تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الرافلين في حلل الجلاله، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين (٣)

وقال:

صاد قلبي وصدّ عني صدوداوانثنى يسحب الذوائب سودا
فرأيت الصباح في الليل يبدووشهدت الرّشا يصيد الأسودا وقال:
إنّي سئمت من الزمان لطول ماقد صدّ عن حسن الوفاء رجاله
ومن النوادر في زمانك أن ترىخلاّ حمدت وداده وخلاله وقال:
إن قابل الغصن بأعطافهفقلّ أن تبصر من فرق
قلت قد استبعد كلّ الورىفقال ذاك البعض من حقّي وقال:
صحّ أنّ الصباح من وجنتيهاوغصون الرياض من معطفيها
قاتل الله عاذلي قلّ يومٌليس يسعى بالعذل فيه إليها وقال:
شدّوا محاملهم يوم الرحال وقدمحا رسوم اصطباري فقد من رحلا
هزّوا الغصون على الكثبان حين مضواوأسبلوا فوق أقمار الدجى كللا وقال:
خدّ ترى الورد بعضاً من محاسنهتبارك الله ما أبهى شمائله
لصارم اللحظ قد أرخى حمائل منعذاره فحمى عنّا خمائله وقال:
قام حادي الركاب ليلاً فغنّىفاستقام السّرى وثار الغرام
قيل نام الأنام فاهجع قليلاًقلت دون الحبيب لست أنام وقال:
ترامى بنا في البيد شوق إلى الحمىترى عنده الأجفان منهلّة الدمع
فلمّا رأينا ربع من سكن الحشانزلنا فقبّلنا ثرى ذلك الرّبع وقال:
يراودني الواشي على حبّ غيرهاوإنّ محالاً أن يرى مثل حسنها
موفّرة الأرداف، مهضومة الحشايريك التفات الظبي فاتر جفنها وقال:
سلّت علينا سيوفاً من لواحظهاومن لنا من سيوف اللحظ من واقي
أضحت لسفك دم العشاق هادرةفما ترى ديةً في قتل عشّاق وقال:
في خدّها شبهٌ للخال أو شيةٌبما حوى الحسن من ألطاف أسرار
وشيٌ من الحسن لم يحتج لصنع يدتبارك الله هذي صنعة الباري وقال:
بين الجوانح لو علمت من الجوىنار عليها سكب عيني يهمع
فدع المدامع في مدى جريانهافالدمع بعد فراقهم لا يمنع وقال:
قالوا بدارين قد قالوا، وقد وردواماء العقيق، وبالزوراء قد باتوا
بانوا عن العين لكن بالقلوب ثوواوفي البعاد عن الأحباب آفات وقال:
مليحة الخدّ به شامةكالورد قد نقّط بالغاليهْ
قلت لها: ما اسمك قولي لناقالت: فما تعرفني غاليهْ وقال:
جارية جارية في مدىشبابها من أملح الخلق
ما بين فرق الصبح لمّا بداووجهها للناس من فرق وقال:
لصبّه منه امتداد النوىفلا يلام الدمع في صبّه

في قدّه لين فهلاّ قضى ... بقلبه منه إلى قلبه يريد بالقلب الأول التحويل والنقل: أي فهلاّ قضى بنقل اللين الذي في قدّه إلى قلبه.

وقال:

يا لابس اللام والأسياف عاريةقد انعطفت على الأعطاف واللام

ويا ضجيع رماح الخطّ يرسلها ... في كلّ هام لها بالحظ في الهام الهام الأول: جمع هامة، والثاني اسم فاعل من همى يهمي.

قال رفيقه: لو قال " من الهام " لكان أليق بالمعنى وألطف.

وقال:

من مال يبغي كسب مال لهمن حرمه إن جاء أو حلّه
فلا تثق يوماً به واحترزمنه فما يبقي على خلّه وقال يتشوق إلى وطنه بالمرية:
لله عيش بالمريّة قد ذهبأخباره بالحسن تكتب بالذهب
وهبت لنا تلك اللّيالي مدةثم استردّ الدهر منّا ما وهب وقال:
أنّ من شوقه فثار الضّرامودرى الناس أنّه مستهام
لا تسل ما جرى من الدمع لمّاقيل هذي النقا وهذي الخيام وقال:
صلاة إله العالمين على الذيأقلّ العطايا منه واد من النّعم
يجود على الراجي وإن كان مذنباًوما قوله للسائلين سوى نعم وقال:
قد سبا قلبي غزال فاتنسل به كيف اعتدى في سلبه
أنا لا أعتب فيما قد جرىصفح الله له عن ذنبه وقال:
صبرت له فتمادى بههواه، فكانت هي الفاصله
وأنكر برّي ويا طالماأتاني يوماً فألقى صله وقال:
وليل نظمنا به شملناكما انتظم البيت بالقافيه
وفرقنا الدهر من بعد ذافلست من اليوم ألقى فيه

فئة، ولا يكمل التجنيس فيه إلاّ بتسهيل الهمزة كما قال رفيقه، ولمّا أنشده قال:

ومن هذا النوع قول بعض الأندلسيين:

وقائل قال ألا صف لنابستاننا هذا ونارنجنا
قلت لهم بستانكم جنّةومن جنى النارنج ناراً جنى وقال ابن جابر المذكور:
قل بحقّ الهوى سمحت بوصلربة القلب أم نهاك الرقيب
رمت نيل الوصال منها فقالتلك وصل غداً فقلت: قريب وقال:
زيّن الخدّ منه صدغ كنونقد بدا تحته عذار كلام
قلت هذي محاسن ابن هلالفانثنى وهو ضلاحك من كلامي وقال:
لها حسن لها عن كلّ شيءبه قلبي، فما أنا أستفيق
على وجناتها نعمان يبدولنا وشفاهها هنّ العقيق وقال:
تمرّ في ذكركم، والله، أحيانيولو سرى طيفكم ليلاً لأحياني
لا يعذب العيش لي بعد العذيب ولانعيم مثل ليالينا بنعمان وقال:
مداراة هذا الخلق أوليك بينهمصفات هي الأقمار والنظم دارات
وشارات حمد المرء أن لا ترى لهعلى الناس ممّا لازم الحلم دارات وقال:
أرى كمداً سعيي إلى خاملٍ، ولوأراك مدى في فرقد بلغ السها
وما الخير يوماً من لئيم بممكنوإن كان منه الخبر يوماً فقد سها وقال:
أرى حيدي عن كلّ طارىء نعمةٍأراح يدي من أن يقيّدها الذلّ
فمن أخذ المعروف من غير أهلهتروح الليالي وهو في عنقه غلّ وقال:
شبا لحظها الماضي وحسن شبابهاهما حمّلا نفسي من الوجد ما بها
كثيب النقا من ردفها، وقضيبهلمعطفها، والبدر تحت نقابها وقال:
حلّ عقد الصبر مني عقدهاإذ سبت قلبي بما في قلبها
تحسب الدّرّ على لبّتهاأنجماً قد كلّل البدر بها وقال:
شعر كالليل يبدو تحتهقمر قد حار شعري في صفاته
نقل المسواك عن مبسمهأنّ ماء الورد يجري من لثاته وقال:
من سنّ تلك اللحاظ فاتّبعتمن سنّة الحبّ كلّ متّبع
تقتل عشّاقها بلا سببوذاك في الحبّ غير مبتدع

وقال:

وما شجو صال لوعة الهجر قد قضىزمان وصال لم تكدّر مشاربه
كشجو محبّ لم يذق لذّة الرضىولا بات والغيد الحسان تلاعبه وقال:
سرت في رحال العيس منه أهلّةٌفأيسر حال أن أزوّدها قلبي
بعيشك قل لي هل دروا كيف علّتيوفيض دموعي بعد منصرف الركب وقال:
من جنى باللحاظ زهر المعانيمن جناب الحمى إذا الناس ناموا
هو قد نال كلّ ما يتمنىوسعت في مراده الأيام وقال:
لطائف حسنها بربوع قلبيلطائف ألجأتني للغرام
تريك تكاسلاً في اللحظ منهالتحسبه تنبّه من منام وقال:
إذا زرت حيّاً بالعقيق فحيّهموذكّرهم عهدي وحقّ ودادي
حرامٌ فراق العيس حتى تحلّنيبواديه من تلك الوجوه بوادي وقال:
من فرط ما في الطرف من فتنةقد غلب الحبّ على النّاس
قالت نسيت العهد قلت اكففيعنّي فما عبدكِ بالنّاسي وقال:
بين نعمان وسلع ملأليس منهم لمحبّ ألم
كلفي منهم ببدر حلّ فيفلك العياء فاعرف من هم وقال:
أراقبها وحين أرى سبيلاًأقاربها فتنفر كالغزال

وقالت أنت مرتقب لماذا ... فقلت لها: ارتقابي للهلال وله من قصيدة مطوّلة في فضائل الصحابة العشرة وأهل البيت، فمما يختص منها بأبي بكر رضي الله تعالى عنه قوله:

فمنهم أبو بكر خليفته الذيله الفضل والتقديم في كلّ مشهد
وصدّيق هادي الخلق والمؤثر الذيلإنفاقه للمال في الله قد هدي
وصهر رسول الله، وانته التييبرئها نصّ الكتاب الممجّد
وصاحبه في الغار إذ قال لا تخففثالثنا ذو العرش أوثق منجد
وسدّ على المختار مخرج حيّةٍهناك برجلٍ منه فازت بأسعد
وفيه وفي خير الأنام تسامعوابمكّة صوت الهاتف المتقصد
" جزى الله ربّ الناس خير جزائهرفيقين حلاّ خيمتي أمّ معبد "
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «جزى اللهُ ربُّ الناسِ، خيرَ جزائهِ»
وعتق بلال حسبه، فهو سيّدتأثل في الإسلام، إعتاق سيد
وقال رسول الله إنّ أمنّكمعليّ أبو بكر وأوفى بموعد
فصدّق إذ كذبتم، وأطاع إذعصيتم، ووافاني موافاة مسعد
ولو أنّني من أمتي كنت آخذاًخليلاً تولّى خلّتي وتودّدي
كان أبو بكر، ولكن أخوّةفي الإسلام مهما تنقص الناس تزدد
فلمّا أراد الله قبض نبيّهوصار إلى دار النعيم المخلّد
تقدم في نيل الخلافة بعدهبإجماعهم لا بالحسام المهنّد
وقد فارقت يومالسقيفة فرقةفلمّا رأته الحقّ لم تتردّد
وقام عليّ بعد ذاك مبايعاُفأثنى ثناء المخلص المتودّد
وأظهر عذراً في تأنّيه صادقاًوبايع طوعاً لا لفقدان مسند
فآب بحمد منهم غير قاصرومن يتبع الإنصاف والحقّ يحمدِ

وما أشبه الصدّيق في الفضل مشبه ... ولا أحصيت أوصافه بتعدّد وممّا يختص بعمر رضي الله تعالى عنه قوله من هذه القصيدة:

ويتبعه في فضله عمر الذيرمى عن قسيّ الصدق قوس مسدّد
وما كلّ من رام السعادة نالهاولكنّه من يسعد الله يسعد
هو المرء لم يترك له الحق صاحباًولا قعد الشيطان منه بمقعد
ولا سلك الشيطان فجّاً قد اغتدىله سالكاً من خوفه المتزيّد
ومن ظلّه قد كان ينفر هيبةًله حيثما أضحى يروح ويغتدي
وقد جاء عنهم: ما برحنا أعزةبإسلامه فانكفّ من كان يعتدي
ومن قولهم: إسلامه كان غرةوهجرته فتحاً شجا كلّ ملحد
وإمرته كانت على الناس رحمةفآبوا إلى فتح وعزّ ممهّد
ومن فضله رعي النبيّ بغيرةله فانثنى عن قصره المتشيد
وقد قيل للفاروق: هذا، ومن بهفأنبأه عن ذا النعيم المؤبّد
فأقبل يبكي قائلاً كيف غيرتيعليك، ولولا أنت ما كنت أهتدي
ورؤيا رسول الله للقدح الذيتناول من درّ به غاية الصدي
وناوله الفاروق من بعد ما ارتوواإلى أن غدا من ظفره الريّ يبتدي
فأوّله العلم الذي منه نالهوأوّل رؤيا الدلو حسن التأيد
فصارت له غرباً فأروى بها الورىفكان افتتاح الأرض فتح ممهّد
ورؤياه أيضاً في قميص يجرّهوللناس قمص بعضها يبلغ الثّدي
فأوّل خير الخلق طول قميصهبما حاز في إيمانه من تأيّد
وتفريقه ما بين حقّ وباطلبيوم سقى الكفّار أفظع مورد
وسمّي بالفاروق من أجل هذهومازال في نصّ الهدى ذا تجلّد
وحسبك أنّ الله وافق رأيهلدى يوم بدر إذ رأى قتل من فدي
كذا في أذان والحجاب وجعلهممصلّى مقاماً للخليل بمسجد
شديد على أهل الهوى رحمة لمنعن الحقّ لم يجنح ولم يتحيّد
وممّا رووا إن كان في أمةٍ فتىيحدّث فالفاروق من ذاك فاعدد

وما أبغض الفاروق إلا مفارق ... لدين الهدى ذو مذهب لم يسدّد وممّا يختص بعثمان رضي الله تعالى عنه قوله:

وحسبي عثمان بن عفان أنّهعليه اعتمادي وهو سؤلي ومقصدي
إمام صبور للأذى وهو قادرحليم عن الجاني جميل التعوّد
هو الجامع القرآ، والقانت الذيإذا جنّ ليل ليس يأوي لمرقد
ويقطع بالصوم النهار وينثنيمدى ليله في خشية وتهجّد
وقال رسول الله في بئر رومةأما مشتر يبغي بها الأجر في غد
له الجنّة العليا بذلك فاشترىوتجهيز جيش العسرة اذكر وعدّد
فقال رسول الله إذ جاءه بماقد احتاج من مال وظهرٍ وأعبد
هنيئاً لعثمان بن عفّان عفلهوما ضرّه ما بعد مع هذه اليد
وقول ألا أبدي حياء لمن لهقد استحيت الأملاك أشرف محتد
وبلّغ بشرى الهاشميّ بأنّهمن الجنة العليا بأكرم مقعد
ولكن على بلوى، وقال سأرتضيوأصبر صبر الطائع المتجلد
فأظهر يوم الدار صبر أولي النّهىولو شاء لم تظفر به يد معتد
ولم يرض، صوناً للدم، بحربهموكان متى يستنجد القوم ينجد
فمات شهيداً صابراً فهو خير منعلى نفسه في غير حقّ قد اعتدي
على بنّي المختار أرخى ستورهفناهيك من مجد وعزٍّ مجدّد
ولم يدع ذا النورين إلا لأنّهحوى بيته نورين من نور أحمد

وإنّ لعثمان بن عفّان رتبةً ... من المجد تسمو عن سماكٍ وفرقد وممّا يختص بعلي رضي الله تعالى عنه قوله:

وإنّ عليّاً كان سيف رسولهوصاحبه السامي لمجد مشيّد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وصهر النبيّ المجتبى وابن عمّهأبو الحسنين المحتوي كلّ سؤدد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وزوّجه ربّ السما من سمائهوناهيك تزويجاً من العرش قد بدي
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
بخير نساء الجنة الغرّ سؤدداًوحسبك هذا سؤدداً لمسوّد
فباتا وحلي الزهد خير حلاهماوقد آثرا بالزاد من جاء يجتدي
فآثرت الجنات من حلل ومنحليّ لها رعياً لذاك التزهد
وما ضرّ من قد بات والصوف لبسهوفي السندس الغالي غداً سوف يغتدي
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وقال رسول الله إنّي مدينةمن العلم وهو الباب، والباب فاقصد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
ومن كنت مولاه عليّ وليّهومولاك فاصدق حبّ مولاك ترشد
وإنّك مني خالياً من نوّةكهرون من موسى وحسبك فاحمد
وقال غداً أعط اللواء محبباًإليّ وللرحمن بالنصر مرتدي
فباتوا وكلّ يشتهي أن ينالهاإلى أن بدا وجه الصباح المجوّد
فنادى علياً ثم أبرأ عينهبنفث كأن لم يمس قبل بأرمد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
فأعطاه إياها وقال له ادعهمومهما أبوا فانهد إليهم تؤيد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
فجدّل منهم من جنى عندما دعاإلى الحرب دعوى الفاتك المتمرّد
وقاتل طول اليوم والباب ترسهيجرّ به للقوم في كل مرصد
فأعجزهن الباب من بعد عشرةفما الظن في ههذا القوي المؤيد
وكان من الصبيان أوّل سابقإلى الدين لم يسبق بطائع مرشد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وجاء رسول الله مرتضياً لهوكان عن الزهراء بالمتشرّد
فمسّح عنه الترب إذ مسّ جلدهوقد قام منه آلفاً للتفرّد
وقال له قول التلطف قم أباتراب كلام المخلص المتودد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وفي ابنيه قال المصطفى ذان سيداشبابكم في دار عزّ وسؤدد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وأرسله عنه الرسول مبلّغاًوخصّ بهذا الأمر تخصيص مفرد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وقال هل التبليغ عني ينبغيلمن ليس من بيتي فبالقوم فاقتد
وقد قال عبد الله للسائل الذيأتى سائلاً عنهم سؤال مندّد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وأمّا عليّ فالتفت أين بيتهوبيت رسول الله فاعرفه واشهد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
بأمرين من حرّ وبرد فلم يجدأذى بردها أو حرّها المتوقد
وما زال صوّاماً منيباً لربّهعلى الحقّ قوّاماً كثير التّعبّد
قنوعاً من الدنيا بما نال، معرضاًعن المال، مهما جاءه المال يزهد
لقد طلّق الدنيا ثلاثاً، وكلّمارآها وقد جاءت يقول لها ابعدي
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة

وأقربهم للحق فيها وكلّهم ... أول الحق لكن كان أقرب مهتد ومنها في ذكر السّبطين رضي الله تعالى عنهما:

وبالحسنين السيدين توسّليبجدهما في الحشر عند تفرّدي
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
هما قرّتا عين الرسول وسيداشباب الورى في جنّة وتخلّد
وقال: هما ريحانتاي، أحبّ منأحبّهما، فاصدقهما الحبّ تسعد
هما اقتسما شبه الرسول تعادلاًوماذا عسى يحصيه منهم تعددي
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
فمن صدره شبه الحسين أجلهوللحسن الأعلى وحسبك فاعدد
وللحسن السامي مزايا كقولههو ابني هذا سيد وابن سيد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
سيصلح رب العالمين به الورىعلى فرقة منهم وعظم تبدد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وإن تطلبوا ابناً للنبي فلن ترواسواي: مقال منه غير مفنّد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
بدا سيداً ظهر الرسول قد ارتقىفقرّ ولم يعجله وهو بمسجد
فقالوا له طال السجود فقال لاولكنما ابني خفت إن قمت يشرد
وكان الحسين الصارم الحازم الذيمتى يقصر الأبطال في الحرب يشدد
شبيه رسول الله في البأس والندىوخير شهيد ذاق طعم المهنّد
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
لمصرعه تبكي العيون وحقّهافلله من جرمٍ وعظم تمرّد

فبعداً وسحقاً لليزيد وشمره ... ومن سار مسرى ذلك المقصد الردي ومنها في ذكر حمزة رضي الله تعالى عنه:

ومن مثل ليث الله حمزة ذي الندىمبيد العدا مأوى الغريب المطرّد
فكم حزّ أعناق العداة بسيفهوذبّ عن المختار كلّ مشدد
فقال رسول الله: هذا أمرتهولي أسد ضار لدى كلّ مشهد
وقال أبو جهل: أصبت محمداًبما ساءه فاهتزّ هزّة سيّد
وأهوى له بالقوس ما بين قومه،وقال: وأخرى بالحسام المهنّد
وقال له: إنّي على دينه فإنأطقت فعرّج عن طريقي واردد
فذلّ أبو جهل وأبدى تلطفاًومن ينصر الحقّ المبين يؤيد
فعاد وقد نال السعادة واهتدىوأضحى لدين الله أكرم مسعد
وفي يوم بدر حثّ عند سؤالهملما شهدوا من بأسه المتوقّد
لمن كان إعلامٌ بريش نعامةيشردنا مثل النعام المشرّد
فذاك الذي والله قد فعلت بناأفاعيله في الحرب ما لم نعوّد
وفي أحد نال الشهادة بعدماأذاق سباعاً للردى شرّ مورد
ففاز وأضحى سيد الشّهداء فيملائكة الرحمن يسعى ويغتدي
وصلّى رسول الله سبعين مرّةعليه إلى ثنتين عند التعدّد
وقال: مصاب لن نصاب بمثلهوإن كان لي يوم سأجزي بأزيد
وأسمعهم لكن حمزة ما لهوبشر بالنّار النوائح ما عدي
نوائحه..... ... ... ... ... وقلن يا أعين اسعدي
وزاد إلى فضل العمومة أنّهأخوه رضاعاً هكذا المجد فاشهد
وما زال ذا عرض مصون عن الأذىومال مهان في العطايا مبدد

كريم متى ما أوقد النّار للقرى ... " تجد خير نار عندها خير موقد " ومنها في ذكر العباس رضي الله تعالى عنه:

وقد بلغ العباس في المجد رتبةًتقول لبدر التم: قصّرت فابعد
ألا إنّه فضل السقاية قد حوىفكان لوفد الله أكرم مورد
وكان طويل الباع في الباس والندىكريماً متى يسترفد القوم يرفد
ويوم حنين ليس ينسى ثباتهودعوته مستنجداً كلّ منجد
وقال رسول الله فيه عليّ ماعليه وأيضاً مثله في التزيد
ألا إنّ عمّ المرء صنو أبيه كييزيدهم في برّه المتأيد
ألا إنّ عمّ المرء صنو أبيه كييزيدهم في برّه المتأيد
وبشّره أنّ الخلافة في الورىلأولاده من سيد ومسوّد

بشيبته استسقوا إذ المحل شامل ... فجاءهم غيث سقى كلّ فدفد انتهى ما وقفت عليه من هذه القصيدة الفريدة، وليس بيدي الآن ديوان شعره حتى أكتبها بكمالها فإنّها مناسبةٌ لهذا الباب الذي جعلناه ختماً للكتاب كما لا يخفى.

ومن مقطّعات ابن جابر:

شغفت بها حيناً من الدهر لم يكنسوى سكب دمعي في محبتها كسبي
وما أصل هذا كلّه غير نظرةإلى مقلة منها أضعت لها قلبي وقال:
قد بان عذري في مليح لهلحظا رشاً بلحظ من ذعر
إنّي على الهجر مطيع لهممتثل في السرّ والجهر وقال:
هذا الرشا يقنص ليث الشريبنظرة منه فلا مخلص
لو عارض العاذل يوماً لهلكان من أول ما يقنص

وقال:

ظبية في ثغرها لعسٌيجتنى من رشفه عسل
سلك التيه بمقلتهامسلكاً قد زانه كسل وقال:
رقم الخال خدّها فرأيناقمر الأفق فيه نقطة ليل
قلت: أين الكثيب والغصن قالت:كل ما قد ذكرته تحت ذيلي وقال:
إن خفت من فتك المهنّد والقنافإذا رنت وإذا مشت لا تقرب
في قلب برقعها محاسن أنزلتقمر السماء لنا بقلب العقرب وقال:
رأى عذولي حسنها بعدماحقّق كوني للهوى جانحا
فقال إن كنت محبّاً لهافقد حمدنا رأيك الناجحا وقال:
ذكر الله بالمريّة عيشاًلست عن ذكره الجميل أحول
طال عهدي بها وما دمت حيّاًلا يزيد الرجاء بل قد يطول وقال:
مرّت ليال بالمريّة طالماقضّيت من ليل بهنّ مآربا
لم أسل عن تلك الديار وإنّماجعل القضاء لكلّ نفس غالبا

وقال:

لا تعقني عن العقيق فإنّيبين أكنافه تركت فؤادي
وعلى تربه وقفت دموعيولسكّانه وهبت ودادي وقال:
عرف المنزل الذي دار فيهزمن الأنس والشباب النضير
فشجاه قلب التلاقي فراقاًوانثنى عنه ذا فؤاد كسير وقال:
جمال هذا الغزال سحريا حبّذا ذلك الجمال
هلال خدّيه لم يغيّبعني وإن غيّب الهلال
غزال أنس يصيد أسداًفاعجب لما يصنع الغزال
دلاله دلّ كلّ شوقعليّ إذ زانه الدلال
كماله لا يخاف نقصاًدام له الحسن والكمال
نباله قد رمت فؤادييا حبّذا تلكم النبال
حلال وصلي له حراموحكم قتلي له حلال
زلال ذاك الحمى حياتيوأين لي ذلك الزلال
قتاله لا يطاق لكنيعجبني ذلك القتال وقال:
بين تلك الخيام أكرم حيّطربت للنّدى عليهم خيام
قد أقاموا بين العقيق وسلعفحياة النفوس حيث أقاموا وقال:
إذا جئت نجداً كرّم الله عهدهفسلّم على أهل المنازل من نجد
لئن حال بعد الدار بيني وبينهمفإنّي لأرعاهم على ذلك البعد وقال:
خجلت عندما نظرت إليهاوانثنت وهي بين تيه ومنع
إنّما ورد خدّها زرع طرفيحين مروا فكيف أحرم زرعي وقال:
لك نفسي إذا بدت لك نجدفلقد سرّني الزّمان بنجد
فلتلك الخيام عندي عهدوأبى الله أن أضيّع عهدي وقال:
سل عن القوم إن بدت لك سلعففؤادي عند الذين بسلع
لي على تلكم المعاهد دمعكاد يغني بها عن اللثّ دمعي وقال:
صفحوا عن محبهم وأقالوامن عثار النوى ومنّوا بوصل
لست أستوجب الوصال ولكنأهل تلك الخيام أكرم أهل وقال:
مال الزمان بهم عنّي وقد بعدوالم يلهني عنهم أهل ولا مال
إنّي لأخشى وما الأيام طوع يديأنّي أموت ولي في القلب آمال وقال:
بين وادي النقا وبان المصلّىملأ ألبسوا الوجود جمالا
إن يكن قد نوى لي الدهر قرباًمنهم فهو قد كفاني نوالا

وقال:

زرت الديار عن الأحبة سائلاًورجعت إذلالاً بدمع سائل
ونزلت في ظلّ الأراكة قائلاًوالرّبع أخرس عن جواب القائل وقال:
لا أوحش الله المنازل منهممنهم غدت تلك الديار حسانا
فاشكر لدهرك أن أراك بحاجربان الحمى وأراكه قد بانا وقال:
لك يا وادي العقيق عليناكل ما شئت من ذمام وثيق
فمن البرّ أنّني أتبرّىمن عقوق لمنزل بالعقيق وقال:
يا أهل ذي سلمٍ بشرى لمستلمذاك الثرى مقدمٍ في السير لم ينم

يؤم داراً بها خير الورى حسباً ... الخاتم الرسل من عرب ومن عجم ولنقتصر من كلام ابن جابر في هذا الموضع على هذا المقدار، وإنّما أطنبت فيه لما تقدم من الاعتراض على لسان الدين في عدم توفيته بحق المذكور وحق رفيقه، مع أنّه أطال فيمن دونهما من أهل عصره، وأيضاً فإن كليهما غريب عندنا بالمغرب، لكونهما ارتحلا قبل أن يشتهرا كل الاشتهار، وكان خبرهما في الشرق أشهر.

[من شعر رفيق ابن جابر]

وأمّا رفيقه شارح بديعيته فقد ذكرنا في غير هذا الموضع بعض حاله وكلامه، ولنزد هنا ما تيسّر، فنقول: من نظمه:

لمّا عدا في الناس عقرب صدغهاكفّت أذاه من الورى بالبرقع
والصبح تحت خمارها متسترعنّا متى شاءت تقول له اطلع وقال:
تجنّت فجنّ في الهوى كلّ عاقلرآها وأحوال المحبّ جنون
وما وعدت إلاّ عدت في مطالهاكذلك وعد الغانيات يكون وقال:
لا تجدوا في الهوى على كلفنظيره في الغرام لن تجدوا
لهفان ما يشتيك إلى أحدظمآن غير الدموع لا يرد وقال:
ربّ ليل قطعته بالجزيرهفتذكرت أهلنا بالجزيره

قصّر الأنس ما تطاول منه ... وكذا أزمن السرور يسيره قال: والجزيرة الأولى المراد بها حمص المحيط بها النهر المسمى بالعاصي، والثانية جزيرة الأندلس.

وله أيضاً:

وما لي والتزين يوم عيدوجيد صبابتي بالدمع حالي

وقد أرسلت أشهبها بريداً ... وبعد كميتها ينبي بحالي والمراد بالأشهب الدمع الذي لا يشوبه شيء؛ وبالكميت الدمع المشوب بالدم، قال ﵀ في شرح البديعية وقد ذكر العقيق بعد كلام ما نصّه: قلت: وكان هذا الوادي المبارك زمن عثمان رضي الله تعالى عنه ذا قصور محتفّة، وحدائق ملتفّة، وبنيان مشيد، ونخل طلعه نضيد، وجنات ترتي أكلها كلّ حين

وسواق تجري به بماء معين، ثم لعبت به أيدي السنين، وغيرت معالمه فصار عبرة للناظرين، فلم يبق من معاهده إلا آثار تشهد بحسنه، ونضرة نعيم تدل على ما سلف من نضارة غصنه؛ وقد خرجنا إلى هذا الوادي أيام مجاورتنا بالمدينة الشريفة، وهو يتدفّق بمائه، ويعارض بجوهر حبابه أنجم سمائه، وقد سالت شعابه، وفاض عبابه، والناس تفرقوا في جهاته، وافترشوا غضّ نباته، والشّيح قد توشّح بالندى، والأنس قد راح به وغدا، والأصيل مذهب الرداء، والبيداء مخضرة الأنداء، وبحافته آثار قصور، ليس لها في الحسن قصور، قد بليت وحسنها جديد، وخربت وربعها بالأنس مشيد؛ انتهى.

ومن بديع نظمه قوله:

مهلاً فما شيم الوفا منقادةلمن ابتغى من نيلها أوطارا
رتب المعالي لا تنال بحيلةيوماً ولو جهد الفتى أو طارا وقوله رحمه الله تعالى:
على وادي العقيق سكبت دمعيبلا عين فيبدو كالعقيق
فكم غصن وريق منه يحكيقوام رشا شهيّ فم وريق وقال:
سألتك بالله يا من غدايصرّف بالقلب أفعاله
تدارك محبّاً بدرياق وصلفإنّ عبادك أفعى له وقال:
لا تأمننه على القلوب فمنه أصل غرامها

فلحاظه هنّ التي ... رمت الورى بسهامها ومن فوائده رحمه الله تعالى في شرح البديعية ما نصّه: ومن غريب ما في

لدى أن أبا علي حكى في تذكرته عن المفضّل أنها أتت بمعنى هل وأنشد:

لدى من شبابٍ يسترى بمشيب ... وكيف شباب المرء بعد ذهاب رجع - وقال رحمه الله تعالى يتشوّق إلى حمراء غرناطة:

ذابت على الحمراء حمر مدامعيوالقلب فيما بين ذلك ذائب
طال المدى بي عنهم ولربماقد عاد من بعد الإطالة غائب وقال:
ما هبّ من نحو السّبيكة بارقٌإلاّ غدا شوشقي لقلبي شابكا
والله ما اخترت الفراق لربعهالكن قضاء الله أوجب ذلكا وقال:
منازل سلمى إن خلت فلطالمابها عمرت في القلب مني منازل
رسائل شوقي كلّ يوم تزورهاوما ضيّعت عند الكرام الرسائل وقال:
بجور الوداع لنا موقفأذاب الفؤاد لأجل الوداع

فما أنا أنسى غداة النوى ... وحادي الركائب للبين داعي قال: وجور الوداع موضع بظاهر غرناطة، عادة من سافر أن يودّع هناك.

وقال:

ناولته وردة فاحمرّ من خجلٍوقال: وجهي يغنيني عن الزّهر
الخدّ ورد، وعيني نرجس، وعلىخدّي عذار كريحانٍ على نهر وقال رحمه الله تعالى في التشريع:
يا راحلاً يبغي زيارة طيبةنلت المنى بزيارة الأخيار
حيّ العقيق إذا وصلت وصف لناوادي منىبأطايب الأخبار
وإذا وقفت لدى المعرّف داعياًزال العناوظفرت بالأوطار وقال:
يا أولاً في المرسلين وآخراًالله خصّك بالكمال ليرضيك
من قبل آدم قد جعلت نبيّهقدماً فقدّمك الإله ليعليك
أوحى إليك لكي تكون حبيبهويتمّ نعمته عليك ويهديك وقال:
صيرتني في هواك اليوم مشتهراًلا قيس ليلى ولا غيلان في الأوّل
زعمت أنّ غرامي فيك مكتسبٌلا والذي خلق الإنسان من عجل وقال:
لا تعاد الناس في أوطانهمقلّما يرعى غريب الوطن
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة
وإذا ما شئت عيشاً بينهمخالق الناس بخلق حسن وقال:
نسختي اليوم في المحبّة أصلفعليها اعتماد كلّ عميد
نقلوا مرسل المدامع منهاوصحيح الهوى بغير مزيد
قد رواها قبلي جميل وقيسحين هاما بكلّ لحظ وجيد

ومن فوائده: أنّه لما أنشد في طراز اعلحلة قول سعد الدين محمد بن عربي في ابن مالك:

إنّ الإمام جمال الدين فضّله ... إلى آخره قال ما ملخصه: ولما أورده الصفدي في فض الختام قال: هذا في غاية الحسن لو كان الكتاب المذكور يسمى الفوائد وإنّما هو تسهيل الفوائد فذكر المضاف إليه دون المضاف، وهي تورية ناقصة، قلت: ابن مالك له كتابان: أحدهما الفوائد صنعه أولاً ثم صنع تسهيل الفوائد بعده، وكأنّه سهّل فيه كتاب الفوائد، وكنت وقفت على هذا الكتاب المسمّى بالفوائد ببلدنا غرناطة، فلمّا وصلنا إلى هذه البلاد بحثنا عنه فلم نجده، وتمادى الأمر على ذلك إلى سنة، فوجدناه في حلب، وهو الآن عندنا، وهو عزيز الوجود، ولذلك خفي على القاضي صلاح الدين؛ انتهى وبعضه بالمعنى.

وقال أبو جعفر أحمد المترجم به: كتبت إلى صاحبنا الشيخ بدر الدين خليل الناسخ:

مددت النوى وقصرت اللّقاأرتضى بهبذا وأ، ت الخليل
وتترك أحمد ذا وحشةلديك وأنت له ابن جليل وقال:
قد كان لي أنسٌ بطيب حديثكموالآن صار حديثكم برسول
ولقد مددت من النوى مقصورهإنّ الخليل يراه غير جميل وله رحمه الله تعالى:
ما للنوى مدّت وأنت خليلناولقبل قد قصرت برغم الكاشح
أتبعت في ذا مذهباً لا يرتضىأبداً وليس الرأي فيه بصالح

وله:

ولمّا رأى الحساد منك التفاتةإلى جانب اللهو الذي كان مرفوضا
أضافوا إلى علياك كلّ نقيصةحقيق لدينا بالإضافة مخفوضا وله:
حسنك ما بين الورى شائعقد عرّف الآن بلام العذار
فجاء منه متبداً للهوىخبره الآس مع الجلّنار ولنقتصر على هذا المقدار إلى هنا

رجع إلى أولاد لسان الدين رحمهم الله تعالى:

وقد قدمنا أن علي بن لسان الدين كان نديم السلطان وخاصّته، كما ذكرنا في مخاطبته لابن مرزوق في الباب الخامس قوله: فالسلطان يرعاه الله تعالى يوجب ما فوق مزية التعظيم، والولد هداهم الله تعالى قد أخذوا بحظ قلّ أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوّها بالعذاب الأليم، إلا من أبدى السلامة وهو من إبطان الحسد بحال السليم؛ انتهى.

ولقد صدق رحمه الله تعالى فيما ذكره من النصح وغيره.

ومن نصائحه رحمه الله تعالى ما كتب به على لسان السلطان، ونصّه: من عبد الله أمير المسلمين محمد وصل الله تعالى سعده، وبلّغه من فضله العميم قصده، إلى أوليائنا المخصوصين منّا ومن سلفنا بذمام الجوار القريب، والمساكنة التي لا يتطرق إلى حقّها الذي بني استرابة المستريب، المعتمدين إذا عدّت الرعايا، وذكرت المزايا، بمزيد الاعتناء والتقريب، من الأشياخ الجلّة الشرفاء والعلماء، والصّدور الفقهاء، والعدول الأذكياء، والأعيان

الوزراء، والحماة المدافعين عن الأرجاء، والأمناء الثّقات الأتقياء، والكافة الذين نصل إيهم عوائد الاعتناء، ونسير فيهم بإعانة الله تعالى على السبيل السّواء، من أهل حضرتنا غرناطة المرحوسة بفضل الله تعالى وربضها، شرح الله تعالى لقبول الحكمة والموعظة الحسنة صدورهم، وكنف بنتائج الاستقامة سرورهم، وأصلح بعنايته أمورهم، واستعمل فيما يرضيهم أميرهم ومأمورهم: سلام كريم عليكم أجمعين ورحمة الله تعالى وبركاته.

أمّا بعد حمد الله الذي إذا رضي عن قوم جعل لهم التوقى لباساً، والذكرى لبناء المتاب أساساً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي هدانا إلى الفوز العظيم ابتغاء لرحمته والتماساً، والرضى عن آله الذين اختارهم له ناساً، وجعلهم مصابيح من بعده اقتداء واقتباساً، فإنّا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى إعزازكم وحرس أحوازكم؛ وجعل للعمل الصالح اهتزازكم؛ وبقبول النصائح امتيازكم - من مستقرنا بمحروسة الحمراء، حماها الله سبحانه، ولا متعرف بفضل الله تعالى إلا هداية تظهر على الأقوال والأعمال، وعناية تحفّ من اليمين والشمال، وتوكّل على الله يتكفل لنا ببلوغ الآمال، وأنتم أولياؤنا الذين لا ندّخر عنهم نصحاً، ولا نهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحاً، وبحسب هذا الاعتقاد لا نغفل عن نصيحة ترشدكم إذا غفلتم، وموعظة نقصّها عليكم إذا اجتمعتم في بيوت الله واختلفتم، وذب عنكم تارة بسلم نعقدها، ومطاولة نسدّدها، وتارة بسيوف في سبيل الله تعالى نحدّدها، وعمارة للشهادة نرددها، ونفوس بوعد الله نعدها، ونرضى بالسهر لتنام أجفانكم، وبالكدّ لتّتّدع صبيانكم وولدانكم، وباقتحام المخاوف ليتّصل أمانكم، ولو استطعنا أن نجعل عليكم وقاية كوقاية الوليد لجعلنا، أو أمكننا أن لا تفضلكم رعية بصلاح دين أو دنيا لفعلنا، هذا شغل زماننا منذ عرفناه، ومرمى همّنا مهما استهدفناه، وقد استرعانا الله تعالى جماعتكم، وملاّنا طاعتكم، وحرّم علينا إضاعتكم

والراعي إذا لم يقصد بسائمته المراعي الطيبة، وينتجع مساقط الغمائم الصيّبة، ويوردها الماء النمير، ويبتغ لها النماء والتثمير، ويصلح خللها، ويداو عللها، قلّ عددها، وعدمت غلّتها وولدها، فندم على ما ضيعه في أمسه، وجنى عليها وعلى نفسه.

وألفيناكم في أيامنا هذه الميامن عليكم قد غمرتكم آلاء الله تعالى ونعمه، وملأت أيديكم مواهبه وقسمه، وشغل عدوّكم بفتنة قومه فنمتم للعافية فوق مهاد، وبعد عهدكم بما تقدم من جهد وجهاد، ومخمصة وسهاد، فأشفقنا أن يجركم توالي الرخاء إلى البطر، أو تحملكم العافية على الغفلة عن الله تعالى وهي أخطر الخطر، أو تجهلوا مواقع فضله تعالى وكرمه، أو تستعينوا على معصيته بنعمه، فمن عرف الله تعالى في الرخاء وجده في الشّدّة، ومن استعد في المهل وجد منفعة العدّة، والعاقل من لا يغتر في الحرب أو السلم بطلو المدة، فالدهر مبلي الجدّة، ومستوعب العدّة، والمسلمون إخوانكم اليوم قد شغلوا بأنفسهم عن جبركم، وسلموا لله في نصركم، ونشبت الأيدي ولا حول ولا قوّة إلا بالله بثغركم، وأهمتهم فتن تركت رسوم الجهاد خالية خاوية، ورياض الكتائب الخضر ذابةل ذاوية، فإن لم تشمّروا لما بين أيديكم في هذه البرهة فماذا تنتظرون وإذا لم تستنصروا بالله مولاكم فبمن تستنصرون وإذا لم تستعدّوا في المهل فمتى تستعدون لقد خسر من رضي في الدنيا والآخرة بالدون، فلا تأمنوا مكر الله " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " الأعراف:.

ومن المنقول عن الملل، والمشهور في الأواخر والأول، أن المعصية إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات والنقمات، وشحّت السماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفّت الضّروع، وأخلفت الرضوع.

فوجب علينا أن نستميلكم بالموعظة الحسنة، والذكرى التي توقظ من السّنة، ونقرع آذانكم بقوارع الألسنة، فأفزعوا الشيطان بوعيها، وتقربوا إلى الله تعالى برعيها، الصلاة الصلاة فلا تهملوها، ووظائفها المعروفة فكملوها، فهي الركن الوثيق، والعلم الماثل على جادة الطريق، والخاصة التي يتميز بها هذا الفريق، وبادروا صفوفها الماثلة، وأتبعوا فريضتها النافلة، وأشرعوا إلى تاركها أسنّة الإنكار، واغتنموا بها نواشىء الليل وبوادي الأسحار، والزكاة أختها المنسوبة، ولدتها المكتوبة المحسوبة، فمن منعها فقد بخل على مولاه، باليسير ممّا أولاه، وما أحقّه بذهاب هبة الوهاب وأولاه؛ فاشتروا من الله تعالى كرائم أموالكم بالصّدقات، وأنفقوا في سبيله بربحكم أضعاف النفقات، ووسوا سؤالكم كلّما نصبت الموائد، وأعيدت للترفّه العوائد، وارعوا حق الجوار، وخذوا على أيدي الدّعرة والفجّار، وأخرجوا الشّنآن من الصدور، واجعلوا صلة الأرحام من عزم الأمور، وصونوا عن الاغتياب أفواهكم، ولا تعوّدوا السفاهة شفاهكم، وأقرضوا القرض الحسن إلهكم، وعلموا القرآن صبيانكم، فهو أسّ المبنى، وازرعوه في تراب ترائبهم فعسى أن يجنى، ولا تتركوا النصيحة لمن استنصح، وردوا السلام على من بتحية الإسلام أفصح، وجاهدوا أهواءكم فهي أولى ما جاهدتم، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، وثابروا على حلق العلم والتعلّم، وحفوا بمراقي التكلّم، وتعلّموا من دينكم ما لا يسعكم عند الله تعالى جهله، ويتبين أنّكم أهله، فمن القبيح أن يقوم أحدكم على وقاية برّه وشعيره، ورعاية شاته وبعيره، ولا يقوم على شيء يخلص به قاعدة اعتقاده، ويعدّه منجاة ليوم معاده، والله ﷿ يقول ولقوله يرحل المنتجعون " أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنّكم إلينا لا ترجعون " المؤمنون:.

وائنفوا من الحوادي الشنيعة، والبدع التي تفتّ في عضد الشريعة، فقد شنّ علينا الملبّسة بأهل التصوّف المغار، ونال حملتها بل جملتها بإغماضهم

الصغار، وتؤوّل المعاد والجنّة والنار، وإذا لم يغر الرجل على دينه ودين أبيه فعلى من يغار، فالأنبياء الكرام وورثتهم العلماء، هم أئمة الاقتداء، والكواكب التي عيّنها الحق للاهتداء، فاحذروا معاطب هذا الداء، ودسائس هذه الأعداء.

وأهم ما صرفتم إليه الوجوه، واستدفعتم به المكروه، العمل بأمره جل وعلا في الآية المتلوّة، والحكمة السافرة المجلوّة، من ارتباط الخيل وإعداد القوّة، فمن كان ذا سعة في رزقه، فليقم لله بما استطاع من حقّه، وليتخد فرساً يعمر محلّته بصهيله، ويقتنه من أجل الله وفي سبيله، فكم يتحمل من عيال يلتمس مرضاتهن باتخاذ الزينة، والتنافس في ترف المدينة، ومؤونة الارتباط أقل، وعلى الهمّة والدين أدل، إلى ما فيه من حماية الحوزة، وإظهار العزة، ومن لم يحسن الرمي فليتدرب، وباتخاذ السلاح إلى الله فليتقرب، وقبل الرمي تراش السّهام، وعلى العباد الاجتهاد وعلى الله التمام.

والسكّة الجارية في حوادث نواديكم، وأثمان العروض التي بأيديكم، من تحيّف حروفها، ونكّر معروفها، أو سامح في قبول زيف، أو مبخوس حيف، فقد اتّبع هواه، وخان نفسه وسواه، قال الله ﷿ " أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين " الشعراء: ولتعلموا أن نبيّكم صلوات الله عليه إنّما بعثه الله مجاهداً وبالحق قاضياً، وعن الهفوات حليماً متغاضياً، فتمسّكوا بحبله، ولا تعدلوا عن سبله، يروكم الله تعالى من سجله، ويراعكم من أجله، مراعاة الرجل لنجله، فهو الذي يقول " وما كان الله ليعذّبهم وأ، ت فيهم، وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون " الأنفال: وإن كان في وطنكم اليوم سعة، وقد ألحفكم أمن من الله تعالى ودعة، فاحسبوا أنّكم في بلد محصور، وبين لحيي أسد هصور، اكتنفكم

بحر يعبّ عبابه، ودار بكم سور بيد عدوّكم بابه، ولا يدرى متى ينتهي السّلم، وينشعب الكلم، فإن لم تكونوا بناء مرصوصاً، وتستشعروا الصبر عموماً وخصوصاً، أصبح الجناح مقصوصاً، والرأي قد سلبته الحيرة، والمال والحريم قد سلبت فيه الضنانة والغيرة، وإن شاء الله تهبّ ريح الحميّة، ونصرة النفوس على الخيالات الوهمية، فإن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، والله متم نوره على رغم الجاحدين وكره الكافرين " وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصّابرين " البقرة:.

واعتقدوا أن الله تعالى لم يجعل الظهور مقروناً بعدد كثير، ولو مثل جراد مزرعة أثارها مثير، بل بإخلاص لا يبقي لغير الله افتقاراً، ونفوس توسع ما سوى الحق اقتداراً، ووعد يصدق، وبصائر أبصارها إلى مثابة الجزاء تحدق، وهذا الدين ظهر مع الغربة، وشظف التربة، فلم ترعه الأكاسرة وفيولها، والقياصرة وخيولها، دين حنيف، وعلم منيف، من وجوه شطر المسجد الحرام تولى، وآيات على سبعة أحرف تتلى، وزكاة من الصميم تنتقى، ومعارج ترتقى، وحج وجهاد، ومواسم وأعياد، ليس إلا تكبير شهير، وأذان جهير، وقوّة تعد، وثغور تسد، وفيء يقسم، وفخر يرسم، ونصيحة تهدىة، وأمانة تؤدى، وصدقة تخفى وتبدى، وصدور تشرح وتشفى، وخلق على خلق القرآن تحذى وتقفى، قُبض رسول الله ﷺ وهذا العقلد قد سجّل، والوعد به قد عجّل " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي؛ ورضيت لكم الإسلام ديناً " المائدة: ولا ينقطع لهذا الفرع عادة وصله، ما دام شبيهاً بأصله، وإنّما هو حلبٌ لكم زبدته الممخوضة، وخلاصته الممحوضة، والعاقبة للمتقين " ولتعلمنّ نبأة بعد حين " ص:.

وحضرتكم اليوم قاعدة الدين، وغاب المجاهدين، وقد اخترعت بنا أيامنا هذه وأيام والدنا المقدس الآثار الكبار، والحسنات التي تنوقلت بها الأخبار

وأغفلت إلى زمنكم الحسنة المذخورة، والمنقبة المبرورة، وهي بيمارستان يقيم منكم المرضى المطّرحين، والضعفاء المغتربين منهم والمعترضين في كلّ حين، فأنتم تطرونهم بالأقدام، على مرّ الأيّام، ينظرون إليكم بالعيون الكليلة، ويعربون عن الأحوال الذليلة، وضرورتهم غير خافية، وما أنتم بأولى منهم بالعافية، والمجانين تكثر منهم الوقائع، وتفشو منهم إماتة العهد الذائع، عار تحظه الشرائع، وفي مثله تسدّ الذرائع.

وقد فضلتم أهل مصر وبغداد، بالرباط الدائم والجهاد، فلا أقل من المساواة في معنى، والمنافسة في مبنى، يذهب عنكم لؤم الجوار، ويزيل عن وجوهكم سمات العار، ويدل على همتكم، وفضل شيمتكم، أهل الأقطار، وكم نفقة هانت على الرجل في مشروع، وحرص اعتراه على ممنوع، فأسرعوا فالنظر في هذا المهم خير مشروع، ولولا اهتمامنا بمرتزقة ديوانكم، وإعدادنا مال الجباية للمجاهدين من إخوانكم، لسبقناكم إلى هذه الزّلفة، وقمنا في هبذا العمل الصالح بتحمّل الكلفة، ومع ذلك فإذا قدناكم إلى الجنّة ببنائه، وأسهمناكم في فريضة أجره وثنائه، فنحن إن شاء الله تعالى نعيّن له الأوقاف التي تجري عنها المرفقة، وتتصل عليه بها الصدقة، تأصيلاً لفخركم، وإطابة في البلاد لذكركم، فليشاور أحدكم همّته ودينه، ويستخدم يساره في طاعة القصد الكريم ويمينه، ونسأل الله تعالى أن يوفّق كلاًّ لهذا القصد ويعينه، ومن وراء هذه النصائح عزم ينهيها إلى غايتها، ويجبر الكافة على اتباع رأيها ورايتها، فأعملوا الأفكار فيما تضمنته من الفصول، وتلقّوا داعي الله تعالى فيها بالقبول، والدنيا مزرعة الآخرة، وكم معتبر للنفوس الساخرة، بالعظام الناخرة " يا أيّها النّاس إنّ وعد الله حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدّنيا، ولا يغرّنّكم بالله الغرور " فاطر: وأنتم اليوم أحقّ النّاس بقبول الموعظة نفوساً زكية، وفهوماً لا قاصرة ولا بطيّة، وموطن جهاد، ومستسقى غمام

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.