من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع: ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه المستهدين به على المنهاج، المتلقّين أنواع
العلوم منه والمقتبسين أنوار الفهوم من سراجه الوهاج
اعلم أن تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى كثيرون، إلاّ أنه لم يرزق السعادة في كثير منهم، بل بارزوه بالعداوة واجتهدوا في إيصال المكروه إليه.
فمن أشهرهم الوزير الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك، وارث مرتبته من بعده، ومقتعد أريكة سعده، وقد ألمع به في الإحاطة وكان إذ ذاك من جملة أتباعه، إذ قال ما محصله: محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الصريحي يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن زمرك.
أصله من شرقي الأندلس، وسكن سلفه ربض البيازين من غرناطة، وبه ولد ونشأ، وهو من مفاخره.
حاله - هذا الفاضل صدر من صدور طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، مختصر مقبول هش خلوب، عذب الفكاهة حلو المجالسة، حسن التوقيع خفيف الروح
عظيم الانطباع شره المذاكرة، فطن بالمعاريض حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة فكه غزل مع حياء وحشمة، جواد بما في يده مشارك لإخوانه، نشأ عفّاً طاهراً، كلفاً بالقراءة عظيم الدّؤوب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ ظاهر النّبل، بعيد مدى الإدراك جيد الفهم، فاشتهر فضله وذاع أرجه وفشا خبره، واضطلع بكثير من الأغراض وشارك في كثير من الفنون، وأصبح متلقف كرة البحث وصارخ الحلقة [وسابق الحلبة] ومظنة الكمال، ثم ترقى في درج المعرفة والاضطلاع وخاض لجة الحفظ، وركض قلم التقييد والتسويد والتعليق، ونصب نفسه للناس متكلماً فوق الكرسي المنصوب، وفوق المحفل المجموع، مستظهراً بالفنون التي بعد فيها شأوه من العربية والبيان [واللغة] وما يقذف به في لج النقل من الأخبار والتفسير، متشوفاً مع ذلك إلى السلوك مصاحباً للصوفية آخذاً نفسه بارتياض ومجاهدة، ثم عانى الأدب فكان أملك به، وأعمل الرحلة في طلب العلم والازدياد، فترقى إلى الكتابة عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب أبي سالم إبراهيم ابن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب، ثم عن السلطان، وعرف في بابه بالإجادة.
ولمّا جرت الحادثة على السلطان صاحب الأمر بالأندلس، واستقر بالمغرب، أنس له وانقطع إليه، وكر في صحبة ركابه إلى استرجاع حقه، فلطف منه محله وخصه بكتابة سره، وثابت الحال ودالت الدولة وكانت له الطائلة، فأقره على رسمه معروف الانقطاع والصاغية كثير الدالّة، مضطلعاً بالخطة خطّاً وإنشاء ولسناً ونقداً، فحسن منابه واشتهر فضله وظهرت مشاركته وحسنت وساطته، ووسع الناس تخلقه، وأرضى للسلطان حمله، وامتد في ميدان النظم والنثر باعه، فصدر عنه من المنظوم في أمداحه قصائد بعيدة الشأو في مدى الإجادة، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد، أعانه الله تعالى وسدده.
شيوخه - قرأ العربية على الأستاذ رحلة المغرب في فنها أبي عبد الله ابن الفخار، ثمّ على القاضي الشريف إمام الفنون اللسانية أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني، والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد ابن لب، واختص بالفقيه الخطيب الصدر المحدث أبي عبد الله ابن مرزوق فأخذ عنه كثيراً من الرواية، ولقي القاضي الحافظ أبا عبد الله المقّري عندما قدم على الأندلس وذاكره، وقرأ الأصول الفقهية على أبي علي منصور الزواوي، ويروي عن جملة منهم القاضي أبو البركات ابن الحاج، والمحدث أبو الحسين ابن التلمساني، والخطيب أبو عبد الله ابن اللوشي، والمقرىء أبو عبد الله ابن بيبش، وقرأ بعض الفنون العقلية بمدينة فاس على الشريف الرحلة الشهير أبي عبد الله العلّوني التلمساني، واختص به اختصاصاً لم يخل فيه من استفادة مران وحنكة في الصنعة.
شعره - وشعره مترام إلى هدف الإجادة، خفاجي النزعة، كلف بالمعاني البديعة والألفاظ الصقيلة، غزير المادة، فمن ذلك ما خاطبني به، وهو من أول ما نظمه قصيدة مطلعها:
أما وانصداع النور من مطلع الفجروهي طويلة
ومن بدائعه التي عقم عن مثلها قياس قيس، واشتهرت بالإحسان اشتهار الزهد بأويس، ولم يحل مجاريه ومباريه إلاّ بويح وويس، قوله في إعذار الأمير ولد سلطانه المنوه بمكانه، وهي من الكلام الذي عنيت الإجادة بتذهيبه وتهذيبه، وناسب الحسن بين مديحه ونسيبه:
معاذ الهوى أن أصحب القلب سالياوأن يشغل اللوّام بالعذل باليا
دعاني أعط الحبّ فضل مقادتيويقضي عليّ الوجد ما كان قاضيا
ودون الذي رام العواذل صبوةرمت بي في شعب الغرام المراميا
وقلب إذا ما البرق أومض موهناًقدحت به زنداً من الشوق واريا
خليليّ إني يوم طارقة النّوىشقيت بمن لو شاء أنعم باليا
والخيف يوم النفر يا أمّ مالكتخلّفت قلبي في حبالك عانيا
وذي أشرٍ عذب الثنايا مخصّرٍيسقّي به ماء النّعيم الأقاحيا
أحوم عليه ما دجا الليل ساهراًوأصبح دون الورد ظمآن صاديا
يضيء ظلام الليل ما بين أضلعيإذا البارق النجديّ وهناً بدا ليا
أجيرتنا بالرمل والرمل منزلمضى العيش فيه بالشبيبة حاليا
ولم أر ربعاً منه أقضى لبانةوأشجى حمامات، وأحلى مجانيا
سقت ظلّه الغرّ الغوادي ونظّمتمن القطر في جيد الغصون لآليا
أبثّكم أني على النأي حافظذمام الهوى لو تحفظون ذماميا
أناشدكم والحر أوفى بعهدهولن يعدم الأحسان والخير جازيا
هل الود إلاّ ما تحاماه كاشحٌوأخفق في مسعاه من جاء واشيا
تأوّبني واللّيل يذكي عيونهويسحب من ذيل الدّجنّة ضافيا
وقد مثلت زهر النجوم بأفقهحباباً على نهر المجرّة طافيا
خيال على بعد المزار ألمّ بيفأذكرني من لم أكن عنه ساليا
عجبت له كيف اهتدى نحو مضجعيولم يبق مني السقم والشّوق باقيا
رفعت له نار الصبابة فاهتدىوخاض لها عرض الدّجنّة ساريا
وممّا أجدّ الوجد سربٌ على النّقاسوانح يصقلن الطّلى والتراقيا
نزعن عن الألحاظ كلّ مسدّدفغادرن أفلاذ القلوب دواميا
ولما تراءى السّرب قلت لصاحبيوأيقنت أنّ الحبّ ما عشت دانيا
حذارك من سقم الجفون فإنّهسيعدي بما يعيي الطلبيب المداويا
وإنّ أمير المسلمين محمداًليعدي نداه الساريات الهواميا
تضيء النجوم الزاهرات خلالهوينفث في روع الزمان المعاليا
معال إذا ما النّجم صوّب طالباًمبالغها في العزّ حلّق وانيا
يسابق علويّ الرياح إلى النّدىويفضح جدوى راحتيه الغواديا
ويغضي عن العوراء إغضاء قادرويرجح في الحلم الجبال الرواسيا
همام يروع الأسد في حومة الوغىكما راعت الأسد الظباء الجوازيا
إذا استبق الأملاك يوماً لغايةأبيت وذاك المجد إلا التناهيا
بهرت فأخفيت الملوك وذكرهاولا عجب فالشمس تخفي الدراريا
جلوت ظلام الظلم من كلّ معتدٍولا غرو أن تجلو البدور الدياجيا
هديت سبيل الله من ضلّ رشدهفلا زلت مهدياً إليه وهاديا
أفدت وحيّ الملك ممّا أفدتهوطوّقت أشراف الملوك الأياديا
وكان أبو زيّان جيداً معطّلاًفزينته حتى اغتدى بك حاليا
لك الخير لم تقصد بما قد أفدتهجزاء ولكن همّة هي ما هيا
فما تكبر الأملاك غيرك آمراًولا ترهب الأشراف غيرك ناهيا
ولا تشتكي الأيام من داء فتنةفقد عرفت منك الطبيب المداويا
وأندلساً أوليت ما أنت أهلهأوردتها ورداً من الأمن صافيا
تلافيت هذا الثغر وهو على شفاًوأصبحت من داء الحوادث شافيا
ومن بعد ما ساءت ظنون بأهلهاوحاموا على ورد الأماني صواديا
فما يأملون العيش إلاّ تعلّلاًولا يعرفون الأمن إلاّ أمانيا
عطفت على الأيام عطفة راحمٍوألبستها ثوب امتنانك ضافيا
فآنس من تلقائك الملك رشدهونال بك الإسلام ما كان راجيا
فرأيٌ كما اشنقّ الصباح، وعزمةكما صقل القين الحسام اليماناي
وكانت رماح الخطّ خمصاً ذوابلاًفأنهلت منها في الدماء صواديا
وأوردت صفح السيف أبيض ناصعاًفأصدرته في الروع أحمر قانيا
لك العزم تستجلي الخطوب بهديهويلفى إذا تنبو الصوارم ماضيا
إذا أنت لم تفخر بما أنت أهلهفما الصبح وضّاح المشارق عاليا
ويهنيك دون العيد عيد شرعتهنبث به في الخافقين التهانيا
أقمت به من فطرة الدين سنّةوجددت من رسم الهداية عافيا
صنيع تولّى الله تشييد فخرهوكان لما أوليت فيه مجازيا
تودّ النجوم الزهر لو مثلت بهوقضّت من الزلفى إليك الأمانيا
ومازال وجه اليوم بالشمس مشرقاًسروراً به والليل بالشهب حاليا
على مثله فليعقد الفخر تاجهويسمو به فوق النجوم مراقيا
به تغمر الأنواء كلّ مفوّهويحدو به من كان بالقفر ساريا
ويوسف فيه بالجمال مقنّعكأنّ له من كل قلب مناجيا
وأقبل ما شاب الحياء مهابةًيقلّب وجه البدر أزهر باهيا
وأقدم لا هيّابة الحفل واجماًولا قاصراً فيه الخطا متوانيا
شمائل فيه من أبيه وجدّهترى العزّ فيها مستكنّاً وباديا
فيا علقاً أشجى القلوب لو أنّنافديناك بالأعلاق ما كنت غاليا
جريت فأجريت الدموع تعطّفاًوأطلعت فيها للسرور نواشيا
وكم من وليٍّ دون بابك مخلصٍيفدّيه بالنّفس النفيسة واقيا
وصيدٍ من الحيّين أبناء قيلةٍتكفّ الأعادي أو تبيد الأعاديا
بها ليلُ غرٌّ إن أعدّوا لغارةأعادوا صباح الحيّ أظلم داجيا
فوالله لولا أن توخيت سنّةًرضيت بها أن كان ربّك راضيا
لكان بها للأعوجيّات جولةتشيب من الغلب الشباب النواصيا
وتترك أوصال الوشيج مقصدّاًوبيض الظّبي حمر المنون دواميا
ولمّا قضى من سنّة الله ما قضىوقد حسدت منه النجوم المساعيا
أفضنا نهنّي منك أكرم منعمأبى لعميم الجود إلاّ تواليا
فيهني صفاح الهند والبأس والندىوسمر العوالي والعتاق المذاكيا
ويهني البنود الخافقات فإنّهاسيعقدها في ذمّة النصر غازيا
كأنّي به يشقي الصوارم والظّبيويحطم في اللأم الصلاب العواليا
كأني به قد توّج الملك يافعاًوجمّع أشتات المكارم ناشيا
وقضّى حقوق الفخر في ميعة الصِّباوأحسن من دين الكمال التقاضيا
وما هو إلآّ السعد إن رمت مطلعاًوسدّدت سهماً كان ربّك راميا
فلا زلت يا فخر الخلافة كافلاًولا زلت يا خير الأئمّة كافيا
ودمت قرير العين منه بغبطةوكان له رب البريّة واقيا
نظمت له حرّ الكلام تمائماًجعلت مكان الدرّ فيها القوافيا
لآلٍ بها تبأى الملوك نفاسةًوجلّت لعمري أن تكون لآليا
أرى المال يرميه الجديدان بالبلى ... وما إن أرى إلاّ المحامد باقيا وورد على السلطان أبي سالم ملك المغرب رحمة الله تعالى عليه وفد الأحابيش بهدية من ملك السودان، ومن جملتها الحيوان الغريب المسمّى بالزرافة، فأمر من يعاني الشعر من الكتّاب بالنظم في ذلك الغرض، فقال وهي من بدائعه:
لولا تألق بارق التذكارما صاب واكف دمعي المدرار
لكنّه مهما تعرّض خافقاًقدحت يد الأشواق زند أواري
وعلى المشوق إذا تذكّر معهداًأن يغري الجفان باستعبار
أمذكّري غرناطةً حلّت بهاأيدي السحاب أزرّة النوّار
كيف التخلّص للحديث وبينناعرض الفلاة وطافح الزّخّار
هذا على أنّ التغرّب مركبيوتولّج الفيح الفساح شعاري
فلكم أقمت غداة زمّت عيسهمأبغي القرار ولات حين قرار
وطفقت أستقري المنازل بعدهميمحو البكاء مواقع الآثار
إنّا بني الآمال تخدعنا المنىفنخادع الآمال بالتسيار
نتجشم الأهوال في طلب العلاونروع سرب النوم بالأفكار
لا يحرز المجد الخطير سوى امرىءٍيمطي العزائم صهوة الأخطار
إمّا يفاخر بالعتاد ففخرهبالمشرفيّة والقنا الخطّار
مستبصر مرمى العواقب واصلفي حمله الإيراد بالإصدار
فأشدّ ما قاد الجهول إلى الردىعمه البصائر لا عمى الأبصار
ولربّ مربدّ الجوانح مزبدسبح الهلال بلجّه الزخّار
فتقت كمائم جنحه عن أنجمٍسفرت زواهرهنّ عن أزهار
مثلت على شاطي المجرّة نرجساًتصطف منه على خليج جاري
وكأنّما بدر التمام بجنحهوجه الإمام بجحفلٍ جرّار
وكأنّما خمس الثريّا راحةذرعت مسير الليل بالأشبار
أسرجت من عزمي مصابيحاً بهاتهدي السراة لها من الأقطار
وارتاع من بازي الصباح غرابهلمّا أطلّ فطار كلّ مطار ومنها:
وغريبةٍ قطعت إليك على الونىبيداً تبيد بها هموم الساري
تنسيه طيّته التي قد أمّهاوالركب فيها ميّت الأخبار
يقتادها من كلّ مشتمل الدجىوكأنّما عيناه جذوة نار
تشدو بحمد المستعين حداتهايتعلّلون به على الأكوار
إن مسّهم لفح الهجير أبلّهممنه نسيم ثنائك المعطار
خاضوا بها لجج الفلا فتخلّصتمنها خلوص البدر بعد سرار
سلمت بسعدك من غوائل مثلهاوكفى بسعدك حامياً لذمار
وأتتك يا ملك الزمان غريبةقيد النواظر نزهة الأبصار
موشيّة الأعطاف رائقة الحلىرقمت بدائعها يد الأقدار
راق العيون أديمها فكأنهروض تفتّح عن شقيق بهار
ما بين مبيضٍّ وأصفر فاقعٍسال اللجين به خلال نضار
يحكي حدائق نرجس في شاهقتنساب فيه أراقم الأنهار
تحدو قوائم كالجذوع وفوقهاجبل أشم بنوره متوار
وسمت بجيدٍ مثل جذع مائلسهل التعطف ليّن خوّار
تستشرف الجدران منه ترائباًفكأنّما هو قائم بمنار
تاهت بكلكلها وأتلع جيدهاومشى بها الإعجاب مشي وقار
خرجوا لها الجمّ الغفير، وكلهممتعجب من لطف صنع الباري
كلٌّ يقول لصحبه قوموا انظرواكيف الجبال تقاد بالأسيار
ألقت ببابك رحلها ولطالماألقى الغريب به عصا التسيار
علمت ملوك الأرض أنك فخرهافتسابقت لرضاك في مضمار
يتبوأون به وإن بعد المدىمن جاهك الأعلى أعزّ جوار
فارفع لواء الفخر غير مدافعٍواسحب ذيول العسكر الجرّار
واهنأ بأعياد الفتوح مخوّلاًما شئت من نصر ومن أنصار
وإليكها من روض فكري نفحةًشفّ الثناء بها على الأزهار
في فصل منطقها ورائق رسمهامستمتع الأسماع والأبصار
وتميل من أصغى لها فكأنّني ... عاطيته منها كؤوس عقار وأنشد السلطان في ليلة ميلاد رسول الله ﷺ عقب ما فرغ من البنية الشهيرة ببابه رحمه الله تعالى:
تأمّل أطلال الهوى فتألّماوسيما الجوى والسقم منها تعلّما
أخو زفرة هاجت له نار ذكرة ... فأنجد في شعب الغرام وأتهما وسرد لسان الدين هذه القصيدة بطولها، وهي تقارب التسعين بيتاً، ثم ق ما نصه: وأنشد السلطان في وجهه للصيد أعملها، وأطلق أعنّة الجياد في ميادين ذلك الطراد وأرسلها، قوله:
حيّاك يا دار الهوى من دارنوء السّماك بديمةٍ مدرار
وأعاد وجه رباك طلقاً مشرقاًمتضاحكاً بمباسم النوّار
أمذكّري دار الصبابة والهوىحيث الشباب يرفُّ غصن نضار
عاطيتني عنها الحديث كأنّماعاطيتني عنها كؤوس عقار
إيه وإن أذكيت نار صبابتيوقدحت زند الشوق بالتذكار
يا زاجر الأظعان وهي مشوقةأشبهتها في زفرة وأوار
حنّت إلى نجد وليست دارهاوصبت إلى هنديّه والغار
شاقت به برق الحمى واعتادهاطيف الكرى بمزارها المزوار
هل تبلغ الحاجات إن حمّلتهاإنّ الوفاء سجيّة الأحرار
عرّ بذكري في الخيام وقلإذا جئت العقيق مبلّغ الأوطار
عار بقومك يا ابنة الحبين أنتلوي الديون وأنت ذات يسار
أمنعت ميسور الكلام أخا الهوىوبخلت حتى بالخيال الساري
وأبان جاري الدمع عذر هيامهلكن أضعت له حقوق الجار
هذا وقومك ما علمت خلالهمأوفى الكرام بذمةٍ وجوار
الله في نفس شعاع كلّماهبّ النسيم تطير كلّ مطار
بالله يا لمياء ما منع الصَّباأن لا تهبّ بعرفك المعطار
يا بنت من تشدو الحداة بذكرهمتعلّلين به على الأكوار
ما ضرّ نسمة حاجرٍ لو أنهاأهدت لنا خبراً من الأخبار
هل بانُهُ من بعدنا متأوّدمتجاوبٌ مترنّمُ الأطيار
وهل الظباء الآنسات كعهدنايصرعن أسد الغاب وهي ضوار
يفتكن من قاماتها ولحاظهابالمشرفيّة والقنا الخطّار
أشعرت قلبي حبّهنّ صبابةًفرمينني من لوعتي بجمار
وعلى الكثيب سوانح حمر الحليبيض الوجوه يصدن بالأفكار
أدنى الحجيج مزارهنّ ثلاثةًبمنى لو أنّ منىً ديار قرار
لكنّ يوم النّفر جدن لنا بماعوّدننا من جفوةٍ ونفار
يا ابن الألى قد أحرزوا خصل العلاوسموا بطيب أرومةٍ ونجار
وتنوب عن صوب الغمام أكفهموتنوب أوجههم عن الأقمار
من آل سعد رافعي علم الهدىوالمصطفين لنصرة المختار
أصبحت وارث مجدهم وفخارهمومشرّف الأعصار والأمصار
وجهٌ كما حسر الصباح نقابهويد تمدّ أناملاً ببحار
جدّدت دون الدين عزمة أروعٍجدّدت منها سنّة الأنصار
حطت البلاد ومن حوته ثغورهاوكفى بسعدك حامياً لذمار
لله رحلتك التي نلنا بهاأجر الجهاد ونزهة الأبصار
أوردتنا فيها لجودك مورداًمستعذب الإيراد والإصدار
وأفضت فينا من نداك مواهباًحسنت مواقعها على التكرار
أضحكت ثغر الثغر لمّا جئتهوخصصته بخصائص الإيثار
حتى الفلاة تقيم يوم وردتهاسنن القرى بثلاثة الأثوار
وسرت عقاب الجوّ تهديك الذيتصطاد من وحش ومن أطيار
والأرض تعلم أنك الغوث الذيتضفي عليها واقي الأستار
همل المسارح لا يراع قيصهإلاّ لنبأة فارس مغوار
سرحت عنان الريح فيه وربماألقت بساحته عصا التسيار
باكرته والأفق قد خلع الدجىمسحاً ليلبس حلّة الإسفار
وجرى به نهر النهار كمثل ماسكب النديم سلافةً من قار
عرضت به المستنفرات كأنهاخيل عراب جلن في مضمار
أتبعتها غرر الجياد كواكباًتنقض رجماً في سماء غبار
والهاديات يؤمّها عبل الشّوىمتدفّق كتدفّق التيّار
أزجيتها شقراء رائقة الحلىفرميته منها بشعلة نار
أثبتّ فيه الرمح ثمّ تركتهخضب الجوانح بالدم الموّار
حامت عليه الذابلات كأنّهاطير أوت منه إلى أوكار
طفقت أرانبه غداة أثرتهاتبغي الفرار ولات حين فرار
هل ينفع الباع الطويل وقد غدتيوم الطّراد قصيرة الأعمار
من كلّ منحفزٍ بلمحة بارقفاتت خطاه مدارك الأبصار
وجوارحٍ سبقت إليه طلابهافكأنّما طالبنه بالثّار
سود وبيض في الطّراد تتابعتكالليل طارده بياض نهار
ترمي بها وهي الحنايا ضمّراًمثل السهام نزعن عن أوتار
ظنّت بأن ينجو لها، كلاّ ولوأغريته بأرانب الأقمار
وبكل فتخاء الجناح إذا ارتمتفكأنها نجم السماء السّاري
زجل الجناح مصفق كمن الردىفي مخلبٍ منه وفي منقار
أجلى الطريد من الوحوش وإن رمىطيراً أتاك به على مقدار
وأريتنا الكسب الذي أعدادهملأت جمالاً أعين النّظّار
بيض وصفر خلت مطرح سرحهاروضاً تفتّح عن شقيق بهار
من كلّ موشيّ الأديم مفوّفٍرقمت بدائعه يد الأقدار
خلط البياض بصفرة في لونهفترى اللّجين يشوب ذوب نضار
أو أشعلٍ راق العيون كأنّهغلس يخالط سدفةً بنهار
سرحت بمخضرّ الجوانب يانعٍتنساب فيه أراقم الأنهار
قد أرضعته الساريات لبانهاوحللن فيه أزرّة النوّار
أخذت سعودك حذرها فلحكمةٍأغرت جفون المزن باستعبار
لما أرتك الشمس صفرة حاسدٍلجبينك المتألّق الأنوار
نفثت عليك السحب نفث معوّذمن عينها المتوقّع الإضرار
فارفع لواء الفخر غير مدافعواسحب ذيول العسكر الجرّار
واهنأ بمقدمك السعيد مخوّلاًما شئت من عزٍّ ومن أنصار
قد جئت دارك محسناً ومؤمّلاًمتّعت بالحسنى وعقبى الدار
وإليكها من روض فكري نفحةًشفّ الثناء بها على الأزهار ومن شعره في غير المطولات قوله:
لقد زادني وجداً وأغرى بي الجوىذبالٌ بأذيال الظلام قد التفتا
تشير وراء الليل منه بنانةمخضّبة والليل قد حجب الكفّا
تلوح سناناً حين لا تنفح الصّباوتبدي سواراً حين تثني له العطفاي
قطعت به ليلاً يطارحني الجوىفآونةً يبدو وآونة يخفى
إذا قلت لا يبدو أشال لسانهوإن قلت لا يخفى الضياء به كفّا
إلى أن أفاق الصبح من غمرة الدجىوأهدى نسيم الروض من طيبه عرفا
لك الله يا مصباح أشبهت مهجتيوقد شفّها من لوعة الحبّ ما شفّا وممّا ثبت له صدر رسالة:
أزور بقلبي معهد الأنس والهوىوأنهب من أيدي النسيم رسائلا
ومهما سألت البرق يهفو من الحمىيبادره دمعي مجيباً وسائلا
فيا ليت شعري والأماني تعلّلٌأيرعى لي الحيّ الكرام الوسائلا
وهل جيرتي الأولى كما قد عهدتهميوالون بالإحسان من جاء سائلا ومن أبياته الغراميات:
قيادي قد تملّكه الغرامووجدي لا يطاق ولا يرام
ودمعي دونه صوب الغواديوشجوي فوق ما يشكو الحمام
إذا ما الوجد لم يبرح فؤاديعلى الدنيا وساكنها السلام وفي غرض يظهر من الأبيات:
ومشتمل بالحسن أحوى مهفهفقضى رجع طرفي من محاسنه الوطر
فأبصرت أشباه الرياض محاسناًوفي خدّه جرح بدا منه لي أثر
فقلت لجلاّسي خذوا الحذر إنمابه وصبٌ من أسهم الغنج والحور
ويا وجنةً قد جاورت سيف لحظهومن شأنها تدمى من اللمح بالبصر
تخيّل للعينين جرحاً وإنما ... بدا كلفٌ منه على صفحة القمر وممّا يرجع إلى باب الفخر، ولعمري لقد صدق:
ألائمةً في الجود والجود شيمةجبلت على إيثارها يوم مولدي
ذريني فلو أنّي أُخلّد بالغنىلكنتُ ضنيناً بالذي ملكت يدي وقال:
لقد علم الله أني امرؤأجرّر ذيل العفاف القشيب
فكم غمّض الدهر أجفانهوفازت قداحي بوصل الحبيب
وقيل رقيبك في غفلةٍ ... فقلت أخاف الإله الرقيب وفي مدح كتاب " الشفاء " [وقد] طلبه الفقيه أبو عبد الله ابن مرزوق عندما شرع في شرحه:
ومسرى ركاب للصّبا قد ونت بهنجائب سحب للتراب نزوعها
تسلُّ سيوف البرق أيدي حداتهافتنهل خوفاً من سطاها دموعها
تعرّضن غرباً يبتغين معرّساًفقلت لها: مرّاكشٌ وربوعها
لتسقي أجداثاً بها وضرائحاًعياضٌ إلى يوم المعاد ضجيعها
وأجدر من تبكي عليه يراعةٌبصفحة طرس، والمداد نجيعها
فكم من يدٍ في الدين قد سلفت لهيرضّي رسول الله عنه صنيعها
ولا مثل تعريف الشفاء حقوقهفقد بان فيه للعقول جميعها
بمرآة حسنٍ قد جلتها يدُ النّهىفأوصافه يلتاح فيه بديعها
نجوم اهتداء، والمداد يجنّهاوأسرار غيبٍ، واليراع تذيعها
لقد حزت فضلاً يا أبا الفضل شاملاًفيجزيك عن نصح البرايا شفيعها
ولله ممّن قد تصدّى لشرحهفلبّاه من غرّ المعاني مطيعها
فكم مجملٍ فصّلتَ منه وحكمةٍإذا كتم الإدماج منه تشيعها
محاسن والإحسان يبدو خلالهاكما افترّ عن زهر البطاح ربيعها
إذا ما أجلت العين فيها تخالهانجوماً بآفاق الطروس طلوعها
معانيه كالماء الزلال لذي صدىًوألفاظه درٌّ يروّي نصيعها
رياضٌ سقاها الفكر صوب ذكائهفأخصب للورّاد منها مريعها
تفجّر عن عين اليقين زلالهافلذ لأرباب الخلوص شروعها
ألا يا ابن جار الله يا ابن وليّهلأنت إذا عدّ الكرام رفيعها
إذا ما أصول المرء طابت أرومةفلا عجب أن أشبهتها فروعها
بقيت لأعلام الزمان تنيلها ... هدىً، ولأحداث الخطوب تروعها مولده رابع عشر شوال من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة؛ انتهى كلام لسان الدين في الإحاطة في تعليقات ابن لسان الدين على ترجمة ابن مزدك ترجمة تلميذه أبي عبد الله ابن زمرك.
قلت: ورأيت بخط أبي الحسن علي بن لسان الدين - رحمهما الله تعالى - على هامش هذه الترجمة من الإحاطة كلاماً في حق ابن زمرك رأيت أن أذكره بجملته الآن، وإن تقدم بعضه في هذا الكتاب:
فمن ذلك أنه كتب على حاشية أول الترجمة ما صورته: أتبعه الله تعالى خزياً، وعامله بما يستحقه، فبهذا ترجمه والدي مولاه الذي رفع من قدره فيه، ولم
يقتله أحد غيره، كفانا الله تعالى شر من أحسنّا إليه؛ انتهى.
وكتب على قوله نشأ عفّاً طاهراً - إلى آخره ما نصه: هذا الوغد ابن زمرك من شياطين الكتّاب، ابن حداد بالبيازين، قتل أباه بيده، أوجعه ضرباً فمات من ذلك، وهو أخس عباد الله تربية، وأحقرهم صورة وأخملهم شكلاً، استعمله أبي في الكتابة السلطانية، فجنينا أيام تحولنا عن الأندلس منه كل شر، وهو كان السبب في قتل أبي مصنف هذا الكتاب الذي رباه وأدبه واستخدمه، حسبما هو معروف، وكفانا الله تعالى شر من أحسنّا إليه وأساء إلينا؛ انتهى.
وكتل على قول والده فترقى إلى الكتابة - إلى آخره ما صورته: على يد سيدي أبي عبد الله ابن مرزوق، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ انتهى.
وكتب على قول معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا - إلى آخره ما نصه: هذه القصيدة نظم له مولاي الوالد تغمّده الله تعالى برحمته منها النسيب كله، وهكذا جرت عادته معه في الأمداح السلطانية حضرة الملك، والله المطلع على ذلك، قاله ابن المصنف علي بن الخطيب؛ انتهى.
وكتب على قوله لولا تألّق بارق التذكار - إلى آخره ما صورته: هذا الرجس الشيطان كثيراً ما ينظم في هذا الوزن، ويتبع حمارة هذه الراء، حتى لا يتركها جملة، إذ الرجل ابن حمّار مكاري حداد، فالنفس تميل بالطبع؛ انتهى.
وكتب على قوله حيّاك يا دار الهوى من دار - إلى آخره ما صورته: انظر إلى كثرة تحريكه لحمارة هذه الراء، علقت له بها ما لخوليا؛ انتهى.
وكتب على قوله وجوارح سبقت إليه طلابها إلى آخره ما صورته: سرق طردية إبراهيم بن خفاجة، فانظرها تجده سرق المعاني والألفاظ، مع أن
والدي نظم له أكثرها على حسب عادته معه، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
وكتب على قوله يا مصباح ما نصه: كان يحب صبيّاً اسمه مصباح، وهو الآن مجنون العقل بتونس يحترف بالحياكة؛ انتهى.
وكتب على قوله ألائمتي في الجود - إلى آخره ما صورته: كذبت يا نجس، من أين الفخر لك أو لبيتك لست والله من الجود في شيء، نعم سخنة عين الجود؛ انتهى.
وكتب على قوله لقد علم الله أني امرؤ - إلى آخره ما معناه: لا والله، فأنت مشهور بكذا، يا قرد، فمن أين العفاف وأنت بالأندلس كذا وكذا إلى أن قال: وأنحسهم بيتاً؛ قاله مولاك الذي ربيت في نعمته ونعمة الله علي بن الخطيب بالقاهرة؛ انتهى.
وقد نسبه إلى ما لا يليق، فالله أعلم بحقيقة الأمر.
وكتب غيره على قول ابن زمرك أزور بقلبي - الأبيات المتقدمة عند قوله سائلاً في موضعين: هما من السؤال، فحصل على الإيطاء المذموم؛ انتهى.
قلت: أما ما ذكره ابن لسان الدين من أن أباه كان ينظم لابن زمرك فذلك والله أعلم كان في ابتداء أمره، وإلا فقد جاء ابن زمرك في آخر أيام لسان الدين وبعد موته بالبدائع التي لا تنكر، كما سنذكره، وأما كونه سعى في قتل لسان الدين مع إحسانه إليه فقد جوزي من جنس عمله، وقتل بمرأى من أهله ومسمع، وأزهقت معه روح ابنيه، حسبما نذكره، وهذا قصاص الدنيا، وعفو الله تعالى في الآخرة منتظر للجميع.
ولنذكر ترجمة ابن زمرك من كلام ابن السلطان ابن الأحمر في مجلد ضخم رأيته بالمغرب جمع فيه شعر ابن زمرك وموشحاته، وعرّف به في أوله، إذ ق ما نصه: أما بعد ما يجب من حمد الله تعالى في كل حال، وشكره على ما
أولى ويسر من صلاح الأحوال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صفوة الأنبياء وسيد الأرسال، والرضى عمّن له من صحبٍ وأنصار وآل، فإن من المعلوم أن الأدب له بالنفس علاقة تؤديه إلى الاستحسان، وتؤثر من اشتهر به بالملاحظة بلحظ الحظ مع تعاقب الأحيان، ولا خفاء أن أيام مولانا الجد المقدس الغني بالله - تولاّه الله تعالى برضوانه - كانت غرراً في وجوه الأيام، ومواسم تجمع الطّم والرّم من الرؤساء الأعلام، الآخذين بأعنّة الكلام، السابقين في حلبة النثار والنظام، وأن الفقيه الرئيس المدرك، الناظم الناثر أبا عبد الله محمد بن يوسف ابن زمرك، عفا الله تعالى عنه، وحسبك بمن ارتضاه مولانا الجد رحمه الله تعالى لكتابته، وصرّفه في الوجوه المتعددة من رسالته وحجابته، وكان بذلك خليقاً، لما جمع من أدوات الكمال علماً وتحقيقاً، وإدراكاً ونبلاً وفقهاً وأصولاً وفروعاً وأدباً وتحصيلاً، وبياناً وتفسيراً ونظماً وترسيلاً - لما كان قد أخفت الأيام سنا صبحه، وخابت وسائل نصحه، وعادت بعدوانها بعد فوز قدحه، وعثر بين أقدام أقوام لا يعرفون أيّ ذخر فقدوا، ولا أيّ مطلق من تصريفاته الجميلة قيدوا، مستبصرين بالجهل في دياجي غيّهم، معجبين بما ارتكبوه من جياد بغيهم جميعهم يلحظه بمقل دامية، وألفاظ حامية، يصابحونه بأوجهٍ خلت عن الوجاهة سيماها الحسد، وضميرها السخط بما قدره الواحد الصمد:
فخرّ على الألاءة لم يوسّد ... كأنّ جبينه سيف صقيل فيا لله من أشلاء هنالك ضائعة، وأعلاق غير مصونة، ووسائل مخفورة، وأذمّة قطعت أرحامها، ولم يرع ذمامها، وعاثت الأيدي الفاتكة حينئذ على بنيه، وارتكبوها شنعاء في أهله وذويه:
هل كان إلاّ حياً تحيا العباد بههل كان إلاّ قذىً في عين ذي عور
إن قال قولاً ترى الأبصار خاشعةًلما يخبّر من وحيٍ ومن أثر
يا لهف قلبي لو قد كنت حاضرهغداة جرّعه أدهى من الصبر
لما تركت له شلواً بمضيعةولا تولّى صريع الناب والظّفر
وكان ما كان ممّا لست أذكره ... فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر وإن سأل سائلٌ عن الخبر الذي ألمعنا بذكره، وضمّنّا هذا البيت ذرواً من فظيع أمره، فذلك عندما نسب صاحب الأمر إليه ما راب، وتلّه وابنيه للجبين معفّرين بالتراب، وصدمه في جنح الليل والمصحف بين يديه يتوسل بآياته، ويتشفّع بعظيم بركاته، فأخذته السيوف، وتعاورته الحتوف، وأذهبه سليباً قتيلاً، مصيّراً مصراع منزله كثيباً مهيلاً، وكنا على بعد من هذه الآزفة التي أورثت القلوب شجناً طويلاً، وذكّرتنا بعناية مولانا الجد الغني بالله لجانبه أعظم ذكرى، فأغرينا برثائة خلداً وفكرا، وارتجلنا عند ذكره الآن هذه الأبيات إشارةً مقنعة، وكناية في السلوان مطمعة، وأرضينا بالشفقة أو داءه، وأرغمنا بتأبينه أعداءه، ولما تبلج الصبح لذي عينين، وتلقينا راية الفرج بالراحتين، عطفتنا على أبنائه عواطف الشفقة، وأطلقنا لهم ما عاثت الأيدي عليه صلةً لرحمٍ طالما أضاعها من جهل الأذمّة، وأخفر عهود تخدّمه لمن سلف من الأئمة، وصرفنا للبحث والتفتيش وجوه آمالنا، وجعلنا ضمّ ما نثرته الحوادث من منظوماته من أكيد أعمالنا، وكان تعلّق بمحفوظنا جملة وافرة من كلامه، مشتملة على ما راق وحسن من نثاره ونظامه، فأضفنا ذلك إلى ما وقع عليه اجتهادنا من رقاعه الحائلة المنتهبة بأيدي النوائب، الدائرة المستلبة بتعدي النواصب، فخلص من الجملة قلائد عقيان، وعقود در ومرجان، ترتاح
النفوس النفيسة لإنشادها، وتحضر الأبصار والأسماع عند إيرادها، إلى ما يتخللها من تخليد مآثر سلفنا، والإشارة بعظيم ملكنا، فشرعنا في تقييد أوابدها الشاردة، وإحياء رسومها البائدة، كلفاً بالأدب لوضوح فضله، وتأدية لما يجب من رعاية أهله. ولنبدأ بالتعريف بحال هذا الرئيس المنبه عليه، ونظهر ما كنا نضمره من الميل إليه، في كل ما له أو عليه، فنقول:
هو الفقيه الكاتب الفذ الأوحد، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن يوسف الصريحي، ويعرف بابن زمرك.
أصله من شرق الأندلس، وسكن سلفه بالبيازين من غرناطة، وبها ولد، فنشأ ضئيلاً كالشهاب يتوقّد، مختصر الجرم والأعين بإطالة فواضله تشهد، ومكتب الفئة القرآنية يؤثره بالجناب الممهد، فاشتغل أول نشأته بطلب العلم والدؤوب على القراءة، وأخذ نفسه بملازمة حلقات التدريس، ولم يبلغ حد وجوب المفترضات إلاّ وهو متحمل الرواية، وملتمس لفوائد الدراية، ومصابح كل يوم أعلام العلوم، ومستمدّ بمصابيح الحدود العلمية والرسوم، فافتتح أبواب الكتب النحوية بالإمام أبي عبد الله ابن الفخار الآية الكبرى في فنّ العربية، وتردد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف فأحسن الإصغاء، وبذ النحاة البلغاء، بما أوجب رثاءه عند الوقوف على ضريحه بالقصيدة الفريدة التي أولها:
أغرى سراة الحيّ بالإطراق ... واهتدى في طريق الخطبة ومناهج الصوفية بالخطيب المعظم أبي عبد الله ابن مرزوق الوافد على مولانا الجدّ أبي الحجاج، رضي الله تعالى عنه، في عام ثلاثة
وخمسين وسبعمائة، وإليه جنح، وإياه قصد عند تغربه إلى المغرب في دولة السلطان أبي سالم، فتوجه بالعمامة التي ارتجل بين يديه فيها:
توّجتني بعمامهتوّجت تاج الكرامه
فروض حمدك يزهى ... مني بسجع الحمامه وأخذ علم الأصلين عن الحافظ الناقد أبي علي منصور الزواوي، وبرع في الأدب أثناء الانقطاع وأوّل الطلب لأبي عبد الله ابن الخطيب، ولكن لم يحمد بينهما المآل، واقتدى في العلوم العقلية بالشريف أبي عبد الله التلمساني قدوة الزمان، وحصلت له الإجازة والتحديث بقاضي الجماعة وشيخ الجملة أبي البركات ابن الحاج وبالخطيب البليغ أبي عبد الله اللوشي، وبالخطيب الورع أبي عبد الله ابن بيبش العبدري، رضي الله تعالى عنه وعن جميعهم، وبواجب محافظتنا على عهدهم، إذ نحن وردنا بالإجازة التامة عذب وردهم، وصل سبينا بهم الكثير من شيوخنا مثل الإمام المعظم أبي محمد عبد الله بن جزي، ومعلمنا الثقة المجتهد أبي عبد الله الشريشي، والقاضي الإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن علاق، وغيرهم، رحمة الله تعالى عليهم، لذلك صار صدراً في نوادي طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، فما شاءه المحاضر يجده في خضله، ويتلقاه من باهر فضله، فكاهة ومجالسة أنيقة ممتعة ومحادثة أريضة مزهرة، وجواباً مطبقاً للمفصل، وذهناً سابقاً لإيضاح المشكل، مع انقياد الطبع، وإرسال الدمعة في سبيل الخشوع والرقة، ورشح الجبين عند تلقّي الموعظة، وصون الوجه بجلباب الحياء، ومقابلة الناظر إليه بالاحتشام والمبادرة للاستدعاء، على طهارة وبذل وسع وكرم نفس، لم يعهد أجمعل مشاركة منه لإخوانه، ولا أمتع منه بجاهه، إلى مبالغة في الهشّة
والمبرّة والإيثار بما منح، وجنوحٍ إلى حبّ الصالحين، وذلك بالانضواء إلى شيخ الفرق الصوفية الولي أبي جعفر ابن الزيات، وأخيه الفاضل الناسك شيخنا أبي مهديّ، قدس الله تعالى مغناه، وسواهما من أهل الاندلس والعدوة، وحمله أشد الحمل على كل ملبّس كأبي زكريا البرغواطي وسواه. ومن تنديراته - زعموا - على أبي الحسن المحروق لميله عنه:
ولد الفقر والرباط ولكن ... نفسه للسلوك ذات افتقار وخطب الأدب يافعاً وكهلاً، وحاز علمه إدراكاً ونهلاً، ولما كانت الحادثة على مولانا الجد - رحمه الله تعالى - واجتاز إلى المغرب كما تقرر في غير هذا، كلف به وأنس إليه، لحلاوة منطق ورفع استيحاش ومراوضة خلق، ثمّ كرّ في صحبة ركابه فعلت منزلته ولطف محله.
وقفنا على رقعة من رقاعه وهو يبدىء فيها ويعيد، ويقول: خدمته سبعاً وثلاثين سنة: ثلاثاً بالمغرب، وباقيها بالأندلس، أنشدته فيها ستّاً وستين قصيدة في ستة وستين عيداً، وكلّ ما في منازله السعيدة من القصر والرياض والدشار والسبيكة من نظم رائق، ومدح فائق، في القباب والطاقات والطرز وغير ذلك فهو لي، وكنت أواكله وأواكل ابنه مولاي أبا الحجاج، وهما كبيراً ملوك أهل الأرض، وهنأته بكذا وكذا قصيدة، وفوّض لي في عقد الصلح بين الملوك بالعدوتين، وصلح النصارى عقدته تسع مرات، ألخسّة فوّض إليّ ذلك
قلنا: صدق في جميع ما ذكره، والعقود بذلك شاهدة له. وخصّه عام ثلاثة وسبعين بكتابة سره، واستعمله بعد أعوام في السفارة بينه وبين ملوك عصره، فحمد منابه، ونمت أحواله ورغد جنابه، وكان هنالك بعض تقوّلات تشين
وجه اجتهاده، وتومىء بما احتقبه من سوء مقاصده وماصرفه من قبيح أغراضه، وهاجت الفتنة، فكانت سفارته أعظم أسبابها.
وعند الأشدّ من عمره عرضت لأفكاره تقلبات، وأقعدته عن قداح السياسة آفات مختلفات، وأشعرته حدة ذهنه أن يتخبط في أشراك وقعات، فقعد بجامع مالقة ثمّ بمسجد الحمراء ملقياً على الكرسي فنوناً جمة، وعلوماً لم يزل يتلقاها عن أولياء التعظيم والتجلة، فانحاز إلى مادة أمم بمالقة طما منهم البحر، وتراءى لأبصارهم وبصائرهم الفخر، وكان التفسير أغلب عليه لفرط ذكائه، وما كان قيده وحصله أيام قراءته وإقرائه، فما شئت من بيان، وإعجاز قرآن، وآيات توحيد وإخلاص، ومناهج صوفية تؤذن بالخلاص، يوم الأخذ بالنواص، ومراراً عدة سمع ما يلقيه وليّ الأمر، ويا شدة البلوى التي أذاقه مرّها، وأمطاه إلى طيّة الهلاك ظهرها، ويا قرب ما كان الفوت، والحسام الصّلت، من متباعد هذه القرب التي ألغيت.
قلنا: لقد جمح جواد القلم فأطلقنا ونحن نشير إلى هذا الرئيس وتبدل طباعه، بعد انقضاء أعوام شاهدة باضطلاعه، وإحراز شيم أدت إلى علوّ مقداره، واستقامة مداره، فآل عمر مولانا جدنا إلى النفاد، ورمت رئيس كتّابه هذا أسهم الحساد، فظهر الخفيّ، وسقط به الليل على سرحان، وقد طالما جرّب الوفيّ والصفيّ. وكان من شأنه الاستخفاف بأولياء الأمر من حجّاب الدولة، والاسترسال في الرد عليهم بالطبع والجبلّة، مع الاستغراق في غمار الفتن أندلساً وغرباً، ومراعاة حظوظ نفسه استيلاء وغصباً، أما الجراءة فانتضى سيوفها،
وأما إكفاء السماء على الأرض فقواصم نوّع صنوفها، وأما المجاهرة فوقف بميدان الاعتراض صفوفها، وأما المجاملة فنكّر معروفها، أداه هذا النبأ العظيم إلى سكنى المعتقل بقصبة المرية، وعلى الأثر كان الفرج قريباً، وسطور المؤاخذة قد أوسعها العفو تضريباً، ونالته هذه المحنة عند وفاة مولانا الجد الغني بالله، وكانت وفاته غرة شهر صفر عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة، لأسباب يطول شرحها أظهرها شراسة في لسانه، واغترار بمكانه، وتضريب بين خدام السلطان وأعوانه، فكبا لليدين والفم، إلى أن منّ الله تعالى بسراحه، وأعاده إلى الحضرة في أول شهر رمضان المعظم من عام أربعة وتسعين وسبعمائة، فكان ما كان من وفاة مولانا الوالد رحمه الله تعالى، وقيام أخينا محمد مقامه بالأمر، فاستمر الحال أياماً قلائل، وقدم للكتابة الفقيه ابن عاصم لمدة من عام، ثمّ أعاد المذكور إلى خطته وقد دمثت بعض أخلاقه، وخمدت شراسته وحلا بعض مذاقه، فما كان إلاّ كلا وليت وإذا به قد ساء مشهداً وغيباً، وأوسع الضمائر شكاً وريباً، وغلبت الإحنُ عليه، وغلت مراجلها لديه، فصار يتقلب على جمر الغضا، ويتبرّم بالقضا، ويظهر النصح وفي طيّه التشفّي، ويسم نفسه بالصلاح، ويعلن بالخشوع، ويشير بأنّه الناصح الأمين، ويتلو قوله تعالى " ولكن لا تحبّون الناصحين " الأعراف: ورتب على المشتغلين كبيرهم وصغيرهم ذنوباً لم يقترفوها، ونسب إليهم نسباً من التضييع لم يعرفوها، وأنهم احتجنوا الأموال، وأساءوا الأعمال والأقوال، فلم يظفر من ذلك بكبير طائل، ولا حصل على تفاوت أعداده على حاصل، هذا على قلة معرفته بتلك الطريقة الاشتغالية، وعدم اضطلاعه بالأمور الجبائية، فمن نفس يروّع سربها، ويكدر بالامتحان والامتهان شربها، ومن ضارعة خاشعة لله تعالى سلبت، وطولبت بغير ما اكتسبت، وتعدت الأيدي إلى أقوام جلّة سعدوا بشقائه، وامتخنوا وهم المبرّأون من تزويره واعتدائه، وسيسألون يوم لا يغني مال ولا بنون.
وصار يصرف أغراضه، ويظهر أحقاده، بين إفصاح بما كان الإعجام خيراً من إلقائه، وإن عمر المسكين المستضعف لا حاجة في طول بقائه، إلى مجاهرة عهد منه أيام شبيبته نقيضها، وانعكس في شاخته تصريحها المنغص وتعريضها، لا يريح نفسه من جهد، ولا يقف من اللجلجة عند حد، وقد كان ثقل سمعه فساءت إجابته، وطغت أخلاقه فسئم الناس وساطته، وربما استحلف فلم يكن بين اللازمة واللازمة إلاّ الحنث عن قصد وغير قصد، ودعا على نفسه وأبنائه بإنجاز وعد، وأن يقيض الله له ولهم قاتل عمد، فسبحان القاهر فوق عباده، الرحيم بهذا الشخص وبالأموات من شيعته وأولاده، فاستمرّ على ذلك إلى إحدى الليالي، فهلك في جنح الليل في جوف داره على يد مخدومه، تلقّاه - زعموا - عند الدخول عليه، وهو بالمصحف رافع يديه، فجدلته السيوف، وتناولته الحتوف، فقضي عليه، وعلى من وجد من خدامه وابنيه، كل ذلك بمرأى عين من أهله وبناته، ولم يتقوا الله فيه حقّ تقاته، فكانت أنكى الفجائع، وأفظع الوقائع، وساءت القالة، وعظم المصاب، وكل شيء إلى أجل نافذ وكتاب. انتهى كلام ابن الأحمر في مقدمة كتابه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع