من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أجاز بها بيتا أولها
فديناك أهدى الناس سهمًا إلى قلبوأقتلهم للدارعين بلا حرب
هي من الطويل الأول في قول الخليل, وفي قول غيره من السحل الأول إلا أنه لا يجعله في أول شيء من ضروبه, وقافيتها من المتاتر.
أفعل إذا كان للتفضيل فبينه وبين أفعل الذي للتعجب مناسبةً؛ وذلك أنه يقال: هذا أقول منه, وما أقوله, فتصح الواو في المثالين.
وتمتنع أن يقال: هذا أحمر من هذا؛ أي: أشد حمرةً, كما يمتنع أن يقال: ما أحمرة أي: ما أشد حمرته.
وفعل التعجب يبنى من الأفعال الثلاثية, وهي ثلاثة أبنية, وهي: فعل وفعل وفعل, ولا
يبنى إلا من فعلٍ قد سمي فاعله, ولا يجوز أن يبنى من فعلٍ فاعله غير مسمى, فيقال: ما أضرب أخاك؛ لأن هذا اللفظ مأخوذ من قولهم: ضرب أخوك, ثم وقع التعجب من كثرة ضربه أو شدته. فإذا قلت: ضرب أخوك لم يحسن أن تقول: ما أضرب أخاك, وأنت تريد ما أشد الضرب الذي ضربه.
وقوله: أهدى الناس سهمًا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مأخوذًا من قولهم: هدى الوحشي إذا تقدم, فيكون سهم منصوبًا على التمييز, ويكون أفعل مبنيًا من فعل له فاعل, ويكون الفعل للسهم, والآخر أن يكون الفعل للمخاطب من قولهم: هديته الطريق؛ فإذا حمل على ذلك فسهم ينتصب بفعل مضمر يدل عليه قوله: أهدى؛ لأن فعل التعجب لا يجوز أن ينصب مفعولًا, وكذلك أفعل الذي للتفضيل, وعلى ذلك حملوا قول الشاعر:
فلم أر مثل الحى حيا مصبحًاولا مثلنا لما التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهموأضرب منا في اللقاء القوانسا
نصب القوانس بفعل مضمر كأنه قال: وأضرب منا في اللقاء فتم الكلام, وأضمر نضرب القوانس. والدارع: الذي عليه الدرع.
وقوله::
تفرد بالأحكام في أهله الهوىفأنت جميل الخلف مستحسن الكذب
الأفصح الكذب, وهم ينقلون فعلًا إلى فعل كثيرًا, فيقولون: كبد وكبد, وكتف وكتف.
وقوله:
ومن خلقت عيناك بين جفونهأصاب الحدور السهل في المرتقى الصعب
الحدور: كل مكانٍ ينحدر فيه, فهو عندهم أسهل من الصعود؛ لأن الصعود شاقةً, ولذلك قالوا: تصعدني هذا الأمر إذا شق علي, ومنه قوله تعالى: ﴿سأرهقه صعودًا﴾, وقال الهذلي:
وإن سيادة الأقوام فاعلملها صعداء مطلبها طويل
وكلام أبي الطيب مؤد هذا المعني كأنه قال: أصاب الحدور السهل في الصعود, والصعود والحدور يستعملان على التأنيث, وذكر الحدور هاهنا؛ لأنه جعله كالنعت لمكان.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع