تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس في إيراد جملة من نثره الذي عبق أريج البلاغة من نفحاته، ونظمه الذي تألق (٢)

بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين وهوالآن بحالته الموصوفة من الوجاهة والحظوة قد استعمل في السفارة إلى ملك قشتالة فراقه وعرف حقه.

مولده بونس في شهر رمضان عام اثنين وثلاثين وسبعمائة؛ انتهى كلام لسان الدين في حق ابن خلدون.

[تعليق للمقري والباعوني]

قلت: هذا كلام لسان الدين في حق المذكور في مبادئ أمره وأواسطه، فكيف لورأى تاريخه الكبير الذي نقلنا منه في مواضع وسماه ديوان العبر وكتاب المبتدأ والخير في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ورأيته بفاس وعليه خطه في ثماني مجلدات كبار جداً، وقد عرف في آخره بنفسه، وأطال، وذكر أنه لما كان بالأندلس وحظي عند السلطان أبي عبد الله شم من وزيره ابن الخطيب رائحة الانقباض، فقوض الرحال ولم يرض من الإقامة بحال، ولعب بكرته صوالجة الأقدار، حتى حل بالقاهرة المعزينة واتخذها خير دار، وتولى بها قضاء القضاة وحصلت له أمور، رحمه الله تعالى.

وكان - أعني الولي ابن خلدون - كثير الثناء على لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى.

ولقد رأيت بخط العالم الشهير الشيخ إبراهيم الباعوني الشامي فيما يتعلق بابن خلدون ما نص محل الحاجة منه: تقلبت به الأحوال حتى قدم إلى الديار المصرية، وولي بها قضاء قضاة المالكية، في الدولة الشريفة الظاهرية، وصحبته - رحمه الله تعالى - في سنة عند قدومه إلى الشام صحبة الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق في فتنة تمرلنك عليه من الله تعالى ما يستحقه، وأكرمه تمرلنك غاية الإكرام، وأعاده إلى الديار المصرية، وكنت أكثر الاجتماع به بالقاهرة المحروسة للمودة الحاصلة بيني وبينه، وكان يكثر من ذكر لسان الدين ابن الخطيب، ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع، وينعقد على استحسانه الإجماع، وتتقاصر عن إدراكه الأطماع، فرحمة الله تعالى عليهما، وأزكى تحياته تهدى إليهما. ولقد كان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان، وله من النظم والنثر ما يزري بعقود الجمان، مع الهمة العلية، والتبحر في العلوم النقلية والعقلية، وكانت وفاته بالقاهرة المعزية، سقى الله تعالى عهده، ووطأ في الفردوس مهده. قاله وكتبه الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أحمد الباعوني الشافعي، غفر الله تعالى له زلله، وأصلح خلله؛ انتهى.

ومن نثر لسان الدين ما ذكره في الإحاطة في ترجمة يحيى بن إبراهيم بن يحيىالبرغواطي من بني الترجمان، ولنذكر الترجمة بجملتها لاشتمالها على ما ذكر وغيره في حق المذكور بعد قوله إنه من بني الترجمان ما صورته:

" عزف عنهم وانقطع إلى لقاء الصالحين، وصحبة الفقراء المتجردين، وكان نسيج وحده في طلاقة اللسان، حافظاً لكل غريبة من غرائب الصوفية، يتكلم في مشكلاتهم، حفظ " منازل السائرين " للهروي، وتائية ابن الفارض؛ مليح الملبس، مترفع عن الكدية، حسن الحيدث، صاحب شهرة، ومع ذلك

فمغضوض منه، محمول عليه، لما جبل عليه من رفض الاصطلاح، واطراح التغافل، مولع بالنقد، والمخالفة في كل ما يطرق سمعه، مرشحاً ذلك بالجدل المبرم، ذاهباً أقصى مذاهب القحة، كثير الفلتات، نالته بسبب هذه البلية محن، ووسم بالرهق في دينه مع صحة العقل، وهوالآن عامر الرباط المنسوب إلى اللجام على رسم الشياخة، عديم التابع، مهجور الفناء، قيد الكثير من الأجزاء منها في نسبة الذنب إلى الذاكر جزء نبيل غريب المأخذ، ومنها فيما أشكل من كتاب أبي محمد ابن الشيخ، وصنف كتاباً كبير الحجم في الاعتقادات جلب فيه كثيراً من الحكايات، رأيت عليه بخط شيخنا أبي عبد الله المقري ما يدل على استحسانه. ومن البرسام الذي يجري على لسانه، بين الجد والقحة والجهالة والمجانة، قوله لبعض خدام باب السلطان وقد ضويق في شيء أضجره منقولاً من خطه - بعد رد كثير منه للإعراب - ما نصه: الله نور السموات من غير نار ولا غيرها، والسلطان ظل له وسراجه في الأرض، ولكل منهما فراش مما يليق به ويتهافت عليه، فهوتعالى محرق فراشه بذاته، مغرقهم بصفاته وسراجه، وظله هوالسلطان محرق فراشه بناره، مغرقهم بزيته ونواله، ففراش الله تعالى ينقسم إلى حافين ومسبحين ومستغفرين وأمناء وشاخصين، وفراش السلطان ينقسمون إلى أقسام لا يشذ أحدهم عنها، وهم وزعة ابن وزغة، وكلب ابن كلب، وكلب مطلقاً، وعار ابن عار، وملعون ابن ملعون، وقط، فأما الوزغة فهوالمغرق في زيت نواله المشغول بذلك عما يليق بصاحب النعمة من النصح وبذل الجهد، والكلب ابن الكلب هوالكيس المتحرز في تهافته من إحراق وإغراق يعطي بعض الحق ويأخذ بعضه، وأما الكلب مطلقاً فهوالمواجه وهوالمشرد للسفهاء عن الباب المعظم القليل النعمة، وأما العار ابن العار فهوالمتعاطي في تهافته ما فوق الطوق، ولهذا امتاز هذا الاسم بالرياسة عند العامة إذا مر بهم جلف أومتعاظم يقولون: هذا العار ابن العار، يحسب نفسه رئيساً، وذلك لقرب المناسبة؛ فهوموضوع لبعض الرياسة، كما ا، الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة، وأما الملعون

ابن الملعون فهوالمغالط المعاند المشارك لربه المنعم عليه في كبريائه وسلطانه، وأما القط فهوالفقير مثلي المستغني عنه لكونه لا تختص به رتبة، فتارة في حجر الملك، وتارة في السنداس، وتارة في أعلى الرتب، وتارة محسن، وتارة مسيء، تغفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة، إذ هومن الطواقين، متطير بقتله وإهانته، تياه في بعض الأحايين بعزة يجدها من حرمة أبقاها له الشارع، وكل ذلك لا يخفى. وأما الفراش المحرق فهوعند الدول نوعان: تارة يكون ظاهراً وحصته مسح المصباح وتصفية زيته وإصلاح فتيله وستر دخانه ومسايسة ما يكون من المطلوب منه، ووجود هذا شديد الملازمة ظاهراً، وأما المحرق الباطن فهوالمشار إليه في دولته بالصلاح والزهد والورع فيعظمه الخلق ويترك لما هوبسبيله، فيكون وسيلة بينهم وبين ربهم وخليفته الذي هومصباحهم، فإذا أراد الله تعالى إهلاك المروءة وإطفاء مصباحها تولى ذلك أهل البطالة والجهالة، وكان الأمر كما رأيتم، والكل فراش متهافت، وكل يعمل على شاكلته ".

قال الوزير لسان الدين: وطلب مني الكتب عليه بمثل ذلك، فكتبت ببعض أوراقه إثارة لضجره، واستدعاء لفكاهة انزعاجه، ما نصه:

وقفت ن الكتاب المنسوب لصاحبنا أبي زكريا البرغواطي على برسام محموم، واختلاط مذموم، وانتساب زنج في روم، وكان حقه أن يتهيب طريقاً لم يسلكها، ويتجنب عقيلة لم يملكها، إذ المذكور لم يتلق شيئاً من علم الأصول، ولا نظر في الإعراب في فصل من الفصول، إنما هي قحة وخلاف، وتهاون بالمعارف واستخفاف، وغير أنه يحفظ في طريق القوم كل نادرة، وفيه رجولية ظاهرة، وعنده طلاقة لسان، وكفاية قلما تتأتى لإنسان، فإلى الله تضرع أن يعرفنا مقادير الأشياء، ويجعلنا بمعزل عن الأغبياء، وقد قلت مرتجلاً من أول نظرة، واجتزاء بقليل من كثرة:

كل جار لغاية مرجوهفهوعندي لم يعد حق الفتوه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «كل جار لغاية مرجوه»
وأراك اقتحمت ليلاً بهيماًمولجاً منك ناقة في كوه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «كل جار لغاية مرجوه»
لا اتباعاً ولا اختراعاً أتتناإذ نظرنا عروسك المجلوه
كل ما قلته فقد قاله الناس مقالاً آياته متلوه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «كل جار لغاية مرجوه»
لم تزد غير أن أبحت حمى الإعراب في كل لفظة مقروه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «كل جار لغاية مرجوه»
نسأل الله فكرة تلزم العقل إلى حشمة تحوط المروه

وعزيز علي أن كنت يحيى ... ثم لم تأخذ الكتاب بقوه ومن بديع نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه لسلطان تلمسان إثر قصيدة سينية حازت قصب السبق، ولنثبت الكل ها فنقول: قال الإمام الحافظ عبد الله التنسي نزيل تلمسان رحمه الله تعالى، عندما جرى ذكر أمير المسلمين السلطان أبي حموموسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يغمراسن بن زيان رحمه الله تعالى، ما صورته: وكان الفقيه ذوالوزارتين أبوعبد الله ابن الخطيب كثيراً ما يوجه إليه بالامداح، ومن أحسن ما وجه له قصيدة سينية فائقة، وذلك عندما أحس بتغير سلطانه عليه، فجعلها مقدمة بين يدي نجواه، لتمهد له مثواه، وتحصل له المستقر، إذا ألجأه الأمر إلى المفر، فلم تساعده الأيام، كمما هوشأنها في أكثر الأعلام، وهي هذه:

أطلعن في سدف الفروع شموساًضحك الظلام لها وكان عبوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وعطفن قضباً للقدود نواعماًبوئن أدواح النعيم غروسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وعدين عن جهر السلام مخافة الواشي فجئن بلفظه مهموسا
وسفرن من دهش الوداع وقومهن إلى الترحل قد أناخوا العيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وخلسن من خلل الحجال إشارةفتركن كل حجالها مخلوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لم أنسها من وحشة والحي قدزجر الحمول وآثر التغليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لا الملتقى من بعدها كشب ولاعوج الركائب تسأم التخييسا
فوقفت وقفة هائم برحاؤهوقفت عليه وحبست تحبيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ودعوت عيني عاتباً وعيونهابعصا النوى قد بجست تبجيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
نافست يا عيني در دموعهمفعرضت دراً للدموع نفيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ما للحمى بعد الأحبة موحشاًولكم تراءى آهلاً مأنوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ولسربه حول الخميلة نافراًعمن يحس به وكان أنيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ولظله المورود غمر قلبيهلا يقتضي ورداً ولا تعريسا
حييته فأجابني رجع الصدىلا فرق بينهما إذا ما قيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ما إن يزيد على الإعادة صوتهحرفاً فيشفي بالمزيد نسيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
نضب المعين وقلص الظل الذيظلنا عكوفاً عنده وجلوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
نتواعد الرجعى ونغتنم اللقاوندير من شكوى الغرام كؤوسا
فإذا سألت فلا تسائل مخبراًوإذا سمعت فلا تحس حسيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
عهدي به والدهر يتحف بالمنىوقد اقتضت نعماه أن لا بوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
والعيش غض الريع والدنيا قد اجتليت بمغناه علي عروسا
أترى يعيد الدهر عهداً للصبادرست مغاني الأنس فيه دروسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
أوطان أوطار تعوض أفقهامن رونق البشر البهي عبوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
هيهات لا تغني لعل ولا عسىفي مثلها إلا لآية عيسى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
والدهر في دست القضاء مدرسفإذا قضى يستأنف التدريسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
تفتن في جمل الورى أبحاثهلا سيما في باب نعم وبيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وسجية الإنسان ليس بناصلمن صبغها حتى يرى مرموسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
يغتر مهما ساعدت آمالهفإذا عراه الخطب كان يؤوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
فلو أن نفساً مكنت من رشدهايوماً وقدسها الهدى تقديسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لم تستفز رسوخها النعمى ولاهلعت إذا كشرت إليها البوسى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
قل للزمان إليك عن متذممبضمان عز لم يكن ليخيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
فإذا استحر جلاده فأنا الذي استغشيت من سرد اليقين لبوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وإذا طغى فرعونه فأنا الذيمن ضره وأذاه عذت بموسى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
أنا ذا مثواه من يحمي الحمىليثاً ويعلم بالزئير الخيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
بحمى أبي حمو حططت ركائبيلما اختبرت الليث والعريسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
أسد الهياج إذا خطا قدماً سطافتخلف الأسد الهزبر فريسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
بدر الهدى يأبى الضلال ضياؤهأبداً فيجلو الظلمة الحنديسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
جبل الوقار رسا وأشرف واعتلىوسما فطأطأت الجبال رؤوسا
غيث النوال إذا الغمام حلوبةمثلت بأيدي الحالبين بسوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
تلقاه يوم الأنس روضاً ناعماًوتراه بأساً في الهياج بئيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
كم غمرة جلى وكم خطب كفىإن أوطأ الجرد العتاق وطيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
كم حكمة أبدى وكم قصد هدىللسالكين أبان منه دريسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
أعلى بني زيان والفذ الذيلبس الكمال فزين الملبوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
جمع الندى والبأس والشيم العلاوالسؤود المتواتر القدموسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
والحلم ليس يباين الخلق الرضىوالعلم ليس يعارض الناموسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
والسعد يغني حكمه عن نصبةتستخبر التربيع والتسديسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
كم راض صعباً لا يراض معاصياًكم خاض بحراً لا يخاض ضروسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
بلغ الذي لا فوقها متمهلاًوعلا السها واستسفل البرجيسا
يا خير من خفقت عليه سحابةلنصر تمطره أجش بجيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وأجل من حملته صهوة سابحإن كر ضعضع كره الكردوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
قسماً بمن رفع السماء بغير ماعمد ورفع فوقها إدريسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ودحا البسيطة فوق لج مزبدما إن يزال على القرار حبيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
حتى يهيب بأهله الوعد الذيحشر الرئيس إليه والمرؤوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ما أنت إلا ذخر دهرك دمت في الصون الحريز ممتعاً محروسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لوساومته الأرض فيك بما حوتلرآك مستاماً بها مبخوسا
حلف البرور بها ألية صادقويمين من عقد اليمين غموسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
من قاس ذاتك بالذوات فإنهجهل الوزان واخطأ التقييسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لا تستوي الأعيان فضل مزيةوطبيعة فطر الإله وسوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لعناية التخصيص سر غامضمن قبل ذرء الخلق خص نفوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
من أنكر الفضل الذي أوتيتهجحد العيان وأنكر المحسوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
من دان بالإخلاص فيك فعقدهلا يقبل التمويه والتلبيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
والمنتمى العلوي عيصك لم تكنلترى دخيلاً في بنيه دسيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
بيت البتول ومنبت الشرف الذيتحمي الملائك دوحه المغروسا
أما سياستك التي أحكمتهاورميت بالتقصير أسطاليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
فلو أن كسرى الفرس أبصر بعضهاما كان يطمع أن يعدي سوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لوسار عدلك في السنين لما اشتكتبخساً، ولم يك بعضهن كبيسا
ولوالجواري الخنس انتسبت إلىأقدام عزمك ما خنسن خنوسا
قدت الصعاب فكل صعب سامحلك بالقياد وكان قبل شموسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
تلقى الليوث ولقتام غمامةقدح الصفيح وميضها المقبوسا
وكأنها تحت الدروع أراقمينظرن من خلل المغافر شوسا
ما لابن مامة في القديم وحاتمضرب الزمان بجودهم ناقوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
من جاء منهم مثل جودك كلماحسبوا المكارم كسوة أو كيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
أنت الذي افتك السفين وأهلهإذ أوسعت سبل الخلاص طموسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
أنت الذي أمددت ثغر الله بالصدمات تبلس كرة إبليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وأعنت أندلساً بكل سبيكةموسومة لا تعرف التدليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وشحينة البر في سبل الرضىوالبر قارب قاعها القاموسا
إن لم تجر بها الخميس فطالماجهزت فيها للنوال خميسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وملأت أيديها وقد كادت علىحكم القضاء تشافه التفليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
صدقت للآمال صنعة جابروكفيتها التشميع والتشميسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
والحل والتقطير والتصعيد والتخمير والتصويل والتكليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
فسبكت من آمالها مالاً، ومنأوراقها ورقاً، وكن طروسا
بهتوا فلما استخبروا لم ينكرواوزناً ولا لوناً ولا ملموسا
وتدير من قبل السطور سبائكاًمنها ومن طبع الحروف فلوسا
ونحوت نحوالفضل تعضد منه بالمسموع ما ألفيت منه مقيسا
وجبرت بعد الكسر قومك جاهداًتغني العديم وتطلق المحبوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ونشرت راية عزهم من بعد مادال الزمان فسامها تنكيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
أحكمت حيلة برئهم بلطافةقد اعجزت في الطب جالينوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وفللت من حد الزمان وإنهأوحى وأمضى من غرار الموسى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وشحذت حداً كان قبل مثلماًونعشت جداً كان قبل تعيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لم ترج إلا الله ﷻفي شدة تكفي وجرح يوسى
قدمت صبحاً فاستضأت بنورهووجدت عند الشدة التنفيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ما أنت إلا فالح متيقنبالنجح تعمر ممرعاً ويبيسا
ومتاجر جعل الأريكة صهوةعربية والمتكا القربوسا
ما إن تبايع أو تشاري واثقاًبالربح إلا المالك القدوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
والعزم يفترع النجوم بناؤهمهما أقام على التقى تأسيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ومقام صبرك واتكالك مذكربحديثه الشبلي أو طاووسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ومن ارتضاه الله وفق سعيهفرأى العظيم من الحظوظ خسيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ما ازددت بالتمحيص إلا جدةونضوت من خلع الزمان لبيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ولطالما طرق الخسوف أهلةولطالما اعترض الكسوف شموسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
ثم انجلت قسماتها عن مشرقللسعد ليس بحاذر تتعيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
خذها إليك على النوى سينيةترضى الطباق وتشكر التجنيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
إن طوولت بالدر من حول الطلىيوماً تشكت حظها الموكوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لولاك ما أصغت لخطبة خاطبولعنست في بيتها تعنيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
قصدت سليمان الزمان وقاربتفي الخطو تحسب نفسها بلقيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لي فيك ود لم أكن من بعد ماأعطيت صفقة عهده لأخيسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
كم لي بصحة عقده من شاهدلا يحذر التجريح والتدليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
يقفوالشهادة باليمين، وإنهلمؤمن من أن يعد فسيسا
لا يستقر قرار أفكاري إلىأن أستقر لدى علاك جليسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
وأرى تجاهك مستقيم السير للقصد الذي أعملته معكوسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
هي دين أيامي فإن سمحت بهلم يبق من شيء عليه يوسى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
لا زال صنع الله مجنوناً إلىمثواك يهدي البشر والتأنيسا
متتابعاً كتتابع الأيام لايذر التعاقب جمعة وخميسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»
فلو أنصفتك إيالة الملك التيرضت الزمان لها وكان شريسا
قرنت بذكرك والدعاء لك الذيتختاره التسبيح والتقديسا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أطلعن في سدف الفروع شموسا»

القلب أنت لها رئيس حياتها ... لم تعتبر مهما صلحت رئيسا ثم قال الحافظ التنسي رحمه الله تعالى بعد سرد هذه القصيدة ما معناه: إن لسان الدين ابن الخطيب حذا في هذه القصيدة السينية حذوأبي تمام في قصيدته التي أولها:

أفشيت ربعهم أراك دريساتقري ضيوفك لوعة ورسيسا واحتلس كثيراً نم ألفاظها ومعانيها؛ انتهى

ووصل لسان الدين هذه القصيدة بنثر بديع نصه:

" هذه القصيدة - أبقى الله تعالى المثابة المولوية الموسوية ممتعة بالشمل المجموع، والثناء المسموع، والملك المنصور الجموع - نفثة من باح بسر هواه، ولبى دعوة الشوق بلبه وقد ظفر بمن يهدي خبر جواه، إلى محل هواه، ويختلس بعث تحيته، إلى مثير أريحيته، وهي بالنسبة إلى ما يعتقد

من ذلك الكمال، الشاذ عن الآمال، عنوان من كتاب، وذوارق من أوقار ذات أقتاب، وإلا فمن يقوم بحق المثابة لسانه، أويكافئ إحسانها إحسانه، أويستقل بوصفها يراعه، أوتنهض بأيسر وظيفتها ذراعه ولا مكابرة بعد الاعتراف، والبحر لا ينفد بالاغتراف، لا سيما وذاتكم اليوم، والله تعالى يبقيها، ومن المكاره يقيها، وفي معارج القرب من حضرة القدس يرقيها، ياقوتة اختارها واعتبرها، ثم ابتلاها بالتمحيص واختبرها، وسبيكة أخلصها مسجرها، فخلصها بتسجيره من الشوب، وأبرزها من لباب الذوب، وقصرت عن هذه الأثمان، وسر بصدق دعواه البهرمان، ليفاضل بين الجهام والصيب و " ليميز الله الخبيث من الطيب " الأنفال: فأراكم أن لا جدوى للعديد ولا للعدة، وعرفكم بنفسه في حال الشدة، ثم فسح لكم بعد ذلك في المدة، لتعرفوه إذا دال الرخاء، وهبت بعد تلك الزعازع الريح الرخاء، وملأكم من التجارب، وأوردكم من ألطافه أعذب المشارب، ونقلكم بين إمرار الزمان وإحلائه، ولم يسلبكم إلا حقيراً عند أوليائه، وأعادكم المعاد المطهر، وألبسكم من أثواب اختصاصه المعلم المشهر، فأنتم اليوم بعين العناية، بالإفصاح والكتاية، قد وقف الدهر بين يديكم موقف الاعتراف بالجناية، فإن كان الملك اليوم علماً يدرس، وقوانين في قوة الحفظ تغرس، وبضاعة برصد التجارب تحرس، فأنتم مالك دار هجرته المحسوبة، وأصمعي شعوبه المنسوبة، إلى ما حزتم من أشتات الكمال، المربية على الآمال، فالبيت علوي المنتسب، والملك بين الموروث والمكتسب، والجود يعترف به الوجود، والدين يشهد به الركوع والسجود، والبأس تعرفه التهائم والنجود، والخلق يحسده الروض المجود، والشعر يغترف من عذب نمير، ويصدق ما قال: بدئ بأمير وختم بأمير، وإن مملوككم حوم

من بابكم على العذب البرود، فعاقه الدهر عن الورود، واستقبل أفقه ليحقق الرسد، ولكنه أخطأ القصد، ومن أخطأ الغرض أعاد، ورجا من الزمان الإسعاد، فربما خبئ نصيب، أوكان مع الخواطئ سهم مصيب، وكان يؤمل صحبة ركاب الحجاز، فانتقلت الحقيقة منه إلى المجاز، وقطعت القواطع التي لم ينلها الحساب، ومنعت الموانع التي خلص منها إلى الفتنة الانتساب، ومن طلب الأيام أن تجري على اقتراحه، وجب العمل على اطراحه، فإنما هي البحر الزاخر، الذي لا يدرك منه الآخر، والرياح متغايرة، والسفينة الحائرة، فتارة يتعذر من المرسى الصرف، وتارة تقطع المسافة البعيدة قبل أن يرتد الطرف، هذا إن سالمها عطبها، وأعفي من الوقود حطبها، ولقد علم الله ﷻ أن لقاء ذلك المقام الكريم عند المملوك تمام المطلوب، ممن يجبر كسر القلوب، فإنه مما انعقد على كماله الإجماع، وصح في عوالي معاليه السماع، وارتفعت في وجود مثاله الأطماع، أخلاقاً هذبها الكرم الوضاح، وسجية كلف بها الكمال الفضاح، وحرصاً على الذكر الجميل وما يتنافس فيه إلا من سمت هممه، وكرمت ذممه، وألفت الخلد رممه، إذ الوجود سراب، وما فوق التراب تراب، ولا يبقى إلا عمل راق، أوذكر بالجميل يسطر في أوراق، حسبما قلت من قصيدة كتبتها على ظهر مكتوب موضوع أشار به من كانت له طاعة، فوفت بمقترحه استطاعة:

يمضي الزمان وكل فان ذاهبإلا جميل الذكر فهو الباقي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يمضي الزمان وكل فان ذاهب»
لم يبق من إيوان كسرى بعد ذاك الحفل إلا الذكر في الأوراق
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يمضي الزمان وكل فان ذاهب»
هل كان للسفاح والمنصور والمهدي من ذكر على الإطلاق
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يمضي الزمان وكل فان ذاهب»
أو للرشيد وللأمين وصنوهلولا شباة يراعة الوراق
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يمضي الزمان وكل فان ذاهب»
رجع التراب إلى التراب بما اقتضتفي كل خلق حكمة الخلاق

إلا الثناء الخالد العطر الشذا ... يهدي حديث مكارم الاخلاق والرغبة من مقامكم الرفيع الجناب، أن يمكنها من حسن المناب، فتحظى بحلول ساحته، ثم بلثم راحته، ثم بالإصغاء، ولا مزيد للابتغاء، إلى أن ترتفع الوساطة وتغني عن التركيب البساطة، وينسى الأثر بالعين، ويحسن الدهر قضاء الدين، ونسأل الذي أغرى بها القريحة، ولم يجعل الباعث إلا المحبة الصريحة، أن يبقي تلك المثابة زيناً للزمان، وذخراً مكنوفاً باليمن والأمان، مظللاً برحمة الرحمن، بفضله وكرمه؛ انتهى.

ومما كتب به لسان الدين رحمه الله تعالى إلى الشيخ الرئيس الخطيب شيخه أبي عبد الله مرزوق رحمه الله تعالى حين كانت أزمة أمر المغرب بيده أيام السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني رحم الله تعالى الجميع، ما صورته:

سيدي بل ما لكي بل شافعي، ومنتشلي من الهفوة ورافعي، وعاصمي عند تجويد حروف الصنائع ونافعي، الذي بجاهه أجزلت المنازل قراي، وفضلت أولاي والمنة لله تعالى أخراي، وأصبحت وقول الحسن هجيراي:

علقت بحبل من حبال محمدأمنت به من طارق الحدثان
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
تغطيت من دهري بظل جناحهفعيني أرى دهري وليس يراني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لمن طلل لم أشجه وشجاني»

فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن نكاني وصلت مكناسة حرسها الله تعالى حداني حدونداك، سحائب لولا الخصال المبرة قلت: يداك، وكان الوطن لاغتباطه بجواري، أوما رآه من انتياب زواري،

أوغر إلى بهت يقطع الطريق، وأطلع يده على التفريق، وأشرق القوافل مع كثرة الماء بالريق، فلم يسع إلا المقام أياماً قعوداً في البر وقياماً، واختياراً لضروب الأنس واعتياماً، ورأيت بلدة معارفها أعلام، وهواؤها برد وسلام، ومحاسنها تعمل فيها ألسنة وأقلام، فحيا الله تعالى سيدي فلكم من فضل أفاد، وأنس أحياه وقد باد، وحفظ منه على الأيام الذخر والعتاد، كما ملكه زمام الكمال فاقتاد، وأنا أتطارح عليه في صلات تفقده، وموالاة يده، بأن يسهمني في فرض مخاطبته مهما خاطب معتبراً بهذه الجهات، ويصحبني من مناصحته بكؤوس مسرة يعمل فيها هاك وهات، فالعز بعزه معقود، والسعد بوجوده موجود، ومنهل السرور بسروره مورود، والله ﷿ يبقيه بقاء الدهر، ويجعل حبه وظيفة السر وحمده وظيفة الجهر ويحفظ على الأيام من زمنه زمن الزهر، ويصل لنا تحت إيالته العام بالعام والشهر بالشهر، آمين آمين انتهى.

ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى صاحب الأشغال بالمغرب أبا عبد الله ابن أبي القاسم بن أبي مدين يهينه بتقلد النممصب من رسالة قوله:

تعود الأماني بعد انصرافويعتدل الشيء بعد انحراف
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تعود الأماني بعد انصراف»

فإن كان دهرك يوماً جنى ... فقد جاء ذا خجل واعتراف طلع البشير أبقاك الله تعالى بقبول الخلافة المرينية، والإمامة السنية، خصها الله تعالى ببلوغ الأمنية، على تلك الذات التي طابت أرومتها وزكت، وتأوهت العلياء لتذكر عهدها وبكت، وكاد السرور ينقطع لولا أنها تركت منك الوارث الذي تركت، فلولا العذر الذي تأكدت ضرورته، والمانع الذي ربما تقررت لديكم صورته، لكنت أول مشافه بالهناء، ومصارف لهذا الاعتناء، الوثيق البناء، بنقود الحمد لله والثناء، وهي طويلة.

ومما خاطب به رحمه الله تعالى قاضي الجماعة وقد نالته مشقة

جرها غلط الخدام السوء واشتراك الأسماء، أعتبه عندها السلطان وخلع عليه وأشاد بقدرة بما نصه:

تعرفت أمراً ساءني ثم سرنيوفي صحة الأيام لا بد من مرض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تعرفت أمرا ساءني ثم سرني»

تعمدك المحبوب بالذات بعدما ... جرى ضده، والله يكفيه بالعرض في مثلها سيدي يحمد الاختصار، وتقصر الأنصار، وتصرف الأبصار، إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يقظ ولا حالم، وإنما هي هدية أجر، وحقيقة وصل أعقبت مجاز هجر، وجرح جبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار، وعثرة القدم لا تنكر، والله سبحانه يحمد في كل حالة ويشكر، وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يشبه شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والرعي دائب، والجاني تائب، فما هوإلا الدهر الحسود، لمن يسود، خمش بيد ثم سترها، ورمى عن قوس ما أصلحها - والحمد لله - ولا أوترها، إنما باء بشينه، وجنى من مزيد العناية محنة عينه، ولا اعتراض على قدر، أعقب بحظ معتذر، وورد نغص بكدر، ثم أنس بإكرام صدر، وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله تعالى والذب، ولا نقول مع الكظم إلا ما يرضي الرب، وإذا سابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذمار، واستباق إلى بر وابتدار، بجهد اقتدار، فأنا ولا فخر متناول القصبة، وصاحب الدين من بين العصبة، لما بلوت من بر أوجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وضح منه المذهب، وتنفيق راق منه الرداء المذهب، هذا مجمل وبيانه إلى وقت الحاجة مؤخر، ونبذة شره لتعجيلها يراع مسخر، والله سبحانه يعلم ما أنطوي عليه لسيدي من إيجاب الحق، والسير على أوضح الطرق، والسلام؛ انتهى.

وقال رحمه الله تعالى: خاطبت بعض الفضلاء بقولي مما يظهر من الجملة غرضة:

تعرضت قرب الدار ممن احبهفكنت أجد السير لولا ضروره

لأتلو من آي المحامد سورة ... وأبصر من شخص المحاسن صوره كنت أبقاك الله تعالى لاغتباطي بولائك، وسروري بلقائك، أود أن أطوي إليك هذه المرحلة، وأجدد العهد بلقياك المؤملة، فمنع مانع، وما ندري في الآتي ما الله صانع، وعلى كل حال فشأني قد وضح منه سبيل مسلوك، وعلمه مالك ومملوك، واعتقادي أكثر مما تسعه العبارة، والألفاظ المستعارة، وموصلها ينوب عني في شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة، المتصفة بالعفاف والطهارة، والسلام.

وقال سامحه اله تعالى يخاطب السلطان أبا عبد الله ابن نصر جبره اله تعالى عند وصول ولده من الأندلس:

الدهر فسحة من أن يرىبالحزن والكمد المضاعف يقطع
وإذا قطعت زمانه في كربةضيعت في الأوهام ما لا يرجع
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «الدهر أضيق فسحة في أن يرى»

فاقنع بما أعطاك ربك واغتنم ... منه السرور وخل ما لا ينفع مولاي الذي له المنن، والخلق الجميل والخلق الحسن، والمجد الذي وضح منه السنن، كتبه عبدك مهنئاً بنعم الله تعالى التي أفاضها عليك، وجلبها إليك، من اجتماع شملك، بنجلك، وقضاء دينك، من قرة عينك، إلى ما تقدم من إفلاتك، وسلامة ذاتك، وتمزق أعدائك، وانفرادك بأودائك، والزمن ساعة في القصر، لا بل كلمح البصر، وكأني بالبساط قد طوي، والتراب على الكل قد سوي، فلا تبقى غبطة ولا حسرة، ولا كربة ولا يسرة، وإذا نظرت

ما كنت فيه تجدك لا تنال منه إلا أكلة وفراشاً، وكناً ورياشاً، مع توقع الوقائع وارتقاب الفجائع، ودعاء المظلوم وصداع الجائع، فقد حصل ما كان عليه التعب، وأمن الرهب، ووضح الأجر المذهب، والقدرة باقية، والأدعية راقية، وما تدري ما تحكم به الأقدار، ويتمخض عنه الليل والنهار، وأنت اليوم على زمانك بالخيار، فإن اعتبرت الحال واجتنبت المحال، لم يخف عليك أنك اليوم خير منك أمس، من غير شك ولا لبس، وكان من أملي التوجه إلى رؤية ولدكم ولكن عارضتني موانع، ولا ندري في الآتي ما الله تعالى صانع، فاستنبت هذه في تقبيل قدمه، والهناء بمقدمه، والسلام.

وقال رحمه الله تعالى: قلت أخاطب محمد بن نوار، وقد أعرس ببنت مزوار الدار السلطانية، وهومعروف بالوسامة وحسن الصورة:

إن كنت في العرس ذا قصورفلا حضور ولا دخاله
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إن كنت في العرس ذا قصور»

ينوب نظمي مناب تيس ... والنثر عن قفة النخالة هناكم الله سبحانه دعاء وخبراً، وألبسكم من السرور حبراً، وعوذكم بالخمس، حتى من عين الشمس، فعمري لقد حصلت النسبة، ورضيت هذه المعيشة الحسبة، ومن يكن المزوار ذواقه، كيف لا يشق البدر أطواقه، وينشر القبول عليه رواقه، وأنتم أيضاً بركان جمال، وبقية رأس مال، ويمين في الانطباع وشمال، بمنزلكم اليوم بدر وهلال، ولعقد التوفيق بفضل الله تعالى استقلال، فأنا أهنيكم بتسني أمانيكم، والسلام.

وقال رحمه اله تعالى مخاطباً عميد مراكش المتميز بالرأي والسياسة

والهمة وإفاضة العدل وكف اليد والتجافي عن مال الجباية عامر بن محمد بن علي الهنتاني:

تقول لي الأظعان والشوق في الحشاله الحكم يمضي بين ناه وآمر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»
إذا جبل التوحيد أصبحت فارعاًفخيم قرار العين في دار عامر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»
وزر تربة المعلوم إن مزارهاهو الحج يفضي نحوه كل ضامر
ستلقى بمثوى عامر بن محمدثغور الأماني من ثنايا البشائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»
ولله ما تبلوه من سعد وجههولله ما تلقاه من يمن طائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»

وتستعمل الأمثال في الدهر منكما ... بخير مزور أو بأغبط زائر لم يكن همي أبقاك الله تعالى مع فراغ البال، وإسعاف الآمال، ومساعدة الأيام واليال، إذ الشمل جميع، والزمان كله ربيع، والدهر مطيع سميع، إلا زيارتك في جبلك الذي يعصم من الطوفان، ويواصل أمنه بين النوم والأجفان، وأن أرى الأفق الذي طلعت منه الهداية، وكانت إليه العودة ومنه البداية، فلما حم الواقع، وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع، وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع، وحسنت من استدعائك إياي المواقع، وقوي العزم وإن لم يكن ضعيفاً، وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفاً، والتمست الإذن حتى لا نرى في قبلة السداد تحريفاً، واستقبلتك بصدر مشروح، وزند للعزم مقدوح، والله سبحانه يحقق السول، ويسهل بمثوى الأماثل المثول، ويهيئ من قبل هنتاتة القبول، بفضله.

وللسان الدين ابن الخطيب مقامة عظيمة بديعة وصف بها الأندلس

والعدوة، وأتى فيها من دلائل براعته بالعجب العجاب، وقد تركتها مع كتبي بالمغرب، ولم يحضرني منها الآن إلا قوله في وصف مدينة سبتة ما صورته:

" قلت: فمدينة سبتة، قال: عروس المجلى، وثنية الصباح الأجلى، تبرجت تبرج العقلية، ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة، واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة، وإذا قامت بيض أسوارها، وكان جبل بنيونش شمامة أزهارها، والمنارة مناة أنوارها، كيف لا ترغب النفوس في جوارها، وتهيم الخواطر بين أنجادها وأغوارها إلى المينا الفلكية، والمراقي الفلكية، والركية الزكية، غير المنزورة ولا البكية، ذات الوقود الجزل، المعد للأزل، والقصور المقصورة على الجد والهزل، والوجوه الزهر السحن، المضنون بها عن المحن، دار الناشبة، والحامية المضرمة للحرب المناشبة، والأسطول المرهوب، المحذور الألهوب، والسلاح المكتوب المحسوب، والأثر المعروف المنسوب، كرسي الأمراء والأشراف، والوسيطة، لخامس أقاليم البسيطة، فلا حظ لها في الانحراف، بصرة علوم اللسان، وصنعاء الحلل الحسان، وثمرة امتثال قوله تعالى " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " النحل: الأمينة على الاختزان، القويمة المكيال والميزان، محشر أنواع الحيتان، ومحط قوافل العصير والحرير والكتان، وكفاها السكنى ببنيونش في فصول الأزمان، ووجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان، والمدفن المرحوم، غير المزحوم، وخزانة كتب العلوم، والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم، إلا أنها فاغرة أفواه الجنوب، لغيث المصبوب، عرضة للرياح ذات

الهبوب، عديمة الحرث فقيرة من الحبوب، ثغر تنبوفيه المضاجع بالجنوب، وناهيك بحسنة تعد من الذنوب، فأحوال أهلها رقيقة، وتلكفهم ظاهر مهما ظهرت وليمة أوعقيقة، واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة، وأنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة، فهم يمصون البلالة مص المحاجم، ويجعلون الخبز في الوائم بعدد الجماجم، وفتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير الهاجم، وراعي الجديب بالمطر الساجم، فلا يفضون على مدينتهم مدينة، الشك عندي في مكة والمدينة " انتهى.

وقد سلك في هذه المقامة وصف بلدان المغرب بالسجع والتفقيه، ووفاها من المدح وضده اكمل توفية، وعكس هذه الطريقة في نفاضة الجراب فوصف فيها الأماكن بكلام مرسل جزلغير مسجع، مع كونه أقطع من السيف إذا بان عنه القراب.

فمن ذلك قوله حين أجرى ذكر مدينة مكناسة الزيتون: وأطلت مدينة مكناسة في مظهر النجد، رافلة في حلل الدوح، مبتسمة عن شنب المياه العذبة، سافرة عن اجمل المراد، قد احكم وضعها الذي أخرج المرعى، قيد النص وفذلكة الحسن، فنزلها بها منزلاً لا تستطيع العين أن تخلفه حسناً ووضعاً من بلد دارت به المداشر المغلة، والتفت بسوره الزياتين المفيدة، وراق بخارجه للسلطان المستخلص الذي يسموإليه الطرف، ورحب ساحة والتفاف شجرة ونباهة بنية وإشراف ربوة، ومثلت بإزائها الزاوية القدمى المعدة للوارد، ذات البركة النامية، والمئذنة السامية، والمرافق المتيسرة، يصاقبها الخان البديع المنصب الحصين الغلق الخاص بالسابلة والجوابة في الألرض يبتغون من فضل الله

تعالى، تقابلها غرباً الزاوية الحديثة المربية برونق الشبيبة ومزية الجدة والانفساح وتفنن الاحتفال، إلى أن قال: وبداخلها مدارس ثلاث لبث العم، كلفت بها الملوك الجلة الهمم، وأخذها التنجيد، فجاءت فائقة الحسن، ماشئت من أبواب نحاسية، وبرك فياضة تقذف فيها صافي الماء أعناق أسدية، وفيها جزائن الكتب والجراية الدارة على العلماء والمتعلمين، وتفضل هذه المدينة كثيراً من لداتها بصحة الهواء وتبحر أصناف الفواكه وتعمير الخزائن ومداومة البر لجوار ترابها سليماً من الفساد معافىً من العفن، إذ تقام ساحات منازلها غالباً على أطباق الآلاف من الأقوات تتناقلها المواريث ويصحبها التعمير وتتجافى عنها الأرض، ومحاسن هذه البلدة المباركة جمة، قال ابن عبون من أهلها ولله دره:

إن تفتخر فاس بما في طيهاوبأنها في زيها حسناء

يكفيك من مكناسة أرجاؤها ... والأطيبان: هواؤها والماء ويسامتها شرقاً جبل زرهون، المنبجس العيون، الظاهر البركة، المتزاحم العمران، الكثير الزياتين والأشجار، قد جلله سكراً ورزقاً حسناً، فهوعنصر الخير، ومادة المجبى، وفي المدينة دور نبيهة، وبنى أصيلة، والله سبحانه ول من اشتملت عليه بقدرته، وفيها أقول:

بالحسن من مكناسة الزيتونقد صح عذر الناظر المفتون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بالحسن من مكناسة الزيتون»
فضل الهواء وصحة الماء الذييجري بها وسلامة المخزون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بالحسن من مكناسة الزيتون»
سحت عليها كل عين ثرةللمزن هامية الغمام هتون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بالحسن من مكناسة الزيتون»
فاحمر خد الورد بين أباطحوافتر ثغر الزهر بين غصون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بالحسن من مكناسة الزيتون»
ولقد كفاها شاهداً مهما ادعتقصب السباق القرب من زرهون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بالحسن من مكناسة الزيتون»
جبل تضاحكت البروق بجوهفبكت عذاب عيونه بعيون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بالحسن من مكناسة الزيتون»
وكأنما هو بربري فاقدفي لوحه والتين والزيتون
حييت من بلد خصيب أرضهمثوى أمان أو مناخ أمون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بالحسن من مكناسة الزيتون»

وضفت عليك من الإله عناية ... تكسوك ثوبي أمنة وسكون وقد وصفها في مقامة البلدان على منوال السجع فقال: مكناسة مدينة أصيلة، وشعب للمحاسن وفصيلة، فضلها الله تعالى ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، فجانبها مريع، وخيرها سريع، ووضعها له في فقه الفضائل تفريع، اعتدل فيها الزمان، وانسدل الأمان، وفاقت الفواكه فواكهها ولا سيما الرمان، وحفظ أقواتها الاختزان، ولطفت فيها الأواني والكيزان، ودنا من الحضرة جوارها، فكثر قادها من الوزراء وزوارها، وبها المدارس والفقهاء، ولقصبتها الأبهة والمقاصير والأبهاء.

[تعليق للمقري]

ويعني بالحضرة مدينة فاس المحروسة لأنها إذ ذاك كرسي الخلافة، ومكناسة مقر الوزارة، وأهل المغرب يعبرون عن المدينة التي فيها كرسي الخلافة بالحضرة.

قلت: دخلت مكناسة هذه مراراً عديدة، وقد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمان لسان الدين ابن الخطيب جديدة، واستولى عليها الخراب، وتكدر منها بالفتن الشراب، وعاث في ظاهرها الأعراب، وفي باطنها سماسرة الفتنة العائقة عن كثر من الآراب، حتى صار أهلها حزبين، لبس كثير من أهلها ثياب البعد عنهاوالبين، والله تعالى يجبر حالها، ويعقب بالخصب إمحالها، ويرحم الله تعالى ابن جابر إذ قال:

لا تنكرن الحسن من مكناسةفالحسن لم يبرح بها معروفا
ولئن محت أيدي الزمان رسومهافلربما أبقت هناك حروفا

على أن ضواحيها كانت في زمان لسان الدين مأوى للمحاربين واللصوص، ومثوى للأعراب الذين أعضل داؤهم بأقطار المغرب على العموم والخصوص، ولذلك يقول لسان الدين رحمه الله تعالى:

مكناسة حشرت بها زمر العدافمدى بريد فيه ألف مريد
من واصل للجوع لا لرياضةأو لابس للصوف غير مريد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «مكناسة جمعت بها زمر العدى»

فإذا سلكت طريقها متصوفاً ... فانو السلوك بها على التجريد وما أشار إليه رحمه الله تعالى فيما سبق من ذكر الزاوية القدمى والجديدة أشار به إلى زاويتين بناهما السلطان أبوالحسن المريني الكثير الآثار بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس، وكان بنى الزاوية القدمى في زمان أبيه السلطان أبي سعيد والجديدة حين تولى الخلافة، وله في هذه المدينة غير الزاويتين المذكورتين عدة آثار كثيرة جميلة من القناطر والسقايات وغيرها، ومن اجل مآثره بها المدرسة الجديدة، وكان قدم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة، ولما أخبر السلطان بتمام بنائها جاء إليها من فاس ليراها، فقعد على كرسي من كراسي الوضوء حول صهريجها، وجيء بالرسوم المتضمنة للتنفيذات الازمة فيها، فغرقها في الصهريج قبل أن يطالع ما فيها، وأنشد:

لا بأس بالغالي إذا قيل حسن ... ليس لما قرت به العين ثمن وهذا السلطان أبوالحسن اشهر ملوك بني مرين، وأبعدهم صيتاً، وكان قد ملك رحمه الله تعالى المغرب بأسره وبعض الأندلس، وامتد ملكه إلى طرابلس الغرب، ثم حصلت له الهزيمة الشنعاء قرب القيروان حين قاتل أعراب إفريقية، فغدره بنوعبد الواد الذين أخذ من يدهم ملك تلمسان، وانتهزوا الفرصة فيه، وهربوا إلى الأعراب عند المصافة، فاختل مصافه، وهزم أقبح هزيمة، ورجع إلى تونس مغلوباً، وركب البحر في أساطيله، وكانت نحوالستمائة من السفن، فقضى الله تعالى أ، غرقت جميعاً، ونجا على لوح، وهلك من كان معه من أعلام المغرب

وهم نحو أربعمائة عالم، منهم السطي شارح الحوفي، وابن الصباغ الذي أملى في مجلس درسه بمكناسة على حديث " يا أبا عمير ما فعل النغير " أربعمائة فائدة.

قال الأستاذ أبوعبد الله ابن غازي رحمه الله تعالى: حدثني بعض أعيان الأصحاب أنه بلغه أن الفقيه ابن الصباغ المذكور سمع بمنصورة تلمسان المحروسة ينشد كالمعاتب لنفسه:

يا قلب كيف وقعت في أشراكهمولقد عهدتك تحذر الأشراكا

أرضىً بذل في هوى وصبابة ... هذا لعمر الله قد أشقاكا ومات رحمه الله تعالى غريقاً في أسطول السلطان أبي الحسن المريني على ساحل تدلس هو والفقيه السطي والأستاذ الزواوي وغير واحد في نكبة السلطان أبي الحسن المعروفة.

ومن نظم ابن الصباغ المذكور في العلاقات المعتبرة في المجاز وفي المرجحات له قوله رحمه الله تعالى:

يا سائلاً حصر العلاقات التيوضع المجاز بها يسوغ ويجمل
خذها مرتبة وكل مقابلحكم المقابل فيه حقاً يحمل
عن ذكر ملزوم يعوض لازموكذا بعلته بعاض معلل
وعن المعمم يستعاض مخصصوكذاك عن جزء ينوب المكمل
وعن المحل ينوب ما قد حلهوالحذف للتخفيف مما يسهل
وعن المضاف إليه ناب مضافهوالضد عن أضداده مستعمل
والشبه في صفة تبين وصورةومن المقيد مطلق قد يبدل
والشيء يسمى باسم ما قد كانهوكذاك يسمى بالبديل المبدل
وضع المجاور في مكانة جارهوبهذه حكم التعاكس يكمل
واجعل مكان آلته وجيءبمنكر قصد العموم فيحصل
ومعرف عن مطلق وبه انتهتولجلها حكم التداخل يشمل

وبكثرة وبلاغة ولزومه ... لحقيقة رجحانه يتحصل انتهى كلام شيخ شيوخ شيوخنا الإمام أبي عبد اله محمد بن غازي رحمه الله تعالى.

وقد حكى ابن غازي المذكور عن شيخه القوري عن شيخه ابن جابر أن ابن الصباغ المذكور اعترض على القاضي ابن عبد السلام التونسي، قال: لما لقي ابن الصباغ بتونس اعترض عليه ابن الصباغ أربع عشرة مسألة لم ينفصل عن واحدة منا، بل اقر بالخطإ فيها، إذ ليس ينبغي اتصاف بالكمال، إلا لربي الكبير المتعال؛ انتهى.

وذكر الشيخ أبوعبد الله الأبي رحمه الله تعالى في شرح مسلم عند تكلمه على أحاديث العين ما معناه أن رجلاً كان بتلك الديار معروفاً بإصابة العين، فسأل منه بعض الموتورين للسلطان أبي الحسن أن يصيب أساطيله بالعين، وكانت كثيرة نحوالستمائة، فنظر إليها الرجل العائن، فكان غرقها بقدرة الله الذي يفعل ما يشاء، ونجا السلطان برأسه، وجرت عليه محن، واستولى ولده السلطان أبوعنان فارس على ملكه، وكان خلفه بتلمسان، ولم يزل في اضطراب حتى ذهب إلى سجلماسة، ومنها خلص إلى جبل هنتاتة قرب مراكش، فذهب إلى حربه ابنه السلطان أبوعنان فارس بجيوشه، وأناخ على الجبل بكلكله، ولم تحفز أهل هنتاتة جواره لديهم، ولا كبيراهم عامر بن محمد وأخوه، وصبروا على الحصار وخراب الديار، وحرق الأماكن، حتى مات هناك رحمه الله تعالى ونقل بعد إلى شالة سلا مدفن أسلافه، ومن أراد الوقوف على أخباره فعليه بكتاب الخطيب

ابن مرزوق الذي ألفه فيه وسماه المسند الصحيح الحسن من أحاديث السلطان أبي الحسن ".

ولما ذهب لسان الدين ابن الخطيب إلى عامر بن محمد بجبله المشهور زار محل وفاة السلطان المذكور، وقد ألم بذكر ذلك في نفاضة الجراب، إذ قال: وشاهدت بجبل هنتاتة محل وفاة السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن رحمه الله تعالى، حيث أصابه طارق الأجل، الذي فصل الخطة، وأصمت الدعوة، ورفع المنازعة، وعاينته مرفعاً عن الابتذال بالسكنى مفترشاً بالحصباء، مقصوداً بالابتهال والدعاء، فلم أبرح يوم زيارة محل وفاته أن قلت:

يا حسنها من أربع وديارأضحت لباغي الأمن دار قرار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وجبال عز لا تذل أنوفهاإلا لعز الواحد القهار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ومقر توحيد وأس خلافةآثارها تنبي عن الأخبار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ما كنت أحسب أن أنهار الندىتجري بها في جملة الأنهار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ما كنت أحسب أن أنوار الحجىتلتاح في قنن وفي أحجار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
محت جوانبها البرود، وإن تكنشبت بها الأعداء جذوة نار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
هدت بناها في سبيل وفائهافكأنها صرعى بغير عقار
لما توعدها على المجد العدارضيت بعيث النار لا بالعار
عمرت بجلة عامر واعزهاعبد العزيز بمرهف بتار
فرسا رهان أحرزا قصب الندىوالبأس في طلق وفي مضمار
ورثا عن الندب الكبير أبيهمامحض الوفاء ورفعة المقدار
وكذا الفروع تطول وهي شبيهةبالأصل في ورق وفي أثمار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
أزرت وجوه الصيد من هنتاتةفي جوها بمطالع الأقمار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
لله أي قبيلة تركت لها النظراء دعوى الفخر يوم فخار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
نصرت أمير المسلمين وملكهقد أسلمته عزائم الأنصار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وارت علياً عندما ذهب الردىوالروع بالأسماع والأبصار
وتخاذل الجيش اللهام واصبح الأبطال بين تقاعد وفرار
كفرت صنائعه فيمم دارهامستظهراً منها بعز جوار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وأقام بين ظهورها لا يتقيوقع الردى وقد ارتمى بشرار
فكأنها الأنصار لما أنستفيما تقدم غربة المختار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
أما غدا لحظاً وهم أجفانهنابت شفارهم عن الأشفار
حتى دعاه الله بين بيوتهمفأجاب ممتثلاً لأمر الباري
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
لو كان يمنع من قضاء الله ماخلصت إليه نوافذ الأقدار
قد كان يأمل أن يكافئ بعض ماأولوه لولا قاطع الأعمار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ما كان يقنعه لوامتد المدىإلا القيام بحقها من دار
فيعيد ذاك الماء ذائب فضةويعيد ذاك الترب ذوب نضار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
حتى تفوز على النوى أوطانهامن ملكه بجلائل الأوطار
حتى يلوح على وجوه وجوههمأثر العناية ساطع الأنوار
ويسوغ الأمل القصي كرامهامن غير ما ثنيا ولا استعصار
ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجىعن درهم فيهم ولا دينار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
أو أن يتوج أو يقلد هامهاونحورها بأهلة ودراري
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
حق على المولى ابنه إيثار مابذلوه من نصر ومن إيثار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
فلمثلها ذخر الجزاء، ومصلهمن لا يضيع صنائع الأحرار
وهو الذي يقضي الديون ويرهيرضيه في علن وفي إسرار
حتى تحج محلة رفعوا بهاعلم الوفاء لأعين النظار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
فيصير منها البيت بيتاً ثانياًللطائفين إليه أي بدار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
تغني قلوب القوم عن هدي بهودموعهم تكفي لرمي جمار
حييت من دار تكفل سعيها المحمود بالزلفى وعقبى الدار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»

وضفت عليك من الإله عناية ... ما كر ليل فيك إثر نهار ويعني بالمولى ابنه السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن.

ومن العجائب أن الرئيس عامر بن محمد الذي جرى في هذه الأبيات ذكره كان يؤمل بإيوائه للسلطان أبي الحسن ونصرته له وعدم إخفار ذمته فيه أن ينال من أولاده الملوك بذلك عزاً مستطيلاً ورياسة زائدة على ما كان فيه، فقضى الله تعالى أن كان حتفه على يد السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، إذ نازله بجنوده، وحاصره بمعتقله، حتى استولى عليه وقتله، حسبما استوفى ذلك الشيخ الرئيس قاضي القضاة أبوزيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي المغربي نزيل مصر في تاريخه الكبير الذي سماه ب كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر فمن شاء فليراجعه ثمة.

وكان الرئيس أبوثابت عامر بن محمد الهنتاتي المذكور خرج على السلطان عبد العزيز بالسلطان المعتمد على الله أبي الفضل محمد ابن أخي السلطان عبد العزيز المذكور، فكان من قتله ما ذكر، والله غالب على أمره.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.