من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن قطعة أولها
لام أناس أبا العشائر فيجود يديه بالعين والورق
وهي من أول المنسرح.
أراد بالعين: الذهب, وقد يعبر بالعين عن الفضة الخالصة. والورق: الفضة, يقال: ورق وورق وقد قرئ بالوجهين, وقال بعضهم: ورق كما قالوا في كبد: كبد. ويقال للورق: رقة, حذفوا منه الواو, كما حذفوها من عدة؛ فلو صغرت رقة لقلت: وريقة, فرددت الواو.
وقوله:
قالوا ألم تكفه سماحتهحتى بنه بيته على الطرق
يقول: جاد أبو العشائر بالذهب والورق, وكان ذلك كافيًا للناس, وقال لائموه: ألم يكفه بذله ما يغني به العلم فينالون به الكسوة والطعام وغيرهما من المرادات؛ حتى بنى بيته على الطرق؛ ليطعم من يرد عليه ويضيفه. والعرب تفتخر بكون بيوتها على الطرق, قال الشاعر:
أغشى الطريق بغبتي ورواقهاوأحل في نشز الربى فأقيم
إن امرأ جعل الطريق لبيتهطنبًا وأنكر حقه للئيم
وقوله:
فقلت إن الفتى شجاعتهتريه في الشح صورة الفرق
الفتى هاهنا معنى به أبو العشائر؛ وذلك أبلغ من أن يكون الفتى شائعًا في الفتيان؛ لأنه إذا شاع فيهم كان أبو العشائر كواحدٍ منهم, وإذا خص بالفتوة فهو مميز من كل الفتيان. ووصفه بالشجاعة, وادعى أن شجاعته توهمه أنه يفرق من الشح فتريه صورة الفرق, فكأنه يقتل تلك الصورة.
وقوله:
بضرب هام الكماة تم لهكسب الذي يكسبون بالملق
يريد أنه, على ما يلحق بالأعداء, محبوب كأنه يتملقهم؛ أي: يلين لهم الكلام.
وقوله:
كن لجة أيها السماح فقدآمنه سيفه من الغرق
يقول: كن أيها السماح كلجة البحر, فسيف هذا الممدوح يؤمنه من أن يغرق؛ فادعى أن سيفه يؤمنه من كل الحوادث, وهذا إفراط في المبالغة ومضاء الحد. وقافية هذه الأبيات من المتراكب, وهي ثلاثة أحرف متحركة بعدها ساكن كقوله: غريق وفرقي, والقافية عند الخليل قوله: نلغرقيي وتلفرقي.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع