من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أولها: بسيطة مهلًا سقيت القطارا ... تركت عيون
بسيطة مهلًا سقيت القطاراتركت عيون عبيدي حيارى
وهي من أول المتقارب.
ينبغي أن تفتح الراء في حيارى لتكون مشاكلةً للراء في قوله قطارا فإن أمالها مميل فقد أساء. وسيبويه يزعم أن الألف هي التي تفخم وتمال. والفراء يذكر أن الإمالة للحرف الذي قبل الألف, وقول الفراء أشبه. ومن اعتبر ذلك وجده على ما قال؛ لأن الألف جرس لا يحتمل أن يقع به تغيير. وحيارى: جمع حيرانٍ؛ لأن فعلان يجيء على هذا الجمع كثيرًا مثل سكران وسكارى, ونشوان ونشاوى, وبعض العرب يقول: سكارى, فإن كان ذلك
مردودًا إلى السماع فهو محمول عليه, وإن كان مطردًا فلا يمتنع أن يستعمل في كل الجموع الواردة على هذا النهج, فيقال: حيارى, كما يقال: غيران وغيارى, وقد كثرت فعالى في هذا النحو, قال الضبي:
كسالى إذا لاقيتهم غير منطقٍيلهى به المكروب فهو عناء
وقوله:
فظنوا النعام عليك النخيلوظنوا الصوار عليك المنارا
يقول: إن عبيده ظنوا بسيطة بلدًا مسكونًا, فلما رأوا النعام على بعد مدًى ظنوا أنه نحيل, وحسبوا أن الصوار وهو القطيع من بقر الوحش منار يهتدى به. يقال: صوار وصوار وصيار, ويقال في الجمع: صيران, قال الشاعر:
أشبهن من بقر الخلصاء أعينهاوهن أحسن من صيرانها صورا
يروى: صور وصور, بالكسر والضم.
ويقال: إن مرابض بقر الوحش إذا رعت الزهر فاحت لها رائحة ذكية, قال ذو الرمة:
إذا استهلت عليها غيبة أرجتمرابض العين حتى يأرج الخشب
وقال العجاج وذكر الثور الوحشي:
كأن ريح بيته المزبور
كأنه جعل الثور كمن زبر بيته, مأخوذ من زبر البئر, وهو طيها بالحجارة.
في الظل تحت الهدب اليخضور
مثواة عطارين بالعطور
أهضامها والمسك والقفور
فلما كان الأمر كذلك سموا المسك صوارًا, وينشد:
إذا لاح الصوار ذكرت ليلىوأذكرها إذا فاح الصوار
وقيل: الصوار: القليل من المسك. قال الراجز, أنشده المفضل بن سلمة في «كتاب الطيب»:
يابن التي تصيد الوبارا
وتتفل العنبر والصوارا
وقال بعضهم: الصوار: أن يكف الثوب على مسكٍ, فلا يزال طيب الرائحة إلى أن يخلق, وقالوا في جمعه: أصورة, قال الأعشى:
إذا تقوم يضوع المسك أصورةٍوالعنبر الورد من أردانها شمل
وقوله:
فأمسك صحبي بأكوارهموقد قصد الضحك فيهم وجارا
الذي أصله النحويون يوجب أن يجوز في الضحك أربعة أوجهٍ: ضحك, وضحك, وضحك. فأما الضحك, بفتح الضاد, وسكون الحاء, فيستعمل في معنى طلع النخل أول ما يبدو, وقيل: إن البلح يسمى ضحكًا, ويقال للعسل الأبيض: ضحك, قال أبو ذؤيب:
فجاء بمزحٍ لم ير الناس مثلههو الضحك إلا أنه عمل النحل
وقد قصد الضحك: أي: قد ضحكوا ضحكًا فيه اقتصاد, ثم أسرفوا في ذلك.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع