من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر، ﵀
وكنا قد ذكرنا أنّه قبض على الوزير الحاجب المصحفي مع أنّه كان أحد أتباعه.
قال صاحب كتاب " روضة الأزهار، وبهجة النفوس ونزهة الأبصار ": ولما مر أمر المنصور بن أبي عامر بسجن المصحفي بالمطبق في الزهراء ودّع أهله وودّعه وداع الفرقة، وقال لهم: لستم ترونني بعدها حيّاً، فقد أتى وقت إجابة الدعوة، وما كنت أرتقبه منذ أربعين سنة، وذلك أنّي أشركت في سجن رجل في عهد الناصر، وما أطلقته إلاّ برؤيا رأيتها بأن قيل لي: أطلق فلاناً فقد أجيبت فيك دعوته، فأطلقته وأحضرته وسألته عن دعوته عليّ، فقال: دعوت على من شارك في أمري أن يميته الله في أضيق السجون، فقلت: إنّها قد أجيبت، فأنّي كنت ممن شارك في امره، وندمت حين لا ينفع الندم، فيروى أنّه كتب للمنصور بن أبي عامر بهذه الأبيات:
هبني أسأت فأين العفو والكرمإذ قادني نحوك الإذعان والنّدم
يا خير من مدّت الأيدي إليه أماترثي لشيخ نعاه عندك القلم
بالغت في السّخط فاصفح صفح مقتدرإنّ الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه المنصور بأبيات لعبد الملك الجزيري:
يا جاهلاً بعدما زلّت بك القدمتبغي التكرّم لمّا فاتك الكرم
ندمت إذا لم تعد منّي بطائلةٍوقلّما ينفع الإذعان والنّدم
نفسي إذا جمحت ليست براجعةٍ ... ولو تشفّع فيك العرب والعجم فبقي في المطبق حتى مات، نعوذ بالله تعالى من دعوة المظلوم، انتهى.
وقد ذكر بعضهم هذه الأبيات زيادة حسبما ذكرناه في غير هذا المحل، فإن هذه الأبيات للمنصور، وهذا المؤرخ مصرح بأنها لعبد الملك الجزيري،
وقد يقال: لا منافاة بينهما، فإن المنصور أجاب بالأبيات، وهل هو قائلها أم لا؟ الأمر أعم؛ فبيّن هنا، والله أعلم.
وقال بعض مؤرخي المغرب: إن الحاجب المصحفي حصل له في هذه النكبة من الهلع والجزع ما لم يظن أنّه يصدر من مثله، حتى إنّه كتب إلى المنصور ابن أبي عامر يطلب منه أن يقعد في دهليزه معلّماً لأولاده، فقال المنصور بدهائه وحذقه: إن هذا الرجل يريد أن يحط من قدري عند الناس، لأنّهم طالما رأوني بدهليزه خادماً ومسلّماً، فكيف يرونه الآن في دهليزي معلّماً؟ وكان المنصور يذهب به بعد نكبته معه في غزواته، حتى إنّه حكى بعضهم أنّه رأى الحاجب المصحفي في ليلة نهى المنصور فيها الناس عن إيقاد النيران تعمية على العدوّ الكافر، وهو ينفخ فحماً في كانون صغير ويخفيه تحت ثيابه، أو كما قال، فسبحان مديل الدول، لا إله إلاّ هو، فإن المصحفي بلغ من الجلالة والعظمة والتحكم في الدولة المدة المديدة أمراً لا مزيد عليه، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ولقد ذكر بعض العلماء المغاربة أن من أعاجيب انقلاب الدنيا بأهلها قصّة المنصور بن أبي عامر مع الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي. ولم يزل أعداء المنصور بن أبي عامر يتربّصون به الدوائر، فغلب سعده الذي هو المثل السائر، وربما همس بعض الشعراء بهجوه وهجو الدولة جميعاً إذ قال:
اقترب الوعد وحان الهلاكوكلّ ما تحذره قد أتاك
خليفة يلعب في مكتبٍوأمّه حبلى وقاضٍ يناك
يعني بالخليفة هشاماً المؤيد لكونه كان صغيراً، وأمّه صبح البشكنسية كان الأعداء يتهمون بها المنصور، وذلك بهتان وزور، وأفظع منه رميهم القاضي بالفجور، والله عالم بسرائر الأمور، ونعوذ بالله من ألسنة الشعراء الذين لا يراعون إلاًّ ولا ذمّة، ويطلقون ألسنتهم في العلماء والأئمة، ومن كان حاسداً لمن بات في نعمائه يتقلّب، جدير بأن لا يدرك ما يؤمّل ويتطلب، لأنّه يعترض على الله سبحانه في أحكامه، نعوذ بالله من شرّ أنفسنا ومن شرّ كل ذي شرّ، بجاه نبينا عليه أزكى صلوات الله وأفضل سلامه.
وقد قدّمنا أن المنصور بن أبي عامر كان أولاً يخدم جعفر بن عثمان المصحفي مدبر مملكة هشام المؤيد، ويريد النصيحة، وأنّه ما زال يستجلب القلوب بجوده وحسن خلقه، والمصحفي ينفّرها ببخله وسوء خلقه، إلى أن كان من أمره ما كان، فاستولى على الحجابة، وسجن المصحفي، وفي ذلك يقول المصحفي:
غرست قضيباً خلته عود كرمةٍوكنت عليه في الحوادث قيّما
وأكرمه دهري فيزداد خبثه ... ولو كان من أصل كريم تكرّما ولما يئس المصحفي من عفو المنصور قال:
لي مدةٌ لا بدّ أبلغهافإذا انقضت أيامها متّ
لو قابلتني الأسد ضاريةًوالموت لم يقرب لما خفت
فانظر إليّ وكن على حذرٍ ... في مثل حالك أمس قد كنت ومن أحسن ما نعى به نفسه قوله حسبما تقدم:
صبرت على الأيّام حتى تولّتوألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
فوا عجباً للقلب كيف اعترافهوللنّفس بعد العزّ كيف استذلّت
وما النّفس إلاّ حيث يجعلها الفتىفإن طمعت تاقت وإلاّ تسلّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزةًفلمّا رأت صبري على الذل ذلّت
فقلت لها يا نفس موتي كريمةً ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولّت وأنشد له الفتح في المطمح، ونسبهما غيره لأحمد بن الفرج صاحب الحدائق:
كلّمتني فقلت درٌّ سقيطٌفتأمّلت عقدها هل تناثر
فازداهاها تبسّمٌ فأرتنينظم درّ من التبسّم آخر وله كما مرّ:
صفراء تطرق في الزجاج، فإن سرتفي الجسم دبّت مثل صلٍّ لادغ
خفيت على شرّابه فكأنّمايجدون ريّاً من إناء فارغ وله:
يا ذا الذي أودعني سرّهلا ترج أن تسمعه منّي
لم أجره بعدك في خاطريكأنّه ما مرّ في أذني وأنشد له صاحب بدائع التشبيهات:
سألت نجوم الليل هل ينقضي الدّجىفخطّت جواباً بالثّريّا كخطّ لا
وكنت أرى أنّي بآخر ليلتيفأطرق حتى خلته عاد أوّلا
وما عن هوىً سامرتها، غير أنّنيأنافسها المجرى إلى طرق العلا [؟ المصحف العثماني بقرطبة]
رجع: وكان كما تقدم بقرطبة المصحف العثماني، وهو متداول بين أهل الأندلس، قالوا ثم آل أمره إلى الموحدين، ثم إلى بني مرين، قال الخطيب ابن مروزق في كتابه " المسند الصحيح الحسن " ما ملخصه: وكان السلطان أبو الحسن لا يسافر إلا ومعه المصحف الكريم العثماني، وله عند أهل الأندلس شأن عظيم، ومقام كبير، وكيف لا؟ قال ابن بشكوال: أخرج هذا المصحف من قرطبة وغرّب منها وكان بجامعها الأعظم، ليلة السبت حادي عشر شوّال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة في أيام أبي محمد عبد المؤمن بن علي وبأمره، وهذا أحد المصاحف الأربعة التي بعث بها عثمان رضي الله تعالى عنه إلى الأمصار: مكّة، والبصرة، والكوفة، والشام. وما قيل إن فيه دم عثمان هو بعيدٌ، وإن يكن أحدها فلعلّه الشامي، قاله ابن عبد الملك.
قال أبو القاسم التجيبي السبتي: أما الشامي فهو باقٍ بمقصورة جامع بني أميّة بدمشق المحروسة، وعاينته هناك سنة، كما عاينت المكي بقبة اليهودية، وهو قبة التراب، قلت: عاينتهما مع الذي بالمدينة سنة وقرأت فيها، قال النخعي: لعلّه الكوفي أو البصري. وأقول: اختبرت الذي بالمدينة والذي
نقل من الأندلس فألفيت خطّهما سواء، وما توهموا أنّه خطّه بيمينه فليس بصحيح، فلم يخطّ عثمان واحداً منها، وإنّما جمع عليها بعضاً من الصحابة كما هو مكتوب على ظهر المدني، ونص ما على ظهره: هذا ما أجمع عليه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ، منهم زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصي، وذكر العدد الذي جمعه عثمان رضي الله تعالى عنه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم على كتب المصحف، انتهى.
واعتنى به عبد المؤمن بن علي، ولم يزل الموحدون يحملونه في أسفارهم متبركين به، إلى أن حمله المعتضد، وهو السعيد علي بن المأمون أبي العلاء إدريس ابن المنصور، حين توجه لتلمسان آخر سنة، فقتل قريباً من تلمسان، وقدّم ابنه إبراهيم، ثم قتل، ووقع النهب في الخزائن، واستولت العرب وغيرهم على معظم العسكر، ونهب المصحف في الخزانة إلى أن افتتحها إمامنا أبو الحسن أواخر شهر رمضان سنة، فظفر به وحصل عنده إلى أن أصيب في وقعة طريف، وحصل في بلاد برتقال، وأعمل الحيلة في استخلاصه، ووصل إلى فاس سنة على يد أحد تجار أزمّور، واستمر بقاؤه في الخزانة؛ انتهى باختصار.
واعتنى به ملوك الموحدين غاية الاعتناء، كما ذكره ابن رشيد في رحلته، ولا بأس أن أذكر كلامه بجملته، والرسالة في شأن الصحف لما فيها من الفائدة، ونص محل الحاجة منه: أنشدني الخطيب أبو محمد بن برطله من لفظه وكتبته من خطه، قال: أنشدني الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم عبد الرحمن ابن كاتب الخلافة أبي عبد الله بن عياش لأبيه رحمهم الله تعالى ممّا نظمه، وقد أمر أمير
المؤمنين المنصور بتحلية الصحف:
ونفّلته من كل ملك ذخيرةكأنّهم كانوا برسم مكاسبه
فإن ورث الأملاك شرقاً ومغرباًفكم قد أخلّوا جاهلين بواجبه
وكيف يفوت النصر جيشاً جعلتهأمام قناه في الوغى وقواضبه
وألبسته الياقوت والدّرّ حليةً ... وغيرك قد روّاه من دم صاحبه وعلى ذكر هذا المصحف الكريم فلنذكر كيفية الأمر في وصوله إلى الخليفة أمير المؤمنين عبد المؤمن، وما أبدى في ذلك من الأمور الغريبة التي لم يسمع بمثلها في سالف الدهر، حسبما أطرفنا به الوزير الأجلّ أبو زكرياء يحيى بن أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي حفظه الله تعالى وشكره، ممّا استفاده وأفاده لنا ممّا لم نسمع به قبل، عن كتاب جده الوزير أبي بحر ممد بن عبد الملك بن طفيل المذكور، ممّا تضمنه من وصف قصّة المصحف، فقال: وصل إليهم أدام الله سبحانه تأييدهم قمرا الأندلس النيّران، وأميراها المتخيران، السيدان الأجلان أبو سعيد وأبو يعقوب أيدهما الله، وفي صحبتهما مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهو الإمام الذي لم يختلف فيه مختلف، ومازال ينقله خلف عن سلف، قد حفظ شخصه على كثرة المتناولين، وذخره الله لخليفته المخصوص بمن سخر لخدمته من المتداولين، وله من غرائب الأنباء ومتقدم الإشعار بما آل إليه أمره من الإيماء ما ملئت به الطروس، وتحفظه من أهل الأندلس الرائس والمرؤوس، فتلقّي عند وصوله بالإجلال والإعظام، وبودر إليه بما يجب من التبجيل والإكرام، وعكف عليه أطول العكوف والتزم أشدّ الالتزام، وكان في وصوله ذلك الوقت من عظيم العناية وباهر الكرامة ما هو معتبر لأولي الألباب، وبلاغ في الإغراب والإعجاب، وذلك أن سيّدنا ومولانا الخليفة أمير المؤمنين، أدام الله له عوائد النصر والتمكين، كان قبل ذلك بأيام قد جرى ذكره في خاطر الكريم، وحرّكته إليه دواعي خلقه العظيم
وتراءى مع نفسه المطمئنّة المرضيّة، وسجاياه الحسنة الرضيّة، في معنى اجتلابه من مدينة قرطبة محل مثواه القديم، ووطنه الموصل بحرمته للتقديم، فتوقّع أن يتأذّى أهل ذلك القطر بفراقه، ويستوحشوا لفقدان إضاءته في أفقهم وإشراقه، فتوقف عن ذلك لما جبل عليه من رحمته وإشفاقه، فأوصله الله إليه تحفة سنية، وهدية هنية، وتحيّة من عنده مباركة زكية، دون أن يكدرها من البشر اكتساب، أو يتقدمها استدعاء أو اجتلاب، بل أوقع الله ﷾ في نفوس أهل ذلك القطر من الفرح بإرساله إلى مستحقّه، والتبرع به إلى القائم إلى الله تعالى بحقّه، ما اطلع بالمشاهدة والتواتر على صحته وصدقه، وعضدت مخايل برقه سواكب ودقه، وكان ذلك من كرامات سيّدنا ومولانا الخليفة معدوداً، وإلى أمره الذي هو أمر الله مردوداً، وجمع عند ذلك بحضرة مراكش - حرسها الله تعالى - سائر الأبناء الكرام، والسادة الأعلام، بدور الآفاق، وكواكب الإشراق، وأهل الاستئهال للمقامات الرفيعة وذوو الاستحقاق، فانتظم عند ذلك هذا القصيد مشيراً إلى اجتماع هذه الدراري الزاهرة، والتئام خطوطها على مركز الدائرة، ووصول المتقدّم ذكره، المشهور في جميع المعمور أمره، وهو هذا:
دراريّ من نور الهدى تتوقّدمطالعها فوق المجرّة أسعد
وأنهار جودٍ كلّما أمسك الحيايمدّ بها طامي الغوارب مزبد
وآساد حربٍ غابها شجر القناولا لبدةٌ إلاّ العجاج الملبّد
مساعير في الهيجا مساريع للنّدىبأيديهم يحمى الهجير ويبرد
تشبّ بهم ناران للحرب والقرىويجري بهم سيلان جيشٌ وعسجد
وستمطرون البرق والبرق عندهمسيوفٌ على أفق العداة تجرّد
إذا عنّ سجف الساريات مضاؤهافماذا الذي يغني الحديد المسرّد
وسترشدون النجم والنجم عندهمنصولٌ إلى حبّ القلوب تسدّد
تزاحم في جوّ السّماء كأنّماعواملها في الأفق صرحٌ ممرّد
تخازر ألحاظ الكواكب دونهاويفرق منها المرزمان وفرقد
ألم ترها في الأفق خافقة الحشاكما تطرف العينان والقلب يزأد
وليس احمرار الفجر من أثر السّناولكنّه ذاك النّجيع المورّد
وما انبسطت كفّ الثريّا فدافعتولكنّها في الحرب شلوٌ مقدّد
وحطّ سهيلاً ذعره عن سميّهفأضحى على أفق البسيطة يرعد
ولمّا رأى نسرٌ وقوع أليفهتطاير من خوفٍ فما زال يجهد
مواقع أمر الله في كلّ حالةٍيكاد لها رأس الثرى يتميّد
أهاب بأقصى الخافقين فنظّمتوهيّب جمع المخفقين فبدّدوا
وأضفى على الدّنيا ملابس رحمةٍنضارتها في كلّ حين تجدّد
وأخضل أرجاء الرّبى فكأنّماعليها من النّبت النضير زبرجد
فمن طربٍ ما أصبح البرق باسماًومن فرحٍ ما أضحت المزن ترعد
وغنّى على أفنان كل أراكةٍغذاها حيا النّعمى حمامٌ غرّد
وكبّر ذو نطقٍ وسبّح صامتٌوكاد به المعدوم يحيا ويوجد
وأبرز للأذهان ما كان غائباًفسيّان فيها مطلقٌ ومقيّد
سلامٌ على المهديّ، أمّا قضاؤهفحتمٌ، وأمّا أمره فمؤكّد
إمام الورى عمّ البسطة عدلهعلى حين وجه الأرض بالجور أبد
بصيرٌ رأى الدّنيا بعينٍ جليةٍفلم يغنه إلا المقام الممجّد
ولمّا مضى والأمر لله وحدهوبلّغ مأمولٌ وأنجز موعد
تردّى أمير المؤمنين رداءهوقام بأمر الله والناس هجّد
بعزمة شيحان الفؤاد مصمّمٍيقوم به أقصى الوجود ويقعد
مشيئته ما شاءه الله، إنّهإذا همّ فالحكم الإلهيّ يسعد
كتائبه مشفوعةٌ بملائكٍترادفها في كلّ حالٍ وترفد
وما ذاك إلاّ نيّةٌ خلصت لهفليس له فيما سوى الله مقصد
إذا خطبت راياته وسط محفلٍترى قمم الأعداء في التّرب تسجد
وإن نطقت بالفصل فيهم سيوفهأقرّ بأمر الله من كان يجحد
معيد علوم الدين بعد ارتفاعهاومبدي علومٍ لم تكن قبل تعهد
وباسط أنوار الهداية في الورىوقد ضمّ قرص الشمس في الغرب ملحد
وقد كان ضوء الشمس عند طلوعهايغان بأكنان الضلال ويغمد
فما زال يجلو عن مطالعها الصّداويبرزها بيضاء والجوّ أسود
جزى الله عن هذا الأنام خليفةًبه شريوا ماء الحياة فخلّدوا
وحيّاه ما دامت محاسن ذكرهعلى مدرج الأيام تتلى وتنشد
بمصحف عثمان الشهيد وجمعهتبيّن أنّ الحقّ بالحقّ يعضد
تحامته أيدي الرزم بعد انتسافهوقد كاد ولولا سعده يتبدّد
فما هو إلاّ ان تمرّس صارخٌبدعوته العليا فصين المبدّد
وجاء وليّ الثأر يرغب نصرهفلبّاه منه عزمه المتجرّد
رأى أثر المسفوح في صفحاتهفقام لأخذ الثأر منه مؤيّد
وشبّهه بالبدر وقت خسوفهفلله تشبيهٌ له الشرع يشهد
زمان ارتفاع العلم كان خسوفهوقد عاد بالمهديّ والعود أحمد
أتتك أمير المؤمنين ألوكةٌمن الحرم الأقصى لأمرك تمهد
سيوف بني عيلان قامت شهيرةًلدعوتك العلياء تهدي وترشد
وطافت ببيت الله فاشتدّ شوقهإليك ولبّى منه حجرٌ ومسجد
وحجّ إليك الركن والمرو والصّفافأنت لذاك الحجّ حجٌّ ومقصد
مشاعرها الأجسام والروح أمركمومنكم لها يرضى البقاء المخلد
فلله حجٌّ واعتمارٌ وزورةٌأتتنا ولم يبرحك بالغرب مشهد
ولله سبعٌ نيّراتٌ تقارنتبها فئة الإسلام تحمى وتسعد
فدم للورى غيثاً وعزّاً ورحمةًفقربك في الدارين منجٍ ومسعد
وزادت بك الأعياد حسناً وبهجةًكأنّك للأعياد زيٌّ مجدّد
ولا زلت الأيّام تبلي جديدها ... وعمرك في ريعانه ليس ينفد ثم إنّهم أدام الله سبحانه تأييدهم، ووصل سعودهم، لما أرادوا من المبالغة في تعظيم المصحف المذكور، واستخدام البواطن والظواهر فيما يجب له من التوقير والتعزير، شرعوا في انتخاب كسوته، وأخذوا في اختيار حليته، وتأنقوا في استعمال أحفظته، وبالغوا في استجادة أصونته، فحشروا له الصّنّاع المتقنين والمهرة المتفنّنين، ممن كان بحضرتهم العليّة، أو سائر بلادهم القريبة والقصية، فاجتمع لذلك حذّاق كل صناعة، ومهرة كل طائفة من المهندسين والصواغين والنظّامين والحلائين والنقاشين والمرصّعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين، ولم يبق من يوصف ببراعة، أو ينسب إلى الحذق في صناعة، إلا أحضر للعمل فيه، والاشتغال بمعنى من معانيه، فاشتغل أهل الحيل الهندسية بعمل أمثلة مخترعة، وأشكال مبتدعة، وضمّنوها من غرائب الحركات، وخفيّ إمداد الأسباب للمسببات، ما بلغوا فيه منتهى طاقتهم، واستفرغوا فيه جهد قوتهم، والهمة العليّة أدام الله سموها
تترقى فوق معارجهم، وتتخلّص كالشهاب الثاقب وراء موالجهم، وتنيف على ما ظنّوه الغاية القصوى من لطيف مدارجهم، فسلكوا من عمل هذه الأمثلة كل شعب، ورأبوا من منتشرها كل شعب، وأشرفوا عند تحقيقها وإبراز دقيقها على كل صعب، فكانت منهم وقفة كادت لها النفس تيأس عن مطلبها، والخواطر تكرّ راجعةً عن خفيّ مذهبها، حتى أطلع الله خليفته في خلقه، وأمينه المرتضى لإقامة حقّه، على وجه انقادت فيه تلك الحركات بعد اعتياصها، وتخلّصت أشكالها عن الاعتراض على أحسن وجوه خلاصها، ألقوا ذلك - أيدّهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته ويسره - إلى المهندسين والصنّاع فقبلوه أحسن القبول، وتصوروه بأذهانهم فرأوه على مطابقة المأمول، فوقفهم حسن تنبيهه ممّا جهلوه على طور غريب من موجبات التعظيم، وعلموا أن الفضل لله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم - وسيأتي بعد هذا إشارة إلى تفصيل تلك الحركات المستغربة، والأشكال المونقة المعجبة، إن شاء الله تعالى؟؛ ممّا صنع للمصحف العظيم من الأصونة الغريبة، والأحفظة العجيبة، أنّه كسي كلّه بصوان واحد من الذهب والفضّة ذي صنائع غريبة من ظاهره وباطنه، لا يشبه بعضها بعضاً، قد أجري فيه من ألوان الزجاج الرومي ما لم يعهد له في العصر الأول مثال، ولا عمر قبله بشبهه خاطر ولا بال، وله مفاصل تجتمع إليها أجزاؤه وتلتئم، وتتناسق عندها عجائبه وتنتظم، قد أسلست للتحرّك أعطافها، وأحكم إنشاؤها على البغية وانعطافها، ونظم على صفحته وجوانبه من فاخر الياقوت ونفيس الدّرّ وعظيم الزمرد ما لم تزل الملوك السالفة والقرون الخالية تتنافس في أفراده، وتتوارثه على مرور الزمن وترداده، وتظنّ العز الأقعس، والملك الأنفس، في ادخاره وإعداده، وتسمي الواحد منها بعد الواحد بالاسم العلم لشذوذه في صنفه واتحاده، فانتظم عليه منها ما شاكله زهر الكواكب في تلألؤه
واتقاده، وأشبهه الروض المزخرف غبّ سماء أقلعت عن إمداده، وأتى هذا الصّوان الموصوف رائق المنظر، آخذاً بمجامع القلب والبصر، مستولياً بصورته الغريبة على جميع الصّور، يدهش العقول بهاء، ويحير الألباب رواء، ويكاد يعشي الناظر تألّقاً وضياء، فحين تمّت خصاله، واستركبت أوصاله، وحان ارتباطه بالمصحف العظيم واتصاله، رأوا - أدام الله تأييدهم، وأعلى كلمتهم - مما رزقهم الله تعالى من ملاحظة الجهات، والإشراف على جميع الثنيات، أن يتلطف فيوجه يكون به هذا الصّوان المذكور طوراً متصلاً، وطوراً منفصلاً، ويتأتّى به للمصحف الشريف العظيم أن يبرز تارة للخصوص متبذّلاً، وتارة للعموم متجمّلاً، إذ معارج الناس في الاستبصار تختلف، وكلّ له مقام إليه ينتهي وعنده يقف، فعمل فيه على شاكلة هذا المقصد، وتلطف في تتميم هذا الغرض المعتمد، وكسي المصحف العزيز بصوان لطيف من السندس الأخضر، ذي حلية خفيفة تلازمه في المغيب والمحضر، ورتب ترتيباً يتأتى معه أن يكسى بالصّوان الأكبر، فيلتئم به التئاماً يغطي على العين من هذا الأثر، وكمل ذلك كلّه على أجمل الصفات وأحسنها، وأبدع المذاهب وأتقنها، وصنع له محمل غريب الصنعة، بديع الشكل والصيغة، ذو مفاصل ينبو عن دقتها الإدراك، ويشتد بها الارتباط بين المفصلين ويصح الاشتراك، مغشىًّ كلّه بضروب من الترصيع، وفنون من النقش البديع، في قطع من الآبنوس والخشب
الرفيع، لم تعمل قطّ في زمان من الأزمان، ولا انتهت قطّ إلى أيسره نوافذ الأذهان، مدار بصنعة قد أجريت في صفائح الذهب، وامتدت امتداد ذوائب الشّهب، وصنع لذلك المحمل كرسي يحمله عند الانتقال، ويشاركه في أكثر الأحوال، مرصّع مثل ترصيعه الغريب، ومشاكل له في جودة التقسيم وحسن الترتيب، وصنع لذلك كلّه تابوت يحتوي عليه احتواء المشكاة على أنوارها،
والصدور على محفوظ أفكارها، مكعب الشكل سامٍ في الطول، حسن الجملة والتفصيل، بالغ ما شاء من التتميم في أوصاله والتكميل، جرٍ مجرى المحمل في التزيين والتجميل، وله في أحد غواربه بابٌ ركبت عليه دفتان قد أحكم إرتاجهما، ويسر بعد الإبهام انفراجهما، ولانفتاح هذا الباب وخروج هذا الكرسي من تلقائه وتركب المحمل عليه، ما دبرت الحركات الهندسيّة، وتلقيت تلك التنبيهات القدسية، وانتظمت العجائب المعنويّة والحسيّة، والتأمت الذخائر النفيسة والنفسيّة، وذلك أن بأسفل هاتين الدفتين فيصلاً فيه موضع قد أعدّ له مفتاح لطيف يدخل فيه، فإذا أدخل ذلك المفتاح فيه وأديرت به اليد انفتح الباب بانعطاف الدفتين إلى داخل الدفتين من تلقائهما، وخرج الكرسي من ذاته بما عليه إلى أقصى غايته، وفي خلال خروج الكرسي يتحرك عليه المحمل حركة منتظمة مقترنة بحركته يأتي بها من مؤخر الكرسي زحفاً إلى مقدمه، فإذا كمل الكرسي بالخروج وكمل المحمل بالتقدم عليه انغلق الباب برجوع الدّفتين إلى موضعهما من تلقائهما دون أن يمسهما أحد، وترتبت هذه الحركات الأربع على حركة المفتاح فقط دون تكلف شيء آخر، فإذا أدير المفتاح إلى خلف الجهة التي أدير إليها أولاً انفتح الباب وأخذ الكرسي في الدخول والمحمل في التأخر عن مقدم الكرسي إلى مؤخره، فإذا عاد كلٌّ إلى مكانه انسدّ الباب بالدفتين أيضاً من تلقائه، كل ذلك يترتب على حركة المفتاح، كالذي كان في حال خروجه، وصحّت هذه الحركات اللطيفة على أسباب ومسبّبات غائبة عن الحس في باطن الكرسي، وهي ممّا يدقّ وصفها، ويصعب ذكرها، أظهرتها بركات هذا الأمر السعيد، وتنبيهات سيّدنا ومولانا الخليفة، أدام الله تعالى أمرهم وأعزّ نصرهم.
وفي خلال الاشتغال بهذه الأعمال التي هي غرر الدهر، وفرائد العمر، أمروا - أدام الله تعالى تأييدهم - ببناء المسجد الجامع بحضرة مراكش - حرسها
الله تعالى - فبدئ ببنيانه وتأسيس قبلته في العشر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكمل منتصف شعبان المكرم من العام المذكور، على أكمل الوجوه، وأغرب الصنائع، وأفسح المساحة، وأبعد البناء والنجارة، وفيه من شمسيّات الزجاج وحركات المنبر المقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستغرب تمامه، فكيف في هذا الأمر اليسير الذي لم يتخيّل أحد من الصّنّاع أن يتم فيه فضلاً عن بنائه؟ وصليت في الجمعة منتصف شعبان المذكور، ونهضوا - أدام الله سبحانه تأييدهم - عقب ذلك لزيارة البقعة المكرمة، والروضة المعظمة، بمدينة تينملل أدام الله رفعتها، فأقاموا بها بقية شعبان المكرم، وأكثر شهر رمضان المعظم، وحملوا في صحبتهم المصحف العزيز ومعه مصحف الإمام المهديّ المعلوم رضي الله تعالى عنه في التابوت الموصوف، إذ كان قد صنع له غرفة في أعلاه، وأحكمت فيه إحكاماً كمل به معناه، واجتمع في مشكاته فعاد النور إلى مبتداه، وختم القرآن العزيز في مسجد الإمام المعلوم ختمات كادت لا تحصى لكثرتها، وهنا انتهى ما وجدناه من هذا المكتوب.
ثم قال ابن رشيد - بعد إيراد ما تقدّم - ما صورته: نجزت الرسالة في المصحف العظيم، والحمد لله رب العالمين، انتهى محل الحاجة منه.
[شعر في قرطبة]
وما أحسن قول الشيخ الإمام أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية يستودع أهل قرطبة:
أستودع الله أهل قرطبةحيث عهدت الحياء والكرما
والجامع الأعظم العتيق ولا ... زال مدى الدّهر مأمناً حرما وقال أبو الربيع ابن سالم: حدثني بذلك أبو الحسن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري قال: أنشدني أبو محمد بن عطية لنفسه، فذكرهما بعد أن قال: إنّه لما أزمع القاضي أبو محمد بن عطية الارتحال عن قرطبة قصد المسجد الجامع وأنشد البيتين، انتهى.
وقال ابن عطية أيضاً رحمه الله تعالى:
بأربعٍ فاقت الأمصار قرطبةٌوهنّ قنطرة الوادي وجامعها
هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة، ... والعلم أكبر شيء وهو رابعها وقد تقدم إنشادنا لهذين البيتين من غير نسبة لأحد.
[أبو المغيرة والجارية]
ومما يدخل في أخبار الزاهرة من غير ما قدمناه ما حكاه عن نفسه الوزير
الكاتب أبو المغيرة بن حزم قال: نادمت يوماً المنصور بن أبي عامر في منية السرور بالزاهرة ذات الحسن النضير، وهي جامعة بين روضة وغدير، فلما تضمخ النهار بزعفران العشيّ، ورفرف غراب الليل الدّجوجيّ، وأسبل الليل جنحه، وتقلّد السّماك رمحه، وهمّ النسر بالطيران، وعام في الأفق زورق الزّبر قان، أوقدنا مصابيح الراح، واشتملنا ملاء الارتياح، وللدّجن فوقنا رواق مضروب فغنتنا عند ذلك جارية تسمى أنس القلوب:
قدم اللّيل عند سير النّهاروبد البدر مثل نصف سوار
فكأنّ النّهار صفحة خدٍّوكأنّ الظلام خطّ عذار
وكأنّ المؤوس جامد ماءوكأن المدام ذائب نار
نظري قد جنى عليّ ذنوباًكيف مما جنته عيناي اعتذاري؟
يا لقومي تعجّبوا من غزالجائر في محبتي وهو جاري
ليت لو كان لي إليه سبيلٌفأقضّي من حبّه أوطاري قال: فلمّا أكملت الغناء، أحسست بالمعنى، فقلت:
كيف كيف الوصول للأقماربين سمر القنا وبيض الشّفار
لو علمنا بأن حبّك حقّلطلبنا الحياة منك بثار
وإذا ما الكرام همّوا بشيء ... خاطروا بالنفوس في الأخطار قال: فعند ذلك بادر المنصور لحسامه، وغلظ في كلامه، وقال لها: قولي واصدقي إلى من تشيرين، بهذا الشوق والحنين؟ فقالت الجارية: إن كان الكذب أنجى، فالصدق أحرى وأولى، والله ما كانت إلاّ نظرة، ولّدت في
القلب فكرة، فتكلّم الحب على لساني، وبرّح الشوق بكتماني، والعفو مضمون لديك عند المقدرة، والصفح معلوم منك عند المعذرة؛ ثم بكت فكأن دمعها درٌّ تناثر من عقد، أو طلٌّ تساقط من ورد، وأنشدت:
أذنبت ذنباً عظيماًفكيف منه اعتذاري؟
والله قدّر هذاولم يكن باختياري
والعفو أحسن شيء ... يكون عند اقتدار قال: فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إليّ، وسلّ سيف السخط عليّ، فقلت: أيدك الله تعالى، إنّما كانت هفوةً جرها الفكر، وصبوة أيدها النظر، وليس للمرء إلاّ ما قدر له، لا ما اختاره وأمله. فأطرق المنصور قليلاً ثم عفا وصفح، وتجاوز عنّا وسمح، وخلّى سبيلي، فسكن وجيب قلبي وغليلي، ووهب الجارية لي فبتنا بأنعم ليلة وسجنها فيها للصباذيلة، فلما شمر الليل غدائره، وسل الصباح بواتره، وتجاوبت الأطيار بضروب الألحان، في أعالي الأغصان، انصرفت بالجارية إلى منزلي، وتكامل سروري.
[المأمون والجارية]
قال بعضهم: ذكرتني حكاية أبي المغيرة هذه حكاية قرأتها في النوادر لأبي علي القالي البغدادي حذت في الظرف حذوها، وزهت في الإغراب زهوها، وهي ما أسنده عن منصور البرمكي أنّه كانت للرشيد جارية غلامية وكان المأمون يميل إليها، وهو إذ ذاك أمرد، فوقفت تصبّ على يد الرشيد من إبريق معها، والمأمون [جالس] خلف الرشيد، فأشار إليها [كأنّه] يقبّلها، فأنكرت ذلك بعينها، وأبطأت في الصب على قدر نظرها للمأمون وإشارتها إليه، فقال
الرشيد: ما هذا؟ ضعي الإبريق من يدك، ففعلت، فقال: والله لئن لم تصدقيني لأقتلنك، فقالت: يا سيّدي، أشار إليّ [عبد الله] كأنّه يقبلني، فأنكرت ذلك عليه، فالتفت إلى المأمون فنظر إليه كأنّه ميت لما داخله من الجزع والخجل، فرحمه وضمه إليه، وقال: يا عبد الله، أتحبّها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هي لك فاخل بها في تلك القبة، ففعل، ثم قال له: هل قلت في هذا الأمر شيئاً؟ فقال: نعم يا سيدي، ثم أنشد:
ظبيٌ كتبت بطرفيمن الضمير إليه
قبلته من بعيدٍفاعتلّ من شفتيه
وردّ أخبث ردّبالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه وفي هذا المعنى يقول بعض البلغاء: اللحظ، يعرب عن اللفظ، وقال آخر: رب كناية تغني عن إيضاح، ورب لفظ يدل على ضمير، ونظمه الشاعر فقال:
جعلنا علامات المودّة بيننادقائق لحظٍ هنّ أمضى من السّحر
فأعرف منها الوصل في لين لحظها ... وأعرف منها الهجر بالنظر الشزر وفي هذا قال بعض الحكماء: العين باب القلب، فما في القلب ظهر في العين، وقال الشاعر:
العين تبدي الذي في نفس صاحبهامن المحبّة أو بغضٍ إذا كانا
فالعين تنطق والأفواه صامتةحتى ترى من ضمير القلب تبيانا
[ترجمة أبي المغيرة من المطمح]
وأبو المغيرة ابن حزم قال في حقه في المطمح ما نصّه: الوزير الكاتب أبو المغيرة عبد الوهّاب بن حزم، وبنو حزم فتية علم وأدب، وثنيّة مجد وحسب، وأبو المغيرة هذا في الكتابة أوحد، لا ينعت ولا يحد، وهو فارس المضمار، حامي ذلك الذّمار، وبطل الرّعيل، وأسد ذلك الغيل، ونسق المعجزات، وسبق في المعضلات الموجزات، إذا كتب وشّى المهارق ودبّج، وركب من بحر البلاغة الثّبج، وكان هو وأبو عامر ابن شهيد خليلي صفاء، وحليفي وفاء، لا ينفصلان في رواح ولا مقيل، ولا يفترقان كمالك وعقيل، وكانا بقرطبة رافعي ألوية الصّبوة، وعامري أندية السلوة، إلى أن اتّخذ أبو عامر في حبالة الردى وعلق، وغدا رهنه فيها قد غلق، فانفرد أبو المغيرة بذلك الميدان، واستردّ من سبقه ما فاته منذ زمان، فلم تذكر له مع أبي عامر حسنة، ولا سرت له فقرة مستحسنة، لتعذر ذلك وامتناعه، بشفوف أبي عامر وامتداد باعه، وأمّا شعر أبي المغيرة فمرتبط بنثره، ومختلط زهره بدرّه، وقد أثبتّ له منها فنوناً، تجن بها الأفهام جنوناً، فمن ذلك قوله:
ظعنت وفي أحداجها من شكلهاعينٌ فضحن بحسنهنّ العينا
ما أنصفت في جنب توضح إذ قرتضيف الوداد بلابلاً وشجونا
أضحى الغرام قطين ربع فؤادهإذ لم يجد بالرقمتين قطينا وله:
لمّا رأيت الهلال منطوياًفي غرّة الفجر قارن الزّهره
شبّهته والعيان يشهد ليبصولجان أوفى لضرب كره [ترجمة ابن شهيد من المطمح]
وأبو عامر ابن شهيد المذكور قال في حقّه ما صورته:
الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعي، عالم بأقسام البلاغة ومعانيها، حائز قصب السبق فيها، لا يشبهه أحد من أهل زمانه، ولا ينسق ما نسق من درّ البيان وجمانه، توغل في شعاب البلاغة وطرقها، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها، لا يقاومه عمرو بن بحر، ولا تراه يغترف إلا من بحر، مع انطباع، مشى في طريقه بأمدّ باع، وله الحسب المشهور، والمكان الذي لم يعده للظهور، وهو من ولد الوضّاح، المتقلّد تلك المفاخر والأوضاح، صاحب الضحّاك يوم المرج، وراكب ذلك الهرج، وأبو عامر حفيده هذا من ذلك النسب، ونبع لا يراش إلا من ذلك الغرب، وقد أثبتّ له ما هو بالسحر لاحق، ولنور المحاسن ما حق، فمن ذلك قوله:
إنّ الكريم إذا نابته مخمصةٌأبدى إلى الناس ريّاً وهو ظمآن
يحني الضلوع على مثل اللّظى حرقاًوالوجه غمرٌ بماء البشر ريّان وهو مأخوذ من قول الرضى:
ما إن رأيت كمعشرٍ صبرواعزّاً على الأزلات والأزم
بسطوا الوجوه وبين أضلعهمحرّ الجوى ومآلم الكلم وله أيضاً:
كلفت بالحبّ حتى لو دنا أجليلما وجدت لطعم الموت من ألم
كلا النّدى والهوى قدماً ولعت به ... ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج - وهو بمنزل ابن شهيد - وكان من البلاغة في مدى غاية البيان، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان، وكنا نحضر مجلس شرابه، ولا نغيب عن بابه، وكان له بباب الصّومعة من الجامع موضع لا يفارقه أكثر نهاره، ولا يخليه من نثر درره وأزهاره، فقعد في ليلة من رمضان في لمة من إخوانه، وأئمّة سلوانه، وقد حفّوا به ليقطفوا نخب أدبه، وهو يخلط لهم الجدّ بهزل، ولا يفرط في انبساط مشتهر ولا انقباض جزل، وإذا بجارية من أعيان أهل قرطبة معها من جواريها، من يسترها ويواريها، وهي ترتاد موضعاً لمناجاة ربها، وتبتغي منزلاً لاستغفار
ذنبها، وهي متنقبة، خائفة ممن يرقبها مترقبة، وأمامها طفل لها كأنّه غصن آس، أو ظبي يمرح في كناس، فلمّا وقعت عينها على أبي عامر ولّت سريعة، وتولت مروعة، خيفة أن يشبب بها، أو يشهرها باسمها، فلمّا نظرها، قال قولاً فضحها به وشهرها:
وناظرةٍ تحت طيّ القناعدعاها إلى الله بالخير داعي
سعت خفيةً تبتغي منزلاًلوصل التبتّل والانقطاع
فجاءت تهادى كمثل الرّؤومتراعي غزالاً بروض اليفاع
وجالت بوضعنا جولةًفحلّ الربيع بتلك البقاع
أتتنا تبختر في مشيهافحلّت بواد كثير السّباع
وريعت حذاراً على طفلهافناديت يا هذه لا تراعي
غزالك تفرق منه الليوثوتفزع منه كماة المصاع
فولت وللمسك في ذيلهاعلى الأرض خطٌّ كظهر الشّجاع انتهى المقصود منه
[استيلاء المعتمد على قرطبة]
رجع: وممّا ينخرط في سلك أخبار الزهراء ما حكاه الفتح في ترجمة المعتمد ابن عباد إذ قال: وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين بن سراج أنّه حضر مع
الوزراء والكتّاب بالزهراء في يوم قد غفل عنه الدهر فلم يرمقه بطرف، ولم يطرقه بصرف، أرّخت به المسرات عهدها، وأبرزت له الأماني خدّها، وأرشفت فيه لماها، وأباحت للزائرين حماها، وما زالوا ينقلون من قصر إلى قصر، ويبتذلون الغصون بجنىً وهصر، ويتوقّلون في تلك الغرفات، يتعاطون الكؤوس بين تلك الشّرفات، حتى استقروا بالروض من بعد ما قضوا من تلك الآثار أوطاراً، وأوقروا بالاعتبار قطاراً، فحلّوا منها في درانك ربيع مفوّفة بالأزهار، مطرّزة بالجداول والأنهار، والغصون تختال في أدواحها، وتتثنى في أكفّ أرواحها، وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالى ينحن على خرابها، وانقراض أطرابها، والوهي بمشيدها لاعب، وعلى كل جدارٍ غرابٌ ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلصت ظلالها وأفياءها، وطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وأرجت، أيام نزلوا خلالها وتفيأوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجنّاتها، ونبّهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأضحت ولها بالتداعي تلفّع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نؤيٌ وأحجار، قد وهت قبابها، وهرم شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيّه الجديد، فبينما هم يتعاطونها صغاراً وكباراً، ويديرونها أنساً واعتباراً، إذا برسول المعتمد قد وافاهم برقعة مكتوب فيها:
حسد القصر فيكم الزهراءولعمري وعمركم ما أساء
قد طلعتم بها شموساً صباحاً ... فاطلعوا عندنا بدوراً مساء فساروا إلى قصر البستان بباب العطارين فألفوا مجلساً قد حار فيه الوصف، واحتشد فيه اللهو والقصف، وتوقدت نجوم مدامه، وتأوّدت قدود خدّامه، وأربى على الخورنق والسّدير، وأبدى صفحة البدر من أزرار المدير، فأقاموا ليلتهم ما عراهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللذات سوم، وكانت قرطبة منتهى أمله، وكان روم أمرها أشهى عمله، ومازال يخطبها بمداخلة أهليها، ومواصلة واليها، إذ لم يكن في منازلتها قائد، ولم يكن لها إلاّ حيل ومكائد، لاستمساكهم بدعوة خلفائها، وأنفتهم من طموس رسوم الخلافة وعفائها، وحين اتفق له تملّكها، وأطلعه فلكها، وحصل في قطب دائرتها، ووصل إلى تدبير رياستها وإدارتها، قال:
من للملوك بشأو الأصيد البطل؟هيهات جاءتكم مهديّة الدّول
خطبت قرطبة الحسناء إذ منعتمن جاء يخطبها بالبيض والأسل
وكم غدت عاطلاً حتى عرضت لهافأصبحت في سريّ الحلي والحلل
عرس الملوك لنا في قصرها عرسٌكلّ الملوك بها في مأتم الوجل
فراقبوا عن قريب لا أبا لكم ... هجوم ليثٍ بدرع البأس مشتمل ولمّا انتظمت في سلكه، واتّسمت بملكه، أعطى ابنه الظافر زمامها، وولاه نقضها وإبرامها، فأفاض فيها نداه، وزاد على أمده ومداه، وجمّلها بكثرة حبائه، واستقل بأعبائها على فتائه، ولم يزل فيها آمراً وناهياً، غافلاً عن المكر ساهياً، حسن ظنٍّ بأهلها اعتقده، واغتراراً بهم ما رواه ولا انتقده،
وهيهات كم من ملك كفّنوه في دمائه، ودفنوه بذمائه، كم من عرشٍ ثلّوه، وكم من عزيز ملك أذلوه، إلى أن ثار فيها ابن عكاشة ليلاً، وجرّ إليها حرباً وويلاً، فبرز الظافر منفرداً عن كماته، عارياً من حماته، وسيفه في يمينه، وهاديه في الظلماء نور جبينه، فإنّه كان غلاماً كما بلله الشباب بأندائه، وألحفه الحسن بردائه، فدافعهم أكثر ليله، وقد منع منه تلاحق رجله وخيله، حتى أمكنتهم منه عثرة لم يقل لها لعا، ولا استقل منها ولا سعى، فترك ملتحفاً بالظلما، تحت نجوم السما، معفّراً في وسط الحمى، تحرسه الكواكب، بعد المواكب، ويستره الحندس، بعد السندس، فمرّ بمصرعه سحراً أحد أئمّة الجامع المغلّسين، فرآه وقد ذهب ما كان عليه ومضى، وهو أعرى من الحسام المنتضى، فخلع رداءه عن منكبيه ونضاه، وستره به ستراً أقنع المجد به وأرضاه، وأصبح لا يعلم رب تلك الصنيعة، ولا يعرف فتشكر له يده الرفيعة، فكان المعتمد إذا تذكر صرعته، وسعّر الحزن لوعته، رفع بالعويل نداءه، وأنشد:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... ولمّا كان من الغد حزّ رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم، ويرشق نفس كل ناظر بألم، فلمّا رمقته الأبصار، وتحققته الحماة والأنصار، رموا أسلحتهم، وسوّوا للفرار أجنحتهم، فمنهم من اختار فراره وجلاه، ومنهم من أتت به إلى حينه رجلاه، وشغل المعتمد عن رثائه بطلب
ثاره، ونصب الحبائل لوقوع ابن عكاشة وعثاره، وعدل عن تأبينه، إلى البحث عن مفرقه وجبينه، فلم تحفظ له فيه قافية، ولا كلمة للوعته شافية، إلاّ إشارته إليه في تأبين أخويه، المأمون والراضي المقتولين في أول النائرة، والفتنة الثائرة، انتهى.
[ذكر المتنزهات في سياق التراجم]
وقد رأيت أن أزيد على ما تقدم - ممّا قصدت جلبه في هذا لموضع - نبذة من كلام الفتح في ذكر منتزهات قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس، ووصف مجالس الأنس التي كانت بها ممّا تنشرح له الأنفس، ووقع ذكر غير قرطبة والزهراء لهما تبعاً، ولا يخلو ذلك من عبرة بحال من جعل في اللهو مصيفاً ومرتبعاً، ثم طواه الدهر طيّ السجلّ، ومحا آثاره التي كانت تسمو وتجلّ، وما قصدنا علم الله غير الاعتبار، بهذه الأخبار، لا الحث على الحرام، وتسهيل القصد إليه والمرام، والأعمال بالنيات، والله سبحانه كفيل بفضله وكرمه ببلوغ الأمنيات، وتعويضنا عن هذه النعم الفانيات، بالنعم الباقيات السنيّات.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع