تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (٥)

نبي، قال: سل، قال: فأخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله، فقال: هذه مسائل الزنادقة، وهم بقتله، فقال ابن عباس: ما أنصفتموه، إما أن تجيبوه وإما أن تصرفوه إلى من يجيبه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي " اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه "، فقال أبو بكر: قم معه إلى علي، فقال له: أما ما لا يعلمه الله فقولكم في عزير أنه ابن الله، والله ﷿ لا يعلم له ولد، فقال في التنزيل " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " الآية. وأما ما ليس عند الله فالظلم، وأما ما ليس له فالشريك، فأسلم اليهودي، فقبل أبو بكر رأس علي، وقال له: يا مفرج الكربات، ووردت مثل هذه المسائل عن الصحابة، فالله تعالى أعلم.

وقال العتابي لأبي قرة النصراني عند المأمون: ما تقول في المسيح قال: من الله، قال: البعض من الكل على سبيل التجزيء، والولد من الوالد على طريق التناسل، والخل من الخمر على وجه الاستحالة، والخلق من الخالق على جهة الصنعة، فهل من معنى خامس قال: لا، ولكن لو قلت بواحد منها ما كنت تقول قال: الباري لا يتجزأ، ولو جاز عليه ولد لجاز له ثان وثالث وهلم جراً، ولو استحال فسد، والرابع مذهبنا، وهو الحق.

ومنه: أول ما تكلم به عيسى في المهد أنه قال " إني عبد الله " وهو حجة على الغالين فيه، يقال لهم: إن صدق فقد كذبتم، وإلا فمن عبدتم، ولمن ادعيتم

قال القاضي ابن الطبيب للقسيس لما وجهه عضد الدولة إلى ملك الروم: لم اتحد اللاهوت بالناسوت فقال: أراد أن ينجي الناس من الهلاك، قال:

فهل درى أن يقتل ويصلب أولاً فإن لم يدر لم يجز أن يكون إلهاً ولا ابناً، وإن درى فالحكمة تمنع من التعرض لمثل ما قلتم إنه جرى.

سأل القاضي هذا البطرك عن أهله وولده، فأنكر ذلك النصراني، فقال: تبرئون هذا مما تثبتونه لربكم سوأة لهذا الرأي! فانكسروا.

ابن العربي: سمعت الفقراء ببغداد يقولون: إن عيسى ﵇ كان إذا خلق من الطين كهيئة الطير طار شيئاً ثم سقط ميتاً لأنه كان يخلق ولا يرزق، ولو رزق لم يبق أحد إلا قال " هو الله " إلا من أوتي هداه.

سأل ابن شاهين الجنيد عن معنى " مع " فقال: مع الأنبياء بالنظر والكلاءة " إنني معكما " ومع العامة بالعلم والإحاطة " إلا وهو معكم " فقال: مثلك يصلح دليلاً على الله.

ومنه: سأل قدري علياً ﵁ عن القدر، فأعرض عنه، فألح عليه، فقال: أخلقك كيف شئت، أو كيف شاء فأمسك، فقال: أترونه يقول كيف شئت إذاً والله أقتله، قال: كيف شاء، قال: أيحييك كيف تشاء أو كيف يشاء قال: كيف يشاء، قال: فيدخلك حيث تشاء أو حيث يشاء قال: حيث يشاء، قال: اذهب فليس لك من الأمر شيء.

أبو سليمان: أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه، وأدخلهم النار قبل أن يعصوه، جل حكم الأزل، أن يضاف إلى العلل، سبق قضاؤه فعله " إني جاعل في الأرض خليفة " وأوقفت مشيئته أمره " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ".

قال الشاذلي: أهبط آدم إلى الأرض قبل أن يخلقه، لأنه قال " في الأرض " ولم يقل في السماء ولا في الجنة.

الأوزاعي: قضى بما نهى، وحال دون ما أمر، واضطر إلى ما حرم:

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال لهإياك إياك أن تبتل بالماء
للشاعر الحلاج، من قصيدة «ما يفعل العبد والأقدار جارية»

قال الأوزاعي لغيلان: مشيئتك مع مشيئة الله ﷿ أو دونها فلم يجب، فقال هشام بن عبد الملك: فلو اختار واحدة، فقال: إن قال معها فقد زعم أنه شريك، وإن قال وحدها فقد تفرد بالربوبية، قال: لله درك أبا عمرو.

من بيان عظمته " رفيع الدرجات " من آثار قدرته " بديع السموات " توقيع أمره " يأمر بالعدل والإحسان " واقع زجره " وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " تنفيذ حكمه " فعال لما يريد " دستور ملكه " لا يسأل عما يفعل ".

إياس بن معاوية: ما خاصمت أحداً بعقلي كله إلا القدرية، قال لقدري: ما الظلم فقال: أخذ ما ليس لك، قلت: فإن الله له كل شيء.

الواسطي: ادعى فرعون الربوبية على الكشف، وادعت المعتزلة الربوبية على الستر، تقول ما شئت فعلت.

ومنه: ما أقصته السوابق لم تدنه الوسائل، إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل، إذا كان الله ﷿ عدلاً في قضاءه فمصيبات الخلق بما كسبت أيديهم:

ما عذر معتزلي موسر منعتكفاه معتزلياً معسراً صفدا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كفي الدموع وإن كان الفراق غدا»

أيزعم القدر المحتوم ثبطه ... إن قال ذاك فقد حل الذي عقدا ومنه: دخل محمد بن واسع على بلال بن فروة فقال: ما تقول في القدر قال: تفكر في جيرانك أهل القبور فإن فيهم شغلاً عن القدر.

وكل من أغرق في نعتهأصبح منسوباً إلى العي المقادير تبطل التقدير، وتنقض التدبير

قال معتزلي لسني: لو أراد ثبوت أحد على الكفر لم يقل " ليخرجكم من الظلمات إلى النور " فقال السني: لو لم يكن الإيمان من

فعله لم يقل ﴿ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾.

قال نقفور طاغية النصارى لأبي الحسن الشلباني: أنت تقول أن الخير والشر من الله وذلك لأن النصارى كلهم على مذهب القرية في الاستطاعة، قال: نعم، قال: كيف يعذب عليه هل كان حقاً أن يخلق فقال: لم يضطره إلى ما خلق مضطر.

قيل: نزلت " وما أضلنا إلا المجرمون " في القدرية، لأنهم أضافوا الحول والقوة في الشر إلى البشر فأشركوه في الخلق، أما ترى قوله تعالى: " إن المجرمين في ضلال وسعر " إلى قوله تعالى: " إنا كل شيء خلقناه بقدر ".

كنت دهراً أقول بالاستطاعهوأرى الجبر ضلة وشناعه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «كنت دهرا أقول بالاستطاعه»
ففقدت استطاعتي في هوى ظبي، فسمعاً لمن أنحب وطاعه غيره:
ما لا يكون فلا يكون بحيلةأبداً، وما هو كائن سيكون غيره:
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ما لا يكون فلا يكون بحيلة»
تريد النفس أن تعطى مناهاويأبى الله إلا ما يشاء شفاء الصدور، في التسليم للمقدور:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبفلا رأي للمضطر إلا ارتكابها غيره:

أي يومي من الموت أفر ... يوم لا يقدر أم يوم قدر إذا كان الداء من السماء، بطل الدواء.

قال الحائط للوتد: لم تشقني قال: سل من يدقني.

الناس يلحون الطبيب، وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدور قيل لحكيم: أخرج الهم من قلبك، فقال: ليس بإذني دخل.

نفسي تنازعني فقلت لها قريموت يريحك أو صعود المنبر
ما قد قضي سيكون فاصطبري لهولك الأمان من الذي لم يقدر
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة

ولتعلمي أن المقدر كائن ... لا بد منه صبرت أو لم تصبري ومنه: الهارب من المقدور كالمتقلب في كف الطالب. من كان السلطان يطلبه، ضاق عليه مذهبه " وما أنتم بمعجزين " أسلى آية في التنزيل " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم " إلى قوله تعالى " بما آتاكم ".

ومنه: أخل رجل بخدمة صاحب الإسكندرية، فتغيب، ثم ظفر به عرفاؤه، فقادوه فانساب منهم، ورمى بنفسه في بئر، وتحت الإسكندرية أسراب يسير فيها القائم من أول البلد إلى آخره، فلم يزل يمشي حتى وجد بئراً صاعدة، فتعلق بها، فإذا هي في دار السلطان، فأخذه فأدبه، فانظر كيف فر من قودة السلطان مكرهاً، وأتاه برجله طائعاً.

ذهب القضاء بحيلة العقلاءومنه: قال يزيد بن المهلب لموسى بن نصير: أنت أدهى الناس وأعلمهم،

فكيف طرحت نفسك في يد سليمان فقال: إن الهدهد يهتدي للماء في الأرض الفيفاء، وينصب له الصبي الفخ بالدودة أو الحبة فيقع فيه:

ولو جرت الأمور على قياس ... لوقي شرها الفطن اللبيب الواسطي: اختيار ما جرى لك في الأزل، خير من معارضة الوقت.

ابن معاذ: عجبت من ثلاثة: رجل يريد تناول رزقه بتدبيره، ورجل شغله غدوه، وعالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط.

ومنه: شكي لبعض الأنبياء امرأة كانت تؤذي أهل زمانها، فأوحى الله إليه: أن فر من قدامها حتى تنقضي أيامها.

ومنه: ابن المعتز: كرم الله ﷿ لا ينقض حكمته، ولذلك لا تقع الإجابة في كل دعوة " ولو اتبع الحق أهواءهم ".

أريد فلا أعطى، وأعطى ولم أردوقصر علمي أن أنال المغيبا ومنه: كان ابن مجاهد ينشد لبعضهم:
أيها المغتدي ليطلب علماًكل علم عبد لعلم الكلام

تطلب الفقه كي تصحح حكماً ... ثم أغفلت منزل الأحكام ومنه: قال الأحدب البغدادي للقاضي الباقلاني: هل لله ﷿ أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه فقال: إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد، " قل كونوا حجارة أنبئوني بأسماء هؤلاء ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون " وإن أردتم به ما يصح فعله وتركه فالكلام متناقض " وهذا هو الذي نعرفه، لأن التكليف اقتضاء فعل ما فيه مشقة، وما لا يطاق لا يفعل البتة، فقال: سئلت عن كلام مفهوم فطرحته في الاحتمالات، فقال: إني بينت الوجوه المحتملة، فإن اكن معك شيء فهاته،

فقال عضد الدولة: قد صدق، وما جمعتكم إلا للفائدة، لا للمهاترة. ثم قال لقاضيه بشر بن حسن المعتزلي: تكلم، فقال: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما ما لا يطاق للاشتغال بضده، وهذا سبيل الكافر، لا يطيق الإيمان للاشتغال بالكفر، وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزاً، ولقد أثنى الله ﷿ على من سأله أن لا يكلفه ما لا يطيقه فقال " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " لأن الله له أن يفعل في ملكه ما يريد.

ومنه: خرج عمر بن عبد العزيز في سفر ليلاً، فقال له رجل: انظر إلى القمر ما أحسنه، فنظر فقال: قد علمت أنك أردت نزوله بالدبران، ونحن لا نتطير بذلك ولا نعتقده:

إذا عقد القضاء عليك أمراًفليس يحله إلا القضاء
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا عقد القضاء عليك أمرا»
يدبر بالنجوم وليس يدريهو رب النجم يفعل ما يشاء [وقال آخر]:
ليس للنجم إلى ضر ولا نفع سبيل
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
إنما النجم على الأوقات والسمت دليل غيره:
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
من كان يخشى زحلاًأو كان يرجو المشتري
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

فإنني منه وإن ... كان أخي الأدنى بري لما وجه عض الدولة القاضي ابن الطيب إلى ملك الروم قال له الوزير:

أخذت الطالع لخروجك فسأله القاضي عن ذلك، ففسره له، فقال: السعد والنحس بيد الله، ليس للكواكب فيه تأثير، وإنما وضعت كتب النجوم ليتمعش بها العامة، ولا حقيقة لها، فاستحضر الوزير ابن الصوفي ودعاه إلى مناظرة القاضي، فقال: لا أقوم على المناظرة، وإنما أقول: إذا كان من النجوم كذا كان كذا، وأما التعليل فمن علم المنطق، والذي يتولى المناظرة عليه أبو سليمان المنطقي، فأحضر وأمر، فقال هذا القاضي يقول: إذا ركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذي في دجلة فالله تعالى قادر على أن يزيد فيهم آخر في ذلك الوقت، فإن قلت له لا يقدر قطعتم لساني، فأي معنى لمناظرتي فقال القاضي للوزير: ليس كلامنا في القدرة، لكن في تأثير الكواكب، فانتقل هذا إلى ما ترى لعجزه، وأنا إن قلت إن الله تعالى قادر على ذلك فلا أقول إنه يخرق العادة الآن، ولا يجوز عندنا ذلك، فهو فرار من الزحف، فقال المنطقي: المناظرة دربة وأنا لا أعرف مناظرة هؤلاء القوم، وهم لا يعرفون مواضعاتنا، فقال الوزير: قد قبلنا اعتذارك، والحق أبلج.

رأس الدين صحة اليقين. من سابق القدر عثر.

وإذا خشيت من الأمور مقدراً ... وفررت منه فنحوه تتوجه قيل: لما وقع الوباء بالكوفة فر ابن أبي ليلى على حمار، فسمع منشداً ينشده:

لم يسبق الله على حمارولا على ذي منسر طيار

أو يأتي الحدف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري فقال: إذا كان الله أمام الساري فلا مهرب، ورجع.

ومنه: شكا بعض الصالحين إلى الخليفة ضرر الأتراك، فقال: أنتم تعتقدون أن هذا من قضاء الله وقدره، فكيف أرده فقال: إن صاحب القضاء قال: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " فردهم عنهم.

القدر والطلب كالعدلين على ظهر الدابة كل واحد منهما معين لصاحبه، فالقدر بالطلب، والطلب بالقدر.

قيل لعارف: إن كنت متوكلاً فألق نفسك من هذا الحائط فلن يصيبك إلا ما كتب الله لك، فقال: إنما خلق الله الخلق ليجربه، لا ليجربوه.

الجوهري: كف الله النار عن يد موسى لئلا تقول النار: طبعي، واحترق لسانه لئلا يقول الكريم: مكاني، وقال غيره: لو لم يقل لنار إبراهيم " سلاماً " لهلك من برد النار.

قيل للجنيد: أنطلب الرزق قال: إن علمتم أين هو فاطلبوه، قيل: فنسأل الله قال: إن خشيتم أن ينساكم فذكروه، قيل: فنلزم البيوت قال: التجربة منك شك، قيل: فما الحيلة قال: ترك الحيلة.

يقول: ليكن تصرفك بإذنه، لا بشهوتك، فقد قيل: ترك الطلب يضعف الهمة، ويذل النفس، ويورث سوء الظن.

الطرطوشي: القدر والطلب كأعمى ومقعد في قرية، يحمل الأعمى المقعد، ويدل المقعد الأعمى.

قال رجل لبشر: إني أريد السفر إلى الشام، وليس عندي زاد، فقال: أخرج لما قصدت إليه، فإنه إن لم يعطك ما ليس لك، لم يمنعك ما لك.

الناس في هذا الباب ثلاثة: فرقة عاملت الله ﷿ على مقتدر شمول قدرته للشر والخير، وأعرضوا عن الأسباب، فأدركوا التوكل، وفاتهم الأدب، وهم بعض الصوفية، وقد قيل: اجعل أدبك دقيقاً، وعلمك ملحاً، وهذا

إبليس لم تنفعه كثرة علمه لما دفعته قلة أدبه. وفرقة عاملته على ذلك مع الجريان على عوائد مملكته، والتصرف بإذنه على مقتضى حكمته، وهم الأنبياء وخواص العلماء، فأصابوا الأدب، وما أخطأوا التوكل.

والفرقة الثالثة - وهم الجمهور - أقبلوا على الأسباب، ونسوا المسبب، ففاتهم الأمران، فهلكوا.

ومنه: جل الواحد المعروف، قبل الحدود والحروف.

لقد ظهرت فما تخفى على أحدإلا على أكمه لا يعرف القمرا

كما بطنت بما أبديت من حجب ... وكيف يبصر من بالعزة استترا سئل النصيبي عن الرؤية بمجلس عضد الدولة، فأنكرها محتجاً بأن كل شيء يرى بالعين فهو في مقابلتها، فقال له القاضي ابن الطيب: لا يرى بالعين، قال له الملك: فبماذا يرى قال: بالإدراك الذي يحدثه الله في العين وهو البصر، ولو أدرك المرئي بالعين لوجب أن يدرك بكل عين قائمة، وهذا الأجهر عينه قائمة ولا يرى بها شيئاً.

ومنه: ابن العربي: للصوفية في إطلاق لفظ العشق على الحق تجاوز عظيم، واعتداء كبير، ولولا إطلاقه للمحبة ما أطلقناها، فكيف أن نتعداها

الدقاق: العشق مجاوزة الحد في الحب، ولما كان الحق لا يوصف بالحد لم يوصف بالمحدود، إذ لو جمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ما يستحقه قدر الحق من الحب.

خمسة أبهمت، فلم تعين لعظم أمرها: الاسم الأعظم، وساعة الجمعة، وليلة القدر، والصلاة الوسطى، والكبائر: لأن اجتنابها يكفر غيرها، يعني على أحد الأقوال في المسألة.

ومنه: قيل في التسعة والتسعين اسماً: إنها تابعة لاسم الله، وهو تمام المائة، فهي عدد درج الجنة، لما في الصحيح من أن درجها مائة، بين كل درجتين مسيرة مائة عام، ولذلك قيل: من أحصاها دخل الجنة، وهذه الأسماء مفضلة على غيرها مما لا يحصى، ألا ترى قوله ﵇ في الصحيح: بأسمائه الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم

ذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعاً منه، فلم يشر في شيء منها إلى خلقه، وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعاً ثلث ذلك العدد فصرح في جميعها بخلقه، قال ابن عطية: وهذا يدل على أنه غير مخلوق.

أبو علي ابن أبي اللحم: بت ليلة جمعة بمصر في أيام أبي حريش، وكان يقول بخلق القرآن، وأبي خلف المعافري، وكان يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، أفكر عن أيهما آخذ، فلما نمت أتاني آت فقال لي: قم، فقمت، قال: قل، فقلت: ما أقول فقال:

لا والذي رفع السماء بلا عماد للنظر
فتزينت بالساطعات اللامعات وبالقمر
والمالئ السبع الطباق بكل مختلف الصور
ما قال خلق في القرآن بخلقه إلا كفر

لكن كلام منزل ... من عند خلاق البشر ثم قال: اكتبها، فأخذت كتاباً من كتبي وكتبتها فيه، فلما أصبحت وجدت ذلك بخطي على كتاب من كتبي، فجلست في البيت إلى الزوال ثم خرجت فسألني إنسان عما رأيت البارحة، فقلت: ما أخبرت أحداً، فقال: قد شاعت رؤياك في الناس.

الخواص: انتهيت إلى رجل مصروع، فجعلت أؤذن في أذنه، فناداني الشيطان من جوفه: دعني أقتله، فإنه يقول بخلق القرآن.

عمرو بن دينار: أدركت سبعة من الصحابة يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، قلت: قال مالك: يستتاب.

ومنه: كان عضد الدولة يحب العلم والعلماء، فكان مجلسه يحتوي على عدد منهم أكثرهم الفقهاء والمتكلمون، وكان يعقد لهم مجالس للمناظرة، فقال لقاضيه بشر بن الحسن: إن مجلسنا خال من عاقل من أهل الإثبات ينصر مذهبه، فقال: إنما هم عامة يرون الخير وضده، ويعتقدونهما جميعاً، وإنما أراد ذم القوم، ثم أقبل يمدح المعتزلة، فقال عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الأرض من ناصر فانظر، قال: بلغني أن بالبصرة شيخاً يعرف بأبي الحسن الباهلي، وفي رواية أبي بكر ابن مجاهد، وشاباً بابن الباقلاني، فكتب إليهما، فلما وصل الكتاب قال الشيخ: قوم كفرة - لأن الديلم كانوا روافض - لا يحل لنا أن نطأ بساطهم، فقال الشاب: كذا قال ابن كلاب والمحاسبي ومن في عصره: إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس، وجرى عليه ما عرف، ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه بالحجة، وأنت أيضاً أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد. ويقولون بخلق القرآن ونفي الرؤية، وها أنا خارج إن لم تخرج، قال الشيخ: إن شرح الله صدرك لهذا فاخرج، فرد الله به الكرة.

حفظ من كلام النبي ﷺ المنتقى والمرسل أمثال المنزل، ثم انتقي من ذلك صحة وفصاحة ما يبلغ حجم المصحف أو يربي عليه، فهل وجدت فيه ما يشبه أو ينزع إليه أشهد أنه من عند الله، تنزيل من لدنه.

أول إعجاز القرآن الجهل بنوعه من جنس الكلام، فإنه لا يدخل في مضمار الشعر، ولا ينخرط في سلك الخطب، ولا المواعظ والمقامات والكتب، ولا في شيء مما يؤلف التخاطب به، وتعرف فيه طبقات أهل مذهبه، فإن

لم يتبين ما رسمت لك فاعرض كلامك في كل صنف من هذه الأصناف تجد لنفسك مع فحوله حالة القصور أو المماثلة أو الزيادة، ولا تجد لكلامك نسبة إلى القرآن، بل لا تدري ما تقول إن طلب منك البيان، إلا أن تسلب العقل، كمسيلمة وأمثاله ممن ابتلي بالهذيان، وقد تفطن للدلالة كافر غلبت عليه الجهالة، انظر المسيرة.

الزمخشري: ما أعجب شأن الضلال، لم يرضوا للنبوة ببشر، وقد رضوا للإلهية بحجر.

سأل القاضي أبا بكر ملك الروم - حين وجهه عضد الدولة إليه - عن انشقاق القمر، كيف لم يره جميع الناس فقال: لأنهم كانوا على أهبة ووعد، قال: فما النسبة التي بينكم وبين القمر حتى لم يره غيركم من الروم وغيرهم قال: النسبة التي بينكم وبين المائدة حتى رأيتموها دون اليهود والمجوس، فدعا القسيس، فأقر للقاضي، فقال له القاضي: أتقول إن الكسوف يراه جميع أهل الأرض أم أهل الإقليم الذي في محاذاته قال: لا يراه إلا من في محاذاته، قال: فما تنكر من لا يرى انشقاق القمر إلا في تلك الناحية ممن تأهب لذلك قال: هذا صحيح، إلا أن الشأن في مثله أن لا ينقل آحاداً، لكن تواتراً، بحيث يصل العلم الضروري به إلينا وإلى غيرنا، وانتفاء ذلك يدل على افتعال الخبر، فقال الملك للقاضي: الجواب، فقال: يلزمه في نزول المائدة ما ألزمنا في انشقاق القمر، فبهت الذي كفر.

قال ملك الروم للقاضي ابن الطيب في هذه الرسالة: ما تقول في المسيح قال: ولا تقولون إنه ابن الله قال: ما اتخذ الله من ولد، قال: العبد يخلق ويحيي ويبرئ قال: ما فعل المسيح ذلك قط، قال: هذا مشهور في الخلق،

قال: لا، قال: ما قال أحد من أهل المعرفة إن الأنبياء يفعلون المعجزات، لكن الله تعالى يفعلها على أيديهم تصديقاً لهم، قال: إن ذلك في كتابكم، قال: في كتابنا أن كله بإذن الله تعالى، ولو جاز أن يكون ذلك فعل المسيح لجاز أن يقال إن موسى قلب العصا، وأخرج يده بيضاء، وفلق البحر، قال إن الأنبياء من لدن آدم كانوا يتضرعون للمسيح حتى يفعل ما يطلبون، قال: أفي لسان اليهود عظم لا يقولون معه إن المسيح كان يتضرع لموسى، وكذلك أمة كل نبي، لا فرق بين الموضعين في الدعوى.

الجوزي في قوله ﵇ " يوشك أن ينزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " إنما كان الإمام منا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه " لا نبي بعدي ".

كان بالبصرة يهودي يقرر المتكلمين على نبوة موسى، فإذا أقروا جحد نبوة محمد ﷺ، وقال: نحن على ما اتفقنا عليه، إلى أن نتفق على غيره، فسأل أبا الهذيل عن ذلك فقال: إن كان موسى هذا الذي أخبر بمحمد ﷺ وأقر بشرفه وأمر باتباعه فأنا أقر بنبوته، وإن كان غيره فأنا لا أعرفه، فتحير اليهودي، ثم سأله عن التوراة، فقال: إن كانت التي نزلت على موسى المذكور فهي حق، وإلا فهي عندي باطل.

ومنه: قيل للحسن: الملائكة أفضل من الأنبياء فقال: أين أنت من هذه الآية " ولا أقول إني ملك ".

ومنه: وعن عمر وعلي ﵄ أن الحضر لقيهما وعلمهما هذا الدعاء، وذكر فيه خيراً كثيراً لمن قاله في إثر كل صلاة: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ومن لا يتبرم على إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك.

ومنه: سمع إياس يهودياً يقول: ما أحمق المسلمين! يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون، فقال: أوكل ما تأكله تحدثه قال: لا؛ لأن الله تعالى يجعل أكثره غذاء، قال: فما تنكر أن يجعل

جميع ما يأكل أهل الجنة غذاء

الرزية كل الرزية، تضييع أمر المرأة الرندية، وذلك لأنه وردت على تلمسان في العشرة الخامسة من المائة الثامنة امرأة من رندة لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتغوط وتحيض، فلما اشتهر هذا من أمرها أنكره الفقيه أبو موسى ابن الإمام، وتلا " كانا يأكلان الطعام " فأخذ الناس يبثون ثقات نسائهم ودهاتهن إليها، فكشفن عنها بكل وجه يمكنهن، فلم يقفن على غير ما ذكر، وسئلت: هل تشتهين الطعام فقالت: هل تشتهون التبن بين يدي الدواب وسئلت: هل يأتيها شيء فأخبرت أنها صامت ذات يوم فأدركها الجوع والعطش، فنامت فأتاها آت في النوم بطعام وشراب، فأكلت وشربت، فلما أفاقت وجدت نفسها قد استغنت، فهي على تلك الحال، تؤتى في المنام بالطعام والشراب إلى الآن، ولقد جعلها السلطان في موضع بقصره وحفظها بالعدول ومن يكشف عما عسى تجيء أمها به إذا أتت أربعين يوماً، فلم بوقف لها على أمر، بيد أني أردت أن يزاد في عدد العدول، ويجمع إليهم الأطباء، ومن يخوض في المعقولات من علماء الملل المسلمين وغيرهم، ويوكل من نساء الفرق من يبالغ في كشف من يدخل إليها، ولا يترك أحد يخلو بها، وبالجملة يبالغ في ذلك، ويستدام رعيها عليه سنة، لاحتمال أن يغلب عليها طبع فتستغني في فصل دون فصل، ثم يكتب هذا في العقود، ويشاع أمره في العالم، وذلك لأنه يهدم حكم الطبيعة الذي هو أضر الأحكام على الشريعة، ويبين كيفية غذاء أهل الجنة، وأن الحيض ليس من فضلات الغذاء، ويبطل التأثير والتولد، ويوجب أن الاقترانات بالعادات، لا باللزوم، وعند الأسباب، لا بها، إلى غير ذلك، إلا أني لما أشرت انقسم من أشرت عليه بتبليغه إلى من لم يفهم ما قلت، ومن لم يرفع به رأساً، لإيثار الدنيا على الدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقد ذكر أن امرأة أخرى كانت معها على تلك الحالة، وحدثني غير واحد

من الثقات ممن أدرك عائشة الجزيرية أنها كانت كذلك، وأن عائشة بنت أبي يحيى اختبرتها أربعين يوماً أيضاَ، وكم من آية أضيعت، وحجة نسيت. هذا مما لم يعرف مثله قبل المائة الثامنة، وكذلك الوباء العام القريب فروطه، يوشك أن يطول أمره، فينسى ذكره، ويكذب المحدث به إذا انقضى عصره، وكم فيه أيضاً من أدلة، على أصول الملة.

ومنه: قال شيخ صالحي الفقهاء في عصرنا بفاس أبو زرهون عبد العزيز ابن محمد القيرواني رحمه الله تعالى: مات فقير عندنا بالمئذنة، فوجدوا عنده ربطة من دراهم، فوضعوها عند المؤذن، فلما نزل ليلحده سقطت من جيبه في القبر، ولم يشعر حتى واراه، فكشف عنه، فإذا الدراهم قد لصقت ببدنه درهماً إلى درهم كالنجوم، فحاول قلع واحد منها فقامت معه قطعة من لحمه، وتبعها من ذلك المحل ريح منتنة، قال الشيخ: على ذلك وشاهدته ثم ردوا الترب عليه وانصرفوا.

قال عبد الله بن إدريس لغيلان الممرور: متى تقوم الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، غير أنه من مات فقد قامت قيامته، قال: فالمصلوب يعذب عذاب القبر قال: إن حقت عليه الكلمة، وما تدري لعل جسده في عذاب لا تدركه أبصارنا ولا أسماعنا، فإن لله لطفاً لا يدرك، وانظر الحديث " فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم ما أسمع من عذاب القبر ".

ومنه: المازري: مسألة التكفير بالمال مشكلة، وقد اضطرب فيها قول مالك وهو إمام الفقهاء، والقاضي أبي بكر وهو إمام المتكلمين.

الغزالي: لا يقطع بتفكير الفلاسفة إلا في ثلاث مسائل: قدم العالم، ونفي العلم بالجزئيات، وإنكار المعاد البدني وتوابعه القطعية.

أصل الفلاسفة اعتقاد المحسوسات معقولات، والمعتزلة اعتقاد المشهورات قطعيات، ومن ثم قيل لهم: مخنثة الفلاسفة.

لا يكفي التقليد في عقائد التوحيد، لا فرق بين إنسان ينقاد، وبهيمة تقاد.

ومنه: كان أبو هاشم من أفسق الناس، فجلس ذات يوم يعيب الإرجاء وكان في المجلس مرجئ، فأنشد:

يعيب القول بالإرجاء حتىيرى بعض الرجاء من الجرائر
وأعظم من ذوي الإرجاء ذنباًوعيدي يصر على الكبائر كان مالك ينشد كثيراً:

وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع ابن عقيل: يشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقاً، فإن صلاح العالم في إثبات الوعيد واعتقاد الجزاء، فلما لم يكن هذا المائن جحد الصانع لمخالفة العقل، أسقط فائدة الإثبات، وهي الخشية والمراقبة، وهدم سياسة الشريعة، فهم شر طائفة على الإسلام.

سئل مالك عن أشر الطوائف، فقال: الروافض.

بينا ابن المعلم شيخ الرافضة في بعض مجالس المناظرة مع أصحابه أقبل ابن الطبيب فقال: جاءكم الشيطان، فسمعه على بعد، فلما جلس إليهم تلا عليهم ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً﴾ (مريم:).

مالك: أهل السنة من لا لقب له: لا خارجي، ولا قدري، ولا رافضي.

البديع:

يقولون لي: ما تحب الوصيفقلت: الثرى بفم الكاذب
أحب النبي وآل النبيوأختص آل أبي طالب
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقولون لي ما تحب النبي»
وأعطي الصحابة حق الولاءوأجري على السنن الواجب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
فإن كان نصباً ولاء الجميعفإني كما زعموا ناصبي
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
وإن كان رفضاً ولاء الجميعفلا برح الرفض من جانبي
أحب النبي وأصحابهفما المرء إلا مع الصاحب
أيرجو الشفاعة من سبهمبل المثل السوء للضارب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
يوقى المكاره قلب الجبانوفي الشبهات يد الحاطب أخذ البيت الخامس من قول الشافعي:

إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي ومنه: أبو حنيفة: لقيت عطاء فقال لي: ممن أنت فقلت: من أهل الكوفة، فقال: من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً قلت: نعم، قال: فممن أنت منهم قلت: ممن يؤمن بالقدر، ولا يسب السلف، ولا يكفر بالذنب، قال: عرفت، فالزم.

ومنه: الإرادة تطلق على المحبة، وعلى قصد أحد الجائزين بالتخصيص، وكل واحد من المعنيين يوجد بدون الآخر، أما الأول فكقوله:

تريد النفس أن تعطى مناها ... وهو ظاهر، وأما الثاني فكقصد المتوعد بالإهلاك إلى أمر عبده الذي أمره بأمر لينظر امتثاله، ولدقة الفرق بينهما ضل المعتزلة في أمرهما فقالوا: إن الله ﷿ لا يريد المعاصي، لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، قال عمار بن ياسر يوم صفين:

صدق الله وهو للصدق أهلوتعالى ربي وكان جليلا
للشاعر عمار بن ياسر، اقرأ القصيدة

رب عجل شهادة لي بقتل ... في الذي قد أحب قتلاً جميلا ومنه: العبدري: قتل الحسين دعا إلى حرب، وأخذ بثأره كذاب ثقيف، ونوه باسمه أعداء ملة جده بنو عبيد ليقتص من قضية بمثلها، فيقرأ الفهم سورة تلك الصورة، ويتهجى اللبيب حروف تلك الحروب، فيعلم أن الكل آلات مستعملات، حسبما اقتضاه العلم القديم.

ومنه: أبو العباس الأبياني: ثلاث لو كتبت على ظفر لوسعهن، وفيهن خير الدنيا والآخرة: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، اتزع لا تتسع.

ومنه: كانت سكينة بني إسرائيل في التابوت، فغلبوا عليها، وسكينة هذه الأمة في القلوب، فغلبوا بها، استحفظوا كتابهم فحرفوا من أحكامه ووصفه، وحفظ كتابنا فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ومنه: في الصحيح: كان أبو ذر يقسم قسماً أن " هذان خصمان اختصموا في ربهم " نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد، قلت: ففي الآية شهادة من الله تعالى لعلي بالجنة والشهادة، أما الجنة فبنصها، وأما الشهادة فلأنه وصاحبيه استشهدوا، وخصمهم قتلوا، فهي رادة على الخوارج قطعاً.

ومنه: جاز أبو بكر ابن نافع بالكرخ أيام الديلم وقوة الرفض، فقالت له امرأة: سيدي أبا بكر، فقال: لبيك يا عائشة، فقال له: متى كان اسمي عائشة فقال أيقتلونني وتخلصين

وفي آخر هذا الكتاب ما صورته: فهذه جملة تراجم، وفيها مقنع لمن أراد المحاضرة، أو تنميق مجالس المناظرة، وكان الفراغ من جمعها في آخر

يوم من شعبان المكرم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة؛ انتهى ما تعلق به الغرض من بعض كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى في كتابه المحاضرات.

ولنرجع إلى سرد ما بقية تواليفه رحمه الله تعالى فنقول: ومنها " شرح لغة قصائد المغربي الخطيب "، و " مقالة في الطلعة المملكة "، وشرح التسهيل، والنظائر، وكتاب المحرك لدعاوى الشر من أبي عنان، وإقامة المريد، ورحلة المتبتل، وحاشية بديعة جداً على مختصر ابن الحاجب الفقهي، فيها أبحاث وتدقيقات لا توجد في غيرها، وقد وقفت عليها بالمغرب، ومن أشهر كتبه في التصوف كتاب الحقائق والرقائق وهو من الحسن بمكان لا يلحق، وقد شرحه الشيخ الصالح شيخ شيوخ شيوخنا سيدي أحمد زروق ﵁ ونفعنا به.

[نقول من كتاب الحقائق والرقائق للمقري]

وقد سنح لي أن أسرد هنا شيئاً من هذا الكتاب الفذ في بابه فنقول:

قال قيه مولاي الجد رحمه الله تعالى: هذا كتاب شفعت فيه الحقائق بالرقائق، ومزجت المعنى الفائق باللفظ الرائق، فهو زبدة التذكير، وخلاصة المعرفة، وصفوة العلم، ونقاوة العمل، فاحتفظ بما يوحيه إليك فهو الدليل، وعلى الله قصد السبيل.

حقيقة - عمل قوم على السوابق وقوم على اللواحق والصوفي من لا ماضي له ولا مستقبل، فإن كان زجاجياً فبخ بخ.

رقيقة - من لم يجد ألم البعد، لم يجد لذة القرب، فإن اللذة هي التخلص من الألم.

حقيقة - لما انطبعت الصور في مرآة الخيال قال العقل: أنا الملك المكوكب، فقالت الرياضة: الزمني وتعرف قدرك، فإذا العقل عقال.

رقيقة - من ضحك في نوم الغفلة بكى عند الانتباه، فإن الأضغاث أضداد.

حقيقة: أثر الزهد عقل دن سقراط على سراج غوطة أبي نصر، فقيل: فأين اعتبار " أفلا ينظرون " فقال: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون ".

رقيقة: طالب الدنيا يخاف الفوت، وصاحبها يترقب الزوال ولو بالموت، فإذا حمي الوطيس، وحج الرئيس، أنشأ الزاهد بينهما ينشد:

عزيز النفس لا ولد يموت ... ولا أنس يحاذره يفوت حقيقة - العابد طالب رياسة وحرمة، والزاهد صاحب نفاسة وهمة، والمعنى للعارف يعادي في لله تعالى ويوالي، ويرضي الله ولا يبالي.

رقيقة - من سابق سبق ومن رافق ارتفق، ومن لاحق التحق والعجز والكسل مقدمتا الخيبة، و:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... حقيقة - العمل دواء القلب، وإذا كان الدواء لا يصلح إلا إذا كان على حمية البدن، فكذلك العمل لا ينجح إلا بعد صوم النفس، فارق نفسك وتعال.

رقيقة - مثل دواعي الخير والشر في الإنسان كمثل الخلط الفاعل والقوة الدافعة في العليل، تغلب القوة فيسكن الخلط فيجد الراحة، وعن قليل يتحرك فيجد الألم.

حقيقة - العمل على السلامة مسالمة، وعلى الغنيمة تجارة، وعلى الأمر قرض، فيضاعف له أضعافاً كثيرة.

رقيقة - تطهر من أدناس هواك، وتزين بلباس تقواك، وقم لمسجد انقطاعك

على قدم شكواك، وأحرم بتوجيه قلبك إلى قبلة نجواك، تجد الحق عندك وليس بسواك.

حقيقة - وجد العارف فجاد بنفسه، فوجد الله عنده، وتواجد المريد فحاكى، ومن لم يبك تباكى.

رقيقة - زك نفسك لقلبك، تزك عند ربك، بعها منه رخيصة، فهي على ثمنها لديه حريصة " إن الله اشترى..... ".

حقيقة - الزوال وقت المناجاة، فطهر قلبك قبله من الحاجات، وإياك والحظ، فذهاب نقطته أسرع من اللحظ.

رقيقة - الزاد لك وهو مكتوب، والزائد عليك وهو مسلوب، فأجمل في طلب المضمون، ولا تلزم نفسك صفقة المغبون.

حقيقة - أمر بالتوكل لتقصر الطرف عليه، وأذن في التسبب لتنصرف منه إليه، فذاك مخبر بحقيقة التفرد وهذا مظهر لحكمة التعبد.

رقيقة - الملك أبو الدنيا، وهو مع ذلك محبوس فيها، تبهم عليه الأبواب، ويستدعي الحراس والحجاب، فإذا خرج حدقت إليه الألحاظ وأحدقت بجهاته الحفاظ، أي حظ حظ من فقد نعمة " فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ".

حقيقة - قال صاحب الزهر الأنيق: علا مات المحبة أربع الإفلاس، والاستئناس، والأنفاس، والوسواس. قلت: الإفلاس التجرد إلا عنه كالخليل، والاستئناس التوحش إلا منه كالكليم، والأنفاس والوسواس صلة الاسم وعائده.

رقيقة - ذكر مذكر بمالقة، فقام الخطيب الشيخ الولي أبو عبد الله الساحلي بهذا البيت:

ليت شعري أفي زمام رضاكمكتب اسمي أم في زمام الهوان

وكنت يوماً مع السلطان والجند يعرضون عليه، وكان يسقط ويثب، وأنا أتفكر في البيت، حتى خفت أن أفتضح، فقلت: واهماه من هذا الإبهام! ثم كدت أخلد بقبح العمل إلى الأرض فينشلني حسن الظن بالله ﷿ فأنهض:

إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم حقيقة - إذا قابل إبرة القلب مغناطيس الحسن صبا فانجذب، فإذا اتصل عشق فانقطع، فإذا انجد فني فبقي، حاشا الصوفي أن يموت.

رقيقة - افتخر الغراب بإقامة قرآن الفجر، حتى تغسل بول الشيطان من أذنك، فطرب الديك فرحاً بالفوز، وندب العصفور ندماً على الفوت.

حقيقة - الخلوة بيت الاعتبار، وفي بيته يؤتى الحكم، وباب هذا البيت العلم " وائتوا البيوت من أبوابها ".

رقيقة - واقع فقير هناة، ثم دخل خلوته، فبدت له نفسه بوجه مومسة، فقال: ما أنت قالت أم الحياة، فقال: ما أجمل أن تبدل هائك همزة، فقالت: إذن لم تصنع ما شئت، فانتبه لقرع العتاب، فتاب.

حقيقة - القلب إيوان الملك ويسعني، وعز الملك يأنف عن ذل المزاحمة، أنا أغنى الشركاء عن الشرك.

رقيقة - لما وضع البسطامي أوزار حوبه، فك طابع الصحيفة عن قلبه، فلم يجد بها غير الطفرى، فصاح بنفسه لك البشرى، انزل طيفور عما تريد، ليس في الدار أبو يزيد.

حقيقة - قال شيخنا أبو هادي يوماً لأصحابه: بماذا يرتقي العبد عن مقامه إلى

مقام أعلى منه قالوا: بفضل الله ورحمته، فقال: إنما أسألكم عن السبب الخاص بهذا الأمر، قالوا: ما عند الشيخ قال: يخلق الله له همة فيرتقي بها إلى رتبة أسمى من رتبته.

ومن هذا الكتاب: حقيقة: التفت إلى مواهب الملوك تجدهم إنما يوسعون فيما قد يسترجعون، فأما العلماء وكل من يعطي بحق فإنما يعطون بقصد " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم " واصبر نفسك دونهم فعن قريب تنصرف عنهم.

رقيقة - قلت لقلبي: كيف تجدك فقال: أما من أمارتك ففي عناء الجهاد، وأما من لوامتك فعلى جمر الصبر، قلت: فمتى الراحة قال: إذا اطمأنت النفس، فاضمحل الوهم وغاب الحس.

حقيقة - قطع السوى طهارة المنيب، ولا يقبل الله صلاة بغير طهور، وكتابه النحيب، والمكاتب عبد ما بقي عليه، وبابه الدخول على الحبيب.

نظر رجل إلى امرأة عفيفة فقالت: يا هذا غض بصرك عما ليس لك، تنفتح بصيرتك فترى ما هو لك.

رقيقة - لما حنكت الطينة بتمر الجنة، وغذيت بلبانها، فطرت على محبتها - انظروا إلى حب الأنصار التمر - فلم تطق الفطام عنها.

وتأبى الطباع على الناقل ... فذاك ما تجد من الحنين إلى التلاق، والأنين على الفراق، والشغف بمدح العابر، وذم الغابر، وفي ذلك:

كم أردنا ذاك الزمان بمدح ... فشغلنا بذم هذا الزمان وإن لم تعرف عصراً خالياً، ولا خلاً نائياً، لم يمر عليك مما تشتهيه، أطيب مما أنت فيه:

كم منزل في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبداً لأول منزل ومنه:
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»

حقيقة - قيل: عرض الكليم بطلب القوت في رحلة الهجرة " إني لما أنزلت إلي من خير فقير " فحمل على كاهل " إن أبي يدعوك " وصرح في سفر التأديب " لو شئت لاتخذت عليه أجراً " فحمل على كاهل " هذا فراق بيني وبينك " قلت: لما تمحض الطلب له اكتفى، فلما تعلق حق الغير به وفى، ولذلك قضى أبا المرأتين الأجلين.

رقيقة - كان قد خرق السفينة إراءة لكرامة " فاقذفيه في اليم " في مرآة ﴿وكان وراءهم ملك﴾ (الكهف:).

وربما صحت الأجسام بالعلل ... وقتل الغلام إشارة إلى اشتمال قتله " فقضى عليه " على رحمة " فنجيناك من الغم " برمز " فخشينا أن يرهقهما " والمحن الصم حبائل المنح، وإقامة الجدار إثارة لفتوة " فسقى لهما " ليخفض له جناح " إني لما أنزلت إلي من خير فقير " فيستظل من حر " لو شئت لاتخذت عليه " في نية " هذا فراق بيني وبينك "

حقيقة: قيل لمحمد بن حسن الزبيدي التونسي وأنا عنده بها: كيف لم يصبر الكليم وقد ناط الصبر بالمشيئة " ستجدني إن شاء الله صابراً " وقد جاء في الصحيح في قصة سليمان ﵇ " لو قال إن شاء الله لكان كما قال " والمقام الموسوي أجل " واصطنعتك لنفسي " وطلابه أفضل ما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر، فقال: كان موسى على علم من علم الله، وهو علم المعاملة، لا يعلمه الخضر، وكان الخضر على علم من علم الله لا يعلمه موسى، فلم يظن أن ما لم يحط به خبراً يأباه حكم الظاهر، وإلا كيف يلتزم الصبر عليه، وقد أمر بصرف الإنكار إليه " ما منعك إذ رأيتهم ضلوا " بل لم يعد مثله من ملاقاة المشاق، فيما كان عليه الخضر من اختراق الآفاق، وركوب الطباق، فما عقله بقوله، فقد صدقه بفعله، وما لم يستطع عليه صبراً، فلم يدخل في التزامه اعتقاداً ولا ذكراً.

رقيقة - قال لي عبد الرحمن بن يعقوب المكتب: كان عندنا بالساحل سائح هجيراه: إلهي بسطت لي أملي، وأحصيت علي عملي، وغيبت عني أجلي، ولا أدري إلى أي الدارين يذهب بي، لقد أوقفتني موقف المحزونين ما أبقيتني.

حقيقة - تنازع القلب والنفس الخلق، فقسمها بينهما قاضي العقل، فمن باع منهما حظه فلا شفعة لصاحبه عليه.

ومنه:

حقيقة - الحجب ثلاثة: فحجاب الغيرة منع، وحجاب الحيرة دفع، وحجاب الغفلة قطع " أولئك كالأنعام بل هم أضل "

رقيقة - اللحم أيام التشريق مكروه، وكل لذة عند أرباب الدنيا كاللحم عندك أيام الأضحى، فلا ترينك الغفلة عن سرك زيادة النعمة عندك.

حقيقة - الفقر إلى الله الاستغناء به عما سواه، وهوية الرضى بالله أن لا يخطر بالبال إلاه.

ومنه:

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.