تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا

أعيدوا صباحي فهو عند الكواعبوردوا رقادي فهو لحظ الحبايب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

وهي من الطويل الثاني عند الخليل, ومن السحل الأول في قول غيره, وقافيتها من المتدارك.

الحبايب: جمع حبيبة, وإذا قيل: الأحباب فهو جمع حب, وأصله للمذكرين, وقد استعملت الشعراء الأحباب في معنى الحبايب؛ وذلك جائز إذا جعلوا الحب واقعًا على الشخص, وقالوا للمرأة: حبة؛ إذا كانت محبوبة.

وقوله:

فإن نهاري ليلة مدلهمةعلى مقلةٍ من فقد كم في غياهب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المقلة: جملة العين بياضها وسوادها, والجمع مقل, وهو القياس, وقد قالوا: مقل فجمعوه على حد برةٍ وبر. والغياهب: جمع غيهب, وهو الليل المظلم. ويقال للرجل الجافي الوخم: غيهب, وحكى بعضهم: غهب الليل؛ إذا أظلم.

وقوله:

بعيدة ما بين الجفون كأنماعقدتم أعالي كل هدبٍ بحاجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

سكن ياء أعالي للضرورة, وهذا المعنى ينظر إلى قول بشار:

جفت عيني عن التغميض حتىكأن جفونها عنها قصار
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول وليلتي تزداد طولا»

والحاجب: الشعر الذي على الحجاج, فأما قول قيس بن الخطيم:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامةٍبدا حاجب منها وضنت بحاجب
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا الحاجب المذموم عن حلب مضى»

والأشبه أن يكون أراد حاجب المرأة, وقد قيل: إنه أراد حاجب الشمس؛ أي: جانبها, وحكوا في ذكر قرصٍ قدم إلى ضيفٍ: «كل من حواجبه»؛ أي: من جوانبه ونواحيه.

وقوله:

ولو قلم ألقيت في شق رأسهمن السقم ما غيرت من خط كاتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

البغداديون ينشدون شق, بفتح الشين. وحكى أبو الفتح محمد بن الحسن بن روحٍ, ﵀, وكان يلي لأبي الطيب أمرًا في بصف, أنه سمعه ينشد في شق رأسه, فقال له أبو الطيب: شق, والمعنيان متقاربان. ويجوز أن يكون أبو الطيب عن له في الفتح والكسر رأي. والشق ما بين سني القلم, وشقه أحد جانبيه, والكسر أشد مبالغةً من الفتح.

وقوله:

ولابد من يومٍ أغر محجلٍيطول استماعي بعده للنوادب

أصل قولهم: يوم أغر محجل: منقول من الفرس الذي له غرة وتحجيل؛ لأنه إذا كان كذلك شهر في الخيل أكثر من اشتهار البهيم. وقيل لكل أمر يظهر ويشيع ذكره: أغر

محجل. واستعملوا في الخير والشر, فمما جاء في الافتخار البيت المنسوب إلى السموأل وإلى غيره:

وأيامنا مشهورة في عدونالها غرر معروفة وحجول
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

وقال الجعدي:

ألا ناديا ليلى وقولا لها هلافقد ركبت أمرًا أغر محجلا

أي: مشهورًا, وإنما يريد أمرًا شنيعًا قبيحًا.

وقال الراجز:

لا هم إن الحارث بن جبلهزنا على والده وقتله
وركب الشادخة المحجلةوكان في جاراته لا عهد له

وأي شيءٍ سمجٍ لا فعله

والشادخة المحجلة يراد بها سبة مشهورة.

وقوله: يطول استماعي بعده للنوادب: يريد أن القتلى تكثر, فلا يزال يسمع نوادب المقتولين.

وقوله:

إليك فإني لست ممن إذا اتقىعضاض الأفاعي نام فوق العقارب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الأفاعي: جمع أفعى, وهي تقع على الذكر والأنثى, وإذا قالوا: أفعوان فهو الذكر لا غير. ومن تذكير الأفعى البيت المعروف:

مطرق يرشح سما كماأطرق أفعى ينفث السم صل
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة

ويقال: تفعى له؛ إذا تنكر له, قال الهذلي:

رأته على فوت الشباب وأنهاتفعى لها إخوانها وعشيرها

والمعنى: أني لست ممن إذا اتقى الأمور الكبار صبر على ما هو دونها.

وقوله:

أتاني وعيد الأدعياء وإنهمأعدوا لي السودان في كفر عاقب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الأدعياء: جمع دعي, وهو الذي يدعيه أبوه, أو يدعي هو إلى أبٍ, ولا يكون نسبه ثابتًا. والسودان - هاهنا - مراد بهم عبيد سودان أعدوا له في كفرٍ عاقبٍ ليقتلوه.

وكفر عاقبٍ في الشام الأعلى, وكل قريةٍ كفر. وبعض من فسر شعر أبي الطيب يذهب إلى أنه أراد بالسودان الحيان؛ جمع أسود, ويذهب إلى أن السودان كناية عن الشرور, ولا يمتنع ما قال, ولكن ظاهر الأمر أنهم عبيد سود, وقولهم: السودان يقع على الإنس وغيرهم, فيقال: معزى سودان, وأنشد سيبويه:

ومعزى هدبًا يعلوقران الأرض سودانا

وقول القائل:

أحب لحبها السودان حتىأحب لحبها سود الكلاب

جعل السودان تقع على الكلاب وغيرها.

وقوله:

كأن رحيلي كان من كف طاهرٍفأثبت كوري في ظهور المواهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

لما وصف نفسه بأنه جواب للأرض قد سلك منها كل مكانٍ جعل ذلك خروجًا إلى مدح الممدوح, فقال: كأني رحلت من كف طاهر وقد أثبت كوري؛ أي: رحلي الذي على الناقة فوردت بي موطن كل قومٍ, وهذا من الإفراط في المبالغة.

وقوله:

فلم يبق خلق لم يردن فناءهوهن له شرب ورود المشارب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

استعار الورود للمواهب, وقد يستعمل الناس قولهم: ورد البلد في معنى قدم, وأصله في ورد الماء, وفي هذا البيت تقديم وتأخير كأنه قال: لم يردن فناءه ورد المشارب؛ أي: مواهبه تقصد ديار الناس, وتحرص على ورودها كما تحرص الظماء على ورود المشرب, وهن مع ذلك شرب للقوم, والشرب: الحظ من الماء, وقد جعله قوم كالمصدر.

وقوله:

فتى علمته نفسه وجدودهقراع الأعادي وابتذال الرغائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

القراع: مصدر قارع القوم القوم إذا ضاربوهم, وكانت المضاربة بيابسٍ يقع على مثله في اليبس.

والرغائب: جمع رغيبةٍ, وهي العطية التي يرغب فيها. ويقال: رغبت فهي رغيبة؛ إذا كثرت واتسعت, ومنه قولهم: فرس رغيب الشحوة؛ أي: واسع الخطوة.

وقوله:

كذا الفاطميون, الندى في بنانهمأعز امحاء من خطوط الرواجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

كذا: كلمة تستعمل كاستعمال المثل, والمعنى: كذا الوصف الذي أصفه الفاطميون.

والرواجب: واحدها راجبة. فمنهم من يقول: هي بطون الأصابع وظهورها, واحدتها راجبة, وقال قوم: الأنامل من أطراف الأصابع إلى العقد الأولى, ومن العقد الأولى إلى الثانية الرواجب, ومن الرواجب إلى العقد الأخرى البراجم, وقيل: البراجم هي نفس العقد الأخيرة التي تظهر إذا قبضت في الكف.

وقوله:

أناس إذا لاقوا عدًى فكأنماسلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

المعنى مما يقال في هذا الموضع أن عداهم إذا لاقوهم قاتلوهم بالفرار, فسلاحهم أن يركضوا جيادهم فيثور غبارها في الهزيمة.

ويجوز أن يذهب إلى أن الممدوحين لا يحفلون بسلاح الأعداء, ولا يضرهم, فكأنه غبار

الخيل يدخلون فيه بلا اكتراثٍ, ويقوي هذا القول قوله في صفة الخيل: دوامي الهوادي. والسلاح يذكر ويؤنث. قال الطرماح في تأنيثه يصف ثورًا وحشيًّا:

يهز سلاحًا لم يرثها كلالةًيشك بها منها أصول المغابن

ويدل على التذكير قولهم: أسلحة, فجمعوه بالهاء, كما يقولون: حمار وأحمرة, ولو كان مؤنثًا لقالوا أسلح كما قالوا: شمال وأشمل, وأنشد أبو زيدٍ:

لقد أعجبتموني من جسومٍوأسلحة ولكن لا فؤادا

والسلاهب: الخيل السراع, وقيل: الطوال, والسرعة أشبه في هذا البيت.

وقوله:

رموا بنواصيها القسي فجئنهادوامي الهوادي سالمات الجوانب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

سكن دوامي للضرورة, وهي في موضع الحال. والهوادي: الأعناق, واحدها هادٍ, قال القطامي:

إني وإن كان قومي ليس بينهموبين قومك إلا ضربة الهادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وجاءت الهادية بالهاء في معنى العنق, وفي حديث النبي ﷺ لما قال وهو يعني رقبة الشاة: «إنها هادية الشاة وأبعدها من الأذى». فجعلها هاديةً؛ لأنها متقدمة من الجسد,

ويقال: إن الهاء لم تعرف في الهادية إلا في هذا الحديث, وإنما جاء بها ﷺ لما كانت في ذكر الرقبة, والمعنى الذي قصده أبو الطيب قد سبقت إليه الشعراء, قال كعب بن زهيرٍ:

لا يقع الطعن إلا في نحورهموما لهم عن حياض الموت تهليل
للشاعر معروف النودهي، من قصيدة «دمي ودمعي مدرارٌ ومطلول»

وقال القطامي:

ليست تجرح فرارًا ظهورهموبالنحور كلوم ذات أبلاد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

أولئك أحلى من حياةٍ معادةٍوأكثر ذكرًا من دهور الشبائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الشبائب: جمع شبيبة, فأما قول الراجز:

يخضبن بالحناء شيبًا شائبًا

يقلن كنا مرةً شبائبا

فيجوز أن يريد ذوات شبائب فحذف المضاف كما قال الطهوي:

حسبت بغام راحلتي عناقًاوما هي ويب غيرك بالعناق

أراد بغام عتاقٍ, ويجوز أن يكون جمع شبيبة من قولهم: امرأة مشبوبة إذا وصفت بالجمال والحسن, فتكون فعيلة في معنى مفعولة. قال الشاعر:

ومشبوبةٍ لا يقبس الجار ربهاولا طارق الظلماء منها يونس

أراد امرأةً جميلةً شبهها بالنار المشبوبة, وقالت امرأة من العرب لابنتها: «لو رأيتني وأنا شابة لرأيت أحسن من النار الموقدة». فأما شبائب فلا يجوز أن يكون جمع شابةٍ, وإنما جمعها شواب.

وقوله:

نصرت عليا يابنه ببواترٍمن الفعل لا فل لها في مضارب

أراد أنه يفعل أفعالًا جميلةً تكون في أعدائه مثل السيوف البواتر, ولكن لا يحدث بها فل, وإنما يريد أنك فعلت من المكارم مثل ما كان يفعل, وكأنه يدعي له أنه زاد في شرف عليّ ﵇ وقوى أمره.

وقوله:

وأبهر آيات التهامي أنهأبوك وإحدى ما لكم من مناقب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أبهر: من قولهم: بهره؛ إذا غلبه, والآيات: العلامات, كذلك يأتي في كلام العرب, قال الشاعر:

ألكني إلى قومي السلام رسالةًبآية ما كانوا ضعافًا ولا عزلا
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

أي بعلامة ذلك, وآية القرآن مأخوذة من هذه كأنها علامة للنبوة. وقيل: الآية جماعة الحروف من قولهم: خرج القوم بآيتهم؛ أي: جماعتهم, والتهامي منسوب إلى تهامة, والتهم: شدة الحر, وانخفاض الأرض, قال الراجز:

نظرت والعين مبينة التهم

إلى سنا نارٍ وقودها الرتم

والتهم - هاهنا - مصدر أخذ من تهامة, وإذا نسبوا إلى تهامة فأقروا التاء على الكسر شددوا الياء في النسب, وإذا فتحوا التاء خففوا الياء, فقالوا: تهامٍ مثل قاضٍ, ومررت بتهامٍ, ورأيت تهاميًا.

وقوله: إحدى ما لكم: يحتمل أن يكون إحدى نسقًا على قوله أبوك؛ فيكون قد جعل النبي ﷺ إحدى مناقب هؤلاء القوم, وهذا من الغلوّ. ولكن الشعراء يجرون من ذلك على سجيةٍ, ويجوز وجه آخر, وهو أن تكون إحدى معطوفةً على قوله: أنه أبوك, فتكون هاهنا مردودةً على الجملة, ويذهب بقوله: إحدى ما لكم من مناقب إلى ما يروى عن علي ﵇ في باب خيبر, ونحو ذلك. فالوجه الأول يكون فيه النبي ﷺ إحدى مناقبهم,

والوجه الثاني أن يكون إحدى مناقبهم من آياته.

وقوله:

إذا علوي لم يكن مثل طاهرٍفما هو إلا حجة للنواصب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

النواصب: جمع ناصبة؛ أي: الجماعة التي تنصب العداوة لأهل البيت ﵈, ولو أنه جمع ناصب لوجب أن يقول: نصاب, إلا أن وضع فواعلٍ في موضع فعالٍ جائز في الشعر, ومنه قول الفرزدق:

وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهمخضع الرقاب نواكس الأبصار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم»

وضع نواكس موضع نكاسٍ.

وقوله: ويحذى عرانين الملوك وإنهالمن قدميه في أجل المراتب

يحذى عرانين الملوك؛ أي: تجعل له حذاءً, والعرنين: ما بين العينين إلى الأنف. قال المتلمس:

ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتيجعلت لهم فوق العرانين ميسما
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رجال لا أرى»

ويكنون عن السادة بالعرانين. قال ابن لجأٍ:

إن العرانين تلقاها محسدةولن ترى للئام الناس حسادا
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

يد للزمان الجمع بيني وبينهلتفريقه بيني وبين النوائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

سمت العرب النعمة يدًا, فقالوا: لفلانٍ عندي يد, وأصل ذلك أن الرجل إذا أعطى الآخر شيئًا ناوله إياه بيده, فكنوا عن النعمة باليد, وأنشد أبو زيد لضمرة بن ضمرة النهشلي:

فلن أذكر النعمان إلا بصالحٍفإن له عندي يديا وأنعما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «فلن أذكر النعمان إلا بصالح»

زعموا أن يديا جمع يدٍ, مثل عبيدٍ وكليبٍ, ويجوز أن يكون يديا فعيلًا في معنى مفعول من قولهم: يديت إلى الرجل جميلًا, فهو ميدي ويدي.

وقوله:

يرى أن ما ما بان منك لضاربٍبأقتل مما بان منك لعائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

في أنّ ضمير, وهو الهاء, كأنه قال: ترى أنه ما الذي بان منك لضاربٍ, فما الأولى نافية, والثانية في معنى الذي. ومثل حذف الضمير هاهنا قول الأعشى:

إن من لام في بني ابنة حسان ألمه وأعصه في الخطوب

أراد أنه من لام, ولولا ذلك لم يجز الجزاء.

وقوله: ألا أيها المال الذي قد أبارهتعز فهذا فعله بالكتائب

أباره: أي: أهلكه, والبور: الهالك الفاسد, ومنه قول ابن الزبعرى:

يا رسول المليك إن لسانيراتق ما فتقت إذ أنا بور
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

ومنه: بارت السلعة؛ إذا لم تنفق, وفي الكتاب العزيز: ﴿كانوا قومًا بورًا﴾.

وبور يقع على الواحد والجميع.

وقوله:

حملت إليه من لساني حديقةًسقاها الحجا سقي الرياض السحائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الحديقة أرض فيها نخل أو عنب, وأصل ذلك أن يحدق بها حائط أو نهر من قولهم: حدقوا به وأحدقوا؛ إذا أطافوا. قال الأخطل:

المنعمون بنو حرب وقد حدقتبي المنية واستبطأت أنصاري

وقال آخر في يوم الحرة:

ولما أحدقوا بي واستكفّواوإن ناديت ثم فلن أجابا

وأراد بالحديقة القصيدة على التشبيه, وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول في قوله: سقي الرياض السحائب, أراد سقي السحائب الرياض, وقد فصلوا بينهما بالظرف, والمصدر, وحروف الخفض, وبالمفعول.

قال الشاعر في الفصل بالظرف:

كما خط الكتاب بكف يومًايهودي يقارب أو يزيل
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

وقال ذو الرمة ففصل بينهما بحرف الخفض والمخفوض الذي بعده:

كأن أصوات من إيغالهن بناأواخر الميس أنقاض الفراريج
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا حاديي بنت فضاض أما لكما»

أراد كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا. وقال آخر في الفرق بالمصدر:

أزب كأنه أسد هموسمعاود جرأةً زفت الهوادي

أراد معاد زفت الهوادي جرأةً, فجرأةً هاهنا يجوز أن تكون مصدرًا, ويجوز أن تكون مفعولًا له. وقال في الفرق بينهما بالمفعول:

فزحجته متعرضًازج القلوص أبي مزاج

ويروى: أبي مزادة, أراد: زج أبي مزادة القلوص.

وقوله:

فحييت خير ابنٍ لخير أبٍ بهالأشرف بيت في لؤي بن غالب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

حييت: فعلت من التحية, ويجب أن يكون أصل التحية البقاء, كأنهم يقولون: حييت الرجل؛ إذا دعوت له بالحياة, ثم سلموا الملك تحيةً؛ لأن الملك يدعى له بأن يعمر, وسموا الوجه محيًا؛ لأنه يلقى بالكلام الجميل, ثم سموا ما طابت رائحته من الأشياء إذا لاقوا به الرجل تحيةً, وكذلك السلام.

ويجب أن يكون الشاعر أراد بالتحية هاهنا ما كان طيب الرائحة من الزهر, وغيره؛ أي: هذه القصيدة أرجة ذكية.

ولؤي بن غالب يهمز ولا يهمز, فإذا همز احتمل وجهين: أحدهما أن يكون تصغير لأى, وهو الثور الوحشي, وأن يكون تصغير لأي, وهو البطء. وإذا لم يهمز احتمل وجوهًا؛ منها: أن يكون من الوجهين اللذين مضيا, وتجعل الهمزة واواً؛ لأنها مفتوحة وقبلها ضمة. ويجوز إذا لم يهمز أن يكون تصغير لوى الرمل ولواء الجيش, واللوى من قولهم: فرس ألوى؛ إذا كان في ظهره التواء. واللوى من قولهم: خصم ألوى؛ إذا كان شديد الخصومة. واللوى إذا أريد به الوجع الذي في البطن. ويجوز أن يكون تصغير لي من قولهم: لويته ليا, ويجوز في تصغير لي وجهان: لوي وليي, وأن يكون ترخيم التصغير من قولهم: ألوى إذا كان شديد الخصومة.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.