من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
وفي ديوان أبي الطيب هذا البيت فاردًا
إذا لم تجد ما يبتر الفقر قاعدًافقم واطلب الشيء الذي يبتر العمرا
وهي من أول الطويل.
أصل القعود والقيام في الهيئتين المعروفتين, ثم قالوا: قعد الرجل عن نصر القوم إذا لم ينهض معهم, وكذلك قعد عن التكسب, وهو مستعار من القعود المعروف. وروى التوزي عن أبي عبيدة أن قعد من الأضداد. يكون في معنى الجلوس والقيام, وإنما ذلك منقول عن أصله, فلا تضاد بين الكلمتين؛ لأنهم يقولون: قعد على الملك فلان إذا تولاه, ولو قالوا: قام بالملك في هذا الموضع لاحتمل. ويوجه في أشعار المتقدمين البيت, لا ثاني له, فمن ذلك قول حاتمٍ:
وإنا لنجفو الضيف من غير عسرةٍمخافة أن يضرى بنا فيعود
يعني بالضيف الأسد. وقول النابغة:
أيقظان زبان أم حالمفهب فقد حين بالحالم
وقوله:
وإني لمسلاس القيد إلى التيتخاف إذا كان امرؤ السوء أوجرا
وقيل: لأبي الطيب, وقد ذكر الحرب نخاف عليك من مثل قول الشاعر, قال: وما قال؟ قالوا: قال:
أخاف عليك من سيفٍ ورمحٍطويل العمر بينهما قصير
فأطرق, ثم قال:
فإن أغمدت ذا وكسرت هذافإن كثير ما تبقي يسير
هذا البيت من الوافر الأول, وهو جواب للبيت الذي تقدمه, ولذلك جاءت الفاء في أوله. ويسير: يستعمل في معنى قليل, وأصله مأخوذ من اليسر الذي هو ضد العسر, واليسار مستعمل في كثرة المال؛ لأنه إذا رزقه الإنسان, تيسرت له الأمور أي جاءت سهلةً عجلةً, فكأن قولهم: يسير للشيء القليل مراد أنه يؤخذ في راحةٍ ولا يحوج إلى التعب.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع