من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: تذكرت ما بيت العذيب وبارق ... مجر
تذكرت ما بيت العذيب وبارقمجر عوالينا ومجرى السوابق
العذيب, وبارق: موضعان بالعراق, ويتردد ذكرهما في الشعر, قال عمرو بن كلثوم:
ليهنئ تراثي تغلب ابنة وائلٍإذا نزلوا بين العذيب وخفان
وقال: مجر العوالي؛ لأنه اكتفى بها من ذكر الرماح, وإنما تجر سافلة الرمح؛ إلا أن يطعن بالعالية فيجرها المطعون, يقال: أجررته الرمح إذا طعنه, وترك الرمح فيه, ومنه قول الحادرة:
نبني على سنن العدو بيوتناونجر في الهيجا الرماح وندعي
وقوله:
وصحبة قومٍ يذبحون قنيصهمبفضلات ما قد كسروا في المفارق
هذا البيت يستحسن, وهو غير مسبوق إليه؛ يريد أنهم قاتلوا بسيوفهم حتى تحطمت نصالها, ثم ذبحها القنيص بفضلات السيوف, وسكن ضاد فضلاتٍ, وفتحها أحسن, وهي عند الضرورة تسكن, قال الراجز:
عل صروف الدهر أو دولاتهاتديلنا اللمة من لماتها
فتستريح النفس من زفراتها
وقوله:
وليلًا توسدنا الثوية تحتهكأن ثراها عنبر في المرافق
الثوية: موضع قريب من الكوفة, وفيه قبر زياد بن أبي سفيان, وقوله: كأن ثراها
عنبر في المرافق: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مدحًا للأرض؛ يريد أنها طيبة كأن ثراها عنبر.
والآخر: أن يكون وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون, فهم لإيثارهم النزول والراحة؛ كأن ثرى الأرض عندهم عنبر, وإن كان الأمر على سوى ذلك, وقد تمنت الشعراء مباشرة تراب الأرض التي ينزل بها من يحبون, قال الشاعر:
وددت وأبرق العيشوم أنانكون معًا جميعًا في رداء
أباشره وقد نديت رباهفألصق صحةً منه بدائي
وقال آخر:
يقر بعيني أن أرى من مكانهذرى عقدات الأجرع المتقاود
وأن أرد الماء الذي شربت بهسليمى إذا ما خف من كل وارد
وألصق أحشائي ببرد ترابهوإن كان مخلوطًا بسم الأساود
وقوله:
بلاد إذا زار الحسان بغيرهاحصى تربها ثقبنه للمخانق
في الفرات مواضع يكون فيها حصًى متلون يستحسن, وربما جلبه المسافرون ليتحفوا به ولدانهم؛ فبالغ أبو الطيب في صفته حتى جعل الحسان تتخذه في المخانق.
وقوله:
سقتني بها القطربلي مليحةعلى كاذبٍ من وعدها ضوء صادق
قطربل: كلمة أعجمية, وليس في كلام العرب لها مشبه, ولا يوجد في الشعر القديم, وإنما ذكرها المحدثون. وقوله: على كاذبٍ من وعدها ضوء صادق, ما وصف الوعد الكاذب قط بأحسن من هذه الصفة.
وقوله:
وأغيد يهوى نفسه كل عاقلٍعفيفٍ ويهوى جسمع كل فاسق
الأغيد: الذي في عنقه طول مع لينٍ وانعطافٍ, ويقال: نبت غاد؛ أي: ناعم منعطف للينه, قال كثير:
وصفراء رعبوبٍ كأن وشاحهاعلى ناعمٍ من غاب دجلة غاد
فوزن غادٍ هاهنا فعل أو فعل, كأنه في الأصل غيد أو غيد, وقد وافق لفظ غادٍ من الغدو وليس منه في شيء, قال ذو الرمة:
وفتيةٍ مثل النشاوى غيدقد استحلوا قسمة السجود
والمسح بالأيدي على الصعيد
وأصل الفسق: خروج الشيء من مكانه ومحله, ويقال: فسق السيف إذا خرج من الغمد, وفسق الرطب إذا خرج من قشره, وفسق الصبح إذا ظهر من تحت الليل, ومنه اشتقاق الفاسق من بني آدم؛ لأنه يخرج عن الشرع.
وقوله:
أديب إذا ما جس أوتار مزهرٍبلا كل سمعٍ عن سواها بعائق
وصف هذا الأغيد بأنه مغن, والمزهر: العود, ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه كثير النقوش, فكأن نقشه الزهر, ونعته بالأدب؛ لأنه ادعى له العلم بأخبار الناس لما قال:
يحدث عما بين عادٍ وبينهوصدغاه في خدي غلامٍ مراهق
أي: هو حديث السن, وعلمه واسع, ومعرفته بسيطة, وتلك من مبالغات الشعراء التي تخرج إلى الكذب.
وقوله:
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
هذا بيت قد جمع فيه بين صدقٍ وجودةٍ وسلامة لفظٍ, فقد فضل ما قبله من الأبيات, والبيت الذي بعده, وهو قوله:
وما بلد الإنسان غير الموافقولا أهله الأدنون غير الأصادق
هذا البيت قد ضعف بالتصريع ضعفًا بينًا, وهو كالمنقطع من معنى ما قبله, ولم تجر عادة أبي الطيب بالتصريع في غير الأوائل؛ فأما العرب فمنهم من يصرع في أول القصيدة, ومنهم من يبتدئها على غير تصريعٍ, فمما لم يصرع قول الأفوه:
إن ترى رأسي فيه نزعوشواتي خلة فيها دوار
وديوانه في الرواية اليمانية أربع قصائدة وقطعة, وكلها غير مصرعٍ, ومن ذلك قوله:
إما تري رأسي أزرى بهمأس زمانٍ انتكاسٍ مؤوس
وقوله:
فينا معاشر لم يبنوا لقومهموإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
وقوله:
أضحت فريعة قد تغير بشرهاوتجهمت بتحية القوم العدى
وقوله:
أيها الساعي على آثارنانحن من لست بسعاءٍ معه
ومن العرب من صرع في أول القصيدة, وفي غيره, ومنهم امرؤ القيس؛ لأنه قال:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلبسقط اللوى بين الدخول فحومل
وقال فيها:
أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل
وقال:
أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل
وقال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
وهم يجيئون بذلك إذا خرجوا من وصفٍ إلى وصفٍ, والرواة تنشد قول امرئ القيس:
لا وأبيك ابنة العامريي لا يدعي القوم أني أفر
فجعله أول القصيدة, وفيها ثلاثة أبيات كلها مصرع, وهي قوله:
تروح من الحي أم تبتكروماذا يضرك لو تنتظر
أمرخ خيامهم أم عشرأم القلب في إثرهم منحدر
وشاقك بين الخليط الشطروفيمن أقام من الحي هر
وبعض الرواة يروي هذه القصيدة لرجلٍ من النمر بن قاسطٍ, وينشد في أولها:
أحار بن عمرو كأني خمرويعدو على المرء ما يأتمر
ويقال: إن اسم الرجل ربيعة بن جشم.
وقد ترك أبو زبيدٍ الطائي التصريع في أول القصيدة, فقال:
لمن العيس لابن أروى على طهــر المرورى حداتهن عجال
وصرع في آخر القصيدة, فقال:
كل شيءٍ تحتال فيه الرجالغير أن ليس في المنايا احتيال
والمتقدمون يجعلون التصريع جنسًا واحدًا فيما أصله اعتدال النصفين, وما اختلف نصفاه فبعض المتأخرين يجعل ما أصله اعتدال النصفين إذا رددت فيه القافية مقفى, كقول طرفة:
لخولة أطلال ببرقة ثهمدتلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقول زهير:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلمبحومانة الدراج فالمتثلم
ويجعل ما اختلف نصفاه إذا كررت فيه القافية مصرعًا, كقول امرئ القيس:
ألا انعم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعمن من كان في العصر الخالي
وقوله:
وجائزة دعوى المحبة والهوىوإن كان لا يخفى كلام المنافق
المراد أن عادة بني آدم أن يظهروا المودة, وفي النفوس غيرها, إلا أن ذلك جائز؛ لأن العادة
جرت به, وادعى أن كلام المنافق ليس بخافٍ؛ وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات, ورب منافقٍ اتخذه الغر صفيًا, وحسب أن الصديق المخلص.
وقوله:
برأي من انقادت عقيل إلى الردىوإشمات مخلوقٍ وإسخاط خالق
لما ذكر كلام المنافق جاز أن يصل به هذا البيت؛ لأنه جعل الذين ذكروا فيه من المنافقين, وذم من أشار عليهم بذلك.
وقوله:
أرادوا عليا بالذي يعجز الورىويوسع قتل الجحفل المتضايق
الجحفل: الجيش العظيم, وقال قوم: إنما قيل له: جحفل لأن فيه خيلًا كثيرةً, والجحفلة من الفرس كالشفة من الإنسان, وقد يجوز هذا الوجه, إلا أنهم قد اتسعوا في هذه اللفظة حتى وصفوا الرجل بالجحفل؛ أي: إنه يقوم مقام الجيش, قال أوس بن حجرٍ:
عبيد ذوي المال الكثير يرونهوإن كان عبدًا سيد الأمر جحفلا
وقوله:
ولما سقى الغيث الذي كفروا بهسقى غيره في غير تلك البوارق
يعني بكعبٍ أبا عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. والمعنى: أنه سقاهم غيثًا فأمطرهم به, وكفروا نعمه عندهم, فلما فعلوا ذلك سقاهم غيثًا هو ضد ذلك الأول؛ لأن الغيث الأول محيءٍ, والغيث الآخر مهلك مميت. وبروق الغيث المتقدم كانت البروق الدالة على المطر, وبروق الغيث المتأخر هي السيوف, وما بين الشكلين متباعد.
وقوله:
أتاهم بها حشو العجاجة والقناسنابكها تحشو بطون الحمالق
واحد الحمالق: حملاق وقد حكي بالضم, والكسر أجود. والأحسن فيما ثبتت الألف قبل آخر حرفٍ فيه أو الواو أو الياء أن تجيء الياء في جمعه, فيقال: حملاق وحماليق, وعصفور وعصافير, وقنديل وقناديل, إلا أنهم تهاونوا بهذه الياء؛ لأنها زائدة, ولأنها في اسمٍ طال, فقالوا: مصابح في جمع مصباحٍ. قال الشاعر:
فقد أدخل البيت المحجب تحتهفتاة كأن الحلي منها المصابح
أراد: المصابيح, وقالوا: مسمار, ومسامر, قال قيس بن الخطيم:
فلا تجعلوا حرباتكم في صدوركمكما شد في عرض الرتاج المسامر
وقوله:
عوابس حلى يابس الماء حزمهافهن على أوساطها كالمناطق
يعني بيابس الماء: العرق, وعرق الخيل يوصف بالبياض, فأما قول بشر بن أبي خازمٍ:
تراها من يبيس الماء شهبًامخالط درةٍ منها غرار
فإنه عنى بيبيس الماء: الصقيع الذي يقع بالليل. وبيت أبي الطيب في غاية الصنعة؛ لأنه جعل حزم الخيل كالمناطق لها, وجعل العرق محليًا لها, وهو أبيض, فكأن الحزق مناطق حلبت بفضةٍ.
وقوله:
فليت أبا الهيجا يرى خلف تدمرٍطوال العوالي في طوال السمالق
السمالق: جمع سملقٍ, وهي الأرض البعيدة الواسعة. قال الأعشى:
وإن امرأً أسرى إليك ودونهمن الأرض أعلام وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي لصوتهوأن تعلمي أن المعان موفق
وأبو الهيجاء: هو عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة, تمنى له أن يكون حيًا فيرى ما فعل ولده بهذه القبائل وغلبه إياها.
وقوله:
قشير وبلعجلان فيها خفيةكراءين في ألفاظ ألثغ ناطق
البصريون يخفضون بلعجلان, وكذلك يوجب القياس, إلا أن المراد بنو العجلان, فحذفت النون, كما حذفت نون من في قول الشاعر:
أبلغ أبا دختنوس مألكةًغير الذي قد يقال ملكذب
ويقال: إن أهل الكوفة يجيزون رفع العجلان في مثل هذا الموضع, يجعلونه مع ما قبله كالشيء الواحد, والراءان إذا اجتمعتا في ألفاظ من يلثغ بالراء كانتا خفيتين.
وقوله:
تخليهم النسوان غير فواركٍوهم خلوا النسوان غير طوالق
يقال: امرأة فارك إذا أبغضت زوجها, قال ذو الرمة:
إذا الليل عن نشزٍ تجلى رمينهبأمثال أبصار النساء الفوارك
ويقال: فركت المرأة زوجها إذا لم ترضه, وصلف الرجل امرأته إذا لم تحظ عنده, قال الشاعر:
وقد خبرت أنك تفركينيوأصلفك الغداة ولا أبالي
وقد جاء الفارك في صفات الرجل شاذًا, قال الراجز:
إن العجوز فارك ضجيعهاتنهل من غير أسى دموعها
والمعنى أن نساءهم فارقنهم وهن رواغب فيهم. وخلوهن غير طوالق؛ لأنهم لم يزهدوا في صحبتهن, وهذا المعنى متردد في الشعر القديم, قال الشاعر:
وأرملةٍ تسعى بنعلين طلقتوأرماحنا آذنها بطلاق
يريد أنهم فرقوا بينها وبين زوجها فكأن أرماحهم حكمت عليها بطلاقٍ.
وقال آخر:
وكلبيةٍ قط طلقتها رماحناتلفت كالصيداء أودى جنينها
وقوله:
أتى الظعن حتى ما يطير رشاشهمن الخيل إلا في نحور العواتق
يقال: ظعن وظعن, بضم الظاء وفتحها؛ فإذا قيل: ظعن فهو جمع ظعينةٍ, مثل: سفينةٍ وسفنٍ, وإذا قيل للنساء الظاعنات: ظعن, فهو مصدر نعت به, والمعنى: ذوات ظعنٍ, كما يقال: نسوة زور؛ أي ذوات زيارةٍ, قال الراجز:
كأنهن فتيات زورأو بقرات بينهن ثور
والهاء في رشاشه عائدة على الظعن, ورشاشه ما تطاير منه, شبه برشاش المطر, وهذا نحو قوله في الأخرى:
ظعائن طال ما سارت هوادجهامنيعةً بين مطعونٍ ومضروب
وهذا, وإن شابه المعنى الأول, فهو ضد له, لأن الأول ذم, وهذا مدح. والعاتق: جمع عاتقٍ وهي الجارية قد آن أن تزوج, شبهت بالفرخ العاتق الذي قد نبت ريشه, وآن له أن يطير, وقيل: العاتق: التي تقيم في بيت أبيها بعد بلوغها, أخذت من عتق الشيء إذا تقدم, قال أوس بن حجرٍ:
علي ألية عتقت قديمًافليس لها وإن سلفت غرام
وقوله:
بكل فلاةٍ تنكر الإنس أرضهاظعائن حمر الحلي حمر الأيانق
هذا مثل قوله:
حمر الحلى والمطايا والجلابيب
وأيانق: جمع؛ لأنهم قالوا: ناقة وأنوق, فكان الواجب أن يقولوا: أناوق فمالوا إلى الياء؛ لأنها أخف, وقال قوم: قلبوا أنوقًا فقالوا: أنقٍ؛ لأن الواو وقعت طرفًا وكان الأصل (أنقو) فقلبت إلى الياء, كما قالوا في جمع دلو: أدلٍ, والأصل أدلو, ثم قدموا الياء التي في آخر الكلمة إلى أولها فجعلوها بعد الهمزة؛ فوزن أيانق على هذا القياس: أعافل.
وظعائن: مرفوعة بالابتداء على رأي البصريين, والخبر مقدم, كأنه قال: ظعائن في كل أرضٍ, ومذهب سعيد بن مسعدة أن ظعائن مرفوع بفعل مضمرٍ؛ لأنه كذلك يقول في مثل قولهم: عندك رجل, فالمعنى: عندك حل رجل أو استقر أو نحو ذلك, والكوفيون يسمون هذا الفن خبر الصفة؛ لأنهم يسمون حروف الخفض الصفات.
وقوله:
وملمومة سيفية ربعيةتصيح الحصى فيها صياح اللقالق
ملمومة: أي: كتيبة قد لم بعضها إلى بعض, وسيفية: نسبها إلى سيف الدولة, وربعية منسبوبة إلى ربيعة الفرس, وسيف الدولة من تغلب ابنة وائلٍ, وهي ترجع إلى ربيعة. واللقالق: جمع لقلقٍ, وهو طائر. وقيل: إنه الذي يقال له: أبو حديجٍ. واللقلقة: كل صوتٍ رفع. وفي الحديث: «من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي». يعني باللقلق اللسان, وبالقبقب البطن, وبالذبذب الفرج, وقيل: إن أعرابية قالت لبعلها:
يا حبذا ذباذبكإذ الشباب غالبك
فقال:
يا حبذا مقرنفطكإذ أنا لا أفرطك
والمقرنفط: المجتمع المتقبض.
وقوله:
بعيدة أطراف القنا من أصولهقريبة بين البيض غبر اليلامق
اليلامق: جمع يلمقٍ, وأصله فارسي معرب, وهو القباء المحشو, وقيل: أصله بالفارسية يلمه, وقد استعملته العرب, قال جرير:
سائل بني بكرٍ إذا لاقيتهموالأسد إذ ندبوا لنا مسعودا
فأتاهم عشرون ألف مدججٍمتسربلين يلامقًا وسرودا
وقوله: قريبة بين البيض: يعني بيضة الحديد أي: الفوارس تتقارب رؤوسهم لعظم الكتيبة وضيق ما تسلك فيه, وإن كان فضاءً رحبًا.
ووصف القنا بالطول وتباعد أطرافه من أسافله؛ لأن الفارس إذا طالت قناته كان حملها أصعب من حمل ما قصر من الرماح, وهم يفتخرون بالرمح الطويل, قال الشاعر:
لعمرك ما رماح بني قشيرٍبطائشة الصدور ولا قصار
والأجود خفض بين بإضافة قريبة إليه, ويجوز النصب على تقدير ما, والآية تقرأ على وجهين: ﴿لقد تقطع بينكم﴾, بالرفع, و «بينكم» بالنصب, فإذانصبت فهي ظرف, ويجب أن يكون ما على هذا الوجه نكرةً كثر استعمالهم في هذا الموضع. وهذا البيت ينشد رفعًا ونصبًا:
يديرونني عن سالمٍ وأديرهموجلدة بين العين والأنف سالم
وإنما قيل لبيضة الحديد: بيضة؛ لأنها شبهت ببيضة النعامة, قال أوس بن حجرٍ:
كأن نعام السي باض عليهموقد جعجعوا بين الإناخة والحبس
وقال النابغة:
فصبحهم بها صهباء صرفًاكأن رؤوسهم بيض النعام
وقوله:
نهاها وأعناها عن النهب جودهفما تبتغي إلا حماة الحقائق
الحقائق: جمع حقيقةٍ, وهي ما يحق على الرجل أن يحميه من الأشياء, وقال قوم: الحقائق: جمع حقيقةٍ, وهي الراية؛ لأنها إذا لم تحم فالجيش هزيم. وفي هذا شبه من قول عنترة:
يخبرك من شهد الوقائع أننيأغشى الوغى وأعف عند المغنم
إلا أن العبسي وصف نفسه بالقتال, ونزهها عن الرغبة في الغنيمة, وأبو الطيب لم يصف الجنود بالعفة عن المغنم, وإنما ذكر أن صاحب الجيش أغناهم بالجود عن النهاب.
وقوله:
توهمها الأعراب سورة مترفٍتذكره البيداء ظل السرادق
السورة: الوثبة. والمترف: المتنعم. أراد أنهم ظنوا أن سيف الدولة إذا سار في البيداء, وظهر للشمس تذكر ظل السرادق, والسرادق: ما حول الفسطاط, ويقال لما حول البناء: سرادق. وليس أصله بعربي, وقد يقال للغبار: سرادق, وإذا قيل للغبار ذلك جاز أن يجعل السرادق الدخان في قوله تعالى: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ ومن أبيات المعاني:
ولما ركبنا صعبها وذلولهاإلى أن توارت تحت ظل السرادق
رمتنا بفلذٍ من سرارة قلبهافطفنا به من بين حاسٍ وذائق
توارت: يعني الشمس, وذكروا أن السرادق هاهنا: الغبار. والهاء في صعبها وذلولها راجعة على أرض سلكوها. وعنى بالفلذ شيئًا من ماءٍ قليلًا. والسرارة أكرم موضعٍ في الوادي, فطافوا بهذا الماء القليل؛ فمنهم من حسا حسوةً, ومنهم من لم يصل إلى الحسوة فذاقه باللسان.
وقوله:
فذكرتهم بالماء ساعة غبرتسماوة كلبٍ في أنوف الحزائق
يعني أنه ذكر البادية بالماء؛ وذلك أنه طردهم حتى حصلوا بالسماوة, وهي قليلة الماء فاشتد بهم الظمأ. والحزائق: جمع حزيقةٍ, وهي الجماعة من الناس.
وقوله:
وكانوا يروعون الملوك بأن بدواوأن نبتت في الماء نبت الغلافق
الغلافق: جمع غلفقٍ, وربما عبروا عنه بأنه الطحلب, وقيل: الغلفق: ما سقط في الماء من ورق الشجر, ومنه قول أبي كبيرٍ الهذلي:
فصدت عنه ظامئًا وتركتهيهتز غلفقه كأن لم يكشف
وقوله:
فهاجوك أهدى في الفلا من نجومهوأبدى بيوتًا من أداحي النقانق
هاجوك: أي: حملوك على أن طردتهم, فوجدوك أهدى في الفلا من النجوم؛ لأن الذين يسرون بالليل إنما يهتدون بالنجم في المفاوز البعيدة, ويذكرون الهداية بالفرقد والجدي وسهيلٍ وغيرهن من النجوم, قال الراجز:
قلت له والجدي تحت الفرقدإنك إن لم تزجها بالفدفد
لا ترد الأمواه إلا من غد
وقال آخر:
لوح خليك الأداوى والنجموطول تخويد المطي والسعم
أراد أنهم يهتدون بالنجم فقد غير جسومهم ذلك. والسعم: ضرب من سير الإبل, وهذا الرجز ينشد على وجهين: منهم من يسكن الجيم في النجم, والعين في السعم, ومنهم من يحرك الحرفين. وأبدى: أفعل من قولهم: بدا القوم إذا صاروا باديةً, والأداحي: جمع أدحي, وهو حيث يبيض النعام. وإذا كانت هذه الياء مشددةً في الجمع كقولك: أمنية وأماني, وأوقية وأواقي, ولا اختلاف في أن التخفيف جائز في الشعر, قال مالك بن الريب:
فيا زيد عللنا بمن يسكن الغضاوإن لم يكن يا زيد إلا أمانيا
ويقال: إن يزيد بن القعقاع قرأ: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾, بتخفيف الياء, قال كثير:
فمازلت أبغي الظعن حتى كأنهمأواقي سدى تغتالهن الحوائك
فخفف ياء الأواقي. والبصريون يروون بيت زهير بتخفيف ياء الأثافي:
أثافي سفعًا في معرس مرجلٍونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلم
والكوفيون يروونها بالتشديد. وبيت عدي بن زيدٍ ينشد على وجهين:
لم يعبه إلا الأداحي وقد وبـبر بعض الرئال في الأفلاق
ومنهم من يروى: إلا الأداحي قد وبر. والنقانق: جمع نقنقٍ ونقنقةٍ, وهو الظليم, والنعامة, وإنما قيل لهما ذلك؛ لأن النقنقة من أصواتهما. ولا يبيض النعام إلا في بلد بعيدٍ من الأنيس؛ فجعل بيوت هذا الممدوح أبدى من أداحي النعام, التي تختار لبيضعها ورئالها ما أقفر من البلاد.
وقوله:
وأصبر عن أمواهه من ضبابهوآلف منها مقلةً للودائق
الضب: يوصف بأنه لا يشرب الماء. ومما تذكره العرب على معنى الأمثال أنهم يقولون: «قال النون للضب: رد, فقال الضب:
أصبح قلبي صردالا يشتهي أن يردا
إلا عرادًا عرداوصليانًا بردا
وعنكثًا ملتبدا»
الصرد: البارد, والعراد: ضرب من الحمض, والصليان نبت تأكله الإبل وحمير الوحش. ومن أمثالهم في اليمين يحلفها الرجل مسارعًا: «جذها جذ العير الصليانة» والعنكث: قيل: هو عروق نبتٍ؛ ولذلك وصفوا الضب بأنه يألف قفار الأرض إذ كان غنيًا عن الماء, وحكى بعض من يصيد الضباب أنهم يجدون في بطن الضب شيئًا على نحو الشكية لا يزال فيه شيء مثل الماء, وقال الشاعر:
وليس يألف شكلي شكلها أبدًاحتى يؤلف بين الضب والحوت
الحوت في اللجة الخضراء مسكنهوالضب يسكن في البيد الأماليت
والودائق: جمع وديقةٍ, وهي حين تدنو الشمس من الأرض, يقال: ودق الشيء من الشيء إذا دنا, قال ذو الرمة:
كانت إذا ودقت أمثالهن لهافبعضهن عن الألاف مشتعب
ويجوز أن يكون سمي المطر ودقًا؛ لأن قطره يدنو من الأرض؛ لأن الاشتقاق يدل على ذلك.
وقوله:
وكان هديرًا من فحولٍ تركتهامهلبة الأذناب خرس الشقاشق
قوله: وكان هديرًا؛ أي: كان العصيان الذي أجروا إليه هديرًا من فحول إبلٍ. والفحل إنما يهدر إذا صال أو أراد الصيال, ومن شأنه إذا هم بذلك أن يرفع ذنبه ويظهر شقشقته. فهذا الممدوح قد جعل الأذناب مهلبةً؛ أي: قد أخذ هلب أذنابها, وهو شعرها, وأخرس شقاشقها, والشقاشق: جمع شقشقةٍ, وهي شيء يخرجه البعير العربي من فمه, قال الراجز:
وهو إذا جرجر بعد الهبجرجر في شقشقةٍ كالحب
وهامةٍ كالمرجل المنكب
وقال الآخر:
أرسل فيها قطمًا لم يقفريخرج بين مشفرٍ ومشفر
شقشقةً مثل الجراب الأوفرفي جنبها وهي كعين الأعور
وقوله:
فما حرموا بالركض خيلك راحةًولكن كفاها البر قطع الشواهق
يقول: هؤلاء القوم لم يحرموا بالركض خيلك راحةً؛ لأنك ركضتها في السهول, وكنت إذا غزوت الروم ركضتها في الجبال الشاهقة, وركضها فيما سهل من الأرض أقل مشقةً من ذلك, ويقال: جبل شاهق؛ أي مرتفع في السماء, ومنه شهيق الإنسان؛ لأنه نفس متعالٍ.
وقوله:
ولاشغلوا صم القنا بقلوبهمعن الذكر لكن عن قلوب الدماسق
الدماسق: جمع دمستقٍ, وقد مضى القول: إنه لا مثال له في العربية, ولما قال النحويون في تصغير فرزدقٍ: فريزد, وأجازوا فريزقًا بحذف الدال, واحتجوا بأن حذفها حسن؛ لأن الدال
تشبه التاء, والتاء من حروف الزوائد, كان حذف التاء في دمستقٍ واجبًا لا يجوز غيره.
وقوله:
ألم يحذروا مسخ الذي يمسخ العدىويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق
يقول: ألم يخش هؤلاء العرب مسخ هذا الممدوح؛ الذي إذا حارب مسخ الأسد خرانق, وهي جمع خرنقٍ, وهي الصغيرة من أولاد الأرانب. والأرنب توصف بلين المس, وفي كلام بعض النساء المذكورات في حديث أم زرعٍ:
المس مس أرنبوالريح ريح زرنب
أغلبه والناس يغب
تصف زوجها بذلك. والزرنب: طيب من طيب البادية, وينشد لأعرابي يخاطب ابنه:
يا بأبي أنت وفوك الأشنبكأنما ذر عليه زرنب
أو زنجبيل عاتق مطيب
وسكن أبو الطيب ياء أيدي في موضعين, وذلك جائز في الضرورة, وقلما يجتمع تسكين هذه الياء مرتين في بيتٍ واحدٍ, قال الراجز:
كأن أيديهن بالقاع القرقأيدي جوارٍ يتعاطين الورق
يريد أن هؤلاء الجواري بنات قومٍ أغنياء, فهن يلعبن بالفضة وأيديهن مخضبات؛ يريد أن أيدي العيس قد دميت من السير فشبه أيديها بأيدي جوارٍ مختضباتٍ.
وقوله:
تعود ألا تقضم الحب خيلهإذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
زعم أن هذا الممدوح لا تقضم خيله الحب؛ أي: الشعير - والقضم أكل الشيء اليابس -
إلا أن ترفع الهام جنوب العلائق: جمع عليقةٍ وعليقٍ, وهو ما يعلق على الفرس من العلف.
وذكر أنه يجعل الهام كالمعالف؛ لأن المعالف يكون فوقه عليق الفرس. ويجوز: يرفع وترفع, وقد مضى القول في الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء, وأن تذكيره وتأنيثه جائزان, وفي التنزيل: ﴿أعجاز نخلٍ خاويةٍ﴾, ﴿أعجاز نخلٍ منقعرٍ﴾.
وقوله:
ولا ترد الغدران إلا وماؤهامن الدم كالريحن تحت الشقائق
الماء يوصف بالسواد, ومن أسمائه: سويد, وبالزرقة. وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر, فيقال: البحر الأخضر.
والناس يخصون بالريحان ضربًا من النبت, وهو معروف؛ فأما أهل العلم فيجيزون أن يقع الريحان على كل نبتٍ طيب الرائحة, حتى اجازوا أني قال لولد الرجل: ريحان, وكذلك لامرأته, والحسن والحسين - صلى الله عليهما - ريحانتا رسول الله ﷺ. وفي كلام لخالد بن صفوان, يقوله للسفاح: عندك ريحانة من ريحان بني مخزومٍ, يعني امرأته. وينبغي أنيحمل بيت أبي الطيب على أنه أراد بالريحان أزهارًا بيضًا تشابه الماء في بعض الأحوال. وقد يجوز أن يقال للورد الأبيض: ريحان.
وقوله:
لوفد نميرٍ كان أرشد منهموقد طردوا الأظعان طرد الوسائق
يعني بالأظعان: النساء في الهوادج, والوسائق: جمع وسيقةٍ, وهي الطريدة, قال عوف ابن الأحوص:
ألم أظلف عن الشعراء عرضيكما ظلف الوسيقة بالكراع
الوسيقة: ما طرد, ويقال: إن الطريد من الوحش يختار السلوك في الغلظ من الأرض لئلا يؤخذ أثره. وأصل الظعينة: الهودج, وبه سميت المرأة ظعينةً لركوبها فيه. وقد سمى طفيل الغنوي سرير الميت ظعنًا, فقال:
حتى يقال وقد عوليت في ظعنٍأين ابن عوفٍ أبو قران مجعول
وقوله:
تصيب المجانيق العظام بكفهدقائق قد أعيت قسي البنادق
المجانيق: جمع منجنيقٍ, قال جرير في استعمال العرب المنجنيق:
يلقى الزلازل أقوام دلفت لهمبالمنجنيق وصكًا بالملاطيس
وعند قوم أن ميم منجنيق أصلية, وأن نونها زائدة, يدل على زيادتها حذفها في الجمع, والقياس لا يمنع أن تكون الميم زائدةً؛ لأنك إذا حذفت النون رجع الأصل إلى مجنقٍ, والميم كثيرة الزيادة في مفعلٍ حتى أوجب ذلك أن يحكم عليها بالزيادة كما يحكم على همزة أفعل, وقد روي في بعض كلام العرب ما يدل على أن الميم زائدة؛ لأن بعضهم قال:
«كانت بيننا حروب عون, تفقأ فيها العيون, تجنق تارةً, وترشق أخرى».
ووصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف الحيلة يصيب بحجر المنجنيق, للطف رأيه, ما لا تصيبه
البندقة التي تخرج من قوس البندق, وإنما سميت قوس البندق؛ لأن ما يرمى عنها في مقدار البندق من الثمر, وهو كلمة لا أصل لها في العربية, ولم ينطقوا بالبدق فيحكم على أن النون زائدة.
وحكى ابن سعدٍ, رواية أبي الطيب, أنه سئل عن أي القصيدتين أفضل: أهذه أم التي على الراء, وهي قوله في هذه الوقعة:
طوال قنًا تطاعنها قصار ... ......................
فقال - يعني القافية -: هذه اختياري, وتلك اختيار سيف الدولة.
وقافية هذه القصيدة من المتدارك, وهو حرفان متحركات بعدهما ساكن, كأنه رقي, من بارق, والقافية على رأي الخليل في هذا البيت, وفي القصيدة كلها من آخر ساكن في البيت إلى أول ساكنٍ يليه مع المتحرك قبل الساكن؛ فالقافية عنده: بارقي, وابقي, من السوابق؛ مرةً تكون الكلمة تامةً, ومرةً منقطعةً, وعند سعيد بن مسعدة أن القافية الكلمة بأسرها.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع