تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع لنثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى

ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به سلطان المغرب

أبا زيان لما تم له الأمر، وهومشتمل على نظم ونثر، ونصه:

يا ابن الخلائف يا سميّ محمديا من علاه ليس يحصر حاصر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
أبشر فأنت مجدد الملك الذيلولاك أصبح وهو رسم دائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
من ذا يعاند منك وارثه الذيبسعوده فلك المشيئة دائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
ألقت إليك يد الخلافة أمرهاإذ كنت أنت لها الولي الناصر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
هذا وبينك لصريخ وبينهاحرب مضرسة وبحر زاخر
من كان هذا الصنع أول أمرهحسنت له العقبى وعز الآخر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
مولاي عندي في علاك محبةوالله يعلم ما تكن ضمائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
قلبي يحدثني بأنك جابركسري، وحظي منك حظ وافر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
بثرى جدودك قد حططت مثلمايلقي لملكك سيف أمرك عامر
فهو الولي لدى الذي اقتحم الردىوقضى العزيمة وهوسيف باتر
وولي جدك في الشدائد عندماخذلت علاه قبائل وعشائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»
فاستهد منه النصح واعلم أنهفي كل معضلة طبيب ماهر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا ابن الخلائف يا سمي محمد»

إن كنت قد عجلت بعض مدائحي ... فهي الرياض، وللرياض بواكر مولانا، وعمدة ديننا ودنيانا، الذي سخر الله تعالى البر والبحر يأمره، وحكم فوق السموات السبع بعز نصره، وأغنى سعده عن سل السلاح وشهره، وفتق عن الصنع الجميل كمامة تسليمه وصبره، وقيض له في علم غيبه وزيراً مذخوراً لشد أزره، وقود الملك إليه على حال حصره، الخليفة الإمام، الذي استبشر به الإسلام، وخففت بعزه الأعلام، ولاح بدر محياه فاقتض الظلام، المقتدي بالنبي الكريم سميه في المراشد التي تألق منها الصبح، والمقاصد التي لازمها النجح، والتمحيص الذي نبع منه المنح، حتى

في الهجرة التي جاءه بعدها الفتح، أبوزيان ابن مولانا السلطان ولي العهد ترشيحاً ومآلاً، ومؤمل الإسلام تقلداً لمذهب الصريح وانتحالاً، وأمير المسلمين لوأوسعه القدر إمهالاً، ووسطى عقد البنين خلائق متعددة وخلالاً، المتحف بالشهادة ولما يعرف بدره هلالاً، المعوض بما عند الله تعالى سعادة ألبسته سربالاً، وأبلغته نم رضوان الله تعالى آمالاً، أبي عبد الرحمن ابن مولانا أمير المسلمين عظيم الخلفاء، وعنصر الصبر والوفاء، وستر الله تعالى المسدول على الضعفاء، والمجاهد في سبيل الله تعالى بنفسه وماله، المنيف على مراكز النجوم يهممه وآماله، المقدس أبي الحسن ابن موالينا الخلفاء الطاهرين والأئمة المرضيين، من قبيل بني مرين، وصفوة اله تعالى في هذا المغرب الأقصى نم أوليائه المؤمنين، وزينة الدنيا وعمدة الدين، هنأه الله تعالى ما أورثه من سرير الملك الأصيل، وخوله من سعادة الدنيا والدين على الإجمال والتفصيل، وتوجه من تاج العزة القعساء عند اشتباه السبيل، وعوضه من قبيل الملائكة عند تشتت القبيل، وجعل قدمه الراسخة، وآياته الناسخة، وربوته السامية الباذخة، وغرة نصره الشادخة، وأوزعه شكر آلائه، في الخلاص من ملكة أعدائه، وخطر البحر وعدوان مائه، وغول السفر، وارتكاب الغرر، وثبات أقدام أوليائه الذين ما بدلوا تبديلاً، ولا ارتضوا لقبلة طاعته بعد أن ولوا وجوههم شطرها تحويلاً، بل صبروا صبراً جميلاً، وباعوا نفوسهم تتميماً لعقدة إيمانهم وتكميلاً.

يسلم على مقامكم الذي وسم السعد مشرق جبينه، وذخرت قبل الطاعة ليمينه، وأقسم الدهر بمظاهرة أمره السيعد قبر - والشكر لله تعالى - في يمينه، عبدكم الذي اعتلق منكم بالوسيلة الكبرى، وقر بملككم عيناً وشرح صدراً، وبذل الجهد وإن قل قدرة وقدراً، والتمس لكم الدعاء علناً وسراً، ابن الخطيب الذي حط رحل اقتصاده بتراب الملوك الكرام جدودكم، محاريب

بركم وأسباب وجودكم، وآبائكم الذين في مظاهرتهم ورعيهم يظهر للناس نخايل هداكم وتدر سحائب جودكم، ملتحفاً منذ سنتين بأصونة قبورهم وثيابها، مستظلاً بأفنيتها المعظمة وقبابها، ممرغاً خذه بترابها، مواصلاً الصراخ با لمرين ويا ليعقوب متطارحاً على أبوابها، فلم يتح الله تعالى له نعرة ترعى الضيف وتحمي الدخيل، أوحمية تدفع الضيم وتشفي الغليل، إلا على يدكم يا أيها الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وبطل الميدان في موقف الهول العظيم، المذخور لنصر المظلوم وإنصاف الغريم، وإجالة أقلام الفتح بفتح الأقاليم.

كتبه مهنئاً بما سنى الله تعالى لملككم من الصنع الذي خرق حجاب العادة، وأرى إعجاز السعادة، معجلاً ذلك بين يدي المبادرة إلى لثم بساطكم الذي شرف وجوهها بلثمه الوجوه، وتخشاه الاملاك الجبابرة وترجوه، وأداء الواجب من القيام بمنظوم ثنائه في الحفل المشهود، وإبلاغ لسان الحمد وسع المجهود، وإلقاء ما عند العبد من خلوص وجنوح، وحب واضح أي وضوح، فولي دعوتكم الشيخ أبوثابت أعزه الله تعالى يقرره، ويبين مجمله ويفسره، والعبد واثق بفضل الله تعالى على يديكم، وملتمس النصر لديكم، وقاطع أن طلبته بكم تتسنى، وأنكم سبب عاقبته الحسنى، ما بالظهور على الوطن الذي تجرأ به المنقلب على ملككم، ومد اليد إلى نثر سلككم، ونقص إرثكم المسلم المحرر، وزلزل وطنكم المؤسس على الطاعة المقرر، وأضرم النار في بسائطكم وجبالكم، وأطلق يد الفتنة على بيوت أموالكم متكثراً عليكم بالقلة، متعززاً بالذلة، جانياً على داركم بما لا تبيحه الملة، أوبالشفاعة الجازمة إن لم يتأذن الله تعالى في الانتصاف، والله يجعل الظهور بكم من الأوصاف، ويعينكم على جبر الكسير، وتيسير الأمر العسير، ويهنيكم منيحة الملك الكبير، ويبقي كلمته في عقبكم بعد تملؤ التعمير، والسلام.

وله رحمه الله تعالى في مخاطبة السلطان أبي زيان المذكور: المولى الذي طوق المنن، وأحيا السنن، وانبت الله تعالى حبه في القلوب النبات الحسن، ناظم كلمة الدين بعد انتشارها، ومقيل عثارها، والأخذ بثارها، والمخلد لآثارها، السلطان أبوزيان ... إلخ - أبقاكم الله تعالى عالي القدم، منصور العلم، ظاهراً على الأمم، مقصود الحمى كالركن الملتزم، عبد مقامكم الذي آويتموه غريباً، وانستموه دركاً وتثريباً، ولا عدم حظوة ووشفقة ونعمة وتقريباً، ابن الخطيب عن ثناء يعطر الآفاق، ويرقم الأوراق، ويخلق الجيوب والأطواق، وحب بهر نوراً وراق، وجاس اشتهاره الشام والعراق، ويطالع العبد محل مولاه الذي خلف ببابه قلبه وولده، وصبره وجلده، وصير وطنه داره الحقيقية وبلده، أنه لما قدم على محل أخيه، المعتد بما أودع الله تعالى من الخلال الشريفة فيه، مولاي ابن مولاي أبي عبد الله - كفل الله تعالى جميل رعيه وكرم عهده، وحكم بإعلاء جده ومضاء حده - رعى الوسيلة، وصدق المخيلة، وجلا عند اجتلاء مخاطبتكم أسارير الفضيلة، فلم يدع حقاً إلا صرفه، ولا نكرة إلا عرفه، ولا نعمة إلا سكبها، ولا مزية إلا أوجبها، ولا رتبة إلا أعلاها، ولا نعمة إلا أولاها، وما ذاك يا مولاي وإن تعددت الرسائل والأذمة، وادكرت القرب بعد أمة، إلا بوصاتكم التي لا تهمل، وحرمتكم التي لا تجهل، وعطف مقامكم الذي اشتهر، واعتنائكم بعبدكم الذي راق وبهر، فالعبد الرفيع المقدار، والأمل في مقامكم غير منقطع السبب، والأهل والولد تحت كنف مقامكم الأصيل الحسب، حتى يمن الله تعالى بحج بيته وزيارة رسوله على يديكم، ويكون قضاء هذا الوطر منسوباً إليكم، وبعد هذا يستقر القرار، حيث يختار من يخلق ما يشاء ويختار، بحول الله تعالى.

والعبد يذكر مولاه بما بشره بين يدي وداعه، وبمرأى وزيره السعيد واستماعه، من انجلاء الحركة عن عزه وظهوره، ونجاح أحواله واستقامة أموره، ويهنيه بصدق الوعد، وأمطار الرعد، وظهور السعد، وهي وسيلة إذا عدت الوسائل، وروعيت الذمم الجلائل، ومثل مولاي من رعى وأبقى، وسلك التي هي أبر وأتقى، وما قصر عنه القلم من حق مولاي فالرسول أعزه الله تعالى يتممه، وما قصر عنه الرسول فالله تعالى يعلمه، وهوجل وعلا يديم أيام مولاي ويبقي مجده، ويصل سعده، والسلام انتهى.

ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى شيخ الدولة يحيى بن رحو قوله: سيدي الذي له المزية العظمى، والمحل الأسمى، شيخ قبيل بني مرين، وقطب مدار الأحرار على الإجمال والتعيين، والمتميز بالدهاء والرجاحة، والمعرفة الفسيحة الساحة، ولاصدقة المباحة، وشروط الصوفية من ترك الأذى ووجود الراحة، أسلم على ذاتكم الطاهرة التي بخلت الأزمان والله أن تأتي بنظيرها، وتنافست الدول في تكبيرها، وسارت المواكب الملوكية بمسيرها، وأثنت الألسن بفضلها وخيرها، وأقرر لديها أني أعددت من معرفتها بالأندلس كنزاً لم أنفق منه إلى اليوم وزناً، إعداداً له وخزناً، إذا لا يخرج العتاد الكبير إلا عن حاجة وفاقة، ولا ترد اليد إلى الذخيرة إلا في إضاقة وعجز طاقة، وما كانت الوصلة بمثلها ليهملها مثلي جهلاً يقيمتها العالية، وإزراء بجهتها الكافلة الكافية، لكن نابت عن يدها أيد، وكفى عن ابتذالها ما كف الله تعالى من عمرووزيد، والآن أقرر أني قد كادت حاجتي إلى ذلك العتاد أن تتمحض، وزبدته أن المحض، إذ حظي من رعي ذلك القبيل الذي قصرت عليه رياسته، والوزير

الذي من رأيه تستمد سياسته، وإذا وفد خاصة هذه المدينة مهنين، وبشكر إيالته الكريمة مثنين، فخيمته ظل ظليل، ومساركته معتمدي في الكثير فكيف ولا غرض لي إلا في القليل، وعندي أن رعيه لمثلي لا يفتقر إلى وسيلة تجلب، ولا ذمام يحسب، فمثله من قدر قدر الهناء، وشد أعلام الحمد ولاثناء، سامية البناء، وعرف أن الدنيا على الله تعالى أحقر الأشياء، وقد رفعت أمري كله بعد الله تعالى إلى رأيك، وغنيت عن سعيي لنفسي بجميل سعيك، والسلام.

ومما خاطب به لسان الدين شيخه سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق التلمساني رضي الله تعالى عنه شافعاً: يا سيدي أبقاكم الله تعالى محط الآمال وقبلة الوجوه، وبلغ سيادتكم ما تؤمله من فضل الله تعالى وترجوه، وكلأ بعين حفظه ذاتكم الفاخرة، وجعل عز الدنيا متصلاً لكم بعز الآخرة، بعد تقبيل يدكم التي يدها لا تزال تشكر، وحسنتها عند الله تعالى تذكر، أنهي إلى مقامكم أن الشيخ الكذا أبا فلان - مع كونه مستحق التجلة هجرة إلى أبوابكم الكريمة قدمت، ووسائل من أصالة وحشمة كرمت، وفضل ووقار، وتنويه لولاية أن كانت ذات احتقار، وسن اقتضى الفضل بره، وأدب شكر الاختبار عليه وسره - له معرفة سلفكم الأرضي وسيلة مرعية، وفي الاعتراف بنعمتكم مقامات مرضية، وتوجه إلى بابكم، والتمسك بأسبابكم، والمؤمل من سيدي ستره بجناح رعيه في حال الكبرة، ولحظه بطرف المبرة، غما في استعمال يليق بذوي الاحتشام، أوسكون تحت رعي واهتمام، وإعانة على عمل رسم مصله، على الله تعالى الذي يجزي المحسنين بفضله، ومنه نسأل أن يديم أيام المجلس العلي محروساً من النوائب، مبلغ الآمال والمآرب، والمملوك قد قرر شأنه في إسعاف المقاصد المأمولة من الشفاعة إليكم، والتحسب في هذه الأبواب عليكم، وتقليب القلوب بيد الله تعالى الذي يعطي

ويمنع، ويملك الأمر أجمع، والسلام.

وكتب إليه أيضاً في الشفاعة بما نصه: سيدي الأعظم، وملاذي الأعصم، وعروة عزي الوثقى التي لا تفصم، أبقاك الله تعالى آثارك آية للعز تأمر الدهر فيأتمر، ويلبي بفنائك الطائف والمعتمر، بأي لسان أثني على فواضلك وهي أمهات المنن، وطرف الشام واليمن، ومقامات بديع الزمن، والتحف المرتفعة عن الثمن فحسبي دعاء أردده وأواليه، وأرتقب مطلوب الإجابة من مقدمه وتاليه، وإن تشوف المنعم للحال الموقوف خيره بمشيئة الله تعالى على جميل سعيه، الموسد على وطاء لطفه المغشى بغطاء رعيه، قلب خافق، وقلب مؤمن يجول به وسواس منافق، وقد تجاوز موسى مجمع البحرين، وأصبح سري بابه سري العين، ولقد كانت مراحل الرمل قصيرة قبل أن يكسبها زجلي ثقل الحركة، ويخلط خاصتي في وظائفها المشتركة، وليت أمري برز إلى طرف، وأفضى إلى منصرف، وربما ظفر آيس بما يرجوه، وبرز المحبوب من المكروه، والله تعالى لا يفضح جاه الكتاب الذي أحيا وأنشر، وحياً وبشر، وأعطى صحيفته باليمين وقد جمعت مثابتكم المحشر، وموصل كتابي، ينوب في تقبيل اليد العليا منابي.

وليعلم سيدي أن هذا القطر على شهرته، وتألق مشتريه وزهرته، إذا انتحل كرامه، وعهد الفضل لم يبق إلا انصرامه، فهولبابه المتخير، وزلاله الذي لا يتغير، أصالة معروفة، وهمة إلى الإيثار مصروفة، ونبلاً على السن والكبرة، ورجولية خليقة بصلة الحرمة والمبرة، والوسيلة لا تطرح، والمعنى الذي لا يفسر لوضوحه ولا يشرح، وهوانتماؤه إلى جناب سيدي حديثاً وقديماً، واعترافه بنعمه مديراً لها ومديماً، والله تعالى يوفي إيثار سيدي حظه، ويجدد لديه رعيه ولحظه، حتى يعود علم إقباله، معلماً برد اهتباله، مسروراً

ببلوغ آماله، فلعمري إن محل ولايته لكفي، وإن عهد أمانته لوفي، وإن عامل جده لظاهر وخفي، وما يفعله سيدي من رعيه، وإنجاح سعيه، محسوب من مناقبه، ومعدود في فضل مذاهبه، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته " انتهى.

وقد تكررت في كتابنا هذا مخاطبات لسان الدين رحمه الله تعالى للخطيب ابن مرزوق المذكور نظماص ونثراً؛ إذ كان - أعني ابن مرزوق - رئيس الدولة، ومعتمد الجلة، وسبق منا التعريف ببعض أحواله في باب مشايخ لسان الدين مما جرته المناسبة، فليرجع إليه من أراده، والله تعالى يجعل الجميع من أهل السعادة.

ومما اشتمل على نثر لسان الدين ونظمه ما خاطب به الرئيس أبا زيد ابن خلدون لما ارتحل من بحر المرية واستقر ببلد بسكرة عند رئيسها أبي العابس ابن مزنى، صحبة رسالة خطبها أخوه أبوزكريا، وقد تقلد كتابة صاحب تلمسان، ووصل الكتاب عنه من إنشائه، وهذه صورة ما كتبه لسان الدين رحمه الله تعالى:

بنفسي وما نفسي علي بهينةفينزلني عنها المكاس بأثمان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بنفسي وما نفسي علي بهينة»
حبيب نأى عني وصمم لا ينيوراش سهام البين عمداً فأصماني
وقد كان هم الشيب، لا كان، كافياًفقد آدني لما ترحل همان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بنفسي وما نفسي علي بهينة»
شرعت له من دمع عيني مورداًفكدر شربي بالفراق وأظمأني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بنفسي وما نفسي علي بهينة»
وأرعيته من حسن عهدي جميمهفأجذب آمالي وأوحش أزماني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بنفسي وما نفسي علي بهينة»
حلفت على ما عنده لي من رضىًقياساً بما عندي فأحنث أيماني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بنفسي وما نفسي علي بهينة»
وإني على ما نالني منه من قلىًلأشتاق من لقياه نغبة ظمآن
سألت جنوني فيه تقريب عرشهفقست بجن الشوق جن سليمان
إذا ما دعا داع من القوم باسمهوثبت وما استثبت شيمة هيمان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بنفسي وما نفسي علي بهينة»
وتالله ما أصغيت فيه لعاذلتحاميته حتى ارعوى وتحاماني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بنفسي وما نفسي علي بهينة»
ولا استشعرت نفيس برحمة عابدتظلل يوماً مثله عبد رحمن

ولا شعرت من قبله بتشوق ... تخلل منها بين روح وجثمان أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله تعالى الأرج، وأني بالصبر، على إبر الدبر، لا بل الضرب الهبر، ومطاولة اليوم والشهر، حتى حكم اقهر وهل لعين أن تسلو سلوالمقصر، عن إنسانها المبصر، أوتذهل ذهول الزاهد، عن سرها الراثي والمشاهد وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق هوالحمام الأول، فعلام المعول أعيت مراوضة الفراق، على الراق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السياق:

تركتموني بعد تشييعكمأوسع أمر الصبر عصيانا

أقرع سني ندماً تارةً ... وأستميح الدمع أحيانا وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، ووجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسأل نون النوى عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلثة عن منازل الموحدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، كلفت لعمر الله يسأل عن جفوني المؤرقة، ونائم عن همومي المتجمعة المتفرقة، ظعن عن ملال، لا متبرماً مني بشر خلال، وكدر الوصل بعد صفائه، وضرج النصل بعد عهد وفائه:

أقل اشتياقاً أيها القلب ربما ... رأيتك تصفي الود من ليس جازياً فها أنا أبكي عليه بدم أسأله، وأنهل فيه أسى له، وأعلل بذكراه قلباً صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعدي به على ظلم ابتدعه:

خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله، لمزجت الحنين بالعتب، وبثثت كتائبه كمناء في شعاب الكتب، تهز من الألفات رماحاً خزر الأسنة، وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة، وتقود من بياض الطرس وسواد النفس بلقاً تردي في الأعنة، ولكنه أوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة العوار عن الشمال واليمين، حرم الخلال المزنية، والظلال اليزنية، والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد الممنوح، والطير الميامن يزجر لها السنوح، والمثوى الذي إليه - مهما تقارع الكرام على الضيفان، حول جوابي الجفان - الميل والجنوح:

نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً، ومن فلق الصباح عمودا ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه، وتغمد بالعفوذنبه، ولله در القائل حيث يقول:

فوحقه لقد انتدبت لوصفهبالبخل لولا أن حمصاً داره

بلد متى أذكره تهتج لوعتي ... وإذا قدحت الزند طار شراره اللهم غفراً، ولا كفراً، وأين قرارة النخيل، من مثوى الأقلف البخيل، ومكذبة المخيل وأين ثانية هجر، من متبوإ من ألحد وفجر

من أنطر غيثاً منشؤهفي الأرض وليس بمخلفها
فبنان بني مزنى مزنتنهل بلطف مصرفها
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من أنكر غيثا منشؤه»
مزن مذ حل ببسكرةيوماً نطقت بمصحفها
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من أنكر غيثا منشؤه»
شكرت حتى بعبارتهاوبمعناها وبأحرفها
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من أنكر غيثا منشؤه»
ضحكت بأبي العباس من الأيام ثنايا زخرفها
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من أنكر غيثا منشؤه»

وتنكرت الدنيا حتى ... عرفت منه بمعرفها بل نقول: يا محل الولد ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ (البلد:،) لقد حل بينك عرى الجلد، وخلق الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصميم من الخلد، فحيا الله تعالى زمناً شفيت برقى قربك زمانته، واجتليت في صدف مجدك جمانته، ويا من لمشوق من طول خلتك لبانته، وأهلاً أظلت أشتات معارفك بانته، فحمائمه بعدك تندب، فيساعدها الجندب، ونواسمه ترق فتتغاشى، وعشياته تتخافت وتتلاشى، ومزنه باك، ودوحه في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمر هالات قبابه، ولم يك أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظرف ولبابه، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه، فلهفي عليك من درة اختلستها يد النوى، ومطل بردها الدهر ولوى، ونعق الغراب ببينها في ربوع الجوى، ونطق بالزجر فما نطق عن

الهوى، وبأي شيء نعتاض منك أيتها الرياض، بعد أن طمى نهرك الفياض، وفهقت الحياض ولا كان الشانئ المشنوء، والجرب المهنوء، من قطع ليل أغار على الصبح فاحتمل، وشارك في الذم الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل، نشر الشراع فراع، وأعمل الإسراع، كأنما هوتمساح النيل ضايق الأحباب في البرهة، واختطف لهم من الشط نزهة العين وعين النزهة، ولجج بها والعيون تنظر، والغمر عن الأتباع يحظر، فلم يقدر إلا على الأسف، والتماح الأثر المنشف، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووقر الجسرة من الحسرة، وإنما نشكوإلى الله البث والحزن، ونستمطر من عبارتنا المزن، وبسيف الرجاء نصول، إذا شرعت للياس النصول:

ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول فإن كان كلم الفراق رغيباً، لما نويت مغيباً، وجللت الوقت الهنئ تشغيباً، فلعل الملتقى يكون قريباً، وحديثه يروى صحيحاً غريباً.

إيه ثقة النفس كيف حال تلك الشمائل، المزهرة الخمائل والشيم، الهامية الديم، هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاص البين ذباله، أوترثي لشؤون شأنها سكب لا يفتر، وشوق يبت حبال الصبر ويبتر، وضنى تقصر عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، والأمر أعظم والله يستر، وما الذي يضيرك صين من لفح السموم نضيرك، بعد أ، أضرمت وأشعلت،

وأوقدت وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، أن تترفق بذماء، أوترد بنغبة ماء، أماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحية يشم منها شذا أنفاسك، أوتنظر إلينا على البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك وسواد أنفاسك، فربما قنعت الأنفس المحبة بخيال زور، وتعللت بنوال منزور، ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور:

يا من ترحل والنسيم لأجلهتشتاق إن هبت شذا رياها

تحيي النفوس إذا بعثت تحية ... فغذا عزمت اقرأ ﴿ومن أحياها﴾ ولئن أحييت بها فيما سلف نفوساً تفديك - والله تعالى إلى الخير يهديك - فنحن نقول معشر مريديك: ثن ولا تجعلها بيضة الديك، وعذراً فإني لم أجتر على خطابك بالفقر الفقيرة، وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة، لا عن نشاط يعثت مرموسه، ولا غتباط بالأدب تغري بسياسته سوسه، وانبساط أوحى إلي على الفترة ناموسه، وإنما هواتفاق جرته نفثة المصدور، وهناء الجرب المجدور، وخارق لا مخارق، فثم قياس فارق، أولحن غنى به بعد الممات مفارق، والذي سببه، وسوغ منه المكروه وحببه، ما اقتضاه الصنويحيى - مد الله تعالى حياته، وحرس من الحوادث ذاته - من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها، بعد أن رضي علالتها، ورشح إلى الصهر الحضرمي سلالتها، فلم يسع إلا إسعافه، بما اعافه، فأمليت مجيباً، ما لا

يعد في يوم البرهان نجيباً، وأسمعت وجيباً، لما ساجلت بهذه الترهات سحراً عجيباً، حتى إذا ألف القلم العريان سبحه، وجمح برذون الغرارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه، وموقف متلوه، إلا وقد تحيز إلى فئتك معتزاً بل معتراً، واستقبلها ضاحكاً مفتراً، وهش لها براً، وإن كان لونه من الوجل مصفراً، وليس بأول من هجر، في التماس الوصل ممن هجر، أوبعث التمر إلى هجر، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام بعد أن حال الجريض، دون القريض، وشغل المريض، عن التعريض، واستولى الكسل، ونصلت الشعرات البيض كأنها الأسل، تروع برقط الحيات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر والشيات، عند البيات، والشيب الموت العاجل، وإذا ابيض زرع صبحته المناجل، والمعتبر الآجل، وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده، فأغض أبقاك الله واسمح، لمن قصر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثواب، واشف بعض الجوى بالجواب، تولاك الله تعالى فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك أية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات، والسلام الكريم يعتمد جلال ولدي، وساكن خلدي بل أخي وإن عتبته وسيدي، ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى.

قلت: هذه الرسالة الرافلة في حلل البلاغة لم أر مثلها ولم أقف عليه، فرحم الله تعالى لسان الدين ووجه سحائب الرحمة إليه، فلقد كان آية الله في النظم

والنثر وجميع العلوم على اختلافها.

وكما خاطب الولي ابن خلدون خاطب أخاه أبا زكريا يحيي حسبما قال في بعض كتبه: ومما خاطبت به الفقيه أبا زكريا ابن خلدون، لما ولي الكتابة عن السلطان أبي حموسلطان تلمسان نم بني زيان واقترن بذلك نصر وصنع غبطته به وأشدت به قصد تنفيقه وإنهاضه لديه: نخص الحبيب الذي هوفي الاستظهار به أخ وفي الشفقة عليه ولد، والولي الذي ما بعد قرب مثله أمل ولا على بعده جلد، والفاضل الذي لا يخالف في فضله ساكن ولا بلد، أبقاه الله تعالى وفاز فوزه وعصمته لها نم التوفيق الله سبحانه عمد، ومورد سعادته المسوغ لعادته لا غور ولا ثمد، ومدى إمداده من خزائن إلهام الله تعالى وسداده ليس له أمد، وحمى فرح قلبه بمواهب من ربه أن يطرقه كمد.

تحية محله، من صميم قلبه بمحله، المنشئ رواق الشفقة، مرفوعاً بعمد المحبة والمقة، فوق ظعنه وحله، مؤثره ومجله، المعتني بدق أمره وجله، ابن الخطيب، من الحضرة الجهادية غرناطة، صان الله تعالى خلالها، ووقى هجير هجر الغيوم ظلالها، وعمر بأسود الله تعالى أغيالها، كما أغرى بمن كفر بالله تعالى صيالها، ولا زائد إلا منن من الله تعالى تصوب، وقوة يسترد بها المغضوب، ويخفض الصليب المنصوب، والحمد لله تعالى الذي بحمده ينال المطلوب، وبذكره تطمئن القلوب، ومودتكم المودة التي غذتها ثدي الخلوص بلبانها، وأحلتها حلائل المحافظة بين أعينها وأجفانها، ومهدت موات أخواتها الكبرى أساس بنيانها، واستحقت ميراثها مع استصحاب حال الحياة إن شاء الله تعالى واتصال زمانها، واقتضاء عهود الأيام بيمنها وأمانها، ولله در القائل:

فإن لم يكنها أوتكنه فإنهأخوها غذته أمه بلبانها

وصل الله تعالى ذلك من أجله وفي ذاته، وجعله وسيلة إلى مرضاته، وقربة تنفع عند اعتبار ما روعي من سنن الجبار ومفترضاته.

وقد وصل كتابكم الذي فاتح بالريحان والروح، وحل من مرسوم الولاء محل البسملة من اللوح، وأذن لنوافح الثناء بالبوح، يشهد عدله بأن البيان يا آل خلدون سكن من مثواكم دار خلود، وقدح زنداً غير صلود، واستأثر من محابركم السيالة، وقضب أقلامكم الميادة الميالة، بأب منجب وأم ولود، يقفو شانيه غير المشنو، وفصيله غير الجرب ولا المهنو، من الخطاب السلطاني سفينة منوح، إن لم نقل سفينة نوح، ما شئت من آل أزواج، وزمر من الفضل وأفواج، وأمواج كرم تطفوفوق أمواج، وفنون بشائر، وإهطاع قبائل وعشائر، وضرب للمسرات أعيا الشائر، فلله هومن قلم راعى نسب القنا فوصل الرحم، وانجد الوشيج والملتحم، وساق بعصاه من البيان الذود المزدحم، وأخاف من شذ عن الطاعة مع الاستطاعة فقال " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم " هود: ولولم يوجب الحق برقه ورعده، ووعيده ووعده، لأوجبه يمنه وسعده، فلقد ظهرت مخايل نجحه، علاوة على نصحه، ووضحت محاسن صبحه، في وحشة الموقف الصعب وقبحه، وصل الله تعالى له عوائد منحه، وجعله إقليداً كلما استقبل باب أمل وكله الله تعالى بفتحه.

أما ماقرره ولاؤكم من حب زكا على حبة القلب حبه، وأنبته النبات الحسن ربه، وساعده من الغمام سكبه، ومن النسيم اللدن مهبه، فرسم ثبت عند الولي نظيره، ومن غبر معارض يضيره، وربما أربى بتذييل مزيد، وشهادة ثابت ويزيد، ولم لا يكون ذلك، وللقلب على القلب شاهد وكونها

أجناداً مجندة لا يحتاج تقريره إلى ماهد وجهد جاهد، ومودة الأخوة سبيلها لاحب، ودليلها للدعوة الصادقة مصاحب، إلى ما سبق من فضل ولقاء، ونظافة سقاء، واعتقاد، لا يراع سربه بذئب انتقاد، واجتلاء شهاب وقاد، لا يحوج إلى إيقاد، إنما عاق عن مواصلة ذلك نوىً شط منها الشطن، وتشذيب لم يتعين معه الوطن، فلما تعين، وكاد الصبح أن يتبين، عاد الوميض ديجوراً، والثماد بحراً مسجوراً، إلى أن أعلق الله تعالى منكم اليد بالسبب الوثيق، وأحلكم منجى نيق، لا يخاف من منجنيق، وجعل يراعكم لسعادة موسى معجزة تأتي على الخبر بالعيان، فتخر لثعبانها سحرة البيان:

أيحيى سقى حيث لحت الحيافنعم الشعاب ونعم الوكون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيحيى سقى حيث لحت الحيا»
وحياً يراعك من آيةفقد حرك القوم بعد السكون
دعوت لخدمة موسى عصاهفجاءت تلقف ما يأفكون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيحيى سقى حيث لحت الحيا»
فأذعن من يدعي السحر رغماًوأسلم من أجلها المشركون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيحيى سقى حيث لحت الحيا»

وساعدك السعد فيما أردت ... فكان كما ينبغي أن يكون " فأنتم أولى الأصدقاء بصلة السبب، ورعي الوسائل والقرب، أبقاكم الله تعالى وأيدي الغبطة بكم عالية، وأحوال تلكم الجهات بدرككم المهمات حالية، وديم المسرات من إنعامكم المبرات على معهود المبرات متوالية.

وأما ما تشوفتم إليه من حال وليكم فأمل متقلص الظل، وارتقاب لهجوم جيش الأجل المطل، ومقام على مساورة الصل، وعمل يكذب الدعوى، وطمأنينة تنتظر الغارة الشعوا، ويد بالمذخور تفتح، وأخرى تجهد وتمنح، ومرض يزور فيثقل، وضعف عن الواجب يعقل، إلا أن اللطائف تستروح،

والقلب من باب الرجاء لا يبرح، وربما ظفر البائس، ولم تطرد المقايس، تداركنا الله تعالى بعفوه، وأوردنا من منهل الرضى والقبول على صفوه، وأذن لهذا الخرق في رفوه.

" وأما ما طلبتم من انتساخ ديوان، وإعمال بنان في الإتحاف ببيان، فتلك عهود لدي مهجورة، ومعاهد لا متعهدة ولا مزورة، شغل عن ذلك حوض يعلو لجبه، وحرص يقضى من لغط المانح عجبه، وهول جهاد تساوى جمادياه ورجبه، فلولا التماس أجر، وتعلل بربح تجر، لقلت: أهلاً بذات النحيين، فلئن شكت، وبذلت المصون بسبب ما أمسكت، فلقد ضحكت في الباطن ضعف ما بكت، ونستغفر الله تعالى من سوء انتحال، وإيثار المزاح بكل حال، وما الذي ينتظر مثلي ممن عرف المآخذ والمتارك، وجرب لما بلا المبارك، وخبر مساءة الدنيا الفارك

هذا أيها الحبيب ما وسعه الوقت الضيق، وقد ذهب الشباب الريق، ليسمح فيه معهود كمالك، جعل الله تعالى مطاوعة آمالك، مطاوعة يمينك لشمالك، ووطأ لك موطأ العز بباب كل مالك، وقرن النجح بأعمالك، وحفظك في نفسك واهلك ومالك، والسلام انتهى.

ومن مخاطبات لسان الدين لصاحب العلامة أبي القاسم ابن رضوان:

قد كنت أجهد في التماس صنيعةنفساً شهاب ذكائها وقاد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «قد كنت أجهد في التماس صنيعة»

وأقول لو كان المخاطب غيركم ... عند الشدائد تذهب الأحقاد سيدي، أبقاكم الله تعالى علم فضل وإنصاف، ومجموع كمال أوصاف: كلام النية قصير، والله تعالى بحسنات الأقوال والأفعال بصير، وإليه هذا الخباط كل رجعي منا ومصير، وليس لنا إلا هومولى ونصير، وهذا الرجل سيدي الخطيب

أبوعبد الله ابن مرزوق - جبره الله تعالى - بالأمس كنا نقف ببابه، ونتمسك بأسبابه، ونتوسل إلى الدنيا به، فإن كنا قد عرفنا خيراً وجبت المشاركة، أوكفافاً تعينت المتاركة، أوشراً اهتبلت غرة الهدى الأنفس المباركة، واتصفت بصفة من يعصي فيسمح، ويسأل فيمنح، ويعود إلى قبيح بالفعل الجميل، ويحسب يد التأميل، ومع هذا فلم ندر إلا خيراً كرم منه المورد والمصرف، ومن عرف حجة على من لا يعرف، وأنتم في الوقت سراج علم لا يخبوسناه، ومجموع تخلق عرفنا منه ما عرفناه، وهذه هي الشهرة التي تغتنم إذا سفرت، والهنة التي تحبر عليها النفس إذا نفرت، حتى لا تجد بعون الله تعالى عارضاً يعوقها عن الخير، وسبيل الكمال الأخير، والأجر في استيفاء كتاب الشفاعة، وتحري المقاصد النفاعة، وتنفيق البضاعة، قد ضمنه نم وعد بقيام الساعة، والجزاء على الطاعة وغير الطاعة، وهذه المشاركة تسجيل لفضلكم قبلي، وهي في الحقيقة لي، فكيف والله تعالى يرى عملكم وعملي، والمتروك حقير، والوجود إلى رحمة من رحمات الله تعالى فقير، والسلام انتهى.

ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى قوله في مخاطبة شيخ العرب مبارك بن إبراهيم رحمه الله تعالى:

" ساحات دارك للضياف مباركوبضوء نار قراك يهدي السالك
ونوالك المبذول قد شمل الورىطراً، وفضلك ليس فيه مشارك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
قل للذي قال للوجود قد انطوىوالبأس ليس له حسام فاتك
والجود ليس له غمام هاطلوالمجد ليس له همام باتك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
جمع الشجاعة والرجاحة والندىوالبأس والرأي الأصيل مبارك
للدين والدنيا وللشيم العلاوالجود إن شح الغمام السافك
عند الهياج ربيعة بن مكدمفي الفضل والتقوى الفضيل ومالك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
ورث الجلالة عن أبيه وجدهفكأنهم ما غاب منهم هالك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
فجياده للآملين مراكبوخيامه لقاصدين أرائك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
فغذا المعالي أصبحت مملوكةأعناقها بالحق فهو المالك
يا فارس العرب الذي من بيتهحرم لها حج به ومناسك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
يا من يبشر باسمه قصادهفلهم إليه مسارب ومسالك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
أنت الذي استأثرت فيك بغبطتيوسواك فيه مآخذ ومتارك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «عرصات دارك للضياف مبارك»
لا زلت نوراً يهتدي بضيائهمن جنه للروع ليل حالك

ويخص مجدك من سلامي عاطر ... كالمسك صاك به الغوالي صائك الحمد لله تعالى الذي جعل بيتك شهيراً، وجعلك للعرب أميراً، وجعل اسمك فالاً، ووجهك جمالاً، وقربك جاهاً ومآلاً، وآل رسول اله ﷺ لك آلاً، أسلم عليك يا أمير العرب وابن أمرائها، وقطب سيادتها وكبرائها، وأهنيك ما منحك الله تعالى من شهرة تبقى، ومكرمة لا يضل المتصف بها ولا يشقى، إذ جعل خيمتك في هذا المغرب على اتساعه، واختلاف أشياعه، مأمناً للخائف، على قياس المذاهب والطوائف، وصرف الألسنة إلى مدحك والقلوب إلى حبك، وما ذلك إلا لسريرة لك عند ربك، ولقد كنت أيام تجمعني وإياك المجالس السلطانية على معرفتك متهالكاً، وطوع الأمل سالكاً، لما يلوح لي على وجهك من سيما المجد والحياء، والشيم الدالة على العلياء، وزكاء الأصول وكرم الآباء، وكان والدي - رحمه الله تعالى - قد عين للقاء

خال السلطان قريبكم لما توجه في الرسالة إلى الأندلس في تأنيسه عن مخدومه، ومنوهاً حيث حل بقدومه، واتصلت بعد ذلك المهاداة والمعرفة، والوسائل المختلفة، فعظم لأجل هذه الوسائل شوقي إلى التشرف بزيارة ذلك الجناب الذي حلوله شرف وفخر، ومعرفته كنز وذخر، فلما ظهر الآن لمحل الأخ الكذا القائد فلان اللحاق بك، والتعلق بسببك، رأيت أنه قد اتصل بهذا الغرض المؤمل بعضي والله تعالى ييسر في البعض، عند تقرير الأمن وهدنة الأرض، وهذا الفاضل بركة حيث حل لكونه من بيت أصالة وجهاد، وماجداً وابن أمجاد، ومثلك لا يوصى بحسن جواره، ولا ينبه على إيثاره، وقبيلك في الحديث - من العرب - والقديم، وهوالذي أوجب لها مزية التقديم، لم يفتخر قط بذهب يجمع، ولا ذخر يرفع، ولاقصر يبنى، ولا غرس يجنى، إنما فخرها عدويغلب، وثناء يجلب، وجزور ينحر، وحديث يذكر، وجود على الفاقة، وسماحة بحسب الطاقة، فلقد ذهب الذهب، وفني النشب، وتمزقت الأثواب، وهلكت الخيل العراب، وكل الذي فوق التراب تراب، وبقيت المحاسن تروى وتنقل، والأعراض تجلى وتصقل، ولله در الشاعر إذ يقول:

وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى هذه مقدمة إن يسر الله تعالى بعدها لقاء الأمير، فيجلي اللسان عماً في الضمير:

ومدحي على الأملاك مدح، وإنمارأيتك منها فامتدحت على وسمي
وما كنت بالمهدي لغيرك مدحتيولو أنه قد حل في مفرق النجم "
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ومدحي على الأملاك وقف وإنما»

ومن ذلك ما خاطب به شيخه الخطيب سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق وهو:

" راش زماني وبرى نبلهفكنت لي من وقعها جنه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «راش زماني وبرى نبله»
ولو قهرت الموت أمنتنيمنه وأدخلتني الجنه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «راش زماني وبرى نبله»

فكيف لا أنشرها منة ... قد عرفتها لاإنس والجنه " بماذا أخاطب به تلك الجلالة، فيتيسر الخطاب وتحصل الدلالة، أبسيدي ويشركني فيه، من قال لا إله إلا الله بفيه أوبروح حياتي، ومقدم ماهية ذاتي، وذخري الكبير الكثير، لا بل فلكي الأثير، وهوتضييق على الولد والأهل، وتعدي المراتب المحدودة من الجهل، فلم يبق إلا الإشارة الخارجة عن وظائف اللسان، وهي بعض دلالات الإنسان، أفدت الإكسير، وجبرت الكسير، ورويت يا أبا العلا التيسير، وغمرت بالكرم وأمن حمام الحرم الظعن والمسير، فمن رام شكر بعض أياديك فلقد شد حقائب الرحال، إلى نيل المحال، والحق أن نكل جزاك، لمن جعل إلى المجد اعتزاك، ونولي شكرك وثناك، إلى من عمر بما يرضيه من الرفق بالخلق وإقامة الحق إناك، وندعومنك بالبقاء إلى الروض المجود، وغمام الجود، وإمام الركع السجود، لا بل لنور الله تعالى المشرق على التهائم والنجود، ورحمته المبثوثة أثناء هذا الوجود.

وليعلم سيدي أن النفس طماعة جماعة، وسراب آمالها بحاره لماعة، فلا تفيق من كد، ولا تقف عند حد، سيما إذا لم يهذبها السلوك والتجريد، ولم يسر منها في عالم الغيب البريد، ولا تجلت لها السعادة التي يجذب بها المراد ويشمر لها المريد، إلى أن يتأتى عما دون الحق المحيد، ويصح التوحيد،

وقد مثلت الآن خصماً، توسع ظهر استظهاري بالتسليم قصماً، وتقول: المال عديلي عند القيمة، وطبيبي في الأحوال السقيمة، وهونتيجة كدي عند الأقيسة القيمة، ومن استخلصني على شرفي يقتعدها على رأي البراهمة النور الاصفهندي والنور القاهر، فخلاص المال طوع يديه، وهوكما قال الله تعالى أهون عليه، فألاطفها، حتى تلين معاطفها، وأخادعها، حتى تلوي أخادعها، وأقول: قد وقع الوعد، وأشرق السعد، ولان الجعد، وسكن الرعد، ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد، فتجيبني: العمر المنام، وأيام الجاه والقدرة قد يحق لها الاغتنام، وهم العاقل إلى وقته الحاضر مصروف، وإذا لم يغير حائطه مثل معروف، وفي الوقت زبون يرجى به استخلاص الحقوق، ويستبعد وقوع العقوق، فإن رأى مولاي أن يشفع المنة، ويقرع باباً ثانياً من أبواب الجنة، قبل ا، يشغل شاغل، أويكدر الأكل والشرب وارش أو واغل، أويثوب للمتعدي نظر في اللجاج، أويدس له ما يحمله على الاحتجاج، - وأومتسع مناطها، فسيح استنباطها، كثير هاطها ومياطها - فهوتمام صنيعته التي لم ينسج على منوالها الأحرار، ولا اهتدت إلى حسنتها الأبرار، ولا عرف بدر مجدها السرار، فإليه كان الفرار، ولله تعالى ثم له خلص الاضطرار، ويستقر تحت دخيله القرار، وتطمئن الدار، فإن ما ابتدأ به من عز ضرب على الأيدي العادية منه حكم الحكام، وفارع الهضاب والآكام، على ملإ ومجمع، وبمرأى من الخلق ومسمع، يقتضي اطراد قياس العزة القعساء، وسعادة الإصباح والغماس، وظهور درجات الرجال على النساء، فهوجاه حارت فيه الأوهام وهذه أذياله، ومن ركب حقيقة أمرها هان عليه خياله، والمال ماله، والعيال عياله، والوجود سريع زياله، والجزاء عند الله تعالى مكياله،

وعروض المغضوب باقية الأعيان، مستقلة الشجر قائمة البنيان، تمنع عن شرائها قاعدة الأديان وغيرها من مكيل وموزون، بين مأكول ومخزون، والكتب ملقاة بالقاع، مطرحة بأخبث البقاع، فإن تأتي الجبر، وإلا فالصبر، على أن وعد عمادي لا يفارق الإنجاز، ومكرمته التي طوقها قد بلغت الشام والحجاز، وحقيقة التزامه تباين المجاز، وآية مجده تستصحب الإعجاز، ولله در إبراهيم بن المهدي يخاطب المأمون، لما أكذب في العفوعنه الظنون:

وهبت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ذلك ما إن قد وهبت دمي وقد كانت هذه المنقبة غريبة فغزرتها بأختها الكبرى، وفريدة فجئت بأخرى، وشفعت وترا، أبقاك الله تعالى لتخليد المناقب، وإعلاء المراتب، وجعل أخمص نعلك تاجاً للنجم الثاقب، وتكفل لك في النفس والولد بحسن العواقب:

آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آميناً وأما تنبيه سيدي على إنشاء رزق، وتقرير رفد ورفق، فلا أنبه حاتماً وكعباً، أن يملأ قعباً، لمن خاض بحراً أوركب صعباً، هذا أمر كفانيه الكافي، وداء كوخز الأشافي، أذهبه الشافي، والسلام " انتهى.

ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى على لسان السلطان قوله: " هذا ظهير كريم، مضمنه استجلاء لأمور الرعية واستطلاع، ورعاية

كرمت منها أجناس وأنواع، وعدل بهر منه شعاع، ووصايا يجب لها إهطاع، أصدرناه للفقيه فلان لما تقرر لدينا دينه وعدله وفضله، رأينا أنه أحق من نقلده الهم الأكيد، ونرمي به من أغراض البر الغرض البعيد، ونستكشف به أحوال الرعايا التي لا يغيب عنا شيء من أحوالها، ولا يتطرق إليها طارق من أهوالها، وينهي إلينا الحوادث التي تنشأ إنهاء يتكفل بحياطة أبشارها وأموالها.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.