من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (١٤)
قال: ثم إنّه سار نحو هولاكو، فلمّا مرّ بحلب ونظر إلى معاهده على غير ما يعهد قال:
مررت بجرعاء الحمى فتلفتتلحاظي إلى الدّار التي رحلوا عنها
ولو كان عندي ألف عينٍ وقمت في ... معالمها عمري لما شبعت منها وصنع في نعيها أشعاراً يغنّي بها المسمّعون، ثم رحل إلى صحراء يوش في جهة طريق أرمينية، فوجد هولاكو هنالك في تلك المروج المشهورة بالخصب، فأنزله، وأقام يشرب معه إلى أن وصل الخبر بوقعة عين جالوت على التتر للملك المظّفر قطز صاحب مصر سنة، فقتلوه وخلعوا عظم كتفه، وجعلوه في أحد الأعلام على عادته في أكتاف الملوك، انتهى باختصار.
ومن الوافدين من الأندلس إلى المشرق الأديب الحسيب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن سعيد، وكان صعب الخلق، شديد الأنفة، جرى بينه وبين أقاربه ما أوجب خروجه إلى أقصى المشرق، وفي ذلك يقول، وكتب به إليهم:
من لصبّ يرعى النجوم صبابهضيّع السير في الهموم شبابه
زدت بعداً فزدت فيه اقتراباًبودادي كذاك حكم القرابه
منزلي الآن سمرقند وبالقلعة ربعٌ وطئت طفلاً ترابه
شدّ ما أبعد الفراق انتزاحيهكذا الليث ليس يدري اغترابه
لا ولا أرتجي الإياب لأمرٍإن يكن يرتجي غريبٌ إيابه
وكتب لهم من بخارى:
إذا هبّت رياح الغرب طارتإليها مهجتي نحو التّلاقي
وأحسب من تركت به يلاقيإذا هبّت صباها ما ألاقي
فيا ليت التفرق كان عدلاًفحمّل ما يطيق من اشتياقي
وليت العمر لم يبرح وصالاً ... ولم يختم علينا بالفراق إذا كان الشوق فوق كل صفة، فكيف تعبّر عن الشفة، لكن العنوان دلالة على بعض ما في الصحيفة، والحاجب قد ينوب في بعض الأمور مناب الخليفة، وما ظنكم بمشوق طريح، في يد الأشواق طليح، يقطع مسافات الآفاق يتقلّب تقلّب الأفياء، ويتلّون الحرباء، حتى كأنّه يخبّر مساحات الأرض، ذات الطول والعرض، ويجوب أهوية الأقاليم السبع، خارجاً بما أدخله فيه اللّجاج عن الشرع، فكان خليفة الإسكندر، لكن ما يجيش من هموم الغربة بفكري قائمة مقام الجيش والعسكر؛ جزت إلى برّ العدوة من الغرب الأقصى، فطمحت نفسي إلى مشاهدة الغرب الأوسط فلاقيت فيما بينهما من المسافة من المشاق ما لا يحصر، ثم تشوقت إلى إفريقية درب بلاد الشرق، فاستشعرت من هنالك ما بينها وبين بلادي من الفرق، واختطفت من عيني تلك الطلاوة، وانتزعت من قلبي تلك الحلاوة:
فلله عينٌ لم تر العين مثلها ... ولا تلتقي إلاّ بجنّات رضوان ثم نازعتني النفس التواقة إلى الديار المصرية، فكابدت في البحر ما لا يفي بوصفه إلا المشافهة إلى أن أبصرت منار الإسكندرية، فيا لك من استئناف عمر جديد، بعد اليأس من الحياة بما لقينا من الهول والتنكيد، ثمّ صعدت إلى القاهرة
قاعدة الديار المصرية، لمعاينة الهرمين وما فيهما من المعالم الأزلية، وعاينت القاهرة المعزّية، وما فيها من الهمم الملوكية، غير أنّي أنكرت مبانيها الواهية، على ما حوت من أولي الهمم العالية، وكونها حاضرة العسكر الجرّار، وكرسيّ الملك العظيم المقدار، وقلت: أصداف فيها جواهر، وشوك محدق بأزاهر، ثم ركبت النيل وعاينت تماسيحه، وجزت بحر جدة وذقت تباريحه، وقضيت الحج والزيارة، وملت إلى حاضرة الشام دمشق والنفس بالسوء أمّارة، فهنالك بعت الزيارة بالأوزار، وآلت تلك التجارة إلى ما حكمت به الأقدار، إذ هي كما قال أحد من عاينها:
أمّا دمشق فجنّات معجّلة ... للطالبين بها الولدان والحور فلله ما تضمن داخلها من الحور والولدان، وما زيّن به خارجها من الأنهار والجنان، وبالجملة فإنّها حمى تتقاصر عن إدراكها أعناق الفصاحة، وتقصر عن مناولتها في ميدان الأوصاف كل راحة، ولم أزل أسمع عن حلب، أنّها دار الكرم والأدب، فأدرت أن يحظى بصري بما حظي به سمعي، ورحلت إليها وأقمت جابراً بالمذاكرة والمطايبة صدعي، ثم رحلت إلى الموصل فألفيت مدينة عليها رونق الأندلس، وفيها لطافة وفي مباينها طلاوة ترتاح لها الأنفس، ثم دخلت إلى مقر الخلافة بغداد، فعاينت من العظم والضخامة ما لا يفي به الكتب ولو ان البحر مداد، ثم تغلغلت في بلاد العجم بلداً بلداً، غير مقتنع بغاية ولا قاصد أمداً، إلى أن حللت ببخارى قبة الإسلام، ومجمع الأنام، فألقيت بها عصا التسيار، وعكفت على طلب العلم واصلاً في اجتهاده سواد الليل وبياض النّهار، انتهى.
وكتب إليهم أيضاً من هذه الرسالة: كتبت وقد حصلتني السعادة، وحظ
الأمل والإرادة، بحضرة بخارى قبة الإسلام.
وأجابه أهله من الغرب بكلام من جمله: وإن كنت قد تحصنت بقبة الإسلام، فقد تعجلت لنا ولك الفقد قبل وقت الحمام. وأتبعوا ذلك بما دعاه لأن خاطبهم بشعر منه:
عتبتم على حثّي المطيّ وقلتمتعجّلت فقداً قبل وقت حمام
إذا لم يكن حالي مهمّاً لديكم ... سواء عليكم رحلتي ومقامي وقتل المذكور ببخارى، حين دخلها التتر، وهو عمّ علي بن سعيد الشهير.
وكان لعبد الرحمن المذكور أخٌ يسمى يحيى قد عنى الجنديّة، فلمّا بلغه أن أبا القاسم عبد الرحمن قتل ببخارى قال: لا إله إلاّ الله، كان أبداً يسفّه رأيي في الجنديّة، ويقول: لو اتبعت طريق النجاة كما صنعت أنا لكان خيراً لك، فها هو ربّ قلمٍ قد قتل شرّ قتلة بحيث لا ينتصر وسلب سلاحه، وأنا ما زلت أغازي في عبّاد الصليب وأخلص، فما يقدر أحد يحسن لنفسه عاقبة، انتهى.
قال أبو الحسن علي بن سعيد: ثمّ إن يحيى المذكور بعد خوضه في الحروب صرعه في طريقه غلام كان يخدمه، فذبحه على نزرٍ من المال، أفلت به، فانظر إلى تقلّب الأحوال كيف يجري في أنواع الأمور لا على تقدير ولا احتياط، انتهى.
ومن شعر أبي القاسم عبد الرحمن المذكور ما خاطب به نقيب الأشراف ببخارى، وقد أهدى إليه فاختاً مع زوجه:
أيا سيّد الأشراف لا زلت عالياًمعاليك تنبو الدهر عن كلّ ناعت
من الفضل إقبالٌ على ما تعثتهلمغناك من شادٍ دعوه بفاخت
ألا حبّذا من فاخت ساد جنسهوأصبح مقروناً بستّ الفواخت
لئن فاتني منه الأنيس فكل ما ... يحلّ إلى علياك ليس بفائت منهم الشيخ الصالح الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف ابن حمزة، القرطبي، الأنصاري، المعروف بابن العابد، نزيل رباط الصاحب الصفي بن شكر، قال بعض المشارقة عنه: إنّما سميت الخمر بالعجوز لأنّها بنت ثمانين، يعين عدد حدّها، وأنشد له:
عذلنا فلاناً على فعلهولمناه في شربه للعجوز
فقال: دعوني من أجلها ... أنال أنا وأخي والعجوز ومنهم الشيخ الفاضل المتقن أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف ابن محمد بن يوسف الأنصاري، الشاطبي الأصل، البلنسي المولد في أحد ربيعي سنة إحدى وستمائة، ولقّبه المشارقة برضي الدين. وتوفّي بالقاهرة في جمادة الأولى سنة، رحمه الله تعالى.
ومن نظمه لما حضر أجله، وقد مر خادمه أن ينظف له بيته، وأن يغلق عليه الباب ويفتقده بعد زمان، ففعل ذلك، فلمّا دخل عليه وجده ميتاً، وقد كتب في رقعة:
حان الرحيل فودّع الدار التيما كان ساكنها بها بمخلّد
واضرع إلى الملك الجواد وقل لهعبدٌ بباب الجود أصبح يجتدي
لن يرض غير الله معبوداً ولاديناً سوى دين النبيّ محمّد ومن نظمه أيضاً رحمه الله تعالى:
أقول لنفسي حين قابلها الردىفرامت فراراً منه يسرى إلى يمنى
قري تحملي بعض الذي تكرهينه ... فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنى أنشده تلميذه أبو حيّان إمام عصره في اللّغة.
حدث عن ابن المنير وغيره، واشتغل الناس عليه بالقاهرة، وله تصاينف مفيدة، وسمع من الحافظ أبي الربيع ابن سالم، وكتب على صحاح الجوهري وغيره حواشي في مجلدات، وأثنى عليه تلميذه أبو حيان، رحم الله تعالى الجميع.
ومن فوائده قوله: نقلت من خط أبي الوليد ابن خيرة الحافظ القرطبي في فهرست أبي بكر ابن مفوّز: قد أدركته بسنّي ولم آخذ عنه واجتمعت به، أنشدني له أبو القاسم ابن الأبرش يخاطب بعض أكابر أصحاب أبي محمد ابن حزم، والإشارة لابن حزم الظاهري:
يا من تعاني أموراً لن تعانيهاخلّ التعاني وأعط القوس باريها
تروي الأحاديث عن كلٍّ مسامحةً ... وإنّما لمعانيها معانيها وقد سبق في ترجمة القاضي أبي الوليد الباجي ذكر هذين البيتين عندما أجرينا ذكر ابن حزم، قال: وإنّما قال هذا الشعر في كذر رواية ادّعيت على قول النبيّ ﷺ " إن خالداً قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله " وصحح رواية من روى " أعبده " جمع عبد، وعلّل رواية من روى أعتده بالتاء مثنّاة باثنتين من فوق جمع عتدٍ، وهو الفرس؛ قال ابن خيرة: الإحاطة ممتنعة، وهذه الرواية قد رواها جماعة من الأثبات والعلماء المحدّثين، فهو إنكار غير معروف، والله تعالى أعلم.
ومن فوائده ما نقله تلميذه أبو حيّان النحوي عنه، قال: أنشدنا للمقري ونقلته من خطّه:
إذا ما شئت معرفةًبما حار الورى فيه
فخذ خمساً لأربعةٍودع للثوب رافيه وهو لغز في ورد
وقال: وأنشدنا لبعضهم:
لا رعى الله عزمةً ضمنت ليسلوة الصبر والتصبر عنه
ما وفت غير ساعةٍ ثمّ عادتمثل قلبي تقول: لا بدّ منه قال: وأنشدنا لغيره:
وكان غريب الحسن قبل التحائهفلمّا التحى صار الغريب المصنّفا " وأنشدنا لغيره:
طب على الوحدة نفساوارض بالوحشة أنسا
ما عليها من يساوي ... حين يستخبر فلسا وقرأ الرضيّ ببلده على ابن صاحب الصّلاة آخر أصحاب ابن هذيل، وسمع منه كتاب التلخيص للواني، وسمع بمصر من ابن المقيّر وجماعة، وروى عنه الحافظ المزي واليونيني والظاهري وآخرون، وانتهت إليه معرفة اللغة وغريبها، وكان يقول: أعرف اللغة على قسمين: قسم أعرف معناه وشواهده، وقسم أعرف كيف أنطق به فقط، رحمه الله تعالى.
ومن فوائد الرضيّ الشاطبيّ المذكور ما ذكره أبو حيّان في البحر قال: وهو من غريب ما أنشدنا الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمّد بن علي ابن يوسف الأنصاري الشاطبي لزينب بنت إسحاق النصراني الرّسعني:
عديّ وتيم لا أحاول ذكرهمبسوء، ولكنّي محبٌّ لهاشم
وما يعتريني في عليّ ورهطهإذا ذكروا في الله لومة لائم
يقولون: ما بال النصارى تحبّهموأهل النّهى من أعربٍ وأعاجم
فقلت لهم: إنّي لأحسب حبّهمسرى في قلوب الخلق حتى البهائم ومن نظم الرضي المذكور:
منغّص العيش لا يأوي إلى دعةٍمن كان ذا بلدٍ أو كان ذا ولد
والساكن النفس من لم ترض همتهسكنى بلادٍ ولم يسكن إلى أحد وله:
لولا بناتي وسيّئاتيلطرت شوقاً إلى الممات
لأنني في جوار قومٍ ... بغّضني قربهم حياتي وقرأ عليه أبو حيان كتاب التيسير وأثنى عليه، ولمّا توفّي أنشد ارتجالاً:
نعوا لي الرضيّ فقلت لقدنعي لي شيخ العلا والأدب
فمن للّغات للثّقاتومن للنحاة ومن للنسب
لقد كان للعلم بحراً فغاروإنّ غؤور البحار العجب
فقدّس من عالمٍ عاملٍ ... أثار لشجوي لمّا ذهب وتحاكم إلى رضي الدين المذكور الجزّار والسّراج والورّاق أيّهما أشعر، وأرسل إليه الجزار شيئاً، فقال: هذا شعر جزلٌ، من نمط شعر العرب، فبلغ ذلك الورّاق، فأرسل إليه شيئاً فقال: هذا شعر سلس، وآخر الأمر قال:
ما أحكم بينكما، رحمه الله تعالى.
قلت: رأيت بخطّه كتباً كثيرة بمصر وحواشي مفيدة في اللّغة وعلى دواوين العرب، رحمه الله تعالى.
ومنهم حميد الزاهد، وهو الأديب الفاضل الزاهد أبو بكر حميد ابن أبي محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله، الأنصاري، القرطبي، نزيل مالقة. قال الرضي الشاطبي المذكور قريباً: أنشدني حميدٌ بالقاهرة لأبيه أبي محمد وقد تأخّر شبيه مع علوّ سنّه:
وهل نافعي أن أخطأ الشّيب مفرقيوقد شاب أترابي وشاب لداتي
إذا كان خطّ الشيب يوجد عينهبتربي فمعناه يقوم بذاتي واللّدات: من ولد معه في زمان واحد، انتهى
وفي ذكري أنّه قال هذين البيتين لما قال له القاضي عياض: شبنا ولم تشب.
وقال الرضيّ أيضاً: أنشدني حميدٌ لأبيه فيمن يكتب في الورق بالمقص، وهو غريب:
وكاتبٍ وشي طرسه حبرٌلم يشها حبره ولا قلمه
لكن بمقراضه ينمنمهانمنمة الروض جاده رهمه
يوجد بالقطع أحرفاً عدمتفاعجب لشيء وجوده عدمه والرهم: المطر
قال: وتوفّي حميد الزاهد هذا بمصر، قبيل الظهر من يوم الثلاثاء، وصلّي عليه خارج مصر بجامع راشدة بعد صلاة العصر من يوم الثلاثاء المذكور، ودفن بسفح المقطّم بتربة الشيخ الفاضل الزاهد أبي بكر محمد الخزرجي الذي يدق الرصاص، حذاء رجليه، في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ومولده سنة ست وستمائة، انتهى.
ومنهم اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع بن عبد الله الغافقي من أهل بلنسية وأصله من جيّان، وسكن المريّة ثم مالقة، يكنى أبا يحيى، كتب لبعض الأمراء بشرقي الأندلس، وله تأليف سمّاه المعرب في أخبار محاسن أهل المغرب، جمعه للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالديار المصرية بعد أن رحل إليها من الأندلس سنة ستين وخمسمائة، وبها توفّي يوم الخميس التاسع عشر من رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد التجيبي، يكنى أبا عبد الله، من أهل إشبيلية، تجول في بلاد الأندلس طالباً للعلم، ثمّ حج، ولقي الحافظ السّلفي وغيره، واستوطن تلمسان، وبها توفّي في جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، وله تواليف كثيرة.
ومنهم أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك، اللّخمي، الباجي،
من أهل إشبيلية، ولي القضاء بها وأصله من باجة إفريقية، دخل المشرق لأداء الفريضة فحج، وتوفّي بمصر بعدما دخل الشام، في اليوم الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة، ومولده عام أربعة وستين وخمسمائة، وكانت رحلته من المغرب أول يوم من المحرم عام أربعة وثلاثين وستمائة.
ومنهم وليد بن بكر بن مخلد بن زياد العمري من أهل سرقسطة، يكنى أبا العباس، له كتاب سمّاه " الوجازة في صحة القول بالإجازة " وله رحلة لقي فيها ألف شيخ ومحدث وفقيه، توفّي بالدينور سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، يروي عنه أبو ذر الهروي وعبد الغني الحافظ، وكفاه فخراً بهذين الإمامين العظيمين، رحم الله تعالى الجميع.
ومنهم عيسى بن سليمان بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرّعيني الرّندي، يكنى أبا محمد، استوطن مالقة، ورحل إلى المشرق، وحج، ولقي جماعة من العلماء، وقفل إلى المغرب أواخر عام واحد وثلاثين وستمائة، وولي الإمامة بالمسجد الجامع بمالقة، وبها توفّي في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ولقب في المشرق برشيد الدين، وولد في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بقرية من قرى الأندلس يقال لها يلمالتين كورة
بشتغير، ذكر ذلك ابن المستوفي في تاريخ إربل.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن أحمد، الينيني، من أهل الأندلس، استوطن المشرق ومدح الملك الكامل، ومن شعره رحمه الله تعالى قوله:
لولا تحدّيه بآية سحرهما كنت ممتثلاً شريعة أمره
رشأ أصدّقه وكاذب وعدهيبدي لعاشقه أدلّة عذره
ظهرت نبوّة حسنه في فترةٍ ... من جفنه وضلالةٍ من شعره ومنهم أبو جعفر أحمد بن يحيى الضبي، رحل حاجّاً فلقي ببجاية عبد الحق الإشبيلي، وبالإسكندرية أبا الطاهر ابن عوف، ولقي غير واحد في رحلته كالفرنوي وان بري وأبي الثناء الحراني وأبي الحسين الحديثي - وللحديثي أحاديث ساوى بها البخاري ومسلماً - ولقي جماعة ممّن شارك السّلفي في شيوخه.
ومنهم أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير، الكناني صاحب الرحلة، وهو من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، أندلسي،
شاطبي، بلنسي، مولده ليلة السبت عاشر ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة ببلنسية، وقيل في مولده غير ذلك، وسمع من أبيه بشاطبة ومن أبي عبد الله الأصيلي وأبي الحسن ابن أبي العيشي، وأخذ عنه القراءات، وعني بالأدب فبلغ الغاية فيه، وتقدم في صناعة القريض والكتابة.
ومن شعره قوله، وقد دخل إلى بغداد فاقتطع غصناً نضيراً من أحد بساتينها فذوى في يده:
لا تغترب عن وطنٍواذكر تصاريف النّوى
أما ترى الغصن إذاما فارق الأصل ذوى وقال رحمه الله تعالى يخاطب الصدر الخجندي:
يا من حواه الدين في عصرهصدراً يحلّ العلم منه فؤاد
ماذا يرى سيّدنا المرتضىفي زائرٍ يخطب منه الوداد
لا يبتغي منه سوى أحرفٍيعتدّها أشرف ذخر يفاد
ترسمها أنمله مثل مانمّق زهر الروض كفّ العهاد
في رقعةٍ كالصبح أهدى لهايد المعالي مسك ليل المداد
إجازةً يورثنيها العلاجائزةً تبقى وتفنى البلاد
يستصحب الشكر خديماً لهاوالشكر للأمجاد أسنى عتاد فأجابه الصدر الخجندي:
لك الله من خاطبٍ خلّتيومن قابسٍ يجتدي سقط زندي
أجزت له ما أجازوه ليوما حدّثوه وما صحّ عندي
وكاتب هذي السّطور الّتيتراهنّ عبد اللطيف الخجندي
ورافق ابن جبير في هذه الرحلة أبو جعفر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن القضاعي، وأصله من أندة من بلنسية، رحل معه فأدّيا الفريضة، وسمعا بدمشق من أبي الطاهر الخشوعي، وأجاز لهما أبو محمد ابن أبي عصرون وأبو محمد القاسم بن عساكر وغيرهما، ودخلا بغداد وتجولا مدّة، ثمّ قفلا جميعاً إلى المغرب، فسمع منهما به بعض ما كان عندهما.
وكان أبو جعفر هذا متحقّقاً بعلم الطب، وله فيه تقييد مفيد، مع المشاركة الكاملة في فنون العلم. وكتب عن السيد أبي سعيد ابن عبد المؤمن، وجدّه لأمّه القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية. وتوفّي أبو جعفر هذا بمرّاكش سنة ثمان، أو تسع وتسعين وخمسمائة، ولم يبلغ الخمسين في سنه، رحمه الله تعالى.
رجع إلى ابن جبير
قال لسان الدين في حقّه: إنّه من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة في الآداب، وله الرحلة المشهورة، واشتهرت في السلطان الناصر صلاح الدين ابن أيوب له قصيدتان: إحداهما أولها:
أطلّت على أفقك الزّاهرسعودٌ من الفلك الدائر ومنها:
رفعت مغارم مكس الحجازبإنعامك الشامل الغامر
وأمّنت أكناف تلك البلادفهان السبيل على العابر
وسحب أياديك فيّاضةٌعلى واردٍ وعلى صادر
فكم لك بالشرق من حامدٍوكم لك بالغرب من شاكر
والأخرى منها في الشكوى من ابن شكر الذي كان أخذ المكس من الناس في الحجاز:
وما نال الحجاز بكم صلاحاًوقد نالته مصرٌ والشآم ومن شعره:
أخلاّء هذا الزّمان الخؤونتوالت عليهم حروف العلل
قضيت التعجّب من بابهمفصرت أطالع باب البدل وقوله:
غريبٌ تذكّر أوطانهفهيّج بالذكر أشجانه
يحلّ عرى صبره بالأسى ... ويعقد بالنجم أجفانه وقال رحمه الله تعالى، لمّا رأى البيت الحرام زاده الله شرفاً:
بدت لي أعلام بيت الهدىبمكّة والنور بادٍ عليه
فأحرمت شوقاً له بالهوىوأهديت قلبي هديّاً إليه وقوله يخاطب من أهدى إليه موزاً:
يا مهدي الموز تبقىوميمه لك فاء
وزايه عن قريبلمن يعاديك تاء
وقال رحمه الله تعالى:
قد ظهرت في عصرنا فرقةٌظهورها شؤمٌ على العصر
لا تقتدي في الدين إلا بماسنّ ابن سينا وأبو نصر وقال:
يا وحشة الإسلام من فرقةٍشاغلةٍ أنفسها بالسّفه
قد نبذت دين الهدى خلفهاوادّعت الحكمة والفلسفه وقال:
ضلّت بأفعالها الشنيعهطائفةٌ عن هدى الشّريعه
ليست ترى فاعلاً حكيماً ... يفعل شيئاً سوى الطبيعه كان انفصاله، رحمه الله تعالى، من غرناطة بقصد الرحلة المشرقية أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال سنة، ووصل الإسكندريّة يوم السبت التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام من السنة، فكانت إقامته على متن البحر من الأندلس إلى الإسكندرية ثلاثين يوماً، ونزل البر الإسكندراني في الحادي والثلاثين، وحجّ، رحمه الله تعالى، وتجوّل في البلاد ودخلا لشام والعراق والجزيرة وغيرها، وكان، رحمه الله تعالى، كما قال ابن الرقيق: من أعلام العلاء العارفين بالله، كتب في أول أمره عن السيد أبي سعيد ابن عبد المؤمن صاحب غرناطة، فاستدعاه لأن يكتب عنه كتاباً وهو على شرابه، فمدّ يده إليه بكأس، فأظهر الانقباض، وقال: يا سيدي ما شربها قط، فقال: والله لتشربنّ منها سبعاً، فلمّا رأى العزيمة شرب سبع أكؤس، فملأ له السيد الكأس من دنانير سبع مرات وصبّ ذلك في حجره، فحمله إلى منزله وأضمر أن يجعل كفرة شربه الحج بتلك الدنانير، ثم رغب إلى السيد، وأعلمه أنّه حلف
بأيمان لا خروج له عنها أنّه يحج في تلك السنة، فأسعفه، وباع ملكاً له تزود به، وأنفق تلك الدنانيرفي سبيل البر.
ومن شعره في جارية تركها بغرناطة:
طول اغترابٍ وبرح شوقٍلا صبر والله لي عليه
إليك أشكو الذي ألاقييا خير من يشتكى إليه
ولي بغرناطةٍ حبيبٌقد غلق الرهن في يديه
ودّعته وهو في دلالٍيظهر لي بعض ما لديه
فلو ترى طلّ نرجسيهينهلّ في ورد وجنتيه
أبصرت درّاً على عقيقٍمن دمعه فوق صفحتيه وله رحلة مشهورة بأيدي الناس
ولمّا وصل بغداد تذكر بلده، فقال:
سقى الله باب الطاق صوب غمامة ... وردّ إلى الأوطان كلّ غريب وقال في رحلته في حق دمشق: جنّة المشرق، ومطلع حسنه المونق المشرق، هي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تحلّت بأزاهير الرياحين، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين، وحلّت من موضع الحسن بمكان مكين، وتزينت في منصّتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمّه منها إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين، ظلّ ظليل، وماء
سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بنجتلى صقيل، وتناديهم هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل، قد سئمت أرضها كثرة الما، حتى اشتاقت إلى الظّما، فتكاد تناديك بها الصّمّ الصلاب، " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " قد أحدقت بها البساتين إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدّت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكلّ موقع لحظة بجهاتها الأربع نظرته اليانعة قيد النظر، ولله صدق القائلين فيها: إن كانت الجنّة في الأرض فدمشق لا شكّ فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها.
قال العلامة ابن جابر الوادي آشي، بعد ذكره وصف ابن جبير لدمشق، ما نصّه: ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد وتوّق الأنفس للتطلّع على صورتها بما أفاد، هذا ولم تكن له بها إقامة، فيعرب عنها بحقيقة علامة، وما وصف ذهبيّات أصيلها وقد حان من الشمس غروب، ولا أزمان فصولها المتنوعات، ولا أوقات سرورها المهنئات، ولقد أنصف من قال: ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، انتهى.
رجع إلى كلام ابن جبير فنقول:
ثمّ ذكر في وصف الجامع أنّه من أشهر جوامع الإسلام حسناً، وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين، وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه، ومن عجيب شأنه أنّه لا تنسج به العنكبوت، ولا تدخله، ولا تلمّ به الطير المعروفة بالخطاف. ثمّ مدّ النّفس في وصفه الجامع وما به من العجائب، ثمّ قال بعد عدة أوراق ما نصه: وعن يمين الخارج من باب
جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفرٍ، وفتحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار، دبرت تدبيراً هندسيّاً، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين يمدّان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعةٍ بتدبير عجيب تتخيّله الأوهام سحراً، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصّفر، لا يزال كذلك عند انقضاء كل ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلّها وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأول، ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كلّه منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها فلاحت للأبصار دائرة محمرّة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتمحرّ الدوائر كلّها، وقد وكّل بها في الغرفة متفقّد لحالها، دربٌ بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف السنج إلى موضعها، وهي التي تسميها الناس المنجانة، انتهى المقصود منه.
قلت: كل ما ذكر رحمه الله تعالى في وصف دمشق الشام وأهلها فهو في نفس الأمر يسير، ومن ذا يروم عدّ محاسنها التي إذا رجع البصر فيها انقلب وهو حسير، وقد أطنب الناس فيها، وما بقي أكثر ممّا ذكروه، وقد دخلتها أواخر شعبان من سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة، وأقمت بها إلى أوائل شوّال من السنة، وارتحلت عنها إلى مصر وقد تركت القلب فيها رهناً، وملك هواها
مني فكراً وذهناً، فكأنّها بلدي التي بها ربيت، وقراري الذي لي به أهل وبيت، لأن أهلها عاملوني بما ليس [لي] بشكره يدان، وها أنا إلى هذا التاريخ لا أرتاح لغيرها من البلدان، ولا يشوقني ذكر أرض بابل ولا بغدان، فالله ﷾ يعطّر منها بالعافية الأردان.
[أشعار في وصف دمشق]
وقد عنّ لي أن أذكر جملة ممّا قيل فيها من الأمداح الرائقة، وأسرد ما خاطبني به أهلها من القصائد الفائقة، فأقول:
قال البدر بن حبيب:
يمّم دمشق ومل إلى غربيّهاوالمح محاسن حسن جامع يلبغا
من قال من حسدٍ رأيت نظيرهبين الجوامع في البلاد فقد لغا وقال ﵀:
لله ما أحلى محاسن جلّقٍوجهاتها اللآتي تروق وتعذب
بيزيد ربوتها الفرات وجنكها ... يا صاح كم كنّا نخوض ونلعب وقال في كتاب شنف السامع بوصف الجامع ":
لله ما أجمل وصف جلّقٍوما حوى جامعها المنفرد
قد أطرب الناس بصوت صيتهوكيف لا يطرب وهو معبد وقال في ذكر باب الجامع المعروف بالزيادة:
يا راغباً في غير جامع جلّقٍهل يستوي الممنوع والممنوح
أقصر عناك وفي غلّوك لا تزدإنّ الزيادة بابها مفتوح وقال في منارته المعروفة بالعروس:
معبد الشام يجمع الناس طرّاًوإليه شوقاً تميل النفوس
كيف لا يجمع الورى وهو بيتٌفيه تجلى على الدوام العروس ومنه في ذكر بانيه الوليد:
تالله ما كان الوليد عابثاًفي صرفه المال وبذل جهده
لكنّه أحرز ملك معبدٍلا ينبغي لأحدٍ من بعده ومن أبيات في آخره:
بجامع جلّقٍ ربّ الزعامهأقم تلق العناية والكرامه
ويمم نحوه في كلّ وقتٍوصلّ به تصل دار الإقامه
مصلّى فيه للرحمن سرُّومثوىً للقبول به علامه
محلٌّ كمّل الباري حلاهوبيتٌ أبدع الباني نظامه
دمشقٌ لم تزل للشام وجهاًومسجدها لوجه الشام شامه
وبين معابد الآفاق طرّاًله أمر الإمارة والإمامه
أدام الله بهجته وأبقىمحاسنه إلى يوم القيامه
ولم أقف على كل هذا الكتاب المذكور، بل على بعضه فقط.
ومن قصيدة القاضي المهذّب بن الزبير:
بالله يا ريح الشّمال إذا اشتملت الرّند بردا
وحملت من عرف الخزامى ما اغتدى للنّد ندّا
ونسجت ما بين الغصون إذا عتنقن هوىً وودّا
وهززت عند الصبح منأعطافها قدّاً فقدّا
ونثرت فوق الماء منأجيادها للزهر عقدا
فملأت صفحة وجههحتّى اكتسى آساً ووردا
وكأنّما ألقيت فيهـ منهما صدغاً وخدّا
مرّي على بردى عساهـ يزيد في مسراك بردا
نهرٌ كنصل السيف تكسر متنه الأزهار عمدا
صقلته أنفاس النّسيم بمرهنّ فليس يصدا ومنها:
أحبابنا ما بالكمفينا من الأعداء أعدى
وحياة حبّكم وحرمة وصلكم ما خنت عهدا
وقال الكمال الشّريشي:
يا جيرة الشام هل من نحوكم خبرفإن قلبي بنار الشوق يستعر
بعدت عنكم فلا والله بعدكمما لذّ للعين لا نومٌ ولا سهر
إذا تذكرت أوقاتاً نأت ومضتبقربكم كادت الأحشاء تنفطر
كأنّني لم أكن بالنيربين ضحىوالغيم يبكي ومنه يضحك الزهر
والورق تنشد والأغصان راقصةٌوالدّوح يطرب بالتصفيق والنهر
والسفح أين عشيّاتي التي ذهبتلي فيه فهي لعمري عندي العمر
سقاك بالسفح سفح الدمع منهمراً ... وقلّ ذاك له إن أعوز المطر وحكى ابن سعيد وغيره أن غرناطة تسمى دمشق الأندلس لسكنى أهل دمشق الشام بها عند دخولهم الأندلس، وقد شبهوها بها لمّا رأوها كثيرة المياه والأشجار، وقد أطلّ عليها جبل الثلج، وفي ذلك يقول ابن جبير صاحب الرحلة:
يا دمشق الغرب هاتيك لقد زدت عليها
تحتك الأنهار تجري ... وهي تنصبّ إليها قال ابن سعيد: أشار ابن جبير إلى أن غرناطة في مكانٍ مشرف وغوطتها
تحتها تجري فيها الأنهار، ودمشق في وهدة تنصبّ إليها الأنهار، وقد قال الله تعالى في وصف الجنّة " تجري من تحتها الأنهار " انتهى.
وقال الشيخ الصفدي في تذكرته: أنشدني المولى الفاضل البارع شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد الله الخياط بقلعة الجبل من الديار المصرية حرسها الله تعالى لنفسه في شعبان المكرم سنة:
قصدت مصراً من ربى جلّقٍبهمّةٍ تجري بتجريبي
فلم أر الطّرّة حتى جرتدموع عيني بالمزيريب وأنشدني لنفسه أيضاً:
خلّفت بالشام حبيبي وقديمّمت مصراً لعناً طارق
والأرض قد طالت فلا تبعديبالله يا مصر على العاشق وأنشدني لنفسه أيضاً:
يا أهل مصر أنتم للعلاكواكب الإحسان والفضل
لو لم تكونوا لي سعوداً لماوافيتكم أضرب في الرمل وذكرته برمّته لحسن مغزاه
وقال الشيخ مجد الدين محمد بن أحمد المعروف بابن الظّهير الحنفي الإربلي:
لعلّ سنا برق الحمى يتألّقعلى النأي أو طيفاً لأسماء يطرق
فلا نارها تبدو لمرتقبٍ ولاعود الأمانيّ الكواذب تصدق
لعلّ الرياح تدني لنازحٍمن الشام عرفاً كاللطيمة يعبق
ديارٌ قضينا العيش فيها منعّماًوأيامنا تحنو علينا وتشفق
سحبنا بها برد الشباب وشربنالدينا كما شئنا لذيذٌ مروّق
مواطن منها السهم سهمي وظلّهتخبّ مطايا اللهو فيه وتعنق
كلا جانبيه معلمٌ متجعدٌمن الماء في أطلاله يتدفّق
إذا الشمس حلّت متنه فهو مذهبٌوإن حجبتها دوحه فهو أزرق
وإن فرج الأوراق جادت بنورهافرقمٌ أجادته الأكفّ منمّق
يطلّ عليه قاسيون كأنّهغمامٌ معلّى أن نعامٌ معلّق
تسافر عنه الشمس قبل غروبهاوترجف إجلالاً له حين تشرق
وتصفرّ من قبل الأصيل كأنّهامحبٌّ من البين المشتّت مشفق
وفي النّيرب الميمون للّبّ سالبٌمن المنظر الزاهي وللطرف مومق
بدائع من صنع القديم ومحدثٌتأنّق فيها المحدث المتأنّق
رياض كموشيّ البرود يشقّهاجداوله، فالنّور بالماء يشرق
فمن نرجسٍ يخشى فراق فريقهترى الدمع في أجفانه يترقرق
ومن كلّ ريحانٍ مقيمٍ وزائرٍيصافح ريّاه الرياض فتعبق
كأن قدود السّرو فيه موائساًقدود عذارى ميلها مترفق
إذا ما تدلّت للشّقائق صدّهاعيونٌ من النّور المفتّح ترمق
وقصرٌ يكلّ الطرف عنه كأنّهإلى النّسر نسرٌ في السّماء معلّق
وكم جدولٍ جارٍ يطارد جدولاًوكم جوسقٍ عالٍ يوازيه جوسق
وكم بركةٍ فيها تضاحك بركةًوكم قسطلٍ للماء فيه تدفّق
وكم منزلٍ يعشي العيون كأنّماتألّق فيها بارقٌ يتألّق
وفي الربوة الفيحاء للقلب جاذبٌوللهمّ مسلاةٌ وللعين مرمق
عروسٌ جلاها الدهر فوق منصّةٍمن الدهر والأبصار ترمي وترمق
فهام بها الوادي ففاضت عيونهفكلّ قرارٍ منه بالدمع يشرق
تكفّل من دون الجداول شربهايزيد يصفّيه لها ويروّق وقال أبو تمام في دمشق:
لولا حدائقها وأنّي لا أرىعرشاً هناك ظننتها بلقيسا
وأرى الزّمان غدا عليك بوجههجذلان بسّاماً وكان عبوسا
قد بوركت تلك البطون وقد سمتتلك الظهور وقدّست تقديسا وقال البحتري:
أمّا دمشق فقد أبدت محاسنهاوقد وفى لك مطريها بما وعدا
إذا أردت ملأت العين من بلدٍمستحسنٍ وزمانٍ يشبه البلدا
تمشي السّحاب على أجبالها فرقاًويصبح النّور في صحرائها بددا
فلست تبصر إلاّ واكفاً خضلاًأو يانعاً خضراً أو طائراً غردا
كأنّما القيظ ولّى بعد جيئتهأو الربيع دنا من بعد ما بعدا وفي دمشق يقول بعضهم:
برزت دمشق لزائري أوطانهامن كلّ ناحيةٍ بوجهٍ أزهر
لو أن إنساناً تعمّد أن يرىمغنىً خلا من نزهةٍ لم يقدر وقال القيراطي في قصيدته التي أولها:
للصّبّ بعدك حالة لا تعجب ...
لله ليلٌ كالنّهار قطعتهبالوصل لا أخشى به ما يرهب
وركبت منه إلى التصابي أدهماًمن قبل أن يبدو لصبح أشهب
أيام لا ماء الخدود يشوبهكدر العذار ولا عذاري أشيب
كم في مجال اللهو لي من جولةٍأضحت ترقّص بالسماع وتطرب
وأقمت للندماء سوق خلاعةٍتجبى المجون إليّ فيه وتجلب
وذكرت في مغنى دمشقٍ معشراًأمّ الزمان بمثلهم لا تنجب
لا يسأل القصّاد عن ناديهملكن يدلّهم الثناء الطّيب
قومٌ بحسن صفاتهم وفعالهمقد جاء يعتذر الزمان المذنب
يا من لحرّان الفؤاد وطرفهبدمشق أدمعه غدت تتحلب
أشتاق في وادي دمشق معهداًكلّ الجمال إلى حماه ينسب
ما فيه إلا روضةٌ أو جوسقٌأو جدولٌ أو بلبلٌ أو ربرب
وكأنّ ذاك النهر فيه معصمٌبيد النسيم منقّشٌ ومكتّب
وإذا تكسر ماؤه أبصرتهفي الحال بين رياضه يتشعّب
وشدت على العيدان ورقٌ أطربتبغنائها من غاب عنه المطرب
فالورق تنشد والنسيم مشبّبٌوالنهر يسقي والحدائق تشرب
وضياعها ضاع النسيم بها فكمأضحى له من بين روضٍ مطلب
وحلت بقلبي من عساكر جنّةٍفيها لأرباب الخلاعة ملعب
ولكم رقصت على السماع بجنكهاوغدا بربوتها اللسان يشبّب
فمتى أزور معالماً أبوابها ... بسماحها كتب السّماح تبوّب وقال الصّفي الحلّي عند نزوله بدمشق مسمطاً لقصيدة السموأل بالحماسة:
قبيحٌ بمن ضاقت عن الرّزق أرضهوطول الفلا رحبٌ لديه وعرضه ... ولم يبل سربال الدجى فيه ركضه
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل إذا المرء لم يحجب عن العين نومها ... ويغل من النفس النفيسة سومها ... أضيع ولم تأمن معاليه لمها ...
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمهافليس إلى حسن الثّناء سبيل
رفعنا على هام السّماك محلّنافلا ملكٌ إلاّ تغشّاه ظلّنا ... لقد هاب جيش الأكثرين أقلّنا
ولا قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شبابٌ تسامى للعلا وكهولُ يوازي الجبال الراسيات وقارنا ... وتبنى على هام المجرّة دارنا ... ويأمن من صرف الزّمان جوارنا ...
وما ضرّنا أنّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل ولمّا حللنا الشام تمّت أموره ... لنا وحبانا ملكه ووزيره ... وبالنّيرب الأعلى الذي عزّ طوره ...
لنا جبلٌ يحتل من نجيره ... منيعٌ يردّ الطرف وهو كليل يريك الثريا من خلال شعابه ... وتحدق شهب الأفق حول هضابه ... ويقصر خطو السّحب دون ارتكابه ...
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرعٌ لا ينال طويل وقصرٍ على الشقراء قد فاض نهره ... وفاق على فخر الكواكب فخره ... وقد شاع ما بين البريّة شكره ...
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكرهيعزّ على من رامه ويطول
إذا ما غضبنا في رضا المجد غضبةًلندرك ثأراً أو لنبلغ رتبةً ... نزيد غدة الكرّ في الموت رغبةً
وإنا لقومٌ لا نرى الموت سبّةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول وكتب الشيخ محب الدين الحموي في ترجمة الشيخ إسماعيل النابلسي شيخ الإسلام من مصر:
لواء التّهاني بالمسرّة يخفقوشمس المعالي في سما الفضل تشرق
وسعدٌ وإقبالٌ ومجدٌ مخيّمٌوأيّام عزّ بالوفا تتخلّق
فيا أيّها المولى الذي جلّ قدرهويا أيّها الحبر اللبيب المدقّق
أرى الشام مذ فارقتها زال نورهاوثوب بهاها والنّضارة يخلق
إذا غاب عنها غب عنها جمالهاونفسٌ بدون الروح لا تتحقّق
وإن عدت فيها عاد كمالهاوصار عليها من بهائك رونق
فيا ساكني وادي دمشق مزاركمبعيدٌ وباب الوصل دوني مغلّق
وليس على هذا النوى لي طاقةٌفهل من قيود البين والبعد أطلق
وإني إلى أخباركم متشوّفٌوإني إلى لقياكم متشوّق
أودّ إذا هبّ النسيم لنحوكمبأنّي في أذياله أتعلّق
وأصبو لذكراكم إذا هبّت الصّبالعلّي من أخباركم أتنشق
ولي أنّةٌ أودت بجسمي ولوعةٌونار جوىً من حرّها أتفلّق
فحنّوا على المضنى الذي ثوب صبرهإذا مسّه ذيل الهوى يتمزّق
غريبٌ بأقصى مصر أضحت ديارهولكنّ قلبي بالشآم معلّق
وقد نسخ التبريح جسمي فهل إلىغبار ثرى أعتاب وصلٍ يحقّق
فيا ليت شعري هل أفوز بروضةٍوفيها عيون النرجس الغضّ تحدّق
وأنظر واديها وآوي لربوةٍوماءٍ معينٍ حولها يتدفّق
ويحلو لي العيش الذي مرّ صفوهوهل عائدٌ ذاك النعيم المروّق
وأنظر ذاك الجامع الفرد مرّةًوفي صحنه تلك الحلاوة تشرق
وأصحابنا فيه نجومٌ زواهرٌونور محيّا وجههم يتألّق
فلا برحوا في نعمةٍ وسعادةٍوعزّ ومجدٍ شأوه ليس يلحق وقال ابن عنين:
ماذا على طيف الأحبّة لو سرىوعليهم لو ساعدوني بالكرى
جنحوا إلى قول الوشاة وأعرضواوالله يعلم أنّ ذلك مفترى
يا معرضاً عنّي بغير جنايةٍإلا لما نقل العذول وزوّرا
هبني أسأت كما تقول وتفتريوأتيت في حبّيك شيئاً منكرا
ما بعد بعدك والصدود عقوبةٌيا هاجري ما آن لي أن تغفرا
لا تجمعنّ عليّ عتبك والنّوىحسب المحبّ عقوبةً أن يهجرا
عبء الصدود أخفّ من عبء النّوىلو كان لي في الحبّ أن أتخيّرا
فسقى دمشق ووادييها والحمىمتواصل الأرهام منفصم العرى
حتى ترى وجه الرياض بعارضٍأحوى وفود الدّوح أزهر نيّرا
تلك المنازل لا ملاعب عالجٍورمال كاظمةٍ ولا وادي القرى
أرضٌ إذا مرّت بها ريح الصّباحملت على الأغصان مسكاً أذفرا
فارقتها لا عن رضاً وهجرتهالا عن قلىً ورحلت لا متخيّرا
أسعى لرزقٍ في البلاد مشتّتٍومن العجائب أن يكون مقتّرا [تعريف بابن عنين]
وابن عنين المذكور كان هجّاء، وهو صاحب مقراض الأعراض تجاوز الله تعالى عنه، فمن ذلك قوله:
أرح من نزح ماء البئر يوماًفقد أفضى إلى تعبٍ وعيّ
مر القاضي بوضع يديه فيه ... وقد أضحى كرأس الدّولعيّ يعني أقرع؛ وسبب قوله البيتين أن المعظّم أمر بنزح ماء بقلعة دمشق، فأعياهم ذلك.
ومن هجوه قوله:
شكا شعري إليّ وقال تهجوبمثلي عرض ذا الكلب اللئيم
فقلت له تسلّ فربّ نجمٍ ... هوى في إثر شيطانٍ رجيم وقال فيمن خرج حاجّاً فسقط عن الهجين فتخلف:
إذا ما ذمّ فعل النّوق يوماًفإنّي شاكرٌ فعل النياق
أراد الله بالحجّاج خيراًفثبّط عنهم أهل النفاق وقال:
وراحلٍ سرت في ركبٍ أودعهتبارك الله ما أحلى تلاجينا
جئنا إلى بابه لاجين نسألهفليتنا عاقنا موتٌ ولا جينا
راجين نسأل ميتاً لا حراك بهمثل النصارى إلى الأصنام لاجينا وقال:
وصلت منك رقعةٌ أسأمتنيصيّرت صبري الجميل قليلا
كنهار المصيف حرّاً وكرباًوكليل الشتاء برداً وطولا وأول " مقراض الأعراض " قوله:
أضالعٌ تنطوي على كربومقلةٌ مستهلّة الغرب
شوقاً إلى ساكني دمشق فلاعدت رباها مواطر السّحب
مواطنٌ ما دعا توطّنهاإلا ولبّى نداءها لبّي ثمّ ذكر من الهجو ما تصمّ عنه الآذان
وهو القائل في دمشق:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةًوظلّك يا مقرى عليّ ظليل
وهل أرينّي بعدما شطّت النوىولي في ذرا روضٍ هناك مقيل ومنها:
دمشق بنا شوقٌ إليك مبرّحٌوإن لجّ واشٍ أو ألحّ عذول
بلادٌ بها الحصباء درٌّ، وتربهاعبيرٌ، وأنفاس الشّمال شمول
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع