من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التى أولها
فديناك من ربع وإن زدتنا كربافإنك كنت الشرق للشمس والغربا
وهي من الطويل الأول, وقافيتها من المتواتر.
الربع: المنزل في كل الأحيان, والمربع: المنزل في الربيع خاصة.
وقوله:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةًلمن بان عنه أن نلم ربه ركبا
الركب: جمع راكب, وهم أصحاب الإبل خاصة, كذلك يقول أصحاب النقل, فإذا جاؤوا بالفعل قالوا: ركب, [ثم] توسعوا في هذه الكلمة فقالوا: ركب الناقة والفرس والحمار وغير ذلك. فإذا قالوا: أركوب فقد اختلفوا فيه فقيل: الأركوب مثل الركب, وقيل: هو أكثر منه, وقيل بل الركب أكثر من الأركوب, وإذا صغروا الركب قالوا: ركيب, قال الشاعر:
وأين ركيب واضعون رحالهمإلى أهل نارٍ من أناسٍ بأسودا
وقوله:
نذم السحاب الغر في فعلها بهونعرض عنها كلما طلعت عتبا
السحاب: جمع سحابة, وكل جمع ليس بينة وبين واحده إلا الهاء يجوز أن يحمل على
التوحيد فيقال: هذا تمر طيب, وإن قيل: هذا تمر طيبة فحسن.
وقوله: الغر قد جاء بالنعت مجموعًا, ولو قيل: السحاب الأغر لكان صوابًا, ومثل مجيء النعت مجموعًا قوله تعالى: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾, ولو أنه في غير كتاب الله سبحانه لجاز أن يقال: السحاب الثقيل.
وقوله:
وكيف التذاذي بالأصائل والضحىإذا لم تعد ذاك النسيم الذي هبّا
قالوا: أصيل وأصائل, قال الهذلي:
لعمري لأنت البيت أكرم أهلهوأقعد في أفيائه بالأصائل
ويقال: أصل, وزعم بعضهم أنه جمع أصيلٍ, مثل: رغيفٍ وزغفٍ, وقال بعضهم: بل هو واحدٌ والجمع آصال, وقالوا: أصيل وأصلان, كما قالوا: رغيف ورغفان, وقالوا في التصغير: أصيلان, وأبدلوا اللام من النون فقالوا: أصيلال.
وكان الفراء يقول: إن أصيلالاً تصغير آصال, وإنهم جعلوا زيادة اللام عوضًا مما حذفوه؛ لأنهم لو جاؤوا به على الأصل لقالوا: أو يصال, وكان يشبّهه بقولهم: دهر وأدهر ثم قالوا: دهارير, كأنه يذهب إلى أنهم أرادوا: أداهير.
والضحى: مؤنثة, وتصغيرها عندهم ضحي, وهذا خلاف ما أصلوه في مؤنث الثلاثي؛
لأنهم يرون زيادة الهاء, فيقولون: شمس وشميسة, وقدم وقديمة, واحتجوا في أنهم قالوا في تصغير ضحى ضحي, فلم يزيدوا الهاء بأنهم فعلوا ذلك ليفرقوا بين تصغيرها وبين تصغير ضحوة, وقالوا: فعل كذا ضحوًا في معنى ضحى, فيجوز أن يكون قولهم: ضحي تصغير ضحو. قال الشاعر:
طربت وهاجتك الحمام السواجعتميل بها ضحوًا غصون نوايع
والنسيم: أول الريح, ولا يكون إلا ضعيفًا.
وقوله:
فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوىويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا
حذف الياءات التي للإضافة وهي اللغة الجيدة, ويجوز في غير هذا الموضع: فيا شوقي بياء ساكنة ويا شوقي بياء مفتوحة, ويا شوقًا بياء منقلبة إلى الألف, وقوله: يا لي: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أراد اللام المفتوحة التي للاستغاثة, كما يقال: يال فلان, ويال بكرٍ. والآخر أن يكون أراد اللام المكسورة التي تكون في المستغاث من أجله كأنه قال: يا قوم اعجبوا لي من النوى.
وقوله: ما أجرى, وما أصبى, وما أبقى: كله على إرادة الكاف, كأنه أراد ما أبقاك, وما أجراك, وما أصباك, وحذف لعلم السامع.
وقوله:
لقد لعب البين المشت بها وبيوزودني في السير ما زود الضبا
أشبه ما يقال في هذا البيت أنهم يزعمون أن الضب إذا خرج من بيته فبعد لم يهتد للرجوع فيقال: «هو أحير من ضب», «وأبله من ضب». ويجوز أنه يعني أنه لم يزود شيئًا كما أن الضب لا يزود, وخص الضب؛ لأنه لا يحتاج إلى الماء, وكأنه يزود ماءً ولا غيره.
وقوله:
عليم بأسرار الديانات واللغىله خطرات تفضح الناس والكتبا
اللغى: جمع لغةٍ, ردت في الجمع إلى الأصل, كأنها لغوة, وربما قالوا في الجمع: لغين, كما قالوا: ثبة وثبين, وقالوا: لغات, وهو المعروف, وقال الشاعر في لغين:
وصهب اللحى شتى اللغين كأنهمضفادع جياتٍ لهن نقيق
وقوله:
فبوركت من غيثٍ كأن جلودنابه تنبت الديباج والوشي والعصبا
الديباج: كلمة معربة, وقد استعملوها في الكلام القديم, وقالوا: دبجه الغيث؛ أي: أظهر فيه زهرًا وألوانًا مختلفةً. والوجه كسر الدال من ديباج, وقد حكي فتحها, وهي رديئةً, وقالوا في الجمع: ديابيج. قال ذو الرمة:
يلس الندى حتى كأنه سراتهعليها دهان أو ديابيج تاجر
والوشي: كل ما كان فيه ألوان مختلفة. والعصب: صله الغزل, ثم قيل للثياب: عصب لأنها تنسج منه. والعصاب: الغزال, كذلك فسروا قول رؤبة:
طي القسامي ثياب العصاب
والأشبه أن يكون العصاب هاهنا بائع الثياب التي تسمى عصبًا أو ناسجها.
وقوله:
ومن واهبٍ جزلًا ومن زاجرٍ هلاومن هاتكٍ درعًا ومن ناثرٍ قصبا
هلا: من زجر الخيل, فإن شئت نونت, وإن شئت لم تنون, وقد أخرجوه من زجر الخيل فاستعملوه للآدميين, قالت الأخيلية:
وأي حصانٍ لا يقال لها هلا
والجزل: أصله في الحطب, وهو ما غلظ منه. قال حاتم الطائي:
ولكن بهذاك اليفاع فأوقديبجزلٍ إذا أوقدت لا بضرام
ثم قالوا: عطاء جزل؛ أي: كثير, والقصب: المعى, وربما قالوا: هو النصف الأسفل مما في البطن. قال الشاعر:
تمشي بها الدرماء تسحب قصبهاكأن بطن حبلى ذات أونين متئم
وقوله:
وهل رد عنه باللقان وقوفهصدور العوالي والمطهمة القبا
المطهم: الحسن الخلق من الخيل والناس. وقالوا: مطهم. قال النمر بن تولب:
فأحبلها رجل نابهفجاءت به جعظرًا مطهما
الجعظر: الكثير العظل واللحم, والقب: جمع أقب وقباء, وهو الذي لحق بطنهُ بخاصرته, وأكثر ما يقال: أقب, وربما قالوا: بطن مقبوب. قال الشاعر:
فاليد سابحة والرجل ضارحةوالعين قادحة والبطن مقبوب
وقوله:
مضى بعدما التف الرماحان ساعةًكما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا
ثنى الرماح؛ لأنها من حيزين: حيز الروم وحيز المسلمين, وربما ثنوا هذا الجمع الذي له وزن في الآحاد, مثل: رماح وجمال؛ لأنهما على وزن حمار وعذار, ويقبح أن يقولوا في مساجد مثل ذلك؛ لأن مساجد جمع لا نظير له في الآحاد. قال أبو النجم:
تبقلت في أول التبقلبين رماحي مالكٍ ونهشل
وقال الآخر:
سعى عقالًا فلم يترك لنا سبدًافكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لأصبح الحى أوبادًا ولم يجدواعند التحمل للهيجا جمالين
والهدب: ما نبت على شفر العين من الشعر.
وقوله:
ولكنه ولى وللطعن سورةإذا ذكرتهما نفسه لمس الجنبا
أصل السورة الوثبة والعلو, وفيه ساوره الأسد؛ أي: واثبه, وقالوا: سور المدينة لارتفاعه.
وقوله: إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا؛ أي: يظن أنه قد طعن فيلمس جنبه هل فيه طعنة أم لا, وهذا نحو من قول الحكمي:
إذا تفكرت في هواي لهمسست رأسي هل طار عن جسدي
وقوله:
وخلى العذارى والبطاريق والقرىوشعث النصارى والقرابين والصلبا
العذارى: جمع عذراء, وهي التي لم تقتض من النساء. وقالوا: درة عذراء, فزعم
بعض أهل العلم أنهم وصفوها بذلك؛ لأنها إذا فتحت عنها الصدقة وجد معها ماء قيل, يذهب إلى أن ذلك الماء مثل الدم الذي يسيل من المقتضة, ويجوز أن يكون قولهم عذراء؛ لأن الذي ظفر بها لم يظفر بها أحد قبله. ويقال في الجمع: عذارٍ مثل صحارٍ, إلا أن عذارى أكثر. والبطاريق: جمع بطريق, وهو صاحب هذه الرتبة من الروم, وكانت العرب تسمع أن البطاريق من أجلاء الروم, فإذا وصفوا الرجل منهم بالفضل قالوا: بطريق؛ أي: هو جليل مثل بطريق الروم, قال أبو ذؤيب:
هم رجعوا بالحزم حزم نبايعهوازن يحدوها كماة بطارق
والقرى: جمع قرية, وهو جمع شاذ؛ لأن فعلة لا تجمع على فعلٍ إلا في شذوذ. قالوا: لأمة للدرع والجمع لؤم, ودولة والجمع دول في حروف قليلة, وإنما سميت القرية قرية؛ لأنها موضع يجتمع فيه أهله كأنها مأخوذة من قريت الماء في الحوض إذا جمعته. والنصارى: جمع نصران, كما قالوا: سكران وسكارى, وقالوا للأنثى: نصرانة, قال الشاعر:
فكلتاهما خرت قليلًا وأسجدتكما سجدت نصرانة لم تحنف
والقرابين: جمع قربان, والأشبه أن يكون من قرابين الملك؛ أي: جلسائه, وواحدهم قربان, قال الشاعر:
وما لي لا أحبهم ومنهمقرابين النبي بنو قصي
ويجوز أن يكون أرد بالقرابين جمع قربانٍ, وهو ما يتقرب به النّصارى في دينهم.
وقوله:
أرى كلنا يبغي الحياة لسعيهحريصًا عليها مستهامًا بها صبا
المستهام: الذي يغلب عليه الحب, فيذهب على وجهه في الأرض, يقال: هام يهيم واستهامه الحب.
والصب: أخو الصبابة, وهي رقة الهوى, وقيل: رقة الشوق, والمعنى متقارب. يقال: صب الرجل يصب فهو صب, ويجوز أن يكون صب على فعلٍ, وأصله: صبب, فادغم. قال الهلالي:
بانوا فلست, على أني أصب بهمأدري إلى أي صرفي نيةٍ عتكوا
وقوله:
فأضحت كأن السور, من فوق بدؤهإلى الأرض, قد شق الكواكب والتربا
فوق هاهنا: غاية, والمعنى أنه وصف بناء هذا الموضع بالعلو, وأنه قد تناهى بانيه, فكان أعلاه في السماء, وأسفله قد شق الأرض.
وقوله:
تصد الرياح الهوج عنها مخافةًوتفزع فيها الطير أن تلقط الحبا
يقال: ريح هوجاء, فقيل: هي الدائمة الهبوب, وقيل: هي التي تجريء من كل ناحيةٍ, والأشبه أن تكون ذات الهبوب الدائم؛ لأنها شبهت بالناقة الهوجاء, وهي التي تركب رأسها في السير. قال ابن أحمر في صفة الريح:
ولهت عليه كل معصفةٍهوجاء ليس للبها زبر
وقوله:
وتردي الجياد الجرد فوق جبالهاوقد ندف الصنبر في طرقها العطبا
ردى الفرس يردي, وهو عدو يرجم فيه الأرض بحوافره. وهذه الحكاية تردد عن الأصمعي كثيرًا, وهو أنه قال: سألت منتجع بن نبهان عن الرديان فقال: عدو الحمار بين آرية ومتمعكه ثم استعاروا الرديان في غير الخيل, وقالوا في أحجيّة لهم: أحاجيك؛ ماذو ثلاث: آذان يسبق الخيل بالرديان. يعنون السهم.
والصنبر هاهنا واحد الصنابر, وهي شدة البرد. قالت الأخيلية:
ولا تأخذ الكوام الجلاد سلاحهالتوبة في صر الشتاء الصنابر
وهذا أشبه من أن يكون الصنبر اليوم من أيام العجوز, الذي هو مذكور في البيت المعروف:
كسع الشتاء بسبعة غبربالصن والصنبر والوبر
لأن هذا اليوم يجيء في آخر الشتاء, والبرد في وسطه أشد. والعطب, بسكون الطاء وضمها: القطن. يريد أن الثلج قد وقع على الجبال فكأنه ما ندف من القطن.
وقوله:
كفى عجبًا أن يعجب الناس أنهبنى مرعشًا تبًا لآرائهم تبا
تبا لآرائهم: أي: خسرانًا.
وقوله:
ولكن نفاها عنه غير كريمةٍكريم النثا ما سب قط ولا سبا
النثا: ما يظهر من الحديث الحسن أو الشنيع. يقال: نثا الحديث ينثوه نثوًا.
وقوله:
وجيش يثني كل طودٍ كأنهخريق رياحٍ واجهت غصنًا رطبًا
الطود: الجبل, وادعى أن الجيش يثني الطود كما تثني الريح الخريق الغصن, وهذا من المبالغة التي يعدها الشعراء من بديع النظام, وهي كذب في الحقيقة. والريح الخريق: الدائمة الهبوب, وقيل: هي التي يسمع لها صوت, قال الشاعر:
كأن هوية خفقان ريحٍخريقٍ بين أعلامٍ طوال
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع