تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع إلى ما كان بصدده (٣)

وابن سلبطور هو: محمد بن محمد بن أحمد بن سلبطور الهاشمي.

قال في الإحاطة ": من أهل المرية يكنى أبا عبد الله من وجوه بلده وأعيانه نشأ نبيه البيت ساجباً بنفسه وبما له ذيل الحظوة متحلياً بخصل من خط وأدب وزيراً متجنداً ظريفاً درباً على ركوب البحر وقيادة الأساطيل ثم انحط في هواه انحطاطاً أضاع مروءته واستهلك عقاره وهد بيته وألجأه أخيراً إلى اللحاق بالعدوة فهلك بها.

وجرى ذكره في الإكليل بما نصه مجموع شعر وخط وذكاء عن

درجة الظرفاء غير منحط إلى مجادة أثيلة البيت شهيرة الحي والميت نشأ في حجر الترف والنعمة محفوفاً بالمالية الجمة فلما عقل عن ذاته وترعرع بين لداته أجرى خيول لذاته فلم يدع منها ربعاً إلا أقفره، ولاعقاراً إلاعقره حتى حط بساحلها واستولى بسفر الإنفاق على جميع مراحلها إلا انه خلص بنفس طيبة وسراوة سماؤها صيبة وتمتع ما شاء من وزير وبم وتأنس لم يعط القياد لهم وفي عفوالله سعة وليس مع التوكل عليه ضعة.

شعره - من شعر قوله يمدح السلطان وأنشدها إياه بالمضارب من وادي الغيران عند قدومه المرية:

أثغرك أم سمطٌ من الدر ينظموريقك أم مسكٌ به الراح تختم
ووجهك أم بادٍ من الصبح نيرٌوفرعك أم داج ٍمن الليل مظلم
أعلل منك الوجد والليل ملتفيوهل ينفع التعليل والخطب مؤلم
وأقنع من طيف الخيال بزورةٍلو أن جفوني بالمنام تنعم ثم سرد لسان الدين القصيدة وهي طويلة

ثم قال ومن شعره مذيلاً على البيت الأخير حسبما نسب إليه ببلده:

نامت جفونك يا سؤلي ولم أنموما ذاك إلا لفرط الوجد والسقم
أشكو إلى الله ما بي من محبتكمفهو العليم بما ألقى من الألم
إن كان سفك دمي أقصى مرادكمفما غلت نظرةٌ منكم بسفك دمي ومما ينسب إليه كذلك:
قف بي ونادِ بين تلك الطلولأين الألى كانوا عليها نزول
أين ليالينا بهم والمنىنجنيه غضا ًبالرضى والقبول
لا حملوا بعض الذي حملوايوم تولت بالقباب الحمول

إن غبتم يا أهل نجد ففي ... قلبي أنتم وضلوعي حلول ثم قال: ناب في القيادة البحرية عن خاله القائد أبي علي الرنداحي، وولي أسطول المنكب برهة، وتوفي بمراكش عام خمسة وخمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى؛ انتهى.

[من ابن راجح إلى لسان الدين]

وقال لسان الدين: كتب إلي أبوعبد الله ابن راجح التونسي بما يظهر من أبياته، وهي:

أما والذي لي في حلاك من الحمدومالك ملاكي لدي من الرفد
لقد أشعرتني النفس أنك معرضعن المسرف الآتي لفضلك يستجدي
فإن زلة مني بدت لك جهرةفصفحاً فما والله أذنبت عن قصد [جواب لسان الدين]

فراجعته بقولي:

أجلك عن عتب يغض من الودوأكرم وجه العذر منك عن الرد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أجلك عن عتب يغض من الود»
ولكنني أهدي إليك نصيحتيوإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أجلك عن عتب يغض من الود»
إذا مقول الإنسان جاوز حدهتحولت الغراض منه إلى الضد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أجلك عن عتب يغض من الود»
فأصبح منه الجد هزلاً مذمماًوأصبح منه الهزل في معرض الجد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أجلك عن عتب يغض من الود»
فما اسطعت قبضاً للعنان فإنهأحق السجايا بالعلاء وبالمجد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أجلك عن عتب يغض من الود»

[ترجمة ابن راجح]

وقال في " الإحاطة " في حق ابن راجح المذكور ما محصله: محمد بن علي بن الحسن بن راجح، باعترافه " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الزمر:، الإسراء:، والأنعام:) تونسي، أبوعبد الله، يعرف بابن راجح، صاحب رواء وأبهة، نظيف البزة، فاره المركب، مطفف مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى أماد التوغل، سخي السان بالثناء ثرثاره، مرسل لعنانه في كل المحافل، متواضع متودد فكه مطبوع حسن الخلق عذب الفكاهة، مخصوص حيث حل من الملوك والأمراء بالإثرة، وممن دونهم بالمداخلة والصحبة، ينظم الشعر ويحاضر بالأبيات، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة، والأخذ عن أولي الرواية، قدم الأندلس عام خمسين وسبعمائة مفلتاً من الوقيعة بالسلطان ابي الحسن، فمهد له سلطانها كنف بره، وآواه لإلى سعة رعيه، وتأكدت بيني وبينه صحبة.

[من لسان الدين إلى ابن راجح]

كتبت إليه أول قدومه بما نصه أحذوحذوأبيات ذكر أن شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها:

أمن الغربي نفحة بارحسرت منه أرواح الجوى في الجوارح
قدحت بها زند الغرام وإنماتجافيت في دين السلو لقادح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
وما هي إلا نسمة حاجريةرمى الشوق منها كل قلب بقادح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
رجحنا من غير شك كأنهاشمائل أخلاق الشريف ابن راجح
فتى هاشم سبقاً إلى كل غايةوصبراً، مغار الفتل في كل فادح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
أصيل العلا جم السيادة، ذكرهطراز ندار في برود المدائح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
وفرقان مجد يصدع الشك نورهحبا الله منه كل صدر بشارح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
وفارس ميدان البيان إذا انتضىصحائفه أنست مضاء الصفائح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
رقيق كما راقتك نغمة ساجعوجزل كما راعتك صولة جارح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
إذا ما أحتبى مستحضراً في بلاغةوخوض خضيم القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل نحوهأسنة حرب للعيون اللوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادعولا ذهبت منه بحمة ناصح
تذكرت قساً قائماً في عكاظهوقد غص بالشم الأنوف الجحاجح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
ليهنك شمس الدين ما حزت من علاخواتمه موصولة بالفواتح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
رعى الله ركباً أطلع الصبح مسفراًلمرآك من فوق الربى والبطائح
ولله ما أهدته كوماء أوضعتبرحلك في قفر عن الأندلس نازح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
أقول لقومي عندما حط كورهاوساعدها السعدان وسط الأباطح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
ذروها وأرض الله لا تعرضوا لهابمعرض سوء فهي ناقة صالح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
إذا ما أردنا القول فيه فمن لنابطوع القوافي وانبعاث القرائح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
بقيت مني نفس وتحفة قادمومورد ظمآن وكعبة مادح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أمن جانب الغربي نفحة بارح»
ولا زلت تلقى البر والرحب حيثماأرحت السرى من كل غاد ورائح [جواب ابن راجح]

فأجابني بما نصه:

أمن مطلع الأنوار لمحة لامحتعاد لمفؤود عن الحي نازح
وهل بالمنى من مورد الوصل يرتويغليل عليل للتواصل جانح
فيا فيض عين الدمع مالك والحمىورند الحمى والشيح شيح الأشايح
مرابع آرامي ومورد ناقتيفسقياً لها سقياً لناقة صالح
سقى الله ذاك الحي ودقاً فإنهحمى لمحات العين عن لمح لامح
وأبدى لنا حر الخيام تزف فيحلى الحسن والحسنى وحلي الملامح
ترى حي تلك الحور للحور مهيعيدل، وهل حسم لداء التبارح
ويا دوحة الريحان هل لي عودةلعفر عفار الأندلس بين الأباطح
وهل أنت إلا حلة حاتميةتغص نواديها بغاد ورائح
أقام بها الفخر الخطيب منابراًلترتيل آيات الندى والمنائح
وشفع بالإنجيل حمد مديحهوأوتر بالتوراة شفع المدائح
وفرق بالفرقان كل فريقةنأت عن رشاد فيه محض النصائح
وهل هو إلا للبرية مرشدلكل هدى هاد لأرجح راجح
فبشرى لسان الدين ساد بك الورىوأورى الهدى للرشد أوضح واضح
متى قلت لم تترك مقال لقائلوإن لم تقل لم يغني مدح لمادح
فمن حام بالحي الذي أنت ربهوعام ببحر من عطاياك طافح
يحق له أن يشفع الحمد بالثناويغدو بذاك البحر أسبح سابح
ويا فوز ملك دمت صدر صدروهوبشرى له قد راح أربح رابح
بآرائك اللاتي تدل على الهدىويبدي لمن خصصت سبل المناجح
ملكت خصال السبق في كل غايةوملكت ما ملكت يا ابن الجحاجح
مطامح آمال لأشرف همةأقل مراميها أجل المطامح
فدونكها يا مهدي المدح مدحةأجبت بها عن مدح أشرف مادح
تهنيك بالعام الذي عم مدحهمواهب هاتيك البحار الطوافح
فخذها سمي الفخر يا خير مسبلعلى الخلق إغضاء ستور التسامح
ودم خاطب العليا بها خير خاطبوأتوق تواق واطمح طامح [بقية ترجمة ابن راجح]

ثم قال لسان الدين: توفي يوم الخميس ثالث شعبان سنة خمس وستين وسبعمائة، وقد ناهز السبعين، ودفناه بروضتنا بباب إلبيرة، وأعفي شارب الشعر من ثاني مقصه، عفا الله تعالى عنا وعنه؛ انتهى.

قلت: رأيت بخط البدر البشتكي في اختصاره لإحاطة لسان الدين وسماه بمركز الإحاطة في هذا المحل ما نصه: قال كاتبه: لو وفق الله تعالى هذا الرجل لم يجب عن مثل تلك الحائية بهذا الهذاء، ولعل ما في كتاب أبي البركات الذي اسمه شعر من لا شعر له أنزل من هذه الطبقة؛ انتهى.

ولقد أشار لسان الدين لهذا بقوله السابق: وأعفي شارب الشعر من ثاني مقصه، فلله دره من لوذعي زان خاتم البراعة بفصه، فلكم له من عبارة وجيزة يقضي بها ما لم يستطع غيره أن يعبر عنه بإطنابه، فعلى كل من يروم التعبير، عما في الضمير، أن يتمسك بأطنابه.

وقال ابن خاتمة: حدثني الشريف الأديب أبوعبد الله ابن راجح التونسي مقدمه علينا بالمرية قال: سجن القاضي أبوعبد الله ابن عبد السلام شاباً وسيماً لحق تعين عليه، فأنشدته مداعباً:

أقاضي المسلمين حكمت حكماًغدا وجه الزمان له عبوسا
للشاعر أبو الحسن بن خروف، من قصيدة «أقاضي المسلمين حكمت حكماً»

سجنت على الدراهم ذا الجمال ... ولم تسجنه إذ غصب النفوسا فأجابني بأن قال: إنما شكاه لي أرباب الدراهم، دون أرباب النفوس؛ انتهى.

رجع إلى ما خوطب به لسان الدين رحمه الله تعالى:

[من العشاب إلى لسان الدين]

ومما خاطبه به أبوعبد الله العشاب التونسي في بعض الأعياد قوله:

بيمن أبي عبد الإله محمدتيمّن هذا القطر وانسجم القطر
أفاض علينا من جزيل عطائهبحوراً تديم المدّ ليس له جزر
وآنسنا لمّا عدمنا مغانياًإذا ذكرت في القلب ليس لها ذعر
هنيئاً بعيد الفطر يا خير ماجدكريم به تسموالسيادة والفخر

ودمت مدى الأيام في ظل نعمة ... تطيع لك الدّنيا ويعنولك الدهر [من محمد بن محمد بن عبد الملك المراكشي إلى لسان الدين]

وقال لسان الدين في ترجمة ابن عبد الملك المراكشي ماصورته: وخاطبني بقوله:

وليت ولايةً أحسنت فيهاليعلم أنها شرفت بقدرك
وكم والٍ أساء فقيل فيهدني القدر ليس لها بمدرك وقال أيضاً يخاطبني في المعنى:
وليت فقيل أحسن خير والففاق مدى مداركها بفضله
وكم وال أساء فقيل فيهدنا فمحا محاسنها بفعله [ترجمة ولد ابن عبد الملك]

وفي الإحاطة ما محصلّه أن المذكور محمد بن محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاري الأوسي، كان شديد الإنقباض، محجوب المحاسن، تنبوالعين عنه جهامة ووحشة ظاهر وغرابة شكل، وفي طي ذلك أدب غضّ، ونفس حرّة، وحديث ممتع، وأبوّة كريمة، أحد لصابرين على الجهد، المستمسكين بأسباب الحشمة، الراضين بالخصاصة، وأبوه قاضي القضاة نسيج وحده الإمام العالم التاريخي المتبحر في الآداب، تقلبت به أيدي الليالي بعد وفاته لتبعة سلطت على نشبه، فاستقر بمالقة مقدوراً عليه، لا يهتدي لمكان فضله إلا من عثر عليه، ومن شعره قوله:

من لم يصن في أمل وجههعنك فصن وجهك عن ردّه

واعرف له الفضل وعرّف له ... حيث أحل النفس من قصده ثم قال: توفي في ذي القعدة عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.

[من المكودي إلى لسان الدين]

ومما مدح به لسان الدين قول أبي عبد الله محمد المكودي الفاسي رحمه الله تعالى:

رحماك بي فلقد خلدت في خلديهوىً أكابد منه حرقة الكبد
حللت عقد سلوي عن فؤادي إذحللت منه محل الروح من جسدي
مرآك بدري، التذاذ فميودين حبّك إضماري ومعتقدي
ومن جمالك نور لاح في بصريومن ودادك روح حل في خلدي
لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبراًفقبل حبك كان الصبر طوع يدي
وهاك جسمي قد أوحى النحول بهفلوطلبت وجوداَ منه لم تجد
بما في طرفك من غنج ومن حوروما بثغرك من در ومن برد
كن بين طرفي وقلبي منصفاً فلقدحابيت بعضهما فلعدل ولا تحد
فقال لي: قد جعلت القلب لي وطناًوقد قضيت على الأجفان بالسهد
وكيف تطلب عدلً والهوى حكموحكمه قط لم يعدل على أحد
من لي بأغيد لا يرثي لذي شجنوليس يعرف ما يلقاه ذو كمد
ما كنت من قبل إذعاني لسطوتهإخال أن الرشا يسطوعلى الأسد
إن جاد بالوعد لم تصدق مواعدهفإن قنعت بزور الوعد لم يعد
شكوته علتي منه فقال: ألاسر للطبيب فما برء الضنى بيدي
فقلت: إن شئت برئي أوشفى ألميفبارتشاف لماك الكوثري جد

وإن بخلت فلي مولى يجود على ... ضعفي ويبرئ ما أضنيت من جسدي وخرج بعد هذا إلى مدح لسان الدين فأطال وأطاب، وكيف لا وقد ملأ من إحسانه الوطاب، رحم الله تعالى الجميع.

[من اليتيم إلى لسان الدين]

وقال لسان الدين: كتبت إلى عبد الله اليتيم أسأل منه ما أثبت في كتاب " التاج " من شعره، فكتبت إلي بهذه الأبيات:

أما الغرام فلم أخلل بمذهبهفلم حرمت فؤادي نيل مطلبه
يا معرضاً عن فؤاد لم يزل كلفاًبحبه، ذا حذار من تجنبه
قطعت عنه الذي عودته فغداوحظه من رضاه برق خلبه
أيام وصلك مبذول، وبرك بيمجدد، قد صفا لي عذب مشربه
وسمع ودك عن إفك العواذل فيشغل وبدر الدجى ناس لمغربه
لا أنت تمنعني نيل الرضا كرماًولا فؤادي بوان في تطلبه
لله عرفك ما أذكى تنسمهلو كنت تمنحني استنشاق طيبه
أنت الحبيب الذي لم أتخذ بدلاًمنه وحاشا لقلبي من تقلبه
يا ابن الخطيب الذي قد فقت كل سناأزال عن ناظري إظلام غيهبه
محمد الحسن في خلق وفي خلقأكملت باسمك معنى الحسن فازه به
حضرت أوغبت مالي عن هواك غنىلا ينقص البدر حسناً في تغيبه
سيان حال التداني والبعاد، وهللمبصر البدر نيل في ترقبه
يا من أحسن ظني في رضاه وماينفك يهدي قبيحاً من تغضبه
إن كان ذنبي الهوى فالقلب مني لايصغي لسمع ملام من مؤنبه [من لسان الدين إلى اليتيم]

فأجبته بهذه الرسالة، وهي ظريفة في معناه: يا سيدي الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقيتها باليدين، وإذا قسمت سهام وداده على ذوي اعتقاده كنت صاحب الفريضة والدين، دام بقاؤك لطرفة تبديها، وغريبة تردفها بأخرى تليها، وعقيلة بيان تجليها، ونفس أخذ الحزن بكظمها، وكلف الدهر بشت نظمها، تؤنسها وتسليها، لم أزل أشد على بدائعك يد الضنين، وأقتني

درر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدر الثمين، والأيام بلقائك تعد ولا تسعد، وفي هذه الأيام انثالت علي سماؤك بعد القحط، وتواترت لدي آلاؤك على شحط، وزارتني من عقائل بيانك كل فاتنة الطرف، عاطرة العرف، رافلة في حلل البيان والظرف، لوضربت بيوتها بالحجاز، لأقرت لها العرب العاربة بالإعجاز، ما شئت من رصف المبنى، ومطاوعة اللفظ لغرض المعنى، وطيب الأسلوب، والتشبث بالقلوب غير أن سيدي أفرط في التنزل وخلط المخاطبة بالتغزل وراجع الالتفاف ورام استدراك مافات ويرحم الله تعالى شاعر المعرة فلقد أجاد في قوله وانكر مناجاة الشوق بعد انصرام حوله:

أبعد حول تناجي الشوق ناجيةٌ ... هلاة نحن على عشرٍ من العشر " ولقد تجاوزت في الأمد وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصمد فأقسم بألفات القدود وهمزات الجفون السود وحامل الأرواح مع الألواح بالغدووالرواح لولا بعد مزارك ما أمنت غائلة ما تحت إزارك ثم إني حققت الغرض وبحثت عن المشكل الذي عرض فقلت للخواطر انتقال ولكل مقام مقال وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات ثم رفع اللبس خبر الثقات ".

ومنها - " وتعرفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التكتيب والتعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لاحظ

اللاحظ ما قال الجاحظ، فاعتراض لا يرد وقياس لا يطرد حبذا والله عيش التأديب فلا بالضنك ولا بالجديب معاهدة الإحسان ومشاهدة الصور الحسان. يميناً إن المعلمين لسادة المسلمين وإني لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب أمراء فوق المراتب من كل مسيطر الدرة متقطب الأسرة متنمر للوارد تنمر الهرة يغدوإلى مكتبه كالأمير في موكبه حتى إذا أستقل في فرشه، واستوى على عرشه وترنم بتلاوة قالونه وورشه، أظهر للخلق احتقار أوأزرى بالجبال وقاراً ورفعت إليه الخصوم ووقف بين يديه الظالم والمظلوم فتقول كسرى في إيوانه والرشيد في أوانه أوالحجاج بين أعوانه فإذا استولى على البدر السرار وتبين للشهر الغرار تحرك إلى الخرج تحرك العود إلى الفرج استغفر الله مما يشق على سيدي سماعه وتشمئز من ذكره طباعه شيم اللسان خلط الإساءة بالإحسان والغفلة من صفات الإنسان فأي عيش كهذا العيش وكيف حال أمير هذا الجيش طاعة معروفة ووجوه إليه مصروفة فإن أشار بالإنصات لتحقق القصات فكأنما طمس على الأفواه ولأم بين الشفاه وإن أمر بالإفصاح وتلاوة الألواح علا الضجيج والعجيج وحف به كما حف بالبيت الحجيج وكم من بين ذلك رشوة تدس وغمزة لا تحس ووعد يستنجز وحاجة تستعجل وتحفز هنأ الله سيدي ما خوله أنساه بطيب أخراه أوله وقد بعثت بدعابتي مع إجلال قدره والثقة وبسعة صدره فليتها بيمينه ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه ويفرغ لمراجعتها وقتاً من أوقاته عملاً بمقتضى دينه وفضل يقينه؛ والسلام ".

[ترجمة أبي عبد الله اليتيم]

ثم قال ومن المداعبة التي وقعت إليها الإشارة ما كتب به إليه صديقه أبوعلي ابن عبد السلام:

أبا عبد الإله نداء خلوفي جاء يمنحك النصيحة
إلى كم تألف الشبان غياًوخذلاناً أما تخشى الفضيحة فأجبه بقوله:
فديتك صاحب السمة المليحهومن طابت ارومته الصريحة
ومن قلبي وضعت له محلاًفما عنه يحل بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكابواكبادي لفرقتكم قريحة
وطرفي لا يتاح له رقادٌوهل نومٌ لأجفانٍ جريحه
وزاد تشوقي أبيات شعرٍأتت منكم بألفاظٍ فصيحه
ولم تقصد بها جداً ولكنقصدت بها مداعبة وقيحه
فقلت أتألف الشبان غياًوخذلاناً أما تخشى الفضيحة
ففيهم حرفتي وقوام عيشيوأحوالي بخلطتهم نجيحه
وامري فيهم أمرٌ مطاعٌوأوجههم مصابيحٌ صبيحة

وتعلم أنني رجلٌ حصور ... وتعرف ذاك معرفةً صحيحة ثم قال لسان الدين - بعد إيراده ما مر - ما صورته ولم اشتهر المشيب بعارضه ولمته وخفر الدهر بعهود صباه وأذمته أقلع استرجع وتألم لما فرط وتوجع وهوالآن من جلة الخطباء طاهر العرض والثوب خالص

من الثوب بادٍ عليه قبول قابل التوبة وتوفي في أخريات صفر سنة خمسين وسبعمائة في الطاعون رحمه الله تعالى وغفر له؛ انتهى.

واليتيم المذكور هوأبوعبد الله بن محمد بن علي العبدري المالقي وفي حقه يقول لسان الدين في التاج ما مثاله: هومجموع أدوات حسان من خط ونغمة لسان أخلاقه روض تتضوع نسماته وبشره صبح تتألق قسماته ولاتخفى سماته يقرطس أغراض الدعابة ويصميها ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها فكلما صدرت في عصره هازلة أوأبيات منحطة عن الإجادة نازلة خمس أبياتها وذيلها وصرف معانيها وسيلها وتكها سمر الندمان وأضحوكة الأزمان وهوالآن خطيب المسجد الأعلى بمالقة متحل بوقار وسكينة حال من أهلها بمكانة مكينة لسهولة جانبه واتضاح مقاصده في الخير ومذاهبه واشتغل لأول أمره بالتكتيب وبلغ الغاية في التعليم والترتيب والشباب لم ينصل خضابه ولا سلت للمشيب عضابه ونفسه بالمحاسن كلفة صبة وشأنه كله هوى ومحبة ولذلك ماخاطبه بعض أودائه وكلاهما رمى أخاه بدائه حسبما يأتي خلال هذا المقول وفي أثنائه؛ انتهى.

وذكر نحوما تقدم ذكره سامح الله الجميع بفضله

[مخاطبة الكرسوطي للسان الدين]

وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي الفاسي نزيل مالقة ما صورته: وأنشدني وأنا بمالقة أحاول لوث العمامة وأستعين بالغير على الإحكام لها:

أمعممّاً قمراً تكامل حسنهأربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممّن لديك زيادةًفالبدر لا يمتار من نور السها [ترجمة ابي عبد الله الكرسوطي]

قال لسان الدين: وهوفقيه محدث متكلم، ألف كتباً منها الغرر في تكميل الطرر، طرر أبي إبراهيم الأعرج، ثم كتاب الدرر في إختصار الطّرر، المذكور، وتقييدان على الرسالة كبير وصغير، ولخص التهذيب لابن بشير، وحذف أسانيد المصنفات الثلاثة، والتزم إسقاط التكرار، واسترك الصحاح الواقعة في الترمذي على البخاري ومسلم، وقيد على مختصر الطليطلي، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عيّاض بن موسى برسم ولدي، ويصدر منه الشعر مصدراً لاتكنفه منه العناية، وكانت له اليد الطولى في عبارة الرؤيا، ومولده بفاس عام تسعين وستمائة، انتهى ملخصاً.

[مخاطبة ابن الزبير للسان الدين]

وقال في ترجمة أبي عمروبن الزبير ما صورته: ومما خاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة قوله:

نوالي الشكر للرحمن فرضاًعلى نعم كست طولاً وعرضا
وكم لله من لطف خفيلنا منه الذي قد شا وأمضى
بمقدمك السعيد أتت سعودننال بها نعيم الدهر محضا
فيا بشرى لأندلس بما قدبه والاك بارينا وأمضى
ويا لله من سفر سعيدقد أقرضك المهيمن فيك قرضا
ورحت بنية أخلصت فيهافأبت بكل ما يبغى ويرضى
وثبت لنصرة الإسلام لمّاعلمت بأن الأمر إليك أفضى
لقد أحييت بالتقوى رسوماًكما أرضيت بالتمهيد أرضا
وقمت بسنة المختار فيناتمهد سنة وتقيم فرضا
ورضت من العلوم الصعب حتىجنيت ثمارها رطباً وغضاً
فرأيك راجح فيما تراهوعزمك من مواضي الهند أمضى
تدبر أمر مولانا فيلقى المسيء لديك إشفاقاً وإغضا
فأعقبنا شفاء وانبساطاًوقد كانت قلوب الناس مرضى
ومن أضحى على ظماء وأمسىيرد إن شاء من نعماك حوضا
أبا عبد الإله إليك أشكوزماني حين زاد الفقر عضا
ومن نعماك أستجدي لباساًتفيض به علي الجاه فيضا
بقيت مؤملاً ترجى وتخشىومثلك من إذا جاد أرضى [ترجمة أبي عمرو ابن الزبير]

وأبوعمرو المذكور هومحمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزبير، أبوه الأستاذ أبوجعفر ابن الزبير، أستاذ الزمان شيخ أبي حيان وغيره، وقال في الإحاطة في حقه: إنه فكه حسن الحديث، ركض طرف الشبيبة في ميدان الراحة منكباً عن سنن أبيه وقومه، مع شفوف وإدراك، وجودة وحفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعلم قادحاً، شرق فنال حظوة، وجرت عليه خطوب، ثم عاد إلى الأندلس فتطور بها، وهوالأن قد نال منه الكبر يزجي لوقته بمالقة متعللاً برمق من بعض الخدم المخزنية، إستجاز له والده الطم والرم من أهل المغرب والمشرق، وبضاعته في الشعر مزجاة، ثم قال: مات تاسع المحرم عام خمسة وستين وسبعمائة؛ انتهى.

[ترجمة أبي يحيى الأكحل]

وقال في ترجمة أبي يحيى محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل ما صورته:

شيخ هيدوري الذقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد اللفظ، شديد الهوى إلى الصوفية، والكلف بإطراء أهل الخير، من بيت صون وحشمة، متقدم في معرفة الأمور العلمية، خائض في غمار التصوف، وانتحال في كيمياء السعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التوحيد، تكذبها أحوالها الراهنة، لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشره، وغلبة سلطان الشهوة، والمشاحة أيام الولاية، والسباب الشاهد بالشدة، والحلف المتصل بياض اليوم في ثمن الخردلة باليمين التي فيها فساد الأنكحة، والغضب الذي يقلب العين.

[مخاطبة الأكحل للسان الدين]

خاطبني بين يدي نكبته ولم أظن الشعر مما تلوكه جحفلته، ولكنه من أهل الكفاية:

رجوتك بعد الله يا خير منجدواكرم مأمول وأعظم مرفد
وأفضل من أملت للحادث الذيفقدت به صبري وما ملكت يدي
وحاشا وكلا أن يخيب مؤمليوقد علقت بابن الخطيب محمد
وما أنا إلا عبد نعمته التيعهدت بها يمني وإنجاح مقصدي
وأشرف من حض الملوك على التقىوأبدى لهم رشداُ نصيحة مرشد
وساس الرعايا الآن خير سياسةمباركة في كل غيب ومشهد
وأعرض عن دنياه زهداً وإنهالمظهرة طوعاً له عن تودد
وما هو إلا الليث إن أتىله خائف أوجاء مغناه مجتدي
وبحر علوم دره كلماتهإذا رددت في الحفل أي تردد
صقيل مراء الفكر رب لطائفمحاسنها تجلى بحسن تعبد
بديع عروج النفس للملأ الذيتجلت له الأسرار في كل مصعد
شفيق رفيق دائم الحلم راحمورأي جميل للجميل معود
صفوح عن الجاني على حين قدرةمواصل تقوى الله في اليوم والغد
أيا سيدي يا عمدتي عند شدتيويا مشربي مهما ظمئت وموردي
حنانينك والطف بي وكن لي راحماًورفقاً على شيخ ضعيف منكد
رجاك رجاء للذي أنت أهلهووافاك يهدي للثناء المجدد
وأمك مضطراً لرحماك شاكياًبحال كحر الشمس حر توقد
وعندي افتقار لا يزال مواصلاًلأكرم مولى حاز أجراً وسيد
ترفق بأولاد صغار بكائهميزيد لوقع الحادث المتزيد
وليس لهم إلا إليك تطلعإذا مسهم ضر أليم التعهد
أنلهم أيا مولاي نظرة مشفقوجد بالرضى وانظر لشمل مبدد
وعامل أخا الكرب الشديد برحمةوأسعف بغفران الذنوب وأسعد
ولا تنظرن إلا لفضلك لا إلىجريمة شيخ عن محلك مبعد
وإن كنت قد أذنبت إني تائبفعود لي الفعل الجميل وجدد
بقيت بخير لا يزال وعزةوعيش هنيْ كيف شئت وأسعد

وسخرك الرحمن للعبد؛ إنه ... لمثن وداع للمحل الممجدد ثم قال: وهوالآن من مسطري الأعمال على تهور واقتحام كبرة، من

خط لا غاية وراءه في الركاكة، كما قال المعري:

تمشت فوقه حمر المناياولكن بعدما مسخت نمالا [مخاطبة ابن عياش للسان الدين]

وقال في ترجمة أبي عبد الله محمد بن علي بن عياش بن مشرف الأمي: إنه من أهل الأصالة والحسب، ظهرت منه على حداثة السن أبيات، ونسب إليه شعر توسل بهن وتصرف في الإشراف، فحمدت سيرته، وكتب إلي بقوله:

وسفرت شموس اليمن والإقبالوبدت بدور السعد ذات كمال
لقدوم سيدنا الوزير محمدأعزز به من سيد مفضال
قمر تجلى بين زهر تجتلييهدي لفعل الخير لا الإضلال
سر آمناً لا تكترث، فلأنت فيحفظ الإله الواحد المتعالي
براً وبحراً لا تخاف ململةوعدو ذاتك خلف ظهرك صالي
لا يستقر له قرار بعدكممما يحل به من الأوجال

والآن ترجع سالماً ومبشراً ... ببلوغ كل مسرة ومنال وهي طويلة، نمطها متخلف عن الإجادة، وهي من مثله مما يستظرف؛ انتهى.

[مخاطبة أبي عبد الله الوادي آشي للسان الدين]

وقال في ترجمة أبي عبد الله محمد العراقي الوادي آشي: فاضل

الأبوة، بادي الاستقامة، حسن الأخلاق، تولى أعمالاً، كتب إلي وقد أبى عملاً عرض عليه بقوله:

أأصمت ألفاً ثم أنطق بالخلفوأفقد إلفاً ثم آنس بالجلف
وأمسك دهري ثم أفطر علقماًويمحق بدري ثم ألحق بالخسف
وعزكم لا كنت بالذل عاملاًولو أن ضعفي ينتهي بي إلى الحتف
فإن تعلموني في تصرف عزةوعدل وإلا فاحسموا علة الصرف
بقيتم وسحب العفومنكم تظلنيوحظ ثنائي دائماًثاني العطف [مخاطبة أبي محمد الأزدي للسان الدين]

وقال في ترجمة أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأزدي ما صورته: وخاطبني لما وليت خطة الإنشاء وغيرها في أواخر عام تسعة وأربعين وسبعمائة بما نصه:

حشاشة نفس أعلنت لمذيبهابتذكار أيام الوصال وطيبها
ونادته رحمى أحييها نفس مد نفتموت إذا لم تحيها بوجيبها
فداو بقرب منك لاعج وجدهاوفيض أماقيها، وطول نحيبها
وقد بلغت حداً به صح في الهوىوأحكامه ثوب الضنى في نصيبها
وهل يتداوى داء نفس تعيسةإذا كان يوماً داؤها من طبيبها
لعل أوار الوجد تخمد نارهفيبرد عنها ما بها من لهيبها
إليك حداها الشوق يا بدرها الذييعز عليها منه طول مغيبها
سلكت بها سبل الهوى فهي تبتغيلقاك وتبغي غفلة من رقيبها
اجبها بإبقاء عليها فإنهاستفنى إذا ما لم تكن بمجيبها
ومل نحوها بالود فهي قد أذعنتكما تذعن الأقلام لابن خطيبها
وحيد الزمان الماهر الباهر الحلىوجهبذ آداب العلا وأديبها
إمام معاليها، وبحر علومهاوبدر دياجيها، وصدر شعوبها
مصرفها كيف اثنت ومعيدهاومبدئها حيث انتهت ومصيبها
ورافع أعلام البلاغة والذيأتى ناثراً أوناظماً بعجيبها
وحامل رايات الرياسة رفعةقضى المجد تخصيصاً لها بوجوبها
من الغر لمن أوجبت لشبابهامعاليهم الفضل العظيم وشيبها
من أبناء أرباب المنابر والألىسما فخرهم بين الورى بركوبها
خلال ابن عبد الله طود الحجى أبيمحمد باد حسنها من ضروبها
أجاد وأجدى فأسل عن ذكر طيْوحاتمها زهواً به وحبيبها
ففي كل ما يبدي محمد عبرةمحاسنها تنبي بسر عيوبها
تجيب القوافي إن دعا ببعيدهاوتنقاد طوعاً إن دعا بقريبها
تخير أخلاق الكرام فلم يكننهى ولهى يرضى بغير رحيبها
تقدم في دار الخلافة حاجباًلينجدها في سلمها وحروبها
وقام لها في ساحة العز كاتباًبمحضرها أسرارها ومغيبها
فأبدى من أنواع الفضائل أوجهاتقر لها بالحسن عين لبيبها
هنيئاً به يمناً بأسعد ماثللغرناطة قاض بصرف خطوبها
فللسعد تأثير يجيْ إذا جرىبه قدر كالريح عند هبوبها
أموقد نار الفكر يقدح زندهافيسبي به الألباب سحر نسيبها
حداني إليك الحب قدماً ومال بيحديث لآمال خلت عن غريبها
فقدمتها نظماً قوافي قصرتلديك بذاوي فكرتي ورطيبها
وكنت كمن وافى لدى الدار بالحصىيرفع منها ساهياً عن عيوبها
فصلها وخذ بالعفوفيها فلم أصللأبلغ منها فأغتفر من ذنوبها [قطع من شعر الأزدي]

وصاحب هذا النظم من أهل بلش، وله اقتدار على النظم والنثر، قال في

الإحاطة ما محصله: ومما وقع له أثناء مقامات وأغراض تشهد باقتداره مهملأً:

رعى الله عهداً حوى ما حوىلأهل الوداد وأهل الهوى
أراهم أموراً حلا وردهاوأعطاهم السؤال كلاً سوا
ولما حلا الوصل صالوا لهوراموه مأوى وماء روا
وأوردهم سر أسرارهمورد إلى كل داء دوا
وما أمل طال إلا وهيوما آمل صال إلا هوى وقال معجمة:
بث بيني يبثني فيض جفنيشغفي شفني فشبت ببيني
فتنتني بغنج ظبي تجنىتبتغي نقض نيتي بتجني
بزة زينت قضيب تثنيقضيت بغيتي ففزت بفن
خفت تشتيت بنيتي فجفتنيثقة تثني فخيب ظني وقال كلمة وكلمة:
الهوى شفني وأهمل جفنيأدمعاً تثني دماً بتثني
احور شب حر بثي لمانقض العهد بين طول تجني
حاكم يتقى ولا ذنب إلاشغف لم يخب لمسعاه ظني
ماله ينقض العهود فيشجيولها يثني مسهد جفن

لم يجز وصله فبت محالاً ... يقتضي حل بغيتي كل فن وقال يرثي ديكاً فقده، ويصف الوجد الذي وجده، ويبكي عدم أذانه، إلى غير ذلك من مستظرف شانه:

أودى به الحتف لما جاءه الأجلديكاً فلا عوض منه ولا بدل
قد كان لي أمل في أن يعيش فلميثبت مع الحتف في بقياه لي أمل
فقدته فلعمري إنها عظةوبالمواعظ تذري دمعها المقل
ما كان أبدع مرآه ومنظرهوصفاً به كل حين يضرب المثل
كأن مطرف وشي فوق ملبسهعليه من كل حسن باه حلل
كأن إكليل كسرى فوق مفرقهوتاجه فهوعالي الشكل محتفل
موقت لم يكن يعزى له خطأفيما يرتب من ورد ولا خلل
كأن زرقال فيما مر علمهعلم المواقيت مما رتب الأول
يرحل الليل، يحيي بالصراخ فمايصده كلل عنه ولا ملل
رأيته قد وهت منه القوى فهوىللأرض فعلأً يريه الشارب الثمل
لو يفتدى بديوك الأرض قل لهذاك الفداء ولكن فاجأ الأجل
قالوا الدواء فلم يغن الدواء ولمينفعه من ذاك ما قالوا وما فعلوا

أملت فيه ثواباً أجر محتسب ... إن نلت ذلك صح القول والعمل وأمره السلطان أبوعبد الله سادس الملوك النصريين، وقد نظر إلى شلير وقد تردى بالثلج وتعمم، وكمل ما أراد من بزته وتمم، أن ينظم في وصفه، فقال بديهاً:

وشيخ جليل القدر قد طال عمرهوما عنده علم بطول ولا قصر
عليه لباس أبيض باه السناوليس بثوب أحكمته يد البشر
فطوراً تراه كله كاسياً بهوكسوته فيها لأهل النهى عبر
وطوراً تراه عارياً ليس يكتسيبحر ولا برد من الشمس والقمر
وكم مرت الأيام وهوكما ترىعلى حاله لم يشك ضعفاً ولا كبر
وذاك شلير شيخ غرناطة التيلبهجتها في الأرض ذكر قد اشتهر
بها ملك سامي المراقي، أطاعهكبار ملوك الأرض في حالة الصغر

تولاه رب العرش منه بعصمة ... تقيه مدى الأيام من كل ما ضرر وتوفي المذكور في بلده بلش في طاعون خمسين وسبعمائة؛ انتهى.

[من لسان الدين إلى ابن رضوان]

وقال في " الإحاطة " في ترجمة صاحب القلم الأعلى بالمغرب أبي القاسم بن رضوان النجاري ما صورته: ولما ولي الإنشاء بباب ملك المغرب ظهر لسلطاننا بعض قصور في المراجعات، فكتبت إليه:

أبا القاسم لا زلت للفضل قاسماًبميزان عدل ينصر الحق من نصر
مدادك وهوالمسك طيباً ومنظراًوإلا سواد القلب والفود والبصر
عهدناه في كل المعارف مطنباًفما باله في حرمة الود مختصر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أبا قاسم لازلت للفضل قاسما»
أظنك من ليل الوصال انتخبتهإلينا، وذاك الليل يوصف بالقصر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أبا قاسم لازلت للفضل قاسما»
أردنا بك العذر الذي أنت أهلهومثلك لا يرمي بعي ولا حصر [جواب ابن رضوان]

فراجعني، ولا أدري أهي من نظمه أم نظم غيره:

حقيق أبا عبد الإله بك الذيلمذهبه في البر يتضح الأثر
وإن الذي نبهت مني لم يكننؤوماً وحاشا الود أن أغمط الأثر
ورب اختصار لم يشن نظم ناظمورب اقتصار لم يعب نثر من نثر
وعذرك عني من محاسنك التينظام حلاها في الممادح ما انتثر
ومن عرف الوصف المناسب منصفاًتأتى له نهج من العذر ما دثر [ترجمة ابن رضوان]

وهوعبد الله ابن يوسف بن لرضوان بن يوسف بن رضوان النجاري، من أهل مالقة، صاحب العلامة العلية والقلم الأعلى بالمغرب، قرأ على جماعة منهم بتونس قاضي الجماعة ابن عبد السلام، قال في التاج فيه أيام لم يفهق حوضه، ولا أزهر روضه، ما نصه: أديب أحسن ما شاء، ومتح قليبه فملأ الدلووبل الرشاء، وعانى على حداثته الشعر والإنشاء، وله ببلده بيت معمور بفضل وأمانة، ومجد وديانة، ونشأ هذا الفاضل على أتم العفاف والصون، فما مال إلى فساد بعد الكون، وله خط بارع، وفهم إلى الغوامض مسارع، وقد أثبت من كلامه، ونفثات أقلامه، كل محكم العقود، زار بابنة العنقود، فمن ذلك قوله:

لعلكما أن ترعيا لي وسائلافبالله عوجا بالركاب وسائلا ومنها:
لقد جار دهري إذ نأى بمطالبيوظل بما أبغى من القرب ماطلا
عتبت عليه فاغتدى لي عتباًوقال: أصخ لي لا تكن قط عاذلا
أتعبتني أن قد أفدتك موقفاًلدى أعظم الأملاك حلماً ونائلا
مليك حباه الله بالخلق الرضىوأعلى له في المكرمات المنازلا وهي طويلة

ومن نظم ابن لرضوان المذكور:

تبرأت من حولي إليك وأيقنتبرحماك آمالي أصح يقين

فلا أرهب الأيام إذ كنت ملجأ ... وحسبي يقيني باليقين يقيني وكلفه أبوعنان وصف صيد من غدير فقال من أبيات:

ولرب يوم في حماك شهدتهوالسرح ناشرة عليك ظلالها
حيث الغدير يريك من صفحاتهدرعاً تجيد به الرياح صقالها
والمنشآت به تدير حبائلأًللصيد في حيل تدير حبالها
وتريك إذ يلقي بها اليم الذيأخفت جوانحه وغاب خلالها
فحسبتها زرداً وأن عوالياًتركت به عند الطعان نصالها وقال فيه أيضاً:
أبصرت في يوم الغدير عجائباًجاءت بآيات العجائب مبصره
سمكاً لدى شبك فقل ليل بدتفيه الزواهر للنواظر نيره

فكأن ذا زرد تضاعف نسجه ... وكأن تلك أسنة متكسره ومما نظمه عن أمر الخلافة المستعينية ليكتب في طرة قبة رياض الغزلان

من حضرته:

هذا محل المنى بالأمن معمورمن حله فهوبالآمال محبور
مأوى النعيم به ما شئت من ترفتهوى محاسنه الولدان والحور
ويطلع الروض منه مصنعاً عجباًيضاحك النور من لألائه النور
ويسطع الزهر من أرجائه أرجاًينافح الند نشر منه منشور
مغنى السرور سقاه الله ما حملتغر الغمام وحلته الأزاهير
انظر إلى الروض تنظر كل معجبةمما ارتضاه لرأي العين تحبير
مر النسيم به يبغي القرى فقرىدراهم النور تبديد وتنثير
وهامت الشمس في حسن الظلال بهففرقت فوقها منه دنانير
والدوح ناعمة تهتز من طربهمساً، وصوت غناء الطير مجهور
كأنما الطير في أفنائها صدحتبشكر مالكها، والفضل مشكور
والنهر شق بساط الروض تحسبهسيفاً ولكنه في السلم مشهور
ينساب للجة الخضراء أزرقهكالأيم جد انسياباً وهو مذعور
هذي المصانع مولانا التي جمعتشمل السرور، وأمر السعد مأمور
وهذه القبة الغراء ما نظرتلشكلها العين إلا عز تنظير
ولا يصورها في الفهم ذو فكرإلا ومنه لكل الحسن تصوير
ولا يرام بحصر وصف ما جمعتمن المحاسن إلا صد تقصير
فيها المقاصير تحميها مهابتهلله ما جمعت تلك المقاصير
كأنها الأفق تبدوالنيرات بهويستقيم بها في السعد تسيير
وينشأ المزن في أرجائه ولهمن عنبر الشحر إنشاء وتسخير
وينهمي القطر منه وهو منسكبماء من الورد يذكو منه تقطير
وتخفق الريح منه وهي ناسمةمما أهب به مسك وكافور
ويشرق الصبح منه وهو من غررغر تلألأ منهن الأسارير
وتطلع الشمس فيه من سنا ملكتبسم الدهر منه وهو مسرور
لله منه إمام عادل بهرتأوصافه فهي للأمداح تحبير
غيث السماح وليث البأس فالق بهمحيي الهدى وهوللعادين تتبير
قل للمباري وإن لم تلقه أبداًورب فرض محال وهو تقدير
فخر الأنام أحل الفخر منزلهفكل مدح على علياه مقصور
إذا أبوسالم مولى الملوك بدابدراً تضيْ بمرآه الدياجير
فأي خطب يخاف الدهر آملهوأي سؤل له في النيل تعذير
بشراك بشراك يا نجل الخلافة ماخولت من نيلها والضد مقهور
لك الخلود بعز الملك في نعملا يعتري صفوها في الدهر تكدير
فانعم هنيئاً بلذات مواصلةلا يأتليهن إلمام وتكرير
لازلت تلقى المنى في غبطة أبداًما دام لله تهليل وتكبير وقال وكتب به على قلم فضة:
إذا شهدت بالنصر خطية القنافملكت أمر الفتح من دون ما شرط
كفى شاهداً مني بفضلك ناطقاًلساني مهما أفصحت ألسن الخطي وقال وكتب به على سكين:
أروح بأمر المستعين وأغتديلإذهاب طغيان اليراع الرواقم
ويفل في الأقلام حدي مصلحاًكفعل ظبي أسيافه في الأقالم قال: ومما كتب به على قصيدة عيدية:
لما رأيت هدايا أعظمهاهدية الطيب في حسن وتعجيب
ولم أجد في دروب العاطرات شذايحكي ثنائك في نشر وفي طيب
أهديت نحوك منه كل ذي أرجأنفاسه بين تشريق وتغريب
وفي القبول منال السعد فالق بهتلق الأماني بتأهيل وترحيب وقال في رجل يلقب بالبعير:
وذي لقب عنت له عند صحبهمآرب لم يسعد عليهن مسعد
دعوه بعيراً فاستشاط فقال مهأبا أحمد، وارتد عنهم يهدهد
فقلت له عد نحوهم لتعود منمرامك بالمطلوب توفى وتحمد
فقال وقد غص الفضاء بصوتهوقد هدرت منه الشقاشق تزبد
لئن عدت نادوني بعيراً كمثلهافقلت له لا تخشى فالعود أحمد وقال:
وبخيل لما دعوه لسكنىمنزل بالجنان ضن بذلك
قال لي مخزن بداري فيهكل مالي فلست للدار تارك
قلت وفقت للصواب فحاذرقول خل مرغب في انتقالك
لا تعرج على الجنان بسكنىولتكن ساكناً بمخزن مالك وقال رحمه الله تعالى في مركب:
يا رب منشأة عجبت لشأنهاوقد احتوت في البحر أعجب شان
سكنت بجنبيها عصابة شدةحلت محل الروح في الجثمان
فتحركت بإرادة مع أنهافي جنسها ليست من الحيوان
وجرت كما قد شاءه سكانهافعلمت أن السر في السكان وقال رحمه الله تعالى:
وذي خدع دعوه لاشتغالوما عرفوه غثاً من سمين
فأظهر زهده وغنى بمالوجيش الحرص منه في كمين
وأقسم لا فعلت يمين خبفيما عجباً لحلاف مهين
يغر بيسره ويمين حنثليأكل باليسار وباليمين وهوالآن بحالة الموصوفة؛ انتهى

[مخاطبة أبي بكر بن عبد الله للسان الدين]

وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: خاطبني أبوبكر عبد الرحمن بن عبد الملك مستدعياً إلى إعذاره ولده بقوله:

أريد من سيدي الأعلى تكلفهإلى الوصول إلى داري صباح غد
يزيدني شرفاً منه ويبصر ليصناعة القاطع الحجام في ولدي فأجبته:
يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمديوذا الوسيلة من أهلي ومن بلدي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي»
دعوت في يوم الاثنين الصحاب ضحىوفيه ما ليس في سبت ولا أحد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي»
يوم السلام على المولى وخدمتهفاصفح وإن عثرت رجلي فخذ بيدي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي»
والعذر أوضح من نار على علمفعد إن غبت عن لوم وعن فند
بقيت في ظل عيش لا نفاذ لهمصاحباً غير محصور إلى أمد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي»

[ترجمة أبي بكر بن عبد الملك]

وأبوبكر المذكور أصله من باغه، ونشأ بلوشة، وهومحسوب من الغرناطيين.

وفي " التاج " حقه ما صورته: فارض هاجي، مداهن مداجي، أخبث من نظر من طرف خفي، وأغدر من تلبس بشعار وفي، إلى مكيدة مبثوثة الحبائل، وإغراء يقطع بين الشعوب والقبائل، من شيوخ طريقة العمل، المتقلبين من أحوالها بين الصحو والثمل، المتعللين برسومها حين اختلط المرعي بالهمل، وهوناظم أرجاز، ومستعمل حقيقة ومجاز، نظم مختصر السيرة، في الألفاظ اليسيرة، ونظم رجزاً في الزجر والفال، نبه به تلك الطريقة بعد الإغفال؛ انتهى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.