تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التى أولها (٢)

يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبٍكنايةً بهما عن أشرف النسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

وهي من البسيط الأول على رأي الخليل, ومن السحل الثاني في قول غيره, وقافيتها من المتراكب.

تاء الأخذت بدل من واوٍ في القول الأكثر, ووزنها فعل. وقال قوم: تاء أختٍ هي هاء التأنيث التي تصير هاء في الوقف, فلما سكنت خاء أختٍ قويت التاء فثبتت في الوقف؛

لأن ما قبل هاء التأنيث لا يكون إلا متحركًا حركةً بينةً أو مرادةً في النية كقولهم: أرطاة. فما قبل الهاء ساكن إلا أن أصله الحركة فكأنه أرطية فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها, ومن ذهب إلى هذا الوجه فوزن أخت عنده: فعت. والقول في تاء بنتٍ كالقول في تاء أختٍ, فمن زعم أن الساقط من ابن واو جعل أصل بنت على القول الأول بنو. ومن ذهب إلى أن الساقط من ابن ياء وأنه من بنى الرجل على امرأته يبني فأصل بنتٍ عنده بني, وكان الأخفش يجعل الذاهب من ابن واوًا ويستدل على ذلك بقولهم: البنوة, وكان الزجاج يجيز أن يكون الذاهب من ابن واوًا أو ياءً, ومن قال: إن تاء أختٍ هي هاء التأنيث فوزن بنت عنده: فعت, وهي على القول الأول فعل.

وقوله:

أجل قدرك أن تسمي مؤبنةًومن يصفك فقد سماك للعرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

التأبين: الثناء على الميت دون الحي, قال لبيد:

فأبنا ملاعب الرماحومدره الكتيبة الرداح

وقد ذهب بعضهم إلى أن التأبين قد جاء للأحياء, وإنما يقال: إنه ورد في بيت الراعي وذلك قوله:

وقلت لخلي ارفعاها وأبناهنيدة واهتاج العيون اللوامح

كأنهم يذهبون إلى أنه أراد أنشدا النسيب الذي قيل في هنيدة. وقد يمكن أن تكون هنيدة قد ماتت في تلك الحال, أو يكون يائسًا من لقائها؛ فكأنها عنده في حال الميت.

ومن يصفك فقد سماك للعرب؛ أي: أنك إذا ذكرت صفاتك علم السامع أنك المعنية بها دون غيرك؛ فكأن ذاكرك قد سماك, وهذا مثل قولك: في طيئ رجل يضرب به المثل في السخاء؛ فيعلم أنه حاتم, وإن لم يسم, وكذلك لو قيل: في بني كلاب فارس أعور هو أحد فرسان العرب الثلاثة لعلم أن المعني عامر بن الطفيل.

وقوله:

تعثرت به في الأفواه ألسنهاوالبرد في الطرق والأقلام في الكتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يريد أن هذا الخبر نبأ عظيم لا تجترئ الأفواه على النطق به, فهذا قد يجوز أن يكون صحيحًا؛ لأن الإنسان ربما هاب الإخبار بالشيء لعظمه في نفسه, وكذلك الكاتب الذي يكتب بالخبر الشنيع ربما تعثر قلمه هيبةً للأمر الذي دخل فيه, وإنما التعثير من الكاتب. وأما إدعاؤه التعثر للبرد فكذب لا محالة؛ لأن البريد لا يشعر بالخبر.

وقد ذكر أبو الطيب في موضع آخر ما يدل على أن حامل الكتاب الذي لا يشعر ما فيه غير شاقٍ عليه حمله, فكيف بالدابة التي لا يحكم عليها بالعقل, ومن ذلك قوله لعضد الدولة:

حاشاك أن تضعف عن حمل ماتحمل السائر في كتبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

والبرد: جمع بريد, وأصل ذلك أنهم كانوا ينصبون في الطريق أعلامًا, فإذا بلغ بعضها

راكب البريد نزل عنه وسلم ما معه من الكتب إلى غيره؛ فكأن ما به من الحر والتعب يبرد في ذلك الموضع أو ينام فيه الراكب.

والنوم يسمى بردًا فسمي ما بين الموضعين بريدًا, وإنما الأصل الموضع الذي ينزل فيه الراكب, ثم قيل للدابة: بريد؛ لأنها يستعان بها على قضاء المأربة, وإنما كانت البرد للملوك, ثم قيل للسير: بريد, قال امرؤ القيس:

على كل مقصوص الذنابى معاودٍبريد السرى والليل من خيل بربرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

وقال مزرد بن ضرار:

فدتك عراب اليوم نفسي وأسرتيوناقتي الناجي إليك بريدها

وقوله: به؛ حذف الياء التي عادتها أن تكون بعد هذه الهاء في الوصل كقوله تعالى: ﴿وأنا به زعيم﴾, وقوله: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾, وذلك عند سيبويه ضرورة, ومن الأبيات التي أنشدها سيبويه:

فأيقن أن الخيل إن تلتبس بهيكن لفسيل النخيل بعده آبر

وقول الآخر:

فإن يك غثا أو سمينًا فإننيسأجعل عينيه لنفسه مقنعا
للشاعر مالك بن حريم الهمداني، اقرأ القصيدة

وأنشد الكسائي بيتًا قد حذفت فيه الياء والواو وهو لأبي حزام العكلي:

لي والد شيخ تسوؤه غيبتيوأظن أن فناء عمره عاجل

وقوله:

كأن فعلة لم تملأ مواكبهاديار بكرٍ ولم تخلع ولم تهب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كنى عن خولة بفعلة, وهذا تقوية لقوله: «أجل قدرك أن تسمي مؤنثة», والخولة, فيما يزعمون, ظبية السهل, وبها سميت المرأة. والمتورعون من أهل العلم إذا ذكروا بيتًا فيه هجاء وقد سمي المهجو فيه كنوا عنه باسمٍ على وزنه يبنونه من الفعل, من ذلك أنهم ينشدون:

تعرض ضيطارو فعالة دونناوما خير ضيطارٍ يقلب مسطحا
للشاعر مالك بن عمرو النضيري، اقرأ القصيدة

فيقال: إن القائل قال: ضيطارو خواعة, فوضعوا مكانه فعالة.

وقوله:

وهمها في العلى والملك ناشئةًوهم أترابها في اللهو واللعب

العلى: جمع عليا, وهي أنثى الأعلى, وإذا ردوا الأفعل إلى الفعلى, وكان من ذوات الواو قلبوا الفعلى إلى الياء. من ذلك الأعلى والعليا والأدنى والدنيا, وقالوا الأقصى والقصيا والقصوى, فجاء بالياء والواو, والقصوى عندهم كالشاذ.

والأتراب أكثر ما تستعمل في الإناث. وذكر سعيد بن مسعدة ما يدل على أنه يستعمل في الرجال, وأنهم يدخلون الهاء على المؤنث فيقولون: تربتها, وترب الرجل.

والغالب على الأتراب كونها في النساء.

وقوله:

يعلمن حين تحيا حسن مبسمهاوليس يعلم إلا الله بالشنب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

المبسم: الموضع الذي يكون فيه التبسم, ولو بني المصدر منه لوجب أن يفتح فيقال: بسم الرجل مبسمًا, وهذا كالمطرد في المكان والمصدر. والشنب: البرد. ويقال: يوم شانب؛ أي: بارد, والثغر يوصف بذلك, قال الشاعر, وهو ينسب إلى امرئ القيس:

بردت مراشفها علي فصدنيعنها وعن قبلاتها البرد

وقال الراجز يخاطب ولده:

يا بأبا أنت وفوك الأشنبكأنما ذر عليه الزرنب

وقال قوم: الشنب: تحدد أطراف الأسنان.

وقوله:

مسرة في قلوب الطيب مفرقهاوحسرة في قلوب البيض واليلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

استعار للطيب قلوبًا؛ لأن جعله كمن يعقل, ولما كان الطيب يقع على صنوف كثيرة حسن أن يجمع فيقول: قلوب الطيب؛ لأن من الطيب المسك والكافور والعنبر, وغير ذلك.

والبيض: جمع بيضة الحديد.

واليلب في هذا الموضع: شيء يتخذ من الجلود, فيجعل على الرأس في الحرب, وقد اختلف فيه, فقيل: هو شيء كالدروع يتخذ من أديمٍ, وقال قوم: اليلب: الترسة. وقال قوم: اليلب: خالص الحديد. وقال بعضهم: إنما غلط الراجز فظن أن اليلب حديد, فقال:

ومحور أحكم من ماء اليلب

كما غلط الآخر في قوله:

برية لم تعرف المرققاولم تذق من البقول الفستقا

فظن أن الفستق من البقول. ومثل هذا من أغلاط العرب كثير.

وقوله:

إذا رأى ورآها رأس لابسهرأى المقانع أعلى منه في الرتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

رأى تقع على قوله: رأس لابسه, وتقدير الكلام إذا رأى البيض واليلب رأس لابسه ورأى هذا المرأة علم أن المقانع التي تلبسها النساء أشرف منه.

وقوله:

وإن تكن تغلب الغلباء عنصرهافإن في الخمر معنى ليس في العنب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقال: إن تغلب الغلباء إنما قيل في الأصل لتغلب بن حلوات بن عمران بن الحاف بن قضاعة. فيجوز أن يكون قولهم: الغلباء: أي: أنها تغلب الناس, ويحتمل أن يراد بذلك الكثافة والقوة من قولهم: أسد أغلب إذا كان غليظ العنق, ثم وصفت تغلب بنة وائل بهذا الوصف.

والعنصر, بضم الصاد, وفتحها: الأصل, ويحتمل أن يكون اشتقاقه من عصرت الماء, وتكون النون زائدةً؛ لأن المولود عصارة من أبيه؛ إذ كان يخلق من مائه, ولا يمتنع أن يكون العنصر من العصر الذي هو الملجأ؛ لأن أصل الإنسان كأنه شيء يلجأ إليه.

قوله:

وليت عين التي آب النهر بهافداء عين التي زالت ولم تؤب

جعل النهار يؤوب بعين الشمس؛ لأنه يكون كالغائب, والمعروف في كلام العرب أن يكون الإياب مع الليل, ولذلك قالوا: التأويب سير النهار كله إلى الليل, وقال كعب بن سعد الغنوي:

هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًاوماذا يؤدي الليل حين يؤوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

وقد جعلوا رجوع الغائب إيابًا كما قال امرؤ القيس:

وقد طوفت في الآفاق حتىرضيت من الغنيمة بالإياب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

ولو ذهب ذاهب إلى أن أبا الطيب عني بقوله: آب النهار أن الشمس تغرب من انقضائه فكأنه يؤوب بها إلى الموطن الذي كانت فيه لكان ذلك وجهًا موافقًا لقول من يقول: إن الإياب مع الليل, وأنشد سعيد بن مسعدة:

وما أبت حتى قال لي بعدما أبتمعيزي أوب المهتدي الجعد أب أب

وقوله:

وهل سمعت سلامًا لي ألم بهافقد أطلت وما سلمت من كثب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الكثب: القرب, ومنه البيت المنسوب إلى عبد الله بن الزبعرى:

وهو يوم عكاظٍ مــنعوا الناس من الهزم
فهذان يذودانوذا من كثبٍ يرمي
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

ويقال: أكثب الشيء إذا أمكن وقرب.

وقوله: وكيف يبلغ موتانا التي دفنتوقد يقصر عن أحيائنا الغيب

في يبلغ ضمير يرجع على سلامه, يقول: كيف يبلغ سلامي موتانا المدفونة, وقد يقصر عن الغائب الحي؟

وقوله:

قد كان قاسمك الشخصين دهرهماوعاش درهما المفدي بالذهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

كان لسيف الدولة أختان: إحداهما هذه المرثاة بالقصيدة التي على الباء, وهي الكبرى منهما. والأخرى المرثية بالقصيدة التي أولها:

إن يكن صبر ذي الرزية فضلا

وهي الصغرى من الأختين.

وقوله:

قد كان قاسمك الشخصين دهرهماوعاش درهما المفدي بالذهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

مبني على قوله في القصيدة الأخرى:

قاسمتك المنون شخصين جورًاجعل القسم نفسه فيه عدلًا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فإذا قست ما أخذن بما أعــدرن سرى عن الفؤاد وسلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: قاسمتك المنون هذين الشخصين جورًا منها؛ لأنه كان ينبغي أن لا تقدم على أذيتك. والهاء في قوله: فيه: عائدة على الجور؛ أي: قد عدل القسم لما ترك الجزء الأفضل, يعني هذه المرثية بالقصيدة التي على الباء. وأغدرن: تركن.

وقوله:

ما كان أقصر وقتًا كان بينهماكأنه الوقت بين الورد والقرب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كان الوقت بين هاتين الأختين متقاربًا كالوقت بين الورد والقرب.

والقرب هو طلب الماء ليلة ثم الورد. قال الراجز:

ينهضن بالقوم عليهن الصلبموكلاتٍ بالنجاء والقرب

والإبل قوارب وقاربة. قال المخبل السعدي:

يقاسون جيش الهرمزان كأنهمقوارب أحواض الكلاب تلوب

أي تحوم حول الماء من العطش.

وقوله:

وأنتم نفر تسخو نفوسكمبما يهبن ولا يسخون بالسلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يجوز يسخون بالياء, وهو أجود الوجهين؛ لأنه يعود إلى النفوس؛ وإن رويت تسخون بالتاء فهو وجه جيد. ويكون تسخون مخاطبة للمدوحين, والمعنى أنكم تسخون بالهبات عن طيب نفوس, ويشق عليكم أن تسلبوا؛ لأن السلب يؤخذ منكم على كره.

وقوله:

حللتم من ملوك الناس كلهممحل سمر القنا من سائر القصب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

سائر عند البصريين مأخوذ من سؤر الشيء, وهو بقيته, فيرون أنه يجب أن يقدم قبل هذه الكلمة بعض الشيء الذي هي مضافة إليه, فيقال: لقيت الرجل دون سائر بني أبيه؛ لأن الرجل بعضهم, وكذلك قول الشاعر:

وما حسن أن يعذر المرء نفسهوليس له من سائر الناس عاذر

ولا يحسن أن يقال: لقيت اليوم سائر الناس؛ لأنه لم يتقدم شيء يجعل سائر بقية له,

وعلى هذا المنهج أكثر كلام العرب, ومنه قول الهذلي:

وغير ماء المرد فاها فلونهكلون النؤور وهي أدماء سارها

أي: سائرها, وحسن ذلك؛ لأنه قال: وغير ماء المرد فاها, ففوها شيء قد تقدم يكون ما بعده سؤرًا له.

وقال قوم: سائر مأخوذ من سار يسير, وقولهم: لقيت سائر القوم؛ أي: الجماعة التي يسير فيها هذا الاسم وينتشر. ومما جاء على هذا الوجه قول الراجز:

لو أن من يرجز بالحماميقوم يوم وردها مقامي

إذا أضل سائر الأحلام

أي كلها. وبيت أبي الطيب على مذهب البصريين يضعف؛ لأن القنا ليست من القصب في الحقيقة, فكأنه قال: لقيت عنترة العبسي دون بني كلاب, وعنترة ليس منهم. والبيت على الوجه الآخر لا كلام فيه.

وقوله:

فلا تنلك الليالي إن أيديهاإذا ضربن كسرن النبع بالغرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

النبع: شجر يوصف بالصلابة, وهو من أشجار الجبال, والغرب: شجر ينبت على الأنهار وليست له قوة.

والعرب إذا وصفوا الحيزين المقتتلين بالشدة قالوا: النبع بالنبع يقرع, ولذلك قال, ولذلك قال زفر بن الحارث:

فلما قرعنا النبع بالنبع بعضهببعضٍ أبت عيدانه أن تكسرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»

ويروى: عيدانهم. ولم يكن ثم نبع يقرع بعضه ببعضٍ, وإنما أراد صفة الفريقين بالشدة والصلابة.

وقوله:

ولا يعن عدوا أنت قاهرهفإنهن يصدن الصقر بالخرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الخرب: ذكر الحبارى, والصقر يصيده إذا أراده. قال خداش بن زهير:

هل بالحوادث والأيام من عجبٍأم بابن جدعان عبد الله من كلب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «هل بالحوادث والأيام من عجب»
وما سمعت بصقرٍ ظل يرقبهحد الظهيرة يوم المرج من خرب

وقوله:

وما قضى أحد منها لبانتهولا انتهى أرب إلا إلى أرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: ما تنقضي حاجة إلا وهي موصولة بحاجة أخرى, وهو كقول الأول: وحاجة من عاش لا تنقضي

واللبانة: الحاجة. وأصل ذلك أن الرجل منهم كان يطلب اللبن من غيره؛ فيقولوه: أعطاه لبانةً؛ أي: شيئًا من لبنٍ, ثم كثر ذلك حتى صارت كل حاجةٍ لبانةً.

وقوله: وما قضى أحد منها لبانته: يعني اللبانات كلها, فكأن اللبانة هاهنا شائعة في الجنس, وإن لم يعتقد ذلك أدى إلى أنه لم يقض أحد من الناس حاجةً له في دنياه, وذلك مستحيل.

وقوله:

تخالف الناس حتى لا اتفاق لهمإلا على شجبٍ والخلف في الشجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الشجب: الهلاك, قال عنترة:

فمن يك في قتله يمتريفإن أبا نوفلٍ قد شجب
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «وغادرن نضلة في معركٍ»

والمعنى أن الناس مختلفون, فالإجماع لا يقع إلا على الموت الذي لابد منه, ثم يقع الاختلاف فيه.

وقوله:

فقيل تخلص نفس المرء سالمةًوقيل تشرك جسم المرء في العطب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الملحدون يزعمون أن النفس تهلك كما يهلك الجسم.

وقد روي عن أفلاطون ورسطاطاليس في ذلك أقوال, فيذكرون أن أحدهما كان يقول ببقاء النفس الخيرة بعد خروجها من الجسد, وأن الآخر كان يقول ببقاء النفس المحمودة والمذمومة. ومن يذهب إلى هذا الوجه يزعم أنها تكون ملتذة بما فعلته من الخير في الدار الفانية.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.