تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

من التي أولها: لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ

لا يحزن الله الأمير فإننيلآخذ من حالاته بنصيب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هي من ثالث الطويل في قول الخليل, وعلى رأي غيره من السحل الأول وقافيتها من المتواتر.

يقال: حزنه الأمر وأحزنه, وأكثر القراء على فتح الياء ﴿ليحزنني أن تذهبوا به﴾, وقرأ بعضهم: ﴿ليحزنني﴾, قال يزيد بن الطثرية:

ألا طرقت ليلى فأحزن طيفهاوقدما عدانا طيف ليلى فأحزنا

وفي هذا البيت خرم, ولم يخرم أبو الطيب إلا في موضعين: أحدهما هذا, والآخر: إن تك طيئ كانت لئامًا

وقوله:

سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلهامنعنا بها من جيئةٍ وذهوب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يريد أن أهل الأرض المتقدمين لو كانوا باقين لم يكن المتأخرون خلقوا, وهذا مأخوذ من قول بعض الحكماء لبعض الملوك لَّما قال: ما أطيب الملك لودام؛ فقال: لودام لم يصل إليك. وقوله:

ولا فضل فيها للشجاعة والندىوصبر الفتى لولا لقاء شعوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

شعوب: اسم للمنية معرفة لا تدخله الألف واللام, ولا ينصرف إلا في الضرورة, وقد صرفه أبو الطيب في هذا البيت, وأنشد ابن السكيت بعد ذكره أن شعوب لا تنصرف قول أبي الأسود الدؤلي:

فقام إليها بها ذابحومن تدع يومًا شعوب يجبها
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أبلغ حصينا إذا جئته»

الرواية الصحيحة: يجئها من جاء يجيء, وخففت الهمزة فدل كلامه على أن شعوب غير

مصروفة في هذا البيت, وترك صرفها يؤدي إلى زحاف تنكره الغريزة, وإن صرفت ذهب الزحاف وهو م ثل قول عبد قيس بن خفاف البرجمي:

ووقع اللسان كحد السنانورمحًا طويل القناة عسولا

وبعضهم ينشد طويل قناةٍ فيذهب الزحاف. وسميت المنية شعوب؛ لأنها تشعب؛ أي: تفرّق, والشعب يكون في معنى التفرق, وفي معنى الجمع والالتئام, ومن التفرقة قول الغنوي:

وإذا رأيت المرء يشعب أمرهشعب العصا ويلج في العصيان
فاعمد لما تعلو فما لك بالذيلا تستطيع من الأمور يدان

ومن الالتئام والجمع قولهم: شعبت القدح؛ أي: جمعت ما افترق منه. وادعاء أبي الطيب أن الدنيا لا فضل فيها للشجاعة والندى وبذل اللهى, لولا الموت, غير صحيح؛ لأن الناس لو كانوا مخلدين لم تنقص فضيلة الجود وغيره من الأشياء المحمودة.

وقوله:

وأوفى حياة الغابرين لصاحبٍحياة امرئٍ خانته بعد مشيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

أي: الباقين. وزعم بعضهم أن غبر يكون في معنى مضى.

وقوله:

لأبقى يماك في حشاي صبابةًإلى كل تركي النجار جليب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قوله: لأبقى: فيه لام القسم, كأنه قدم يمينًا قبل ذلك, كأنه قال: فالله لأبقى, وأحلف لأبقى, والمعنى معنى قد, وهو مثل قول امرئ القيس:

حلفت لها بالله حلفة فاجرٍلناموا فما إن من حديثٍ ولا صال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

أي: لقد ناموا.

ويماك: اسم أعجمي, والأعجمية على ضربين: منها ما يوافق كلام العرب, وإن لم يكن مستقى منه, ومنها ما لا يوافق, فمما وافق قولهم: أسبار, وهو أعجمي لا محالة وهو موافق لأسبار إذا كان جمع سبر, وهو الهيئة والحال من قولهم: هو حسن السبر.

وأما الذي لا يوافق فمثل يماك, لم يذكر اليمك في شيء من كلام العرب, والنجار: الأصل, يقال: نجار ونجار ونجر.

وقوله:

لئن ظهرت فينا عليه كآبةلقد ظهرت في حد كل قضيبٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

يقال: لكل سيف دق عرضه قضيب, فإذا عرض فهو الصفيحة. قال الشاعر:

ولم أر مغلوبين يفري فريناولا وقع ذاك السيف وقع قضيب

فإذا قيل: قاضب, فالمراد قاطع, والجمع قواضب, ويجوز أن يدعى لقولهم: قضيب, أنه في معنى قاضب, وقد نقل إلى فعيل للمبالغة, كما يقال: عالم وعليم, والأول أشبه.

وقوله:

وفي كل قوسٍ كل يوم تناضلٍوفي كل طرفٍ كل يوم ركوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

القوس: مؤنثة, وقالوا في تصغيرها: قويس, فلم يدخلوا الهاء, والحكم في الثلاثي المؤنث إذا صغر أن تثبت فيه هاء التأنيث, كما قالوا: نار ونويرة, وشمس وشميسة, ولم يحكوا قويسة, وقالوا للرجل إذا حسنت حاله: صار خير قويسٍ سهمًا, وجمع قوس في أدنى العدد أقؤس بهمز الواو لأجل الضمة؛ وذلك اختيار المازني, وذهب غيره إلى أن إظهار الواو أحسن, وقالوا في الكثيرة: قياس كما قالوا: ثوب وثياب, وقلبوا فقالوا: قسي, فلزموا الكسرة في القاف ولم تضم, كما قالوا: دلي ودلي؛ لأنهم أرادوا أن يدلوا على كسرة قياس. وأن قسيا مقلوبة منها.

والتناضل يستعمل على وجهين: أحدهما أن يرمي القوم سهامهم لينظروا أيهم أحسن رميًا. والآخر أن يتناضلوا, وهم يريدون الحرب والشر, ثم نقلوا هذه اللفظة, فقالوا: ناضل فلان فلانًا إذا نازعه في أمر أو فاخره. ومن أبيات المعاني:

قد ناضلوك فأبدوا من كنائنهممجدًا تليدًا ونبلًا غير أنكاس

ناضلوك هاهنا في معنى فاخروك, وكان الرجل منهم إذا جز ناصية أسيره جعلها في

كنانته, فإذا فاخر يومًا نكب كنانته وقال: هذه ناصية فلان؛ فذلك عني القائل بقوله: مجدًا تليدًا.

وقوله:

كأن الردى عادٍ على كل ماجدٍإذا لم يعوذ مجده بعيوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

يقول: كأن الردى يعدو على الماجدين إذا لم يكن لهم عيب, وكانت العرب في الجاهلية تعلق على أولادها ومن تشفق عليه عظام الميتة, ورؤوس الأرانب, والأنجاس, قال الشاعر:

لو كنت في نيقٍ على رأس هصبةوعلق أنجاسًا علي المنجس
إذًا لأتاني الموت يحدوه سائقإليَّ وهادٍ دون ذاك منقرس

وقال امرؤ القيس:

يا هند لا تنكحي بوهةًعليه عقيقته أحسبا
مرسغةً بين أرساغهبه عسم يبتغي أرنبا

قيل: إنه أدخل الهاء للمبالغة, وإنما هو مرسغ.

يعلق في ساقه رأسهاحذار المنية أن يعطبا

والماجد: الكريم بن الكرماء, وقال قوم: بل يكون الماجد بنفسه دون آبائه, ويزعمون

أنه أخذ من قولهم: مجدت الإبل, إذا امتلأت بطونها من الرعي, ويقال: استمجد من الشيء إذا استكثر منه, والمثل السائر: «في كل شجر نار, واستمجد المرخ والعفار»؛ أي: استكثر من النار.

والعيوب يجوز فيها كسر العين وضمها, وكذلك ما جمع على فعول من ذوات الياء, مثل: شيخ وشيوخ, وبيت وبيوت, وجيب وجيوب.

وقوله:

ولولا أيادي الدهر والجمع بينناغفلنا فلم نشعر له بذنوب د

أيادي الدهر: أي: نعمه وإحسانه, وأصل ذلك في بني آدم, ولكنهم لما أخبروا عن الدهر كما يخبرون عمن يعقل, ونسبوا إليه الإساءة والإحسان جاز أن يجعلوا له أيادي.

وتروى حكاية عن أبي عمرو بن العلاء, وأبي الخطاب الأخفش معناها أن أبا الخطاب وأبا عمرو كانا في مجلس ومعهما جماعة, فذكر أبو عمرو أن الأيادي لا تستعمل إلا في النعم, وأنه لا يقال أيادي القوم في جمع يد, فسكت أبو الخطاب فلم انصرف قال لمن صحبه: والله إنها لفي علمه, ولكنه نسي, وهو أنشدنا هذا البيت:

ساءها ما تأملت في أياديــنا وإشناقها إلى الأعناق

ومعنى البيت: أن الدهر لو لم يحسن إلينا بالجمع بيننا لكنا غافلين في العدم لم نشعر له بذنوب.

وقوله:

وللترك للإحسان خير لمحسنٍإذا جعل الإحسان غير ربيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

هذا البيت شرح للبيت الأول, وأقامه حجةً على الدهر, كأنه قال: أحسن إلينا الدهر في بيننا, وأساء فيما صنعه من التفرقة, وترك من أحسن إحسانه أجمل به من أن يحسن ثم يجيء بإساءة. يقال: رب الإحسان إذا زاده, ودام عليه, وهو من قولهم: رببت الصبي.

وقوله:

فتى الخيل قد بل النجيع نحورهاتطاعن في ضنك المقام عصيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قوله: فتى الخيل: كلام فيه حذف, وإنما يريد فتى الخيل الذي يفضل الفتيان؛ كما تقول: فلان ردل بني فلان, أي: هو أفضل رجلً فيهم, وقد يجوز أن يكون فيهم جماعة يقع عليهم هذا الاسم, ومنه قول الهذلي:

لعمرو أبي الطير المربة بالضحىعلى خالدٍ أن قد وقعن على لحم

أي لحم رجلً عظيم الشأن. ومنه حديثٌ يروى عن رجل من اليهود أنه رأى عليًا ﵁ يشتري جهازًا لامرأة, فقال له: بمن تزوجت؟ فقال: بفاطمة ابنة محمد صلى الله عليهما, فقال اليهودي: لقد تزوجت با مرأةٍ! أي: ذات شرفٍ عظيمٍ, وقد علم أن هذا

الاسم يقع على جميع النساء.

والخيل يراد بها هاهنا فرسان الخيل, ولكنهم يحذفون المضاف كثيرًا, والتطاعن إنما يكون من الفرسان لا من الخيل. ومن حذف المضاف قول الراجز: [الراجز]

كأن بزا تحته وقزّاأو فرشًا محشورةً إوزّا

أي: ريش إوز. وضنك المقام أي: ضيقه, والمعنى في مكان ضنكٍ مقامه, وعصيب: أي: شديد, كأنه يعصب القوم كما تعصب السلمة ليخبط ورقها, يقال: يوم عاصب وعصيب. وهذا البيت ينسب إلى تأبط شرًا

وإذا دعيت لشر يومٍ عاصبٍفاصبر ليوم الشر حتى ينجلي

وقوله:

يعاف خيام الريط في غزواتهفما خيمه إلا غبار حروب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

الريط: جمع ريطة, وهي كل ثوبٍ لم يكن لفقين.

وقوله:

تسل بفكرٍ في أبيك فإنمابكيت وكان الضحك بعد قريب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

ذكر ابن السكيت: الفكر, بالفتح, وكأنه عنده أفصح من الفكر, بكسر الفاء, ويقال في تثنية أبٍ: أبوان على الإتمام, وأبان على ترك الاسم منقوصًا. وفي النصب أبوين وأبين.

فأما قولهم في الجمع: أبون وأبين فيجوز أن يكون على الإتمام, وعلى النقص؛ لأنه إذا قال في التثنية أبوان وجب أن يقول في الجمع أبوين على القياس؛ وذلك لا يجوز. ولو سميت رجلًا بعصًا لقلت في التثنية: عصوان, وفي الجمع المنصوب عصين, والأصل: عصوين فاستثقلوا الكسرة على الواو فسكنوها فالتقى ساكنان, فحذفت الواو, وبقيت الصاد مفتوحة.

أو يكونوا جاؤوا بياء الجمع بعد ألف عصا فالتقى ساكنان فحذفت الألف.

والنحويون يقولون: قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ وذلك لا يحتاج إليه, بل يقال: إن الياء راموا دخولها بعد ألف عصا وهي ساكنة فأوجب ذلك لها السقوط, وهذا الشعر ينسب إلى الفرزدق:

يا خليلي اسقيانيأربعًا ثم اثنتين
من شرابٍ كدم الجوف يحر الكليتين
واصرفا الكأس عن الجرهل يحيى بن حصين
لا يذوق اليوم كأسًاأو يفدى بالأبين

وقول الشاعر:

فلما تسمعن أصواتنابكين وفديننا بالأبينا

يجوز أن يكون جمع أبٍ على الإتمام, وهو جمع على النقص. وكذلك قولهم: أخون وأخين في جمع أخ. قال الشاعر:

وكان لنا فزارة عم سوءٍوكنت له كشر بني الأخينا

وقوله:

وللواجد المكروب من زفراتهسكون عزاءٍ أو سكون لغوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

الزفرات: جمع رفرة, وهو الزفير؛ وذلك صوت يخرج عن حبس النفس في الجوف, ومنه قولهم: طوى الفرس على زفرته؛ أي: أنه مجفر الجنبين, زفر, ثم خيط على ذلك, فثبت, ولم يزل عن تلك الحال, قال الجعدي:

خيط على زفرةٍ فتم ولميرجع إلى دقةٍ ولا هضم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «هل بالديار الغداة من صمم»

واللغوب: الإعياء, وقد حكي بفتح اللام, وروي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ: ﴿وما مسنا من لغوب﴾, بفتح اللام.

وقوله:

وكم لك جدًا لم تر العين وجههفلم تجر في آثاره بغروب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

الغروب: جمع غرب, وأصل الغرب حدة الشيء, وأصحاب النقل يتجوزون في العبارة فيقولون: الغروب: الدمع, وقيل: الغرب أن لا ترقأ الدمعة, قال الراجز:

مالك لا تذكر أم عمروإلا لعينيك غروب تجري

والمعنى أن الإنسان إنما يحزن لمن يعرف ويشاهد, فأما جدوده الذاهبون فلا يدركه عليهم البكاء, وهو معنى قول أبي خراش الهذليّ:

ولكنّها تعفو الكلوم وإنمانوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي

وقوله:

وفي تعبٍ من يحسد الشمس نورهاويجهد أن يأتي لها بضريب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

ضريب الإنسان مثله وشبهه, وأصل ذلك فيما يضرب من الدراهم والسيوف. يقال: هذا من ضرب هذا؛ أي: أنه قد ضرب معه فهو له مشابه, وكأن ضريبًا جاء على قولهم: هو يضاربه أي يكون من ضربه الذي ضرب معه, إما من السيوف, وإما من الدراهم, كما يقال: جالسه فهو جليسه, وصادقة فهو صديقه, ونحو ذلك.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.