تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن أبيات أولها: لحا الله وردانًا وأما أتت به ...

لحا الله وردانًا وأما أتت بهله كسب خنزيرٍ وخرطوم ثعلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لحا الله وردانا وأما أتت به»

فهي من الطويل الثاني عند الخليل, ومن السحل الأول عند غيره.

الخنزير إذا جعلت النون فيه زائدةً فهو من الخزر في العين, وهو ضيق فيها, وأن ينظر الإنسان بالجانب الذي فيه المؤق. يقال: تخازر الرجل؛ إذا فعل ذلك. قال الراجز:

إذا تخازرت وما بي من خزرثم كسرت الطرف من غير عور
للشاعر الأغلب العجلي، اقرأ القصيدة
وجدتني ألوى بعيد المستمرأبذى إذا بوذيت من كلبٍ ذكر

وإذا جعلت النون في الخنزير أصليةً فهو مأخوذ من الخنزرة, وهي فأس غليظة تكسر بها الحجارة, يراد أنه غليط الخلقة.

والخرطوم: يستعمل لغير الإنس في وضع الشفة والأنف. قال جران العود:

فصرنا إليها واللغام كأنهبألحي المهاري والخراطيم كرسف

واستعملوه في العقاب, قال جران العود أيضًا:

عقاب عقنباة كأن جناحهاوخرطومها الأعلى بنارٍ ملوح

وقيل لأول ما يعتصر من الكرم: خرطوم؛ لأنه يتقدم كتقدم الشفة, وقد سمي الأنف خرطومًا, قال الفرزدق: [البسيطي

يا ظمي ويحك إني ذو محافظةٍأنمي إلى النفر الشم الخراطيم

وقوله:

إذا كسب الإنسان من هن عرسهفيا لؤم إنسانٍ ويا لؤم مكسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لحا الله وردانا وأما أتت به»

الهن يكنى به عن الفرج وكل ما يقبح من الأمور, ويدخلون فيه الهاء إذا وقفوا, ويحركون النون, فيقولون: هنه.

فإذا وصلوا سكنوا النون وجاؤوا بالتار فيقولون: خذ فيه الهاء إذا وقفوا,

وهنت, كأنهم يريدون تأنيث هنٍ, وأنشد ابن الأعرابي:

فقلت مهلًا لا تلومي يا هنهأنا ابن ثنتين وسبعين سنه

والعرس أكثر ما يستعل للمرأة, وقد يقال للرجل: عرس, وهما عرسان, قال علقمة:

أدحي عرسين فيه البيض مركوم

وكذلك عروس يستعمل للأنثى والذكر, واشتقاقها من العرس, قال الشاعر في استعمال عروس للمذكر:

أترضى بأنا لا تجف دماؤناوهذا عروسًا باليمامة خالد

ويروى: بالمدينة خالد.

فأما قولهم: «لا مخبأ لعطرٍ بعد عروسٍ», فيجوز أن يحمل على المذكر والمؤنثب.

وقوله:

أهذا اللذيا بنت وردان بنتههما الطالبان الرزق من شر مطلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لحا الله وردانا وأما أتت به»

اللذيا: تصغير الذي. والذي عند البصريين أصله لذٍ مثل عمٍ, ودخلت عليه لام التعريف. وقال قوم: بل هو مبني من لامٍ وذالٍ, وقال آخرون: ذاله مثل ذال هذا, واستدلوا على ذلك بقولهم في التصغير: اللذيا, كما قالوا في تصغير هذا: هاذيا, ويقال في تصغير التي: اللتيا, ويقال في المثل: «فعل ذلك بعد اللتيا والتي»؛ أي: بعد الأمر الشاق. وبعض

الناس يقول: اللتيا والتي من أسماء الداهية, والمعنى متقارب. قال الراجز:

يا بنة هندٍ لا تسبن ابنتي

بعد اللتيا واللتيا والتيإذا علتها أنفس تردت
للشاعر العجاج، من قصيدة «الحمد لله الذي استقلت»

فجاء لقوله التي في آخر البيت بصلةٍ على أصل ما يجب في الأسماء الموصولات, ويجوز أن يكون قولهم: اللتيا والتي يريدون به ما صغر من الأمور وكبر, ومنه قول الضبي:

ولقد رأيت ثأى العشيرة كلهاوكفيت جانيها اللتيا والتي

وإذا أرادوا الكناية عن الأمر الشديد جاؤوا بالكلمتين الأولى مصغرة والثانية غير مصغرة, لا يقتصرون على الواحدة منهما.

وقوله:

لقد كنت أنفي الغدر عن توس طيئٍفلا تعذلاني رب صدق مكذب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لحا الله وردانا وأما أتت به»

يقال: فلان من توس صدقٍ, وسوس صدقٍ؛ أي: من أصله ومعدنه. وطيئ

أكثر ما يستعمل بالهمز, وربما قالوا: طي بغير همزة. وحكي عن ابن الكلبي أنه قال: إنما سمي طيئًا لأنه أول من طوى المناهل, يعني طي البئر التي تعرفه العامة, ونسب هذا البيت إليه, وهو قوله:

فإن الماء ماء أبي وجديوبئري ذو حفرت وذو طويت

وهذا البيت يوجد في الحماسة منسوبًا إلى رجل يقال له: سنان, وإذا صح هذا القول فالهمز في طيئٍ غير أصلي, وإنما يجري مجرى قولهم: حلأت السويق, والأصل من الحلاوة ونشئت الرائحة, وإنما هو من النشوة, وهي الرائحة الطيبة. وقال بعض الناس: طيئ مأخوذ من قولهم: طاء في الأرض إذا ذهب فيها. فإذا أخذ بهذا القول فالهمزة في طيئ أصلية. وقد زعموا أن سبأ بن يشجب إنما سمي سبأً لأنه أول من سبى الذرية, وسبي الذرية غير

مهموزٍ, وقد جاء سبأ في القرآن والشعر الفصيح مهموزًا. قال الشاعر:

ظلت تطاردها الولدان من سبأٍكأنهم تحت دفيها الدحاريج

وقال آخر, وهو يروى للجعدي ولأمية بن أبي الصلت:

من سبأٍ الحاضرين مأرب إذيبنون من دون سيله العرما
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «من سبأ الحاضرين مأرب إذ»

وهذا أمر لا يعلم كيف حقيقته؛ لأنه خطب متقادم. ويجوز أن يكون مأخوذًا من سبأت الخمر, أو سبأته النار؛ إذا أحرقت جلده.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.