الشنعاء.

[العقاب والتياث أمر الموحدين]

وأجز ابنه الناصر الوالي بعده البحر إلى الأندلس من المغرب سنة تسع وستمائة ومعه من الجنود ما لا يحصى، حتى حكى بعض الثقات من مؤرخي المغرب أنّه اجتمع معه من أهل الأندلس والمغرب ستمائة ألف مقاتل، فمحص الله المسلمين بالموضع المعروف بالعقاب، واستشهد منهم عدّة، وكانت سبب ضعف المغرب والأندلس، أمّا المغرب فبخلاء كثير من قراه وأقطاره، وأمّا الأندلس فبطلب العدوّ عليها، لأنّه لمّا التاث أمر الموحدين بعد الناصر ابن المنصور انتزى السادة بنواحي الأندلس كلٌّ في عمله، وضعف ملكهم بمراكش، فصاروا إلى الاستجاشة بالطاغية بعضهم على بعض، وإسلام حصون المسلمين إليه في ذلك، فمشت رجالات الأندلس وأعقاب العرب منذ الدولة الأموية، وأجمعوا على إخراجهم، فثاروا بهم لحين واحد وأخرجوهم، وتولى كبر ذلك محمد بن يوسف بن هود الجذامي الثائر بالأندلس وابن مردنيش وثوّار آخرون.

[ابن هود ومنافسه ابن الأحمر]

قال ابن خلدون: ثم خرج على ابن هود في دولته من أعقاب دولة العرب أيضاً وأهل نسبهم محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر، وتلقّب محمد هذا بالشيخ، فجاذبه الحبل، وكانت لكل واحد منهما دولة أورثها بنيه، انتهى.

وكان ابن هود يخطب للعباسي صاحب بغداد، ثم حصلت لابن هود وأعقابه حروبٌ وخطوب إلى أن كان آخرهم الواثق بن المتوكّل، فضايقه الفنش والبرشلوني فبعث بالطاعة لابن الأحمر، فبعث إليه ابن أشقيلولة، وتسلم مرسية منه، وخطب لابن الأحمر بها، ثم خرج منها راجعاً إلى ابن الأحمر، فأوقع به النصارى في طريقه، ثم رجع الواثق إلى مرسية ثالثة، فلم يزل إلى أن ملكها العدوّ من يده سنة ثمان وستين وستمائة، وعوّضه عنها حصناً يسمى يسر، وهو من عملها، فبقي فيه إلى أن هلك. وانقرضت دولة ابن هود، والله وارث الأرض ومن عليها.

[دولة بين الأحمر]

ولنذكر ملوك بني الأحمر إجمالاً لن لسان الدين وزير أحدهم، ولأنهم آخر ملوك الأندلس، ومن يدهم استولى النصارى على جميعها كما سنذكره. قال ابن خلدون: أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة، ولهم فيها سلفٌ من أبناء الجند، ويعرفون ببني نصر، وينتسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، وكان كبيرهم لآخر دولة الموحّدين محمّد بن يوسف بن نصر، ويعرف بالشيخ، وأخوه إسماعيل وكانت له وجاهة في ناحيتهم.

ولمّا فشلت ريح الموحّدين، وانتزى الثوار بالأندلس، وأعطى السادة حصونها للطاغية، استقل بأمر الجماعة محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية بدعوة العباسية، وتغلب على شرق الأندلس أجمع، فتصدى الشيخ هذا للثورة وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة، ودعا لأبي زكرياء صاحب إفريقية، وأطاعته جيّان وشريش سنة ثلاثين بعدها، واستظهر إلى أمره بقرابته من

بني نصر وأصهاره بني أشقيلولة، ثم بايع لبني هود سنة إحدى وثلاثين، عندما بلغه خطاب الخليفة من بغداد، ثمّ ثار بإشبيلية أبو مروان الباجي عند خروج ابن هود عنها ورجوعه إلى مرسية، فداخله محمد بن الأحمر في الصلح على أن يزوّجه ابنته، فأطاعه، ودخل إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين، ثمّ فتك بابن الباجي فقتله، وتناول البطش به عليّ بن أشقيلولة، ثمّ راجع أهل إشبيلية بعدها بشهر دعوة ابن هود، وأخرج ابن الأحمر، ثمّ تغلب على غرناطة سنة خمس وثلاثين بمداخلة أهلها حين ثار ابن أبي خالد بدعوته فيها، ووصلته بيعتها وهو بجيّان، فقدم إليها عليّ بن أشقيلولة، ثم جاء على أثره، ونزلها، وابتنى بها حصن الحمراء لنزوله، ثمّ تغلّب على مالقة، ثم تناول المريّة من يد ابن الرميمي وزير ابن هود الثائر بها سنة ثلاث وأربعين، ثمّ بايعه أهل لورقة سنة ثلاث وستين، وكان ابن الأحمر أول أمره وصل يده بالطاغية استظهاراً على أمره، فعضده وأعطاه ابن هود ثلاثين حصاناً في كفّ غربه بسبب ابن الأحمر، وليعينه على قرطبة، فتسلّمها، ثم تغلّب على قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، أعادها الله، ثمّ نازل إشبيلية سنة ست وأربعين وابن الأحمر معه، ثمّ دخلها صلحاً، وملك أعمالها، ثمّ ملك مرسية سنة خمس وستين، ولم يزل الطاغية يقتطع ممالك المسلمين كورةً كورةً وثغراً ثغراً إلى أن لجأ المسلمون إلى سيف البحر ما بين رندة من الغرب وإلبيرة من شرق الأندلس نحو عشر مراحل من الغرب إلى الشرق، وفي قدر مرحة أو دونها في العرض ما بين البحر والجوف، ثم سخط ابن الأحمر وطمع في الاستيلاء على سائر الجزيرة فامتنعت عليه، وتلاحق بالأندلس الغزاة من بني مرين وغيرهم، وعقد ملك المغرب يعقوب بن عبد الحق لنحو الثلاثة

آلاف منهم، فأجازوا في حدود الستين وستمائة، وتقبّل ابن الأحمر إجازتهم، ودفع بهم في نحر عدوّه، ورجعوا، ثم تناسلوا إليه بعد ذلك، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن هلك الشيخ ابن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة، وولي بعده ابنه محمّد الفقيه، وأوصاه باستصراخ بني مرين، ملوك المغرب بعد الموحدين، إن طرقه أمر أن يعتضد بهم، فأجاز الفقيه إلى يعقوب بن عبد الحقّ سلطان فاس والمغرب سنة ثنتين وسبعين، فأجاب صريخه، وأرسل ابنه وعساكره معه، ثمّ أجاز على أثره وتسلّم الجزيرة الخضراء من ثائر كان بها وجعلها ركاباً لجهاده، ونزل إليه ابن الأحمر عن طريف وما إليها من الحصون، وهزم هو وابن الأحمر زعيم النصرانية دنّنه وفرق جمعه، وأوقع بجموع الطاغية من كل جهة، وبثّ سراياه وبعوثه في أرض النصرانية، ثم خاف ابن الأحمر على ملكه، وصالح الطاغية ثمّ عاد؛ انتهى كلام ابن خلدون ملخّصاً.

وثبتت قدم عقب ابن الأحمر بالأندلس، واستولوا على جميع ما بأيدي المسلمين من ملكها مثل الجزيرة وطريف ورندة التي كانت بيد بني مرين.

[بين دون بطره وأبي الوليد ابن الأحمر]

وبعد مدة ألّب ملوك النصارى سنة تسع عشرة وسبعمائة على غرناطة، وجاءها الطاغية دون بطره في جيش لا يحصى ومعه خمسة وعشرون ملكاً، وكان من خبر هذه الوقعة أن الإفرنج حشدوا وجمعوا وذهب سلطانهم دون بطره إلى طليطلة، ودخل على مرجعهم الذي يقال له البابا، وسجد له، وتضرّع، وطلب منه استئصال ما بقي من المسلمين بالأندلس، وأكد عزمه، فقلق المسلمون بغرناطة وغيرها، وعزموا على الاستنجاد بالمريني أبي سعيد

صاحب فاس، وأنفذوا غليه رسلاً، فلم ينجع ذلك الدواء، فرجعوا إلى أعظم الأدوية وهو اللّجأ إلى الله تعالى، وأخلصوا النيّات، وأقبل الإفرنج في جموعٍ لا تحصى، فقضى ناصر من لا ناصر له سواه بهزم أمم النصرانية، وقتل طاغيتهم دون بطره ومن معه، وكان نصراً عزيزاً ويوماً مشهوداً.

وكان السلطان إذ ذاك بالأندلس الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن نصر المعروف بابن الأحمر رغب أن يحصن البلاد والثغور، فلمّا بلغ النصارى ذلك عزموا على منازلة الجزيرة الخضراء، فانتدب السلطان ابن الحمر لردّهم، وجهز الأساطيل والرجال، فلمّا رأوا ذلك طلبوا إلى طليطلة، وعزموا على استئصال بلاد المسلمين وتأهّبوا لذلك غاية الأهبة، ووصلت الأثقال والمجانيق وآلات الحصار والأقوات في المراكب، ووصل العدو إلى غرناطة، وامتلأت الأرض بهم، فتقدم السلطان إلى شيخ الغزاة الشيخ العالم أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء المريني بالخروج إلى لقائهم بأنجاد المسلمين وشجعانهم، فخرج إليهم يوم الخميس الموفي عشرين لربيع الأول.

ولمّا كانت ليلة الأحد أغارت سريّةٌ من العدو على ضيعة من المسلمين، فخرجت إليهم جماعة من فرسان الأندلس الرماة، فقطعوهم عن الجيش، وفرّت تلك السرية أمامهم إلى جهة سلطانهم، فتبعهم المسلمون إلى الصبح، فاستأصلوهم، وكان هذا أول النصر.

ولما كان يوم الأحد ركب الشيخ أبو سعيد لقتال العدو في خمسة آلاف من أبطال المسلمين المشهورين، فلمّا شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم مع قلتهم في تلك الجيوش العظيمة، فركبوا وحملوا بجملتهم عليهم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وأخذتهم السيوف، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيّام، وخرج أهل غرناطة لجمع الأموال، وأخذ الأسرى، فاستولوا على أموال عظيمة منها من الذهب - فيما قيل - ثلاثة وأربعون قنطاراً، ومن الفضة مائة وأربعون قنطاراً، ومن السّبي سعة آلاف نفس حسبما كتب بذلك

بعض الغرناطيين إلى الديار المصرية، وكان من جملة الأسرى امرأة الطاغية وأولاده، فبذلت في نفسها مدينة طريف وجبل الفتح وثمانية عشر حصناً فيما حكى بعض المؤرخين، فلم يقبل المسلمون ذلك، وزادت عدّة القتلى في هذا الغزوة على خمسين ألفاً، ويقال: إنّه هلك منهم بالوادي مثل هذا العدد، لعدم معرفتهم بالطريق، وأمّا الذين هلكوا بالجبال والشّعاب فلا يحصون، وقتل الملوك الخمسة والعشرون جميعهم، واستمر البيع في الأسرى والأسباب والدواب ستة أشهر، ووردت البشائر بهذا النصر العظيم إلى سائر البلاد.

ومن العجب أنّه لم يقتل من المسلمين والأجناد سوى ثلاثة عشر فارساً، وقيل: عشرة أنفس، وقيل: كان عسكر الإسلام نحو ألف وخمسمائة فارس، والرّجّالة نحواً من أربعة آلاف راجل، وقيل دون ذلك.

وكانت الغنيمة تفوت الوصف، وسلخ الطاغية دون بطره وحشي جلده قطناً، وعلّق على باب غرناطة، وبقي معلّقاً سنوات؛ وطلبت النصارى الهدنة، فعقدت لهم بعد أن ملكوا جبل الفتح الذي كان من أعمال سلطان فاس والمغرب، وهو جبل طارق، ولم يزل بأيديهم إلى أن ارتجعه أمير المسلمين أبو الحسن المريني صاحب فاس والمغرب، بعد أن أنفق عليه الأموال، وصرف إليه الجنود والحشود، ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه، وضيقوا به، إلى أن استرجعوه ليد المسلمين، واهتم ببنائه وتحصينه، وأنفق عليه أحمال مالٍ في بنائه وحصنه وسوره وأبراجه وجامعه ودوره ومخازنه، ولم كاد يتم ذلك نازله العدوّ برّاً وبحراً، فصبر المسلمون، وخيّب الله سعي الكافرين، فأراد السلطان المذكور أن يحصّن سفح الجبل بسور محيط به من جميع جهاته حتى لا يطمع عدوّ في منازلته، ولا يجد سبيلاً للتضييق عند محاصرته، ورأى الناس ذلك من المحال، فأنفق الأموال، وأنصف العمال، فأحاط بمجموعه إحاطةً

الهالة الهلال، وكان بقاء هذا الجبل بيد العدوّ نيّفاً وعشرين سنة، حاصره السلطان أبو الحسن ستة أشهر، وزاد في تحصينه ابنه السلطان أبو عنان، ولمّا أجاز السلطان أبو الحسن المذكور إلى الأندلس، واجتمع عليه ابن الأحمر، وقاتلهم الطاغية، هزمهم في وقعة طريف، واستولى على الجزيرة الخضراء، حتى قيّض الله من بني الأحمر الغني بالله محمداً الذي كان لسان الدين بن الخطيب وزيره، فاسترجعها وجملة بلاد كجيّان وغيرها.

وكانت له في الجهاد مواقف مشهورة، وامتدّ ملكه واشتدّ حتى محا دولة سلاطين فاس ممّا وراء البحر، وملك جبل الفتح، ونصر الله الإسلام على يده، كما ستقف عليه في بعض مكاتبات لسان الدين ﵀ في مواضع من هذا الكتاب، وسعد هذا الغنيّ بالله من العجائب. وبقي ملك الأندلس في عقبه إلى أن أخذ ما بقي من الأندلس العدوّ الكافر واستولى على حضرة الملك غرناطة أعادها الله للإسلام، كما نبين إن شاء الله، وخلت جزيرة الأندلس من أهل الإسلام، وأبدلت من النور بالظلام، حسبما اقتضته الأقدار النافذة والأحكام، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

[شيخ الغزاة أيام بني الأحمر]

قال ابن خلدون: واتفق بنو الحمر سلاطين غرناطة أن يجعلوا مشيخة الغزاة لواحد يكون من أقارب بني مرين سلاطين المغرب، لأنهم أوّل من ولي الأندلس عند استيلاء بني عمهم على ملك المغرب لما بينهم من المنافسة،

وكان لهؤلاء في الجهاد مواقف مشهورة، وسأذكر لك ما كتب على قبر شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء لتستدل عند ذلك على ما ذكرناه: بحمد الله تعالى هذا قبر شيخ الحماة، وصدر الأبطال الكماة، واحد الجلالة، ليث الإقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، وإمام الصفوف، القائم بباب الجنّة تحت ظلال السيوف، سيف الجهاد، وقاصم الأعاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الهمام المجاهد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدّس، المرحوم أبي سعيد عثمان ابن الشيخ الجليل الهمام الكبير، الأصيل الشهير، المقدّس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق، كان عمره ثمانياً وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوةً، وقطع عمره مجاهداً مجتهداً في طاعة الرب، محتسباً في إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفّار، مصادماً بين جموعهم تدفّق التيّار، وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار، ما سار ذكره في الأقطار، أشهر من المثل السّيّار، حتى توفّي ﵀ وغبار الجهاد طيّ أثوابه، وهو مراقب لطاغية الكفار وأحزابه، فمات على ما عاش عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله تعالى إليه، واستأثر يه سعيداً مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدّمة قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلاً على نيته الصالحة، وتجارته الرابحة، فارتجّت الأندلس لبعده، أتحفه الله تعالى رحمة من عنده، توفّي يوم الأحد الثاني لذي الحجّة من عام ثلاثين وسبعمائة انتهى.

ومنها ما كتب به لسان الدين بن الخطيب ﵀ في تولية علي ابن بدر الدين مشيخة الغزاة ما نصّه: هذا شيخ الغزاة الذي فتح على الإسلام

أبواب السرّاء، وراق طرازاً مذهباً على عاتق الدولة الغرّاء، وأعمل عوامل الجهاد، في طاعة ربّ العباد، شارعةً لأهل الكفر والعناد، من باب الإعمال والإغراء، أمر به فلان صدر صدور أودّائه، وحسامه المشهور على أعدائه، ووليه الذي خبر صدق وفائه، وجلّى في مضمار الخلوص له مغبّراً في وجوه أكفائه، شيخ شيوخ المجاهدين، وقائد كتائبه المنصورة إلى غزو الكافرين المعتدين، وعترته التي يدافع بها عن الدين، وسابق ودّه المبرّز في الميادين، الشيخ الأجل إلى آخر ما وصفه به ممّا ضاق الوقت عن مثله، والله وليّ التوفيق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.