من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن الأبيات التي أولها
ياذا المعاني ومعدن الأدبسيدنا وابن سادة العرب
الأدب الذي كانت تعرفه العرب هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم, مثل ترك السفه, وبذل الموجود, وحسن اللقاء. قال الغنوي:
لا يمنع الناس مني ما أردت ولاأعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
كأنه أنكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم. واصطلح الناس بعد الإسلام بمدةٍ طويلةٍ على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب أديبًا, ويسمون هذه العلوم الأدب, وذلك كلام مولد؛ لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام, وقال بعض الناس: يقال: جاء بالأدب؛ أي: العجب, فيذهب إلى أن قولهم أديب؛ أي: رجل يعجب منه لفضله.
وقوله: سيدنا وابن سادة العرب؛ كل شيء غلب أشياء من جنسه فهو سيد لها؛ فلذلك قيل للعير: سيد العانة؛ لأنه يقهرها ويغلبها على ما يريد. وقالوا في صفة الناقة: هي تسود المطايا؛ لأنها تغلبها في السير, وأنشد أبو زيدٍ لزهير بن مسعودٍ الضبي:
تسود مطايا القوم ليلة خمسهاإذا ما المطايا بالنجاد تبارت
وسادة ليس في الحقيقة جمع سيدٍ, وإنما هو جمع سائد؛ كما يقال: ذادة وذائد, وقادة وقائد, ويجب أن يكون اشتقاق السيد من قولهم: ساد الرجل القوم؛ أي طالهم بسواده؛ أي: شخصه, ثم كثر ذلك حتى صارت السيادة بالفعل لا بالشخص.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع