تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

تتمة (٥)

وزاد غرامي حين أكثر عاذلي فقلت له أقصر ولا تقدح الزندا

اهيم بهم في كل واد صبابة وأزداد مع طول البعاد لهم ودا

وأنشدني لنفسه:

ولقد مررت على المنازل بعدهم أبكي وأسأل عنهم وأنوح

وقال: وكتب إلي:

يا حسرة ما قضت من لذة وطرا أين الزمان الذي يرجى به الخلف

أبكيك ملء جفوني ثم يرجعني إلى التصبر ثم أنصرف

قال أبو عمران: وكنت في أيام الفتنة إذا ركنت إلى الآمال، هونت على نفسي ما ألقى من أهوالها بقولي مع خاطري قوله:

أين الزمان الذي يرجى به الخلف

انتهى.

وكان أبو الحسين علي بن الحمارة ممن برع في الألحان وعلمها، وهو من أهل غرناطة، واشتهر عنه أنه كان يعمد إلى الشعراء، فيقطع العود بيده، ثم يصنع منه عوداً للغناء، وينظم الشعر ويلحنه، ويغني به، فيطرب سامعيه، ومن شعره قوله:

إذا ظن وكري مقلتي طائر الكرى رأى هدبها فارتاع خوف الحبائل

وقال بعض العلماء في حقه: إنه آخر فلاسفة الأندلس، وقال: وأعجب ما وقع له في الشعر أنه دخل سلا وقد فرغ ابن عشرة من بناء قصره، والشعراء تنشده في ذلك، فارتجل ابن الحمارة هذين البيتين، وأنشدهما بعدهم:

يا واحد الناس قد شيدت واحدة فحل فيها محل الشمس في الحمل

فما كدارك في الدنيا لذي أمل ولا كدارك في الأخرى لذي عمل

وسيأتي ذكر هذين البيتين.

وكان أهل الأندلس في غاية الاستحضار للمسائل العلمية على البديهة،

قال ابن مسدي: أملى علينا ابن المناصف النحوي بدانية على قول سيبويه هذا باب ما الكلم من العربية عشرين كراساً، بسط القول فيها في مائة وثلاثين وجهاً، انتهى.

وهذا وأشباهه يكفيك في تبحر أهل الأندلس في العلم، وربما سئل العالم منهم عن مسألة التي يحتاج في جوابها إلى مطالعة ونظر، فلم يحتج إلى ذلك، ويذكر من فكره ما لا يحتاج معه إلى زيادة.

ومن الحكايات في مثل ذلك أن الأديب البليغ الحافظ أبا بكر ابن حبيش لما قال في تخميسه المشهور:

بماذا على كل من الحق أوجبت

اعترض عليه أبو زكريا اليفرني بما نصه: استعمل المخمس ماذا في البيت تكثيراً وخبراً، والمعروف من كلام العرب استعمالها استفهاماً، فجاوبه بقوله: أما استعمالها استفهاماً كما قال فكثير، لا يحتاج إلى شاهد، وأما استعمالها في ألسن فصحاء العرب للكثرة فكثير لا يحتاج إلى شاهد لو وصل بحث، واستعمل مكث، فلم يعترض علي ولي، ولا تشكك في جلي:

ولا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

قال الله تعالى في سورة يونس " قل انظروا ماذا في السموات والأرض، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " ووقع في صحيح البخاري في رثاء المقتولين من المشركين يوم بدر:

وماذا بالقليب قليب بدرومن الفتيان والشرب الكرام
وماذا بالقليب قليب بدرمن الشيزى تكلل بالسنام وفي السير في رثاء المذكورين أيضاً:

وماذا ببدر فالعقنقل من مرازبة جحاجح

وهذا الشعر لأميةبن أبي الصلت الثقفي، ووقع في الأغاني للوليد بن يزيد يرثي نديماً له يعرف بابن الطويل:

لله قبر ضمنت فيه عظام ابن الطويل

ماذا تضمن إذ ثوى فيه من الرأي الصيل

والخبر طويل، وأجلى من هذا وأعلى، وأحق بكل تقديم وأولى، ولكن الواو لا تفيد رتبة، ولا تتضمن نسبة، قول رسول الله ﷺ " ماذا أنزل الليلة من الفتن " وهو في الصحاح، ووقع في الحماسة، وقد أجمعوا على الاستشهاد بكل ما فيها:

ماذا أجال وثيرة بن سماكمن دمع باكية عليه وباك وفي الحماسة أيضاً وأظنها لأبي دهبل:

ماذا رزئنا غداة الحل من زمع عند التفرق من خيم ومن كرم

ووقع في نوادر القالي لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار:

هوت أمه ما يبعث الصبح غادياً وماذا يرد الليل حين يؤوب

ووقع في شعر الخنساء ترثي أخاها صخراً:

ألا ثكلت أم الذين غدوا به إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر

وماذا يواري القبر تحت ترابه من الحود في بؤسى الحوادث والدهر

ولجرير وهو في الحماسة:

إن الذين غدوا بلبك غادروا وشلاً بعينك لا يزال معينا

غيضن من عبراتهن وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا

وفي الحماسة أيضاً:

ماذا من البعد بين البخل والجود

ووقع في الحماسة أيضاً، وهو لامرأة:

هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا بجيشان من أسباب مجد تصرما

أرادت ماذا تصرم لهم يوم صرعوا بجيشان من أسباب مجد تصرما.

ومما يستظهر به قول أبي الطيب المتنبي:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها أني بما أنا باك منه محسود

وقوله أيضاً:

وماذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا

ومن ملح المتأخرين: كان بمرسية أبو جعفر المذكور في المطمح، وكان يلقب بالبقيرة، فقال فيه بعض أهل عصره:

قالوا: البقيرة يهجونا فقلت لهم: ماذا دهيت به حتى من البقر

هذا وليس بثور بل هو ابنته وأين منزلة الأنثى من الذكر

وأنشد صاحب الزهر، ولا أذكر قائله:

ماذا لقيت من المستعربين ومن قياس قولهم هذا الذي ابتدعوا

إن قلت قافية بكراً يكون لها معنى يخالف ما قالوا وما وضعوا

قالوا لحنت وهذا الحرف منتصب وذاك خفض، وهذا ليس يرتفع

وضربوا بين عبد الله واجتهدوا وبين زيد فطال الضرب والوجع

وقال صاحب الزهر: أنشد أبو حاتم ولم يسم قائله:

ألا في سبيل الله ماذا تضمنت بطون الثرى واستودع البلد القفر

هذا ما حضر بفضل الله من الاستشهاد على أن ماذا تستعمل بمعنى الخبر والتكثير، ووالله الذي لا إله غيره ما طالعت عليه كتاباً، ولا فتحت فيه باباً، وإنما هو ثمالة من حوض التدكار، وصبابة مما علق به شرك الأفكار، وأثر مما سدك به السمع، أيام خلو الذرع، وعقدت علي الحبى، في عصر الصبا، ورحم الله من تصفح، وتلمح فتسمح، وصحح ما وقع إليه من الاعتلال، وأصلح ما وضع لديه من اختلال، فخير الناس، من أخذ بالبر والإيناس، فبصر من جهلة، وادكر عن وهلة، وإنما المؤمنون إخوة،

وتحابهم في الله رفعة وحظوة، ولهم في السلف الكريم، ومحافظتهم على الود القديم، أسوة كريمة وقدوة.

قال ابن الطراح: انظر تحصيل هذا الإمام الرئيس، والأسمى النفيس، واستحضاره كلام الدباء، وسير النقاد البلغاء، ومساجلته مع فرسان المعاني، ووصفه تلك المغاني، وقد كان حالم لواء الأدب

وفائق أبناء جنسه فب مرقب الطلب، وهذه الكلمة - أعني ماذا - جرت بسببها مناظرة بين الأستاذ ابي الحسين ابن أبي الربيع النحوي المشهور وبين مالك بن المرحل بسبتة، حتى ألف مالك كتاب الرمي بالحصى والضرب بالعصى وفيه هنات لا ينبغي لعاقل أن يذكرها، ولا لذي طي في البيان ان ينشرها، وفي ذلك قال الأستاذ أبو الحسين رحمه الله تعالى:

كان ماذا ليتها عدم جنبوها قربها ندم

ليتنب يا مال لم ارها إنها كالنار تضطرم

وقوله يا مال ترخيم مالك.

وحكى الستاذ ابن غازي أنهم اختلفوا: هل يقال: كان ماذا أم لا وقال: إن الأستاذ ابن أبي الربيع تطفل على مالك بن المرحل في الشعر، كما أن ابن المرحل تطفل عليه في النحو، قال: ومن نظم مالك بن المرحل في هذه القضية:

عاب قوم كان ماذا ليت شعري كان ماذا

إن يكن ذلك جهلاً منهم فكان ماذا

ومن نظم ابن حبيش المذكور قوله:

إذا ما شئت أن تحيا هنياً رفيع القدر ذا نفس كريمه

فلا تشفع إلى رجل كبير ولا تشهد ولا تحضر وليمه

وله أيضاً:

لأعملن إلى لقياكم قدمي ولو تجشمت بين الطين والماء

لأن يبل ثيابي الغيث أهون بي من أن تحرق نار الشوق أحشائي

ترجمة اليفرني النحوي

وأبو زكريا المعترض على ابن حبيش هو الفقيه النحوي الديب أبو زكريا يحيى بن علي بن سلطان اليفرني، ولد سنة، وبرع في العربية، وكان يلقب في المشرق جبل النحو، وكان عند نفسه مجتهداً، وكان لا يجيز نكاح الكتابيات، خلافاً للإمام مالك، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، ويتمسك بقوله تعالى " وجعل بينكم مودة ورحمة " وكان يرى أن الطلاق لا يكون إلا مرتين: مرة للاستبراء، ومرة للانفصال، ولا يقول بالثلاث، وهو خلف الإجماع، وكان يقول في نهيه ﵊ عن أكل ذي ناب من السباع: أي مأكول كل ذي ناب، وتبقى هي على الإباحة، ويدل عليه قوله تعالى " وما أكل السبع " وكان يقول في قوله تعالى " إن هذان لساحران " الهاء اسم إن، وذان لساحران جملة خبر لإن، ولا تحتاج لرابط لأنها تفسيرية، والمعنى عنده وأسروا النجوى قالوا إنها أي نجوانا هذان لساحران، أي قولنا هذان لساحران، تثبيطاً للناس عن اتباعهما، وخط المصحف يرده، لكن في المصحف أشياء كتبت على غير المصطلح، مثل مال هذا، ولا أوضعوا

ولا أذبحه. قال ابن الطراح: ورأيت هذا المعنى لغيره، وأظنه ابن النحاس، وتوفي اليفرني المذكور سنة، ومن شعره:

ماذا على الغصن المياس لو عطفا على صبابة صب حالف الدنفا

يا رحمة لفؤادي من معذبه كم ذا يحمله أن يحمل الكلفا

ويا رعى الله داراً ظل يجمعنا ... في ظل عيش صفا من طيبه وضفا مودة بيننا في الحب كاملة ونحن لا نعرف الإعراض والصلفا

رجع إلى كلام الأندلسيين

قال صالح بن شريف الرندي رحمه الله تعالى في سكين الكتابة:

أنا صمصامة الكتابة، ما لي من شبيه في المرهفات الرقاق

فكاني في الحسن يوم وصال وكأني في القطع يوم فراق

وقال في المقص:

ومصطحبين ما اتهما بعشق وإن وصفا بضم واعتناق

لعمر أبيك ما اجتمعا لشيء سوى معنى القطيعة والفراق

ولبعض الأندلسيين:

هلا اقتدى ذو خلة بفعالنا فيكون واصل خله كوصالنا

مهما يجئ أحد ليقطع بيننا نقطعه ثم نعد لأحسن حالنا

وجرح بعض الكتاب يده بالمقص، فأنشد أحد جلسائه، وغالب ظني أنه أندلسي:

عداوة لا لكفك من قديم فلا تعجب لمقراض لئيم

لئن أدماك فهو للا شبيه وقد يعدو اللئيم على الكريم

ولما ألف ابن عصفور كتابه المقرب في النحو انتقده جماعة من أهل قطره الأندلسيين وغيرهم، منهم ابن الصائغ وابن هشام الجزيري، وله عليه المنهج المعرب في الرد على المقرب وفيه تخليط كثير وتعسف:

وفي تعب من يحسد الشمس نورها ويأمل أن ياتي لها بضريب

ومنهم ابن الحاج وأبو الحسن حازم القرطجاني الخزرجي، وسماه شد الزيار على جحفلة الحمار، وابن مؤمن القابسي، وبهاء الدين ابن النحاس.

ومن شعر حازم الأندلسي المذكور قوله:

لم تدر إذ سألتك ما أسلاكها أبكت أسى أم قطعت أسلاكها

وعارضه التجاني بقوله:

يا ساحر الألحاظ يا فتاكها فتيا جواز الصد من أفتاكها

ومن حكاياتهم في المجون وما يجري مجراه أن الوزير ابا بكر ابن الملح كان له ابن شاب، فاسترسل مع الأدب إلى أن خرج من القول إلى الفعل، واتى بأشياء لا تليق بمثله، فكتب إليه أبوه:

يا سخنة العين يا بنيا ليتك ما كنت لي بنيا

أبكيت عيني، أطلت حزني أمت صيتي وكان حيا

حططت قدري وكان أعلى في كل حال من الثريا

أما كفاك الزنا ارتكاباً وشرب مسشمولة الحميا

حتى ضربت الدفوف جهراً وقلت للشر: جئ إليا

فاليوم أبكيك ملء عيني لو كان يغني البكاء شيا

فأجابه ابنه بقوله:

يا لائم الصب في التصابي ما عنك يغني البكاء شيا

أوجفت خيل العتاب نحوي وقبل وثبتها إليا

وقلت عمر الهنا قصير فاربح من العيش ما تهيا

قد كنت أرجو المتاب مما فتنت جهلاً به وغيا

لولا ثلاث شيوخ سوء أنت وإبليس والحميا

وقال أبو جعفر ابن صفوان المالقي رحمه الله تعالى:

سألته الإتيان نحوي مقبلاً فقال سل نحوي كي تحصلا

قرأت باب الجمع من شوقي له وهو بالاشتغال عني قد سلا

للاستغاثة ابتدأت تالياً وهو لأفعال التعدي قد تلا

وكلما طلبت منه في الهوى عطفاً غدا يطلب مني بدلا

وإن أرم محض إضافة له أعمل في قطعي عنه الحيلا

في ألف الوصل ظللت باحثاً وهو باب الفصل قد تكفلا

فلست موصولاُ وليس عائداً وليس حالي عن أسى منتقلا

فيا منى نفسي ومن لفهمه دانت فهوم الأذكياء النبلا

وجدي موقوف عليك لا أرى عنك مدى الدهر له تنقلا

فما الذي يمنع من تسكينه والوقف بالتسكين حكم أعملا

والحب مرفوع إليك مفرد فلم ترى لضمتي مستثقلا

فالضم للرفع غدا علامة في مفرد مثلي فأوضح مشكلا

لا زلت للهيام عني رافعاً للوصل ناصباً، لقولي معملا

للشوق مسكناً، لهجري صارفاً بالقرب من حال البعاد مبدلا

تجزم أمراً في الأماني ماضياً وتبتدي بما تشا مستقبلا

وقال محمد بن إدريس القضاعي الأصطبوني:

علاه رياض أورقت بمحامد تنور بالجدوى وتثمر بالأمل

تسح عليها من نداه غمامة تروي ثرى المعروف بالعل والنهل

وهل هو إلا الشمس نفساً ورفعة فيقرب بالجدوى ويبعد بالأمل

تعم أياديه البرية كلها فدان وقاص جود كفيه قد شمل

وقال محمد التطيلي الهذلي، من أعيان غرناطة:

جارت علي لواحظ الآرام لما رمت أجفانها بسهام

حكمت علي بحكمها فتبسمت فغدا الضنى منها لدى أحكام

يا قاتلي عمداً بسيف لحاظه اغمد ظباه قبل وقع حمامي

كم رمت وصلك والصدود يصدني ويفل عزمي أمره ومرامي

إني عدمت النفس يوم فراقكم والبين أسلمها إلى الإعدام

كيف المقام وأصل جسمي ناحل إن النفوس مقيمة الأجسام

صعب العلاج فكيف يمكن برؤها حتى يعود الشهر مثل العام

قد كنت أفرح بالسلو فها أنا قد زم قلبي في الهوى بزمام

مالت به نحو الفتون بدائع من شادن يحكيه بدر تمام

فقوام أنفسنا بلذة وصله وجميع أعيننا عليه سوام

قد أبرزت خداه روض محاسن عظمت على الأفكار والأوهام

تندى بماء شبيبة وتنعم فيروق منها الزهر في الأكمام

فكأنما وجناتها في لونها ورد الرياض ربا بصوب غمام

وكأنما درع الدجى من شعره قد حاكه منها يد الإظلام

وكأنما ريق حواه ثغره مسك أديف بعنبر ومدام

وكأنما سيف نضت ألحاظه سيف الأمير ممهد الإسلام

ذاك الأمير محمد بن محمد ناهيك من ملك أغر الإعظام

لو كان يعتقل السها لأتاه في شكل الفتاة ملثماً بلثام

أو كان يرضى بالمجرة أجرداً لجرت إلى الإسراج والإلجام

فالسعد يفعل للأماني قولها والنصر يخدمه مع الأيام

واليوم يعشقه ويحسد ليله فيه كعشق سيوفه للهام

نامت عيون الشرك خوف سنانه لولاه ما اكتحلت بطيف منام

بهر الأنام بسيفه وببأسه فسبى وأنعم أيما إنعام

فالمعتفي يجني جزيل هباته والمعتدي يصلى الردى بحسام

مهما استعنت به فضيغم معرك وإذا استجرت به فطود شمام

أجرى مياه العدل بعد جفوفها وأزال نار الظلم بعد ضرام

كم من كتيبة جحفل قد هدها في معرك بمهند صمصام

المقتني الجرد المذاكي عدة للكر في الأعداء والإقدام

من كل أبيض كان اديمه لون الصباح أتى عقيب ظلام

ومنها:

يا خير من ركب الجياد وقادها تحت اللواء، وعمدة الأقوام

لا زلتم والسعد يخدم أمركم فب غبطة موصولة بدوام

حتى يصير الأمن في أرجائنا عبداً يقوم لنا على الإقدام

والله ينصركم ويعلي مجدكم ماسح إثر الصحو ماء غمام

وكان يحيى السرقسطي أديباً، فرجع إلى الجزارين، فأمر الحاجب ابن هود أبا الفضل ابن حسداي أن يوبخه على ذلك، فكتب إليه:

تركت الشعر من عدم الإصابه وملت إلى التجارة والقصابه

فأجابه يحيى:

تعيب علي مألوف القصابه ومن لم يدر قد الشيء عابه

ولو أحكمت منها بعض فن لما استبدلت منها بالحجابه

ولو تدري بها كلفي ووجدي علمت علام أحتمل الصبابه

وإنك لو طلعت علي يوماً وحولي من بني كلب عصابه

لهالك ما رأيت وقلت هذا هزبر صير الأوضام غابه

وكم شهدت لنا كلب وهر بأن المجد قد حزنا لبابه

فتكنا في بني العنزي فتكاً أقر الذعر فيهم والمهابه

ولم نقلع عن الثوري حتى مزجنا بالدم القاني لعابه

ومن يغتر منهم بامتناع فإن إلى صوارمنا إبابه

ويبرز واحد منا لألف فيغلبهم وذاك من الغرابه

ومنها:

أبا الفضل الوزير أجب ندائي وفضلك ضامن عنك الإجابه

وإصغاء إلى شكوى شكور أطلت على صناعته عتابه

وحقك ما تركت الشعر حتىرأيت البخل قد أوصى صحابه
وحتى زرت مشتاقاُ خليليفأبدى لي التحيل والكآبه وظن زيارتي لطلاب شيء فنافرني وغلظ لي حجابه

وقال الأديب أبو الحسن ابن الحداد:

قالت وأبدت صفحة كالشمس من تحت القناع

بعت الدفاتر وهي آخر ما يباع من المتاع

فأجبتها ويدي على كبدي وهمت بانصداع

لا تعجبي مما رأي ت فنحن في زمن الضياع

وقال الأديب أبو زكريا ابن مطروح من أهل مدينة باغه، وقد عزل وال فنزل المطر على إثره، وهو من أحسن شعر قاله، وكان الوالي غير مرضي:

ورب وال سرنا عزله فبعضنا هنأه البعض

قد واصلتنا السحب من بعده ولذ في أجفاننا الغمض

لو لم يكن من نجس شخصه ما طهرت من بعده الأرض

وقال القاضي أبو البركات ابن الحاج البلفيقي، رحمه الله تعالى:

وعشية حكمت على من تاب من أهل الخلاعة أن يعود لما مضى

جمعت لنا شمل السرور بفتية إلا الرياء مع الخطابة والقضا

وقال أبو الحجاج يوسف الفهري من أهل دانية:

أبى الله إلا أن أفارق منزلاً يطالعني وجه المنى فيه سافرا

كأن على الأيام أن لا أحله رويداً فما أغشاه إلا مسافرا

وقال بعضهم في الرثاء:

عبرات تفيض حزناً وثكلا وشجون تعم بعضاً وكلا

ليس إلا صبابة أضرمتها حسرة تبعث الأسى ليس إلا

ولأبي جعفر البغيل أحد شعراء المرية وكتابها:

عزاء على هذا المصاب الذي دهى وشتت شمل الأنس من بعد ما انتهى

بفرع علاء في منابت سؤدد تسامى رقياً في المعالي إلى السها

أصبت به من بعد ما تم مجده وقد شمخت منه الشماريخ وازدهى

فأية شمس فيه للمجد كورت وأي بناء للمكارم قد وهى

فصبراً عليه لا رزئت بمثله فمثلك من يعزى إلى الحلم والنهى

وقال الكاتب الماهر أبو جعفر أحمد بن أيوب اللمائي المالقي:

طلعت طلائع للربيع فأطلعت فب الروض ورداً قبل حين أوانه

حيا أمير المؤمنين مبشراً ومؤملاً للنيل من إحسانه

ضنت سحائبه عليه بمائه فأتاه يستسقيه ماء بنانه

دامت لنا أيامه موصولة بالعز والتمكين في سلطانه

وقال أبو جعفر أحمد بن طلحة من جزيرة شقر:

يا هل ترى أظرف من يومنا قلد جيد الأفق طوق العقيق

وأنطق الورق بعيدانها مطربة كل قضيب وريق

والشمس لا تشرب خمر الندى في الروض إلا بكؤوس الشقيق

وقال أبو جعفر الغساني من أهل وادي آش، واستوطن غرناطة، ثم مات بالمرية، فكتب على حمالة قراب لموطإ الإمام مالك، بعدما استنجد قرائح أدباء عصره، واستصرخ الختراعاتهم لنصره، فكلهم قصر عن غرضه، وأداء مفترضه، فقال هو:

يا طالباً لكمال حفظي أتم كمالك

فما تقلدت مثلي إذ لم تقلد كمالك

وقال أبو بكر يحيى بن بقي:

خذها على وجه الربيع المخصب لم يقض حق الروض من لم يشرب

هممي سماء علاً وهمي مارد فارجمه من تلك الكؤوس بكوكب

وهو رحمه الله تعالى صاحب الأبيات المشهورة:

زحزحته عن أضلع تشتاقه كيلا ينام على فراش خافق

وانتقد عليه بعض اللطفاء فقال: إنه كالن جافي الطبع حيث قال زحزحته ولو قال باعدت عنه أضلعاً تشتاقه لكان أحسن.

وقال السلطان المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس يستدعي:

انهض أبا طالب إلينا واسقط سقوط الندى علينا

فنحن عقد بغير وسطى ما لم تكن حاضراً لدينا

وتذكرت هنا بعض المشارقة فيما أظن والله تعالى أعلم:

نحن في مجلس أنس ما به غير محبك

فتصدق بحضور واجمع الوقت بقربك

وخف الآن عتابي مثل خوفي عند عتبك

وقال أبو عبد الله ابن خلصة الضرير:

ولو جاد بالدنيا وثنى بمثلها لظن من استصغارها أنه ضنا

ولا عيب في إنعامه غير أنه إذا من لم يتبع مواهبه منا

وله أيضاً:

يا مالكاً حسدت عليه زمانه أمم خلت من قبله وقرون

ما لي أرى الآمال بيضاً وضحاً ووجوه آمالي حوالك جون

أنا آمن فرق، وراج آيس ورو صد، ومسرح مسجون

وقال ابن اللبانة:

كرمت فلا بحر حكاك ولا حياً وفت فلا عجم

وأوليتني منك الجميل فواله عسى السح من نعماك يتبعه السكب

وقال أبو علي ابن اليمان:

أبنات الهديل أسعدن أو عد ن قليل العزاء بالإسعاد

بيد أني لا أرتضي ما فعلت ن فأطواقكن في الأجياد

وقال أبو أحمد بن الدودين من كلمة:

فغدت غواني الحي عنك غوانياً وأسلن ألحاظ الرباب ربابا

وقال ابن أبي الخصال في مليحة لها أربع جوار قبيحات:

وليلة طولها على سنة بات بها الجفن نادباً وسنه

بأربع بينهن واحدة كسيئات وبينها حسنه

وقال غالب بن تمام الملقب بالحجام:

صغار الناس أكثرهم قبيحاً وليس لهم بصالحة نهوض

ألم تر في سباع الطير نسراً يسالمنا ويؤذينا البعوض

وقال ابن عائشة:

وروضة قد علت سماء تطلع أزهارها نجوما

هفا نسيم الصبا عليهافخلتها أرسلت رجوما كأنما الجو غار لما بدت فأغرى بها النسيما

وله يصف فرساً، وهو من بدائعه:

قصرت له تسع وطالت أربع وزكت ثلاث منه للمتأمل

وكأنما سال الظلام بمتنه وبدا الصباح بوجهه المتهلل

وكأن راكبه على ظهر الصبا من سرعة أو فوق ظهر الشمأل

وقال:

تربة مسك، وجو عنبرة وغيم ند، وطش ما ورد

كأنما جائل الحباب به يلعب في جانبيه بالنرد

وتروى هذه الأبيات لغيره.

وقال:

هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا بأقمار أطواق مطالعها بان

لئن غادروني باللوى إن مهجتي مسايرة أظغانهم حيثما كانوا

وقال أبو محمد ابن سفيان، وهو من أبدع التخلص:

فقلت وجفني وقد تداعت شؤونه وحر ضلوعي مقعد ومقيم

لئن دهمت دهم الخطوب وآلمت فإن أبا عيسى أغر كريم

وقال ابن الزقاق:

بأبي وغير أبي أغن مهفهف مهضوم ما تحت الوشاح خميصه

لبس الفؤاد ومزقته جفونه فأتى كيوسف حين قد قميصه

وقال:

سلام على أيامكم ما بكى الحيا وسقياً لذاك العهد ما ابتسم الزهر

كأن لم نبت في ظل أمن تضمنا من الليلة الظلماء أردية خضر

ولم نغتبق تلك الأحاديث قهوة وكم نجلس طيب الحديث به خمر

ألا في ضمان الله في كل ساعة يجدد لي فيها بشوقي له ذكر

يذكرنيه البرق جذلان باسماً ويذكرني إسفار غرته الفجر

وما رق زهر الروض إلا تمثلت لناظر عيني منه آدابه الزهر

وقال يحيى السرقسطي:

هاتها عسجدية كوثريه بنت كرم رحيقة عطريه

كلما شفها النحول تقوت فاعجبوا من ضعيفة وقويه

رب خمارة سريت إليها والدجى في ثيابه الزنجيه

ومنها:

كم عقار بدلته بعقار وثياب صبغتها خمريه

إن خير البيوع ما كان نقداً ليس ما كان آجلاً بنسيه

وله:

نسبتم الظلم لعمالكم ونمتم عن قبح أعمالكم

والله لو حكمتم ساعة ما خطر العدل على بالكم

وقال الرصافي في الدولاب:

وذي حنين يكاد شجواً يختلس الأنفس اختلاسا

إذا غدا للرياض جاراً وقال لها المحل لا مساسا

يبتسم الروض حين يبكي بأدمع ما رأين باسا

من كل جفن يسل سيفاً صار له عقده رئاسا

وخرج أبو بكر الصابوني لنزهة بوادي إشبيلية، وكان يهوى

فتى اسمه علي، فقال:

أبا حسن أبا حسن بعادك قد نفى وسني

وما أنسى تذكره فهل أنسى فيذكرني

ويشبه هذا القول الطاهر بن أبي ركب:

يقول الناس في مثل تذكر غائباً تره

فما لي لاأرى سكني وما أنسى تذكره

وكتب بعض الأدباء إلى ابن حزم الأندلسي بقوله:

سألت الوزير الفقيه الأجل سؤال مدل على من سأل

فقلت أيا خير مسترشداً ويا خير من عن إمام نقل

أيحرم أن نالني قبلة غزال ترشف فيه الغزل

وعانقني والدجى خاضب فبتنا ضجيعين حتى نصل

وجئتك أسأل مسترشداً فبين فديت لمن قد سأل

فأجابه ابن حزم بقوله:

إذا كان ما قلته صادقاً وكنت تحريت جهد المقل

وكان ضجيعك طاوي الحشا أعار المهاة احمرارالمقل

ففي أخذ أشهب عن مالك عن ابن شهاب عن الغير قل

بترك الخلاف على جمعهم على أن ذلك حل وبل

ونظر الرصافي يوماً إلى صبي يبكي، ويأخذ من ريقه ويبل

عينيه، كي يخفي أثر البكاء، فارتجل الرصافي:

عذيري من جذلان يبدي كآبة وأضلعه مما يحاوله صفر

أميلد مياس إذا قاده الصبا إلى ملح الإدلال أيده السحر

يبل مآقي مقلتيه بريقه ليحكي البكا عمداً كما ابتسم الزهر

أيوهم أن الدمع بل جفونه وهل عصرت يوماً من النرجس الخمر

وكان المذكور - أعني الرصافي - يميل في شبيبته لبعض فتيان الطلبة، وأجمع الطلبة على أن يصنعوا نزهة بالوادي الكبير بمالقة، فركبوا زورقاً للمسير إلى الوادي، فوافق أن اجتمع في الزورق شمل الرصافي بمحبوبه، ثم إن الريح الغربية عصفت وهاج البحر، ونزل المطر، فنزلوا من الزورق، وافترق شمل الرصافي من محبوبه، فارتجل في ذلك، ويقال إنها من أول شعره:

غار بي الغرب إذ رآني مجتمع الشمل بالحبيب

فأرسل الماء عن فراق وأرسل الريح عن رقيب

فلما سمع ذلك أستاذه استنبله، وقال له: إنك ستكون شاعر زمانك.

وحكي أن أبا بكر ابن مجبر قال في ابن لأبي الحسن ابن القطان بمحضره والده:

جاء وفي يساره قوس وفي اليمنى قدح

كأنه شمس بدت وحولها قوس قزح

يا لائمي في حبه ما كل من لام نصح

فقال ابن عياش الكاتب: هذه أبيات لأندلسي استوطن المشرق في تركي،

فأقسم أبو بكر أنه لم يسمع شيئاً من ذلك، وإنما ارتجلها، وقيل: إنها لأبي الفتح محمد بن عبيد الله من أهل بغداد، وأولها:

جد بقلبي ومزح

فالله أعلم بحقيقة الأمر.

وخرج أبو بكر ابن طاهر وأبو ذر الحشني والقاضي أبو حفص ابن عمر، وهو إذ ذاك وسيم، فأثرت الشمس في وجهه، فقال أبو ذر:

وسمتك الشمس يا عمر سمة في القلب تنتثر

فقال الآخر:

علمت قدر الذي صنعت فأتت صفراء تعتذر

وقال أبو الحسين البلنسي الصوفي: كان لي صديق أمي لا يقرأ ولا يكتب، فعلق فتى، وكان خرج لنزهة فأثرت الشمس في وجهه، فأعجبه ذلك وأنشد:

رأيت أحمد لما جاء من سفر والشمس قد أثرت في وجهه أثرا

فانظر لما أثرته الشمس في قمر والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا

واجتمع أبو الوليد الوقشي وأبو مروان عبد الملك بن سراج القرطبي، وكانا فريدي عصرهما حفظاً وتقدماً، فتعارفا، وتساءلا، ثم بادر أبو الوليد بالسؤال، وقال: كيف يكون قول القائل:

ولو أن ما بي بالحصى فعل الحصىوبالريح لم يسمع لهن هبوبُ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أرى أهل ليلى أورثوني صبابة»

ما ينبغي أن يكون مكان فعل الحصى فقال أبو مروان فلق الحصى، فقال: وهمت، إنما يكون قلق الحصى ليكون مطابقاً لقوله لم يسمع لهن هبوب يريد أن ما به يحرك ما شأنه السكون ويسكن ما شانه الحركة، فقال أبو مروان: ما يريد الشاعر بقوله:

وراكعة في ظل غصن منوطة بلؤلؤة نيطت بمنقار طائر

وكان اجتماعهما في مسجد، فأقيمت الصلاة إثر فراغ ابن سراج من إنشاد البيت، فلما انقضت الصلاة قال له الوقشي: ألغز الشاعر باسم أحمد، فالراكعة الحاء، والغصن كناية عن الألف، واللؤلؤة الميم، ومنقار الطائر الدال، فقال له ابن سراج: ينبغي أن تعيد الصلاة لشغل خاطرك بهذا اللغز، فقال له الوقشي: بين الإقامة وتكبيرة الإحرام فككته.

والبيت الأول لعبد الله بن الدمينة، وبعده:

ولو أنني أستغفر الله كلما ذكرتك لم تكتب علي ذنوب

وقال الوزير أبو الحسن ابن أضحى:

ومشتشفع عندي بخير الورى عندي وأولاهم بالشكر مني وبالحمد

وصلت فلما لم أقم بجزائه ... " لففت له رأسي حياء من المجد " وكان سبب قوله هذين البيتين أنه كتب إليه بعض الوزراء شافعاً لأحد الأعيان، فلما وصل إليه بره وأنزله وأعطاه عطاء استعظمه واستجزله، وخلع عليه خلعاً، وأطلعه من الأحمال بدراً لم يكن مطلعاً، ثم اعتقد أنه قد جاء مقصراً، فكتب إليه معتزراً بالبيتين، هكذا حكاه الفتح، وقال بعد ذلك ما صورته: ومن باهر جلاله، وطاهر خلاله، أنه أعف الناس بواطن،

أشرفهم في التقى مواطن، ما علمت له صبوة، ولا حلت له إلى مستنكر حبوة، مع عدل لا شيء يعدله، وتحجب عما يتقى مما يرسل عليه حجابه ويسدله، وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى القضاء به ابن من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأقوال والأفعال عليه مقصورة، مع ما شئت من لسن، وصوت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء والتفاف، قال الفتح: وحملنا لإحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر، أحسن من شاذ مهر، تشقها جداول كالصلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها، فأحضرنا من أنواع الطعام، وأرانا من فرط الإكرام والإنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته، فقابلته بكلام أعتقده، وملام أحقده، فلما كان من الغد لقيت منه اجتناب، ولم أر منه ما عهدته من الإنابة، فكتبت إليه مداعباً له، فراجعني بهذه القطعة:

أتتني أبا نصر نتيجة خاطر سريع كرجع الطرف في الخطرات

فأعربت عن وجد كمين طويته بأهيف طاو فاتر اللحظات

غزال أحم المقلتين عرفته بخيف منى للحسن أو عرفات

رماك فأصمي والقلوب رمية لكل كحيل الطرف ذي فتكات

وظن بأن القلب منك محصب فلباك من عينيه بالجمرات

تقرب بالنساك في كل منسك وضحى غداة النحر بالمهجات

وكانت له جيان مثوى فأصبحت ضلوعك مثواه بكل فلاة

يعز علينا أن تهيم فتنطوي كئيباً على الأشجان والزفرات

فلو قبلت للناس في الحب فدية فديناك بالأموال والبشرات

ومن إيثار ديانته، وعلامة حفظه للشرع وصيانته، وقصده مقصد المتورعين، وجريه جري المتشرعين، أن أحد أعيان بلده كان متصلاً به اتصال الناظر

بسواده، محتلاً في عينه وفؤاده، لا يسلمه إلى مكروه، ولا يفرده في حادث يعروه، وكان من الأدب في منزلة تقتضي إسعافه، ولا تورده من تشفيعه في مورد قد عافه، فكتب إليه ضارعاً في رجل من خواصه اختلط بامراة طلقها ثم تعلها، وخاطبه في ذلك بشعر، فلم يسعفه، وكتب إليه مراجعاً:

ألا أيها السيد المجتبى ويا أيها الألمعي العلم

أتتني أبياتك المحكمات بما قد حوت من ببيع الحكم

ولم أر من قببلها مثلها وقد نفثت سحرها في الكلم

ولكنه الدين لا يشترى بنثر ولا بنظام نظم

وكيف أبيح حمى مانعاً وكيف أحلل ما قد حرم

ألست أخاف عقاب الإله وناراً مؤججه تضطرم

أأصرفها طالقاً بتة على أنوك قد طغى واجترم

ولو أن ذاك الغوي الزريتثبت في أمره ما ندم ولكنه طاش مستعجلاً فكان أحق الورى بالندم

انتهى كلام الفتح الذي أردت جلبه هنا.

ولا خفاء أن هذه الحكاية مما يدخل في حكايات عدل قاة الأندلس.

ومن نظم ابن الضحى المذكور ما كتب به إلى بعض من يعز عليه:

يا ساكن القلق رفقاً كم تقطعه الله في منزل قد ظل مثواكا

يشيد الناس للتحصين منزلهم وأنت تهدمه بالعنف عيناكا

والله والله ما حبي لفاحشة أعاذني الله من هذا وعافاكا

وله في مثل ذلك:

روحي غليك فرديه إلى جسدي من لي على فقده بالصبر والجلد

بالله زوري كئيباً لا عزاء له وشرفيه ومثواه غداة غد

لو تعلمين بما ألقاه يا أملي بايعتني الود تصفيه يداً بيد

عليك مني سلام الله ما بقيت آثار عينيك في قلبي وفي كبدي

ذكر جملة من نساء أهل الأندلس

وإذا وصلت إلى هذا الموضع من كلام أهل الأندلس، فقد رأيت أن أذكر جملة من نساء أهل الأندلس اللاتي لهن اليد الطولى في البلاغة، كي يعلم أن البراعة في أهل الأندلس كالغريزة لهم، حتى في نسائهم وصبيانهم.

فمن النساء المشهورات بالأندلس، أم السعد بنت عصام الحميري، من أهل قرطبة، تعرف بسعدونة، ولها رواية عن أبيها وجدها وغيرهما، كما حكاه ابن الأبار في ترجمتها من التكملة.

وأنشدت لنفسها في تمثال نعل النبي ﷺ تكملة لقول غيرها ما صورته:

سألتم التمثال إذ لم أجد للثم نعل المصطفى من سبيل

لعلني أحظى بتقبيله في جنة الفردوس أسنى مقيل

في ظل طوبى ساكناً آمناً أسقى بأكواس من السلسبيل

وأمسح القلب به عله يسكن ما جاش به من غليل

فطالما استشفى بأطلال من يهواه أهل الحب في كل جيل

وأنشدني ابن جابرالوادي آشي عن شيخه المحدث أبي محمد ابن هرون

القرطبي لجدته سعدونة، وأظنها هذه:

آخ الرجال من الأبا عد والأقارب لا تقارب

إن الأقارب كالعقا رب أو أشد من العقارب

هكذا نقله الخطيب ابن مرزوق، ورأيت نسبة البيتين لابن العميد، فالله أعلم.

ومنهن حسانة التميمية بنت أبي المخشى الشاعر.

تأدبت وتعلمت الشعر، فلما مات أبوها كتبت إلى الحكم، وهي إذ ذاك بكر لم تتزوج:

إني إليك أبا العاصي موجعة أبا المخشى سقته الواكف الديم

قد كنت أرتع في نعماه عاكفة فاليوم آوي إلى نعماك يا حكم

أنت الإمام الذي انقاد الأنام له وملكته مقاليد النهى الأمم

لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفاً آوي إليه ولا يعروني العدم

لا زلت بالعزة القعساء مرتدياً حتى تذل إليك العرب والعجم

فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه، وأمر لها بإحراء مرتب، وكتب إلى عامله على إلبيرة فجهزها بجهاز حسن.

ويحكى أنها وفدت على ابنه عبد الرححمن بشكية من عامله جابر بن لبيد

والي إلبيرة، وكان الحكم قد وقع لها بخط يده تحرير أملاكها، وحملها في ذلك على البر والإكرام، فتوسلت إلى جابر بخط الحكم، فلم يفدها، فدخلت إلى الإمام عبد الرحمن، فأقامت بفنائه، وتلطفت مع بعض نسائه، حتى أوصلتها إليه، وهو في حالة طرب وسرور، فانتسبت إليه، فعرفها وعرف أباها، ثم أنشدته:

إلى ذي الندى والمجد سارت ركائبي على شحط تصلى بنار الهواجر

ليجبر صدعي إنه خير جابر ويمنعني من ذي الظلامة جابر

فإني وأيتامي بقبضة كفه كذي ريش أضحى في مخالب كاسر

جدير لمثلي أن يقال مروعة لموت أبي العاصي الذي كان ناصري

سقاه الحيا لو كان حياً لما اعتدى علي زمان باطش بطش قادر

أيمحو الذي خطته يمناه جابر لقد سام بالأملاك إحدى الكبائر

ولما فرغت رفعت إليه خط والده، وحكت جميع أمرها، فرق لها، وأخذ خط أبيه فقبله ووضعه على عينيه، وقال: تعدى ابن لبيد طوره، حين رام نقض رأي الحكم، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده، ونحفظ بعد موته عهده، انصرفي يا حسانة فقد عزلته لك، ووقع لها بمثل توقيع أبيه الحكم، فقبلت يده، وأمر لها بجائزة، فانصرفت وبعثت إليه بقصيدة منها:

ابن الهشامين خير الناس مأثرة وخير منتجع يوماً لرواد

إن هز يوم الوغى أثناء صعدته روى أنابيبها من صرف فرصاد

قل للإمام أيا خير الورى نسباً مقابلاً بين أباء وأجداد

جودت طبعي ولم ترض الظلامة لي فهاك فضل ثناء رائح غاد

فإن أقمت ففي نعماك عاطفة وإن رحلت فقد زودتني زادي

ومنهن أم العلاء بنت يوسف الحجارية.

ذكرها صاحب المغرب وقال: إنها من أهل المائة الخامسة، ومن شعرها:

كل ما يصدر منكم حسن وبعلياكم تحلى الزمن

تعطف العين على منظركم وبذكراكم تلذ الأذن

من يعش دونكم في عمره فهو في نيل الأماني يغبن

وعشقها رجل أشيب، فكتبت إليه:

الشيب لا يخدع فيه الصبا بحيلة فاسمع إلى نصحي

فلا تكن أجهل من في الورى يبيت في الجهل كما يضحي

ولها أيضاً:

افهم مطارح أحوالي وما حكمت به الشواهد واعذرني ولا تلم

ولا تكلني إلى عذر أبينه سر المعاذير ما يحتاج للكلم

وكل ما جئته من زلة فيما أصبحت في ثقة من ذلك الكرم

والحجارية - بالراء المهملة - نسبة إلى وادي الحجارة.

ومنهن أمة العزيز.

قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتاب المطرب من أشعار المغرب: أنشدتني أخت جدي الشريفة الفاضلة أمة العزيز الشريفة الحسينية لنفسها:

لحاظكم تجرحنا في الحشا ولحظنا يجرحكم في الخدود

جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا فما الذي أوجب جرح الصدود

قلت: هذا السؤال يحتاج إلى جواب، وقد رأيت لبلدينا القاضي الإمام الفاضل أبي الفضل قاسم العقباني التلمساني رحمه الله تعالى جوابه؛ والغالب أنه من نظمه، وهو قوله:

أوجبه مني يا سيدي جرح بخد ليس فيه الجحود

وأنت فيما قلته مدع فأين ما قلت وأين الشهود

انتهى.

ومنهن أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح ملك المرية.

قال ابن سعيد في المغرب: كانت تنظم الشعر، وعشقت الفتى المشهور بالجمال من دانية المعروف بالسمار، وعملت فيه الموشحات، ومن شعرها فيه:

يا معشر الناسش ألا فاعجبوا مما جنته لوعة الحب

لولاه لم ينزل ببدر الدجى من أفقه العلوي للترب

ححسبي بمن أهواه، لو أنه فارقني تابعه قلبي

ومنهن الشاعرة الغسانية البجانية - بالنون - نسبة إلى بجانة، وهي كورة عظيمة، وتشتهر بإقليم المرية، وهي من أهل المائة الرابعة، فمن نظمها من أبيات:

عهدتهم والعيش في ظل وصلهم أنيق وروض الوصل أخضر فينان

ليالي سعد لا يخاف على الهوى عتاب ولا يخشى على الوصل هجران

ومنهن العروضية مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون الكاتب.

سكنت بلنسية، وكانت قد أخذت عن مولاها النحو واللغة، لكنها فاقته في ذلك، وبرعت في العروض، وكانت تحفظ الكامل للمبرد والنوادر للقالي وتشرحهما، قال أبو داود سليمان بن نجاح: قرأت عليها الكتابين، وأخذت عنها العروض، وتوفيت بدانية بعد سيدها في حدود الخمسين والأربعمائة، رحمها الله تعالى.

ومنهن حفصة بنت الحاج الركونية الشاعرة الأديبة المشهورة بالجمال، والحسب والمال.

ذكرها الملاحي في تاريخه، وأنشد لها مما قالته في أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ارتجالاً بين يديه:

يا سيد الناس يا من يؤمل الناس رفده

امنن علي بطرس يكون للدهر عده

تخط يمناك فيه: الحمد لله وحده

وأشارت بذلك إلى العلامة السلطانية عند الموحدين، فإنها كانت أن يكتب السلطان بخط غليظ في رأس المنشور الحمد لله وحده.

استطراد بقصتين

وتذكرت بذلك، والشيء بالشيء يذكر، أنه لما قفل السلطان الناصر أمير

المؤمنين ابن أمير المؤمنين يعقوب المنصور ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بن علي سلطان المغرب والأندلس من إفيريقية سنة ثلاث وستمائة بعد الفتح المهدية هنأته الشعراء بذلك، ثم اجتمع أبو عبد الله ابن مرج الكحل بالشعراء والكتاب، فتذكروا الفتح وعظمه، فأنشدهم ابن مرج الكحل في الوقت لنفسه:

ولما توالى الفتح من كل وجهة ولم تبلغ الأوهام في الوصف حده

تركنا أمير المؤمنين لشكره بماأودع السر الإلهي عنده

فلا نعمة إلا تؤدي حقوقها علامته بالحمد لله وحده

فاستحسن الكتاب له ذلك، ووقع أحسن موقع.

وحكى صاحب كتاب روح الشعر وروح الشحر وهو الكاتب أبو عبد الله محمد بن الجلاب الفهري أن أمير المؤمنين يعقوب المنصور لما قفل من غزوة الأراكة المشهورة، وكانت يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ورد عليه الشعراء من كل قطر يهنؤنه، فلم يكن لكثرتهم أن ينشد كل إنسان قصيدته، بل كان يختص منها بالإنشاد البيتين أو الثلاثة المختارة، فدخل أحد الشعراء فأنشده:

ما أنت في أمراء الناس كلهم إلا كصاحب هذا الدين في الرسل

أحييت بالسيف دين الهاشمي كما أحياه جدك عبد المؤمن بن علي

فأمر له بالفي دينار، ولم يصل أحداً غيره لكثرة الشعراء، وأخذ بالمثل منع الجميع، أرضى للجميع، وقال: وانتهت رقاع القصائد وغيرها إلى أن حالت بينه وبين من كان أمامه لكثرتها، انتهى.

رجع إلى أخبار حفصة:

وأنشد لها ابو الخطاب في المطرب قولها:

ثنائي على تلك الثنايا لأنني أقول على علم وانطق عن خبر

وأنصفها لا أكذب الله إنني رشفت بها ريقاً أرق من الخمر

وتولع بها السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن ملك غرناطة، وتغير بسببها على ابي جعفر ابن سعيد، حتى أدى تغيره عليه أن قتله، وطلب أبو جعفر منها الاجتماع، فمطلته قدر شهرين، فكتب لها:

يا من أجانب ذكر اس مه وحسبي علامه

ما إن أرى الوعد يقضى والعمر أخشى انصرامه

اليوم أرجوك لا أن تكون لي في القيامه

لو قد بصرت بحالي والليل أرخى ظلامه

أنوح وجداً وشوقاً إذ تستريح الحمامه

صب أطال هواه على الحبيب غرامه

لمن يتيه عليه ولا يرد سلامه

إن لم تنيلي أريحي فاليأس يثني زمامه

فأجابته:

يا مدعي في هوى الحس ن والغرام الإمامه

أتى قريضك، لكن لم أرض منه نظامه

أمدعي الحب يثني ياس الحبيب زمامه

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.