تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الثاني في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر (٢)

وقد أهمتهم بأنفسهم ... فوجهوني إليك وانتظروا فاهتز السلطان لهذه الأبيات، وأذن له في الجلوس، وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم إلا بجميع طلباتهم، ثم أثقل كاهلهم بالإحسان، وردهم بجميع ما طلبوه، وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف - وكان معه في ذلك الوفد - لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا، ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين، ثم ثار بهم محمد الرئيس ابن عم السلطان، شركه في جده الرئيس أبي سعيد، وتحين خروج السلطان إلى منتزهه خارج الحمراء، وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء، وكبس رضوان في بيته فقتله، ونصب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقه، وكان معتقلاً بالحمراء، فأخرجه وبايع له، وقام بأمره مستنداً عليه، وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان، فركب ناجياً إلى وادي آش وضبطها، وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب، وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس، واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه، وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامه بالأندلس، وكان غالباً على هوى السلطان أبي سالم، فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبوناً على أهل الأندلس، ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب، فقبل ذلك منه، وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي

آش إليه، وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني، وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب وحل معتقله فأطلق، وصحبه الشريف أبا القاسم إلى وادي آش، وسار في ركاب سلطانه، وقدموا على السلطان أبي سالم، فاهتز لقدوم ابن الأحمر، وركب في الموكب لتلقيه، وأجلسه إزاء كرسيه، وأنشد ابن الخطيب قصيدته يستصرخ السلطان لنصره، فوعده، وكان يوماً مشهوداً، ثم أكرم مثواه وأرغد نزله، ووفر أرزاق القادمين مع ركابه، وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والإقطاع، ثم استيأس واستأذن السلطان في التجوال بجهات مراكش الوقوف على أعمال الملك بها فأذن له، وكتب إلى العمال بإتحافه فتباروا في ذلك، وحصل منه على حظ، وعندما مر بسلا إثر قفوله من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة، ووقف على قبر السلطان أبي الحسن، وأنشد قصيدة على روي الراء يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة، مطلعها:

إن بان منزله وشطت دارهقامت مقام عيانه أخباره
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إن بان منزله وشطت داره»

قسم زمانك عبرة أو عبرة ... هذي ثراه وهذه آثاره فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه، واستقر هو بسلا منتبذاً عن سلطانه طول مقامه بالعدوة، ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد، والقائم بالدولة يومئذ الوزير عمر بن عبد الله بن علي، فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره، فسر السلطان لقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله، وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وابن أشياخهم قد لحق بالطاغية ملك النصارى في ركاب أبيه عندما أحس بالشر

من الرئيس صاحب غرناطة، وأجاز يحيى من هناك إلى العدوة، وأقام عثمان بدار الحرب، فصحب السلطان في مثوى اغترابه هناك، وتقلب في مذاهب خدمته، وانحرفوا عن الطاغية عندما يئسوا من الفتح على يده، فتحولوا عنه إلى ثغور بلادهم، وخاطبوا الوزير عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية التي لطاعتهم بالأندلس يرتقبون منها الفتح، وخاطبني السلطان المخلوع من ذلك، وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله ذمة مرعية، وخاصة متأكدة، فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله، وحملته أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي من تراث سلفه، فقبل إشارتي في ذلك، وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها، وعثمان بن يحيى في جملته، وهو المقدم في بطانته، ثم غزوا منها مالقة، فكانت ركاباُ للفتح، وملكها السلطان، واستولى بعدها على دار ملكه بغرناطة، وعثمان بن يحيى متقدم القدم في الدولة عريق في المخالصة، وله على السلطان دالة واستبداد على هواه، فلما وصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده، وأعاده إلى مكانه في الدولة من علو يده وقبول إشارته، أدركته الغيرة من عثمان، ونكر على السلطان الاستكفاء به، وأراه التخوف من هؤلاء الأعياص على ملكه، فحذره السلطان، وأخذ في التدبير عليه، حتى نكبه أباه وأخوته في رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة، وأودعهم المطبق، ثم غربهم في ذلك، وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بينه بندمائه وأهل خلوته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد، وانصرفت إليه النجوم وعلقت به الآمال، وغشي بابه الخاصة والكافة وعصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتفننوا في السعايات فيه، وقد هم السلطان

عن قبولها، ونمي الخبر بذلك إلى ابن الخطيب، فشمر عن ساعده في التفويض، واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يوم إذ في القبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان بن يعقوب ابن عبد الحق، كانوا قد نصبوه شيخاُ على الغزاة بالأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك، وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية، وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مريب، فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس، فأجاز هو ووزيره مسعود ابن ماساي، ونزلوا على السلطان المخلوع أعوام سبعة وستين وسبعمائة، فأكرم نزله، وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه، وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله، فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك، وتوقع انتقاض أمره منهم، ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسر بها في بني مرين، فجزع في ذلك، وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه، فأجابه إلى ذلك، وكتب إليه العهد بخطه على يد سفيره إلى الأندلس، وكاتبه أبي يحيى ابن أبي مدين، وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماساي، فتقبض عليهما واعتقلهما، وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية، وربما تخيل أن السلطان مال إلى قبولها، وأنهم قد أحفظوه عليه، فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب، واستأذن السلطان في تفقد الثغور، وسار إليها في لمة من فرسانه، وكان معه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان، وذهب لطيته، فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه، وسرح إذنه بين يديه، فخرج قائد الجبل لتلقيه، وقد كان السلطان عبد العزيز

أوعز إليه بذلك، وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة، وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم، ثم سار لقصد السلطان، فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمقامه من تلمسان، فاهتزت له الدولة، وأركب السلطان خاصته لتلقيه، وأحله من مجلسه بمحل الأمن والغبطة، ومن دولته بمكان التنويه والعزة، وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى ابن أبي مدين سفيراً إلى صاحب الأندلس في طلب أهله وولده، فجاء بهم على أكمل حالات الأمن والتكرمة، ثم أكثر المنافسون له في شأنه، وأغروا سلطانه بتتبع عثراته، وإبداء ما كان كامناً في نفسه من سقطاته، وإحصاء معايبه، وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها، ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي حسن ابن الحسن فاسترعاها، وسجل عليه بالزندقة، وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه، وبعث القاضي ابن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات، وإمضاء حكم الله فيه، فصم عن ذلك وأنف لذمته أن تخفر لجواره أن يرد وقال لهم: هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه، وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري. ثم وفر الجراية والإقطاع له ولبنيه ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته، فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان سار هو في ركاب الوزير أبي بكر ابن غازي القائم بالدولة، فنزل بفاس، واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنان، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى، واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره، انتهى.

[رواية ابن خلدون عن نهاية لسان الدين]

وقال ابن خلدون في تاريخه ما صورته: كان محمد بن الأحمر المخلوع قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ثلاث وستين، وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزي على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع، واستوى على كرسيه، واستقل بملكه، ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب، فاستخلصه، وعقد له على وزارته، وفوض إليه في القيام بملكه، فاستولى عليه، وملك هواه، وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه، إلى أن نزلت به آفة في رياسته فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه، وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة من ولد عمهم السلطان أبي علي، ويخشونهم على أمرهم، ولما لحق الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب، واستخلصه لنجواه، ورفع في الدولة رتبته، وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص، فكانت له آثار في الاضطلاع بها، ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه، وكان ابن الخطيب ساعياُ في مرضاته عند سلطانه، فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماساي، وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره، وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما ابن الأحمر، واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز، وتغير الجو بين ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب وأظلم وتنكر له، فنزع له إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق، فقبله السلطان وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب، وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده فبعثهم إليه، واستقر في جملة السلطان، ثم تأكدت العداوة بينه

وبين ابن الأحمر، فرغب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس وحمله عليه، وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب، ونمي ذلك إلى ابن الأحمر، فبعث إلى السلطان عبد العزيز بهدية لم يسمع بمثلها انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه، وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه، فأبى السلطان من ذلك ونكره. ولما هلك السلطان واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه ابن الخطيب وداخله، وخاطبه ابن الأحمر بمثل ما خاطب به السلطان عبد العزيز، فلج واستنكف عن ذلك، وأقبح الرد وانصرف، رسوله إليه وقد رهب سطوته، فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول، وقذف به إلى ساحل بطوية ومعه الوزير مسعود بن ماساي، ونهض - يعني ابن الأحمر - إلى جبل الفتح، فنازله بعساكره، ونزل عبد الرحمن ببطوية.

ثم ذكر ابن خلدون كلاماُ كثيراً تركته لطوله، وملخصه أن الوزير أبا بكر ابن غازي الذي كان تحيز إليه ابن الخطيب ولى ابن عمه محمد عثمان مدينة سبتة خوفاُ عليها من ابن الأحمر، ونهض هو - أعني الوزير - إلى منازلة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ببطوية إذ كانوا قد بايعوه، فامتنع عليه، وقاتله أياماً ثم رجع إلى تازا، ثم إلى فاس، واستولى عبد الرحمن على تازا، وبينما الوزير أبو بكر بفاس يدبر الرأي إذ وصله الخبر أن ابن عمه محمد بن عثمان بايع السلطان أحمد بن أبي سالم، وهو المعروف بذي الدولتين، وهذه هي دولته الأولى، وذلك أن ابن عم الوزير وهو محمد بن عثمان لما تولى سبتة كان ابن الأحمر قد طاول حصار جبل الفتح، وأخذ بمخنقه وتكررت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان والعتاب، فاستعتب له، وقبح ما جاء به ابن عمه الوزير أبو بكر ابن غازي من الاستغلاظ له في شأن ابن الخطيب وغيره، فوجد ابن

الأحمر في ذلك السبيل إلى غرضه، وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الحوطة والرقبة، وأن يقيمه للمسلمين سلطاناً ولا يتركهم فوضى وهملاً تحت ولاية الصبي الذي لم يبلغ ولا تصح ولايته شرعاً، وهو السعيد ابن أبي فارس الذي بايعه الوزير أبو بكر ابن غازي بتلمسان حين مات أبوه واستبد عليه، واختص ابن الأحمر أحمد بن أبي سالم من بين أولئك الأبناء لما سبق بينه وبين أبيه أبي سالم من الموات، وكان ابن الأحمر اشترط على محمد بن عثمان وحزبه شروطاً: منها أن ينزلوا له عن جبل الفتح الذي هو محاصر له، وأن يبعثوا إليه جميع أبناء الملوك من بني مرين ليكونوا تحت حوطته، وأن يبعثوا إليه بالوزير ابن الخطيب متى قدروا عليه، فانعقد أمرهم على ذلك، وتقبل محمد بن عثمان شروطه، وركب من سبتة إلى طنجة، واستدعى أبا العباس أحمد من مكان اعتقاله فبايعه، وحمل الناس على طاعته، واستقدم أهل سبتة على البيعة وكتابتها فقدموا وبايعوا، وخاطب أهل جبل الفتح فبايعوا، وأفرج ابن الأحمر عنهم، وبعث إليه محمد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح، وخاطب أهله بالرجوع إلى طاعته، فارتحل ابن الأحمر من مالقة إليه، ودخله، ومحا دولة بني مرين مما وراء البحر، وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده بعسكر من غزاة الأندلس، وحمل إليه مالاُ للإعانة على أمره. ولما وصل الخبر بهذا كله إلى الوزير أبي بكر ابن غازي قامت عليه القيامة، وكان ابن عمه محمد بن عثمان كتب إليه يموه بأن هذا عن أمره، فتبرأ من ذلك، ولاطف ابن عمه أن ينقض ذلك الأمر، فاعتل له بانعقاد البيعة لأبي العباس، وبينما الوزير أبو بكر ينتظر إجابة ابن عمه إلى ما رامه منه بلغه الخبر بأنه أشخص الأبناء المعتقلين كلهم إلى الأندلس، وحصلوا تحت كفالة ابن الأحمر، فوجم وأعرض عن ابن عمه، ونهض إلى تازا لمحاصرة عبد الرحمن ابن أبي يفلوسن، فاهتبل في غيبته ابن عمه محمد بن عثمان ملك المغرب ووصله مدد السلطان ابن الأحمر من رجال الأندلس الناشبة نحو ستمائة، وعسكر آخر من

الغزاة، وبعث ابن الأحمر رسالة إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد مع ابن عمه ومظاهرته واجتماعهما على ملك فاس، وعقد بينهما الاتفاق على أن يختص عبد الرحمن بملك سلفه، فتراضيا.

وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس، وبلغ الخبر إلى الوزير أبي بكر بمكانه من تازا، فانفض معسكره، ورجع إلى فاس، ونزل بكدية العرائس وانتهى السلطان أبو العباس احمد إلى زرهون، فصمد إليه الوزير بعساكره، فاختل مصافه، ورجع على عقبه مفلولاُ، وانتهب عسكره، ودخل البلد الجديد، وجأجأ بالعرب أولاد حسين فعسكروا بالزيتون ظاهر فارس، فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازا بمن كان معه من العرب الأجلاف، وشردهم إلى الصحراء، وشارف السلطان أبو العباس أحمد بجموعه من العرب وزناتة، وبعثوا إلى ولي دولتهم ونزمار ابن عريف بمكانه من قصره الذي اختطه بملوية، فجاءهم، وأطلعوه على كامن أسرارهم، فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق، فاجتمعوا بوادي النجا، وتحالفوا ثم ارتحلوا إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وبرز إليهم الوزير بعساكره، فانهزمت جموعه، وأحيط به، وخلص إلى البلد الجديد بعد غص الريق، واضطرب معسكر السلطان أبي البعباس بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزاءه، وضربوا على البلد الجديد سياجاً بالبناء للحصار، وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب، ووصلهم مدد السلطان ابن الأحمر، فأحكموا الحصار، وتحكموا في ضياع الوزير ابن الخطيب بفاس، فهدموها وعاثوا فيها، ولما كان فاتح سنة ست وسبعين داخل محمد بن عثمان ابن عمه الوزير أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان، لكون الحصار قد اشتد به ويئس وأعجزه المال، فأجاب واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي لهم عن أعمال مراكش بدل سجلماسة، فعقدوا له على كره، وطووا على المكر، وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان وبايعه، واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة، ودخل السلطان أبو العباس إلى البلد

الجديد سابع المحرم، وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش، وستولى عليها، انتهى.

[رواية ابن الأحمر]

وقال حفيد السلطان ابن الأحمر في تاريخه ما صورته: لما لحق الرئيس أبو عبد الله ابن الخطيب بالمغرب عام اثنين وسبعين وسبعمائة، وكان من وفاة مجيره والمحامي عنه السلطان عبد العزيز ما ألمعنا بذكره، شد الوزير أبو بكر ابن غازي يده على ابن الخطيب بانياً على أشد الأشياء ألا يسلمه لمولانا جدنا مع توقع البغضاء، واقتدى هذا الوزير بالسلطان عبد العزيز في إعراضه عن العقود الموجهة من الأندلس بالمقذع من موبقات ابن الخطيب، ولج في الغلواء، وسجل موجبات الوفاء، والبواعث من مولانا جدنا تتزايد، والأساطيل تتجهز، والآراء بالقصد الخطير ينتقى منها الصواب ويتخير، حتى خيم مولانا جدنا بظاهر جبل الفتح، وكان إذ ذاك راجعاً إلى إيالة المغرب، فأناخ عليه كلكل الجيش، وأهمهم ثقل الوطأة ولم يبال مولانا جدنا بما أرسلت آناء الليل وأطراف النهار من شآبيب الأنفاط، والجوار من باب الشطائين قريب، والخالصة من الثقات مستريب، والنجاة من تلك الأهوال من الأمر الغريب، ولم يبق بغرناطة من له خلوص، ولا من تترامى به همة إلا وأعمل السير الحثيث ولحق بمولانا جدنا لحاق المحب بالحبيب، حتى أهل العلم، والرجاحة والحلم، ولا كالسيد الإمام الأستاذ أبي سعيد قطب الجملة، وعميد الملة، وهو الذي بلغنا نظمه في هذه الوجهة، وعندما ألقى عصا التسيار في الجهة القريبة من أولي العداوة، ومن ذلك قصيدته المشهورة التي أولها:

يا جبل الفتح استملت نفوسنافلا قلب إلا نحو مغناك قد سبق
فأرسلت إذ جئناك فينا صواعقاًتخال بها جو السماء قد انطبق

وقوله في إجابة السفهاء من الهاتفين بالسور موطئاً معجباً رحمة الله تعالى عليه:

وذموا وما يعنون إلا مذمماً ... وأنت بحمد الله تدعى محمداً وقول حامل اللواء الآتي ذكره في تضاعيف الأسماء:

أما مرامك في عراض البيدفمبلغ ما شئت من مقصود
والهجر إن ألقته ألسنة العدايأباه فضل مقامك المحمود
سحقاً لهم سفهاء كل قبيلةشذت مقالتهم عن المعهود
قد ضلت الأحلام منهم رشدهاهذا، ومنك الحلم غير بعيد

مع عزمة لو شئت هدت كل ما ... قد أحكموا من معلم ومشيد إلى أن قال الخبر عن اجتماع الأميرين أبي العباس وأبي زيد متصاحبين وترافقين على استخلاص مدينة فاس من يد الوزير أبي بكر ابن غازي بن الكاس: وكتب الرئيس أبو عبد الله ابن زمرك في مخلص هذه الكائنة حث الوزير محمد ابن عثمان السير في وسط عام خمسة وسبعين وسبعمائة، وتلاقى بسلطانه أبي العباس مع الأمير أبي زيد عبد الرحمن، واستقلا بالطائلة، وحصلا من التضييق على السعيد الطفل الصغير وعلى وزيره أبي بكر ابن غازي في متسع الخطة ورحيب ذرع الخلافة، وتصالحا عن رضى وتسليم منهما ومن أشياعهما على تسليم السعيد إلى اللحاق بمن كان في طنجة من الأمراء، واتصل السلطان عبد الرحمن بمراكش، فكان ملكها وجابي أموالها، وتملك السلطان أبو العباس مدينة فاس وما والى البلاد الساحلة وسواها مما يحتوي عليه ملك المدينة البيضاء براً وبحراً.

وعبر كاتب الدولة عن المدينة وعن الطفل متملكها بقوله: وإلى هذا فقد ارتفع الالتباس، واطرد القياس، وغير خفي عن ذي عقل سليم، وذي تفويض للحق وتسليم، أن دار الملك المريني كمامة بلا زهر، ورياض بلا نهر، إن لم يعتقد كرسيها، من يزين جيدها ويجيد حليها، وآن أوان البشرى لمن يمتعض

للدين، والآن قلادة التقوى منوطة بقلم أعلام الملوك المهتدين، ثم ذكر ما يطول من فصول، وربما اشتملت على فضول، وملخصه مثل ما ذكر ابن خلدون.

[تتمة الخبر عن نهاية لسان الدين نقلاً عن ابن خلدون]

ثم ساق قاضي القضاة ابن خلدون - بعد ما تقدم جلبه من تاريخه - الكلام على محنة لسان الدين ووفاته مقتولاً رحمه الله تعالى فقال ما صورته: ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح ست وسبعين استقل بسلطانه، والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه، وسليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر رديفه، وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر - عندما بويع بطنجة - على نكبة الوزير ابن الخطيب وإسلامه إليه، لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس، فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر ابن غازي بساحة البلد الجديد، فهزمه السلطان ولازمه بالحصار، أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفاً على نفسه، فلما استولى السلطان على البلد أقام أياماً، ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض على ابن الخطيب، فقبضوا عليه، وأودعوه السجن، وطيروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر، وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب، لما كان سليمان قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس متى أعاده الله تعالى إلى ملكه، فلما استقر إليه سلطانه أجاز إليه سليمان سفيراً عن الوزير عمر بن عبد الله ومقتضياً عهده من السلطان، فصده الوزير ابن الخطيب عن ذلك، محتجاً بأن تلك الرياسة إنما هي لأعياص الملك من بني عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة، فرجع سليمان، وأثار حقد ذلك لابن الخطيب، ثم جاوز الأندلس لمحل إمارته من جبل الفتح فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات

ينفث كل واحد منهما لصاحبه بما يحفظه مما كمن في صدورهما، وحين بلغ خبر القبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر بعث كتابه ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو أبو عبد الله ابن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس، وأحضر ابن الخطيب بالمشور في مجلس الخاصة، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه في المحبة، فعظم النكير فيها، فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ، ثم تل إلى محبسه، واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه، ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلاً، ومعهم زعانفة جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر وقتلوه خنقاً في محبسه، وأخرج شلوه من الغد، فدفن بمقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على سافة قبره طريحاً، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت عليه نار، فاحترق شعره، واسود بشره، فأعيد إلى حفرته، وكان في ذلك انتهاء محنته، وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان، واعتدوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته، والله الفعال لما يريد.

وكان - عفا الله تعالى عنه - أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتجهش هواتفه بالشعر يبكي نفسه، ومما قال في ذلك رحمه الله تعالى:

بعدنا وإن جاورتنا البيوتوجئنا بوعظ ونحن صموت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»
وأنفاسنا سكنت دفعةكجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاماً فصرنا عظاماًوكنا نقوت فما نحن قوت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»
وكنا شموس سماء العلاغربن فناحت علينا السموت
فكم جدلت ذا الحسام الظبىوذو البخت كم جدلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقةفتى ملئت من كساه التخوت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»
فقل للعدا ذهب ابن الخطيبوفات، ومن ذا الذي لا يفوت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»

ومن كان يفرح منهم له ... فقل: يفرح اليوم من لا يموت انتهى كلام ابن خلدون في ديوان العبر.

[عن ابن حجر]

وقال الحافظ ابن حجر في " أنباء الغمر " بعد أن ذكر ما قدمناه على سبيل الاختصار، ما نصه: واشتهر أنه - يعني لسان الدين - نظم حين قدم للقتل الأبيات المشهورة التي يقول فيها:

وقل للعداة مضى ابن الخطيبوفات فسبحان من لا يفوت

فمن كان يشمت منكم به ... فقل: يشمت اليوم من لا يموت والصحيح في ذلك ما ذكره صديقه شيخنا ولي الدين ابن خلدون أنه نظم الأبيات المذكورة وهو في السجن، لما كان يستشعر من التشديد؛ انتهى.

ثم حكى ابن حجر عن بعض الأعيان أن ابن الأحمر وجهه إلى ملك الإفرنج في رسالة، فلما أراد الرجوع أخرج له رسالة لابن الخطيب تشتمل على نظم ونثر، فلما قرأها قال له: مثل هذا كان ينبغي أن لا يقتل، ثم بكى حتى بل ثيابه؛ انتهى كلام الحافظ، وبعضه بالمعنى. فانظر - سددك الله تعالى - بكاء العدو الكافر على هذا العلامة، وقتل إخوانه في الإسلام له على حظ نفساني، ولا حول ولا قوة إلا باله العلي العظيم، لا رب غيره.

[تخميس لأبيات لسان الدين]

قلت: ورأيت بحضرة فاس - حاطها الله تعالى - تخميساً لهذه الأبيات بديعاً

منسوباً إلى بعض بني الصباغ، وزاد في الأصل بعض أبيات على ما ذكره ابن خلدون من هذه القطعة، والمزيد يشبه نفس لسان الدين ابن الخطيب، فلعل ابن خلدون اختصر منها، أو لم يقف على الزائد، ولنثبت جملته تتميماً للمقصود، فنقول: قال رحمه الله تعالى:

أيا جاهلاً غره ما يفوتوألهاه حال قليل الثبوت
تأمل لمن بعض أنس يقوتبعدنا وإن جاورتنا البيوت وجئنا بوعظ ونحن صموت
لقد نلت من دهرنا رفعةتقضت كبرق مضى سرعة
فهيهات نرجو لها رجعةوأصواتنا سكنت دفعة كجهر الصلاة تلاه القنوت
بدا لي من العز وجه شبابيؤمل سيبي وبأسي يهاب
فسرعان مزق ذلك الإهابومدت وقد أنكرتنا الثياب علينا نسائجها العنكبوت
فآهاً لعز تقضى منامامنحنا به الجاه قوماً كراما
وكنا نسوس أموراً عظاماوكنا عظاماً فصرنا عظاما وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا لدى الملك حلي الطلىفآهاً عليه زماناً خلا
نعوض من جدة بالبلىوكنا شموس سماء العلا غربنا فناحت علينا السموت
تعودت بالرغم صرف اللياليوحملت نفسي فوق احتمالي
وأيقنت أني سوف يأتي ارتحاليومن كان منتظراً للزوال فكيف يؤمل منه الثبوت
هو الموت يا ما له من نبايحوز الحجاب إلى من أبى
ويألف أخذ سني الحبافكم أسلمت ذا الحسام الظبى وذا البخت كم جدلته البخوت
هو الموت أفصح عن عجمةوأيقظ بالوعظ من خفقة
وسلى عن الحزن ذا حرقةوكم سيق للقبر من خرقة فتى ملئت من كساه التخوت
تقضى زماني بعيش خصيبوعندي لذنبي انكسار المنيب
وها الموت قد صبت منه نصيبيفقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات ومن ذا الذي لا يفوت
مضى ابن الخطيب كمن قبلهومن بعده يقتفي سبله
وهذا الردى ناثر شملهفمن كان يفرح منهم له فقل: يفرح اليوم من لا يموت
هو الموت عم فما للعدايسرون بي حين ذقت الردى
ومن فاته اليوم يأتي غداسيبلى الجديد إذا ما المدى تتابع آحاده والسبوت
أخي توخ طريق النجاةوقدم لنفسك قبل الممات

وشمر بجد لما هو آت ... ولا تغترر بسراب الحياة فإنك عما قريب تموت ... وقد ذكرني قوله رحمه الله تعالى " فمن كان يفرح منهم له - إلى آخره " قول بعض العلماء الشاميين:

يا ضاحكاً بمن استقل غبارهسيثور عن قدميك ذاك العثير
لا فارس بجنودها منعت حمىكسرى، ولا للروم خلد قيصر
جدد مضت عاد عليه وجرهموتلاه كهلان وعقب حمير
وسطا بغسان الملوك وكندةفلها دماء عنده لا تثأر
لعبت بهم فكأنهم لم يخلقواونسوا بها فكأنهم لم يذكروا [فصل في الاعتبار لابن دحية]

وما أحسن قول أبي الخطاب ابن دحية الحافظ بعد كلام ما صورته: وأخذت من طريق خوزستان إلى طريق حلوان، وقاسيت من الغربة أصناف الألوان، ومررت على مدائن كسرى أنوشروان، وزرت بها قبر صاحب النبي، ﷺ، الزاهد العابد المعمر سلمان، وأعملت بها السير والإغذاذ، إلى مدينة بغذاذ، فنظرت إليها معالم وربوعاً، وأقمت بها مرة عاماً ومرة أسبوعاً وأسبوعا، وأنا ابدي في ندائهم وأعيد، والترب قد علا على منازلهم والصعيد، وأسأل عن الخلفاء الماضين وأنشد، ولسان الحال يجاوبني وينشد:

يا سائل الدار عن أناسليس لهم نحوها معاد

مرت كما مرت الليالي ... أين جديس وأين عاد بل أين البشر آدم الذي خلقه بيده الكبير المتعال أين الأنبياء من ولده والأرسال، أهل النبوة والرسالة، والوحي من الله ذو الجلالة أين سيدهم محمد الذي فضله عليهم ذو العزة والجلال، وجعله شفيعهم مع أمته والناس في شدائد الأهوال أين القرون الماضية والأجيال أين التبابعة والأقيال أين ملوك همدان أين أولو الأبلق الفرد أو غمدان أين أولو التيجان والأكاليل أين الصيد والبهاليل بل أين النمارذة وأكبرهم نمروذ إبراهيم الخليل أين الفراعنة ومن هو بالسحر عليم، الذين منهم فرعون موسى الكليم أين ملك الهدنانية هدد بن بدد الكردي، الذي لم يكن غدره بمفيد له ولا مجدي وقد أخبر الحق ﷻ عنه أنه كان يأخذ كل سفينة غصباً، وزعم المؤرخون أنه كان أيضاً يملأ القلوب رعباً، ويسوم أصحابه قتلاً وصلباً، مع الطمع في المال، وعدم النظر في عقبى المال، أين الفرس وملوكهم، وعدلها وعدولها أين دارا بن بهمان أين إسكندر بن فلبس اليوناني الذي غلبه وملك بلاده في ذلك الزمان، وأطاعه جميع ملوك الأقاليم، وقدر به الله امتحان الخلق ذلك تقدير العزيز العليم أين كسرى وقيصر غلبهما من الموت الأسد القسور، بعد أن أخرجهما من بلادهما أمير المؤمنين أبو حفص عمر، لما ظهرت الملة الحنيفية كما ظهرت الشمس وبدا القمر، أين أولاد جفنة وملوك غسان أين مماديح زياد وحسان أين هرم بن سنان أين الملاعب بالسنان أين أولاد مضر بن نزار بن معد بن عدنان أين بنو عبد المدان أين أرباب العواصم أين قيس بن عاصم أين العرب العرباء الأمة الفاضلة، والجماعة المناضلة أين أولو الباس والحفاظ، وذوو الحمية والإحفاظ حيث الوفاء والعهد،

والحباء والرفد، إلى علو الهمم، والوفاء بالذمم، والعطاء الجزل، والضيف والنزل، وهبة الافال والبزل، وإنها لا تدين عزاً ولا تقاد، ولا ترام أنفة ولا تفاد، أين قريش المغرورين في الجاهلية بالحي اللقاح، والشعب الرقاح أين الماضون من ملك بني أمية ذوو الألسن الذلق، والأوجه الطلق والحمية أين خلفاء بني العباس بن عبد المطلب، الذي شرفهم بالأصالة وليس إليهم بالمنجلب ذوو الشرف الشامخ، والفخر الباذخ، والخلافة السنية الرضية، والمملكة العامة المرضية، بلغتنا والله وفاتهم، ولم يبقى إلا ذكرهم وصفاتهم، قبض ملك الموت أرواحهم قبضاً، ولم يترك لهم حراكاً ولا نبضاً، ومزق الدود لحومهم قدداً، ووجدوا ما عملوا حاضرا ًولا يظلم ربك أحداً، إلا ما كان من أجساد الأنبياء عليهم أفضل التسليم، فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وقد تكلمت على هذا الحديث وأثبت أنه من الصحيح لا القسيم، وخرجت طرقه في كتابي " العلم المشهور " بعون من العزيز الرحيم، فما أبعد المرء عن رشده وما أقصاه، كم وعظه الدهر وكم وصاه، يخلط الحقيقة بالمحال، والعاطل بالحال، ولا توبة حتى يشيب الغراب، ويألف الدم التراب، فيا لهفي لبعد الدار، وانقضاض الجدار، وأنت هامة ليل أو نهار، وقاعد من عمرك على شفا جرف هار، تقرأ العلم وتدعيه، ولا تفهمه ولا تعيه، فهو عليك لا لك، فأولى لك ثم أولى لك، أما آن لليل الغي أن تنجلي أحلاكه، ولنظم البغي أن تنتثر أسلاكه، وأن يستفظع الجاني جناه، ويأسف على ما اقترفه وجناه، وأن يلبس عهاده بتاً، ويطلق الدنيا بتاً، ويفر منها فرار الأسد، ويتيقن أنه بد من مفارقة الروح الجسد، نبهنا الله تعالى من سنات غفلاتنا، وحسن ما ساء من صنائعنا الذميمة وسلاتنا، وجعل التقوى أحصن عددنا وأوثق آلاتنا، اللهم إليك المآب، وبيدك المتاب، قد واقعنا الخطايا،

وركبنا الأجرام رواحل ومطايا، فتب عينا أجمعين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين الطائعين، وصلى الله على سيد ولد آدم محمد شفيعنا يوم القيامة، وصاحب الحوض المورود والمقام المحمود والكرامة، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه أهل الرضوان المنتخبين، وسلام الله عليه وعليهم إلى يوم الدين؛ انتهى وهو آخر كتابه " النبراس في تاريخ بني العباس " وذكرته بطوله لمناسبته.

قلت: وقد سلكت هذا المنحى نظماً في خطبة هذا الكتاب كما مر، وللسان الدين رحمه الله تعالى كلام قريب من هذا سيأتي في نثره إن شاء الله تعالى.

وأقول: إني قد تذكرت هنا قول القائل:

نطوي سبوتاً وآحاداً وننشرهاونحن في الطي بين السبت والأحد
فعد ما شئت من سبت ومن أحدلا بد أن يخل المطوي في العدد وقول الآخر:
ألم تر أن الدهر يوم وليلةيكران من سبت عليك إلى سبت
فقل لجديد العيش لا بد من بلىوقل لاجتماع الشمل لا بد من شت [نبذة عن أعداء لسان الدين]

واعلم أن لسان الدين لما كانت الأيام له مسالمة، لم يقدر أحد أن يواجهه بما يدنس معاليه أو يطمس معالمه، فلما قلبت الأيام له ظهر مجنها، وعاملته بمنعها بعد منحها ومنها، أكثر أعداؤه في شأنه الكلام، ونسبوه إلى الزندقة والانحلال من ربقة الإسلام، بتنقص النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، والقول بالحلول والاتحاد، والانخراط في سلك أهل الإلحاد، وسلوك مذاهب الفلاسفة في الاعتقاد، وغير ذلك مما أثاره الحقد والعداوة والانتقاد، مقالات نسبوها

إليه خارجة عن السنن السوي، وكلمات كدروا بها منهل علمه الروي، ولا يدين بها ويفوه إلا الضال الغوي، والظن أن مقامه رحمه الله تعالى من لبسها بري، وجنابه سامحه الله تعالى عن لبسها عري، وكان الذي تولى كبر محنته وقتله، تلميذه أبو عبد الله ابن زمرك الذي لم يزل مضمراً لختله، فلقد وقفت على خط ابن لسان الدين على أنه تسبب في قتل لسان الدين أبيه، وسيأتي الإلماع والإلمام بابن زمرك المذكور في تلامذة لسان الدين، مع أنه - أعني لسان الدين - حلاه في الإحاطة أحسن الحلى، وصدقه فيما انتحله من أوصاف العلا، وقد سبق في كلام ولي الدين ابن خلدون أنه قدم على السلطان أبي العباس أحمد المريني في شأن الوزير ابن الخطيب، وأخرج إلى مجلس الخاصة، وامتحن والمجالس بالأعيان غاصة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن أعداءه الذين باينوه بعد أن كانوا يسعون في مرضاته سعي العبيد، القاضي أبو الحسن ابن الحسن النباهي، فكم قبل يده، ثم جاهره بعد انتقال الحال، وجد في أمره مع ابن زمرك حتى قتل لسان الدين، وانقضت دولته فسبحان من لا يتحول ملكه ولا يبيد.

وقد سبق فيما جلبناه من كلام ابن خلدون أم القاضي ابن الحسن قدم على السلطان عبد العزيز في شأن لسان الدين والانتقام منه بسبب تلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه بمقتضاها، فأبى السلطان من ذلك، وقال: هلا فعلتم أنتم ذلك حين كان عندكم وامتنع لذمته أن يخفره، فلما أراد الله بنفوذ الأمر، وعدم نفع زيد وعمرو، توفي السلطان عبد العزيز، واختلت الأحوال، واضطربت بالغرب نيران الأهوال، فقدم في شأنه الوزير الكاتب ابن زمرك خادمه الذي رباه وصنيعته، فكان ما كان مما سبق به الإلمام.

وقد ذكرنا في الباب الأول قول لسان الدين رحمه الله تعالى في قصيدته النونية:

تلون إخواني علي وقد جنتعلي خطوب جمة ذات ألوان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطاع لساني في مديحك إحساني»
وما كنت أدري قبل أن يتنكروابأن خواني كان مجمع خواني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطاع لساني في مديحك إحساني»

وكانت وقد حم القضاء صنائعي ... علي بما لا أرتضي شر أعوان ولقد صدق رحمه الله تعالى، على أنه قال هذه القصيدة في النكبة الأولى التي انتقل فيها مع سلطانه إلى المغرب، كما مر مفصلاً، وكأنه عبر عن هذه المحنة الأخيرة التي ذهبت فيها نفسه على يد صنائعه الكاتب ابن زمرك والقاضي ابن الحسن، سامح الله الجميع.

ويرحم الله أبا إسحاق التلمساني صاحب الرجز في الفرائض حيث يقول:

الغدر في الناس شيمة سلفتقد طال بين الورى تصرفها
ما كل من قد سرت له نعممنك يرى قدرها ويعرفها
بل ربما أعقب الجزاء بهامضرة عز عنك مصرفها

أما ترى الشمس كيف تعطف بالنو ... ر على البدر وهو يكسفها وقال لسان الدين، بعد ذكره أن ملك النصارى دون جانجه بن دون الفنش استنصر على أبيه بالسلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ولاذ به، ورهن عنده تاجه ذخيرة النصارى، ولقيه بصخرة عباد من أحواز رندة، فسلم عليه ويقال: إن أمير المسلمين لما فرغ من ذلك طلب بلسان زناتة الماء ليغسل يده به من قبلة الفنش أو مصافحته، ما نصه: والشيء بالشيء يذكر، فأثبت حكاية اتفقت لي بسبب ذلك، أستدعي بها الدعاء ممن يحسن عنده موقعها، وهي أن اليهودي الحكيم ابن زرزار على عهد ملك النصارى حفيد هذا الفنش

المذكور وصل إلينا بغرناطة في بعض حوائجه، ودخل إلي بدار سكناي مجاور القصر السلطاني بحمراء غرناطة، وعندي القاضي اليوم بغرناطة وغيره من أهل الدولة، وبيده كتاب من سلطان المغرب محمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان الكبير المولى أبي الحسن، وكان محمد هذا قد فر إلى صاحب قشتالة، واستدعي من قبله إلى الملك، فسهل له ذلك، واشترط عليه ما شاء، وربما وصله خطابه بما لم يقنعه في إطراءه، فقال لي: مولاي السلطان دن بطره يسلم عليك، ويقول لك: انظر مخاطبة هذا الشخص، وكان بالأمس كلباً من كلاب بابه، حتى ترى خسارة الكرامة فيه، فأخذت الكتاب من يده وقرأته، وقلت له: أبلغه عني أن هذا الكلام ما جرك إليه إلا خلو بابك من الشيوخ الذين يعرفونك بالكلاب وبالأسود، وبمن تغسل الأيدي منهم إذا قبلوها، فتعلم من الكلب الذي تغسل اليد منه ومن لا، وإن جد هذا الولد هو الذي قبل جدك يده واستدعى الماء لغسل يده منه بمحضر النصارى والمسلمين، ونسبة الجد إلى الجد كنسبة الحفيد إلى الحفيد، وكونه لجأ إلى بلادك ليس بعار عليه، وأنت معرض إلى اللجإ إليه فيكافئك بأضعاف ما عاملته به.

فقام أبو الحسن المستقضي يبكي ويقبل يدي، ويصفني بولي الله، وكذلك من حضرني، وتوجه إلى المغرب رسولاً، فقص على بني مرين خبر ما شاهده مني وسمعه، وبالحضرة اليوم ممن تلقى منه ذلك كثير، جعل الله تعالى ذلك خالصاً لوجهه؛ انتهى.

وقد أثنى لسان الدين في الإحاطة على القاضي ابن الحسن المذكور كما سيأتي، وقال في ترجمة السلطان ابن الأحمر ما نصه: ثم قدم للقضاء الفقيه الحسيب أبا الحسن، وهو عين الأعيان بمالقة، المخصوص برسم التجلة والقيام بالعقد والحل، فسدد وقارب، وحمل الكل، وأحسن مصاحبة الخطبة والخطة، وأكرم المشيخة مع النزاهة، ولم يقف في حسن التأتي على غاية، فاتفق على رجاحته، ولم يقف في النصح عند غاية، انتهى. وحين أظلم الجو بينه وبين لسان الدين ذكره في " الكتيبة الكامنة " بما يباين ما سبق، ولقبه بالجعسوس

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.