تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: بغيرك راعيًا عبث الذئاب ... وغيرك صارمًا

بغيرك راعيًا عبث الذئابوغيرك صارمًا ثلم الضراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

وهي في الوزن كالتي قبلها, وقافيتها من المتواتر. يجوز أن يكون نصب راعٍ وصارمٍ على التمييز, وعلى الحال. والصارم: القاطع, وكل صرمٍ قطع.

وقوله:

وتملك أنفس الثقلين طرًافكيف تحوز أنفسها كلاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الثقلان: يراد بهما الإنس والجنس, ولو تؤول أنهما العرب والعجم لكان ذلك وجهًا؛ لأن الجن لا يظهرون للإنس, فأما الثقلان اللذان في الحديث فتفسيرهما معهما, وهو قوله ﷺ: «أترك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي», وإنما ذلك مأخوذ من ثقل الرجل الذي هو

محتاج إلى حمله ومراعاته, فكأن كتاب الله وعترته ثقلا النبي ﷺ اللذان يجريان مجرى متاعه, وقوله: طرا: يريدون بها معنى الجميع, يقولون: لقيتهم طرًا؛ أي: كلهم, وهو من قولهم: طررت الإبل إذا جمعتها من أطرارها؛ أي: نواحيها, ونصب طر في قول قوم على المصدر, وفي قول قومٍ على أنه حال.

وقوله:

وتسأل عنهم الفلوات حتىأجابك بعضها وهم الجواب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الفلوات: جمع فلاةٍ, وهي الأرض المقفرة, وهي مأخوذة من: فلوته بالسيف إذا قطعته, ويحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون سميت فلاة لانقطاعها عن الناس.

والثاني: أن تكون سميت بذلك لأنها تفلى؛ أي: تقطع بالسير.

والثالث: أنها تقطع من سار فيها لبعدها.

وقوله:

وقاتل عن حريمهم وفرواندى كفيك والنسب القراب

حريم الرجل: ما يجب عليه أن يحميه من النساء وغيرهن, كأنه الشيء الذي يتحرم به, أي يكون له إليه حرمة, والقراب: مثل القريب إلا أنه أشد مبالغة, قال الحارث بن ظالم:

وكنت إذا رأيت بني لؤيعرفت الود والنسب القرابا

والمعنى أن هؤلاء القوم فروا, وتركوا حريمهم, فرحمت من خلفوه لما بينك وبينهم من النسب؛ إذ كنت أنت وهؤلاء القوم يجمعكم في النسب نزار بن معد بن عدنان.

وقوله:

وحفظك فيهم سلفي معدوأنهم العشائر والنصاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

عنى بالسلفين ربيعة ومضر؛ لأن سيف الدولة من ربيعة, وبنو كلابٍ مضريون. والمعنى أنك حفظت السلفين المنتسبين إلى معد؛ لأنه لو لم يعن ذلك لاحتمل المعنى أن يحمل على أنه أراد السلفين اللذين قبل معد؛ مثل: عدنان, وأدد.

والعشائر: جمع عشيرة, وهذا اللفظ يقع على البعيد في النسب والقريب, وهو مأخوذ من المعاشرة, وقد قالوا لامرأة الرجل: عشيرته, وكذلك يقولون للجارة, قال أوس بن حجرٍ:

ولست بأطلس الثوبين يصبيعشيرته إذا ما الناس ناموا

وأصل المعاشرة - والله أعلم - أن تكون مأخوذةً من أعشار الجزور, فكأن المعاشر - في الأصل - الذي يأخذ مع أصحابه عشر جزورهم, ثم كثر ذلك حتى أصلت المعاشرة الموافقة والمنادمة. والنصاب: الأصل.

وقوله:

تكفكف عنهم صم العواليوقد شرقت بظعنهم الشعاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

تكفكف: في معنى تكف وتصرف, وهو مأخوذ من الكف. ووزن تكفكف على مذهب سيبويه تفعلل, وعلى ما وضع في كتاب العين تفعفع, وعلى مذهب الفراء تفعفل, وإليه ذهب الزجاج. والأشبه أن تكون صم العوالي هاهنا معرفةً, وتكون الإضافة على معنى من, كأنه أراد صما من العوالي, وهذا أحسن من أن تكون نكرةً. ويكون المعنى تكفكف عنهم صمًا عواليها.

وأصل الظعن: الرحيل, وقيل للقوم المتحملين, ظعن وظعن. والشعاب: جمع شعبٍ, وهو الطريق في الجبل. يقول: ترد عنهم الرماح وهو فارّون, قد شرقت الشعاب بظعنهم؛ أي: ضاقت كما يضيق حلق الشرق بما فيه. والشرق هاهنا كقول الآخر:

وما أنا والتلدد حول نجدٍوأجهضت الحوائل والسقاب

الأجنة: جمع جنينٍ, وهو الولد ما دام في بطن أمه؛ لأنه يجن به؛ أي: يستر, والولايا: جمع وليةٍ, وهو شيء يكون على ظهر البعير يجري مجرى البردعة لذوات الحافر. وسمي وليةً لأنه يلي الظهر, أو لأنه يلي ما فوقه.

والمعنى أنهم أعجلوا فركبوا على الولايا, ولم يجعلوا فوقها شيئًا, فإذا فعل الرجال ذلك

فالنساء أسوأ حالًا منهم.

وأجهضت الحوائل والسقاب: أي أسقطت من قبل أن تتم. يقال: أجهضت الناقة ولدها إذا ألقته لسنة أشهر أو نحو ذلك, قال الشاعر:

أجهضن معجلةً لستة أشهروحذين بعد نعالهن نعالًا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

يريد أن النوق حملت على السير الشديد, وألقت أولادها. والحوائل: جمع حائلٍ, وهي الأنثى من أولاد النوق, يقال: لا أفعل ذلك ما أرزمت أم حائلٍ, قال أبو ذؤيب:

فتلك التي لا يبرح القلب حبهاولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

وجمع حائلٍ حول, قال الراجز:

تسمع بين السجر والتحوبمن أمهات حولها والأسقب

مثل حنين القصب المثقب

والسقاب: جمع سقب, وهو الذكر من أولاد النوق.

وقوله:

وعمرو في ميامنهم عموروكعب في مياسرهم كعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد أنهم قد افترقوا فصارت عمرو فرقًا كثيرة, يقال لكل واحد منها: عمرو, وكذلك كعب قصد صارت كعابًا لأجل الفرقة, وهذا مثل قول الرجل إذا أخذ نصيبه ثم قسمه على جماعةٍ صار نصيبي أنصبا, ونحو بيت أبي الطيب قول معود الحكماء الكلابي:

رأيت الصدع من كعبٍ وكانوامن الشنآن قد صاروا كعابا

أي: افترقوا في الرأي والمنازل.

وقوله:

فعدن كما أخذن مكرماتٍعليهن القلائد والملاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الملاب: طيب من طيب البادية, وقيل: هو الزعفران, وزعموا أنه معرب, قال الهذلي:

أبيت على معاري فاخراتٍبهن ملوب كدم العباط
للشاعر المتنخل، من قصيدة «عرفت بأجدث فنعاف عرق»

فهذا يدل على أن ألف ملابٍ منقلبة من واو.

وقوله:

يثبنك بالذي أوليت شكرًاوأين من الذي تولي الثواب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يثبنك: أي: يعطينك على جهة الجزاء, وكأن الثواب عطاء لمستحق بالسابقة, ومن ذلك ثواب الله سبحانه لعباده؛ لأنهم يعملون فيستحقون العطاء.

وقوله:

وليس مصيرهن إليك سببًاولا في صونهن لديك عاب

يقال: سبيت النساء والذرية, وزعم قوم أن السبي لا يقع إلا على النساء. فأما الشعر القديم فبدل على أنه واقع على الرجال. قال امرؤ القيس:

فقالت سباك الله إنك فاضحيألست ترى السماء السمار والناس أحوالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فقد وقع السبي على الرجل. وقد يجوز أن يكون قوله: سباك: أي: سلط عليك من يسبي أهلك. ويقولون في جمع سبي: سبي, كما يقال: ثدي وثدي, وينشد للكميت بن معروف الأسدي في أن السبي للنساء خاصة:

وقائد دهمٍ قد حوته رماحناأسيرًا ولم يحوينه وهو طائع
للشاعر الكُمَيتِ بن معروف الأسدي، اقرأ القصيدة
فللقوم من أطرافهن مصارعوللسبي في أظلالهن مضاجع

وقوله:

وعين المخطئين هم وليسوابأول معشرٍ خطئوا فتابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول قوم: إن أخطأ وخطئ بمعنىً واحدٍ, وقيل: بل أخطأ إذا تعمد الخطأ, وخطئ إذا لم يتعمد.

وقوله:

وجرمٍ جره سفهاء قومٍوحل بغير جارمه العذاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقال: جرم وأجرم إذا فعل ذنبًا وهو الجرم, وأصل الجرم الكسب, فكأن المجرم يكسب الذنوب, وجريمة القوم: كاسبهم, وقيل للعقاب: حريمة ناهضٍ, لأنها تكسب لفرخها, قال الهذلي:

كأني إذ غدوا ضمنت بزيمن العقبان خائتةً طلوبا
جريمة ناهضٍ في رأس نيقٍترى لعظام ما جمعت صليبا
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

خائتة: التي تنقض.

وقوله:

وتحت ربابه نبتوا وأثواوفي أيامه كثروا وطابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

لما استعار الرباب للإحسان جعل القوم الذين نعشوا به كالنبت. وأصل الرباب سحاب دون السحاب المرتفع. وأثوا: أي: كثروا,] قال: نبت أثيث, وشعر أثيث. قال النابغة:

وبفاحم رجلٍ أثيثٍ نبتهكالكرم مال على الدعام المسند
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

ويقال: أث لحم المرأة إذا كثر, وهي أثيثة.

وقوله:

ولو غير الأمير غزا كلابًاثناه عن شموسهم ضباب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

لما كانت المرأة تشبه بالشمس جعل نساء القوم شموسًا, وجعل دونها من حمايتهم ضبابًا. وأصل ذلك أن المرأة يقال لها: كأنها الشمس, ثم يحذف حرف التشبيه, قال قيس ابن الخطيم:

فرأيت مثل الشمس عند ذروهافي الحسن أو كدنوها لغروب

وقال آخر فحذف حرف التشبيه:

من الشمسين شمس بني عقيلٍإذا حضرت وشمس بني هلال

وقوله:

ولاقى دون ثأيهم طعانًايلاقي عند الذئب الغراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الثأي: جمع ثأية, وهو مراح الإبل إذا كانت عازبة, ويقال: إنه يتخذ من الشجر, وقوله: يلاقي عنده الذائب الغراب: أي: يجتمعان على أكل القتلى, وبعض الناس يذهب إلى أن الذئب لا يأكل إلا ما افترسه, وأنه لا يجري مجرى الضباع والكلاب, وعلى ذلك فسروا قول الشاعر:

ولكل سيد معشرٍ من قومهدعر يدنس مجده ويعيب
لولا سواه لجررت أوصالهعرج الضباع وصد عنه الذيب

وقوله:

وخيلًا تغتذي ريح المواميويكفيها من الماء السراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

تغتذي من الغذاء؛ أي: تقوم لها الريح مقام العليق والمرعى. والموامي: جمع موماةٍ, وهي الأرض المقفرة, وجعل هذه الخيل تكتفي من الماء بالسراب على معنى المبالغة. والسراب عند أكثر الناس هو الذي يكون نصف النهار, والآل الذي يكون في أوله وآخره. ومنهم من يجعلهما سواءً.

وقوله:

بنو قتلى أبيك بأرض نجدٍومن أبقى وأبقته الحراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

كان أبو الهيجاء بن حمدان قد حج بالناس في بعض السنين فلقيته العرب, وكان لهم معه خطب طويل, وكان معه أخوه داود بن حمدان. والحراب: جمع حربةٍ, وكان الظفر في ذلك اليوم للعرب فادعى أبو الطيب أن الظفر كان لأبي سيف الدولة.

وقوله:

عفا عنهم وأعتقهم صغارًاوفي أعناق أكثرهم سخاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

السخاب: قلادة من قرنفلٍ, وربما كان من غيره, وينشد لامرأة:

ويوم السخاب من تعاجيب ربناعلى أنه من ظلمة الشك نجاني

ويروى: ويوم الحقاب.

وقوله:

كذا فليسر من طلب المعاليومثل سراك فليكن الطلاب

موضع قوله كذا نصب بقوله: يسر. وقوله: مثل سراك منصوب؛ لأنه خبر يكن, وهذا من عجيب كلامهم؛ لأن الفاء إنما تعطف أو تكون في الجواب, فإذا تقدم المفعول أو الخبر جاؤوا بها ليعلموا أن الخبر وضع في غير موضعه. وكان بعض الكوفيين إذا قال: أخاك فاضرب, ينصب الأخ بفعلٍ مضمرٍ, كأنه قال: اقصد أخاك واعمد أو نحو ذلك. فإما في الخبر فيبعد هذا التأويل.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.