تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ...

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقيوللحب ما لم يبق مني وما بقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

وهي من ثاني الطويل.

قوله: ما يلقى الفؤاد: في موضع رفع بالابتداء, والتقدير: ما يلقى الفؤاد من أجل عينيك, وهذا الرفع هو الذي يسميه الكوفيون: خبرًا لصفةٍ؛ لأنهم يسمون حروف الخفض: حروف الصفات, ورفعه عند سعيد بن مسعدة بفعلٍ مضمرٍ كأنه قال: لعينيك حدث أو استقر ما يلقى الفؤاد.

وقوله:

وما كنت ممن يدخل العشق قلبهولكن من يبصر جفونك يعشق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

من: في موضع رفع, ولكن مقدرة بعدها هاء, كأنه قال: ولكنه, وإذا دخل على من التي يجازى بها عامل لم تعمل شيئًا, فإذا قلت: إن من يأتيني آتيه؛ فجعلت من في موضع نصب لم يقع الشرط والجزاء, فإن أردت ذلك نويت إضمار الهاء, كأنك قلت: إنه من يأتني آته, وعلى ذلك أنشدوا قول الشاعر:

إن من يدخل الكنيسة يومًايلق فيها جآذرًا وظباء
للشاعر الأخطل، اقرأ القصيدة

كأنه قال: إنه من يدخل الكنيسة, وقال الأعشى:

إن من لام في هوى ابنة حسان ألمه فأعصه في الخطوب

كأنه قال: إنه من لامني. وهذا البيت ينسب إلى أمية بن أبي الصلت:

ولكن من لم يلق أمرًا يخافهبعدته ينزل وهو أعزل

ويروى: لا يلق, كأنه قال: ولكنه, وفي الكتاب العزيز: ﴿إنه من يأت ربه مجرمًا﴾. وما يجري في ذلك مجرى من, يقول: ما تفعل أفعل, وفي التنزيل: ﴿وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله﴾, فإن قلت: إنما تفعله من خيرٍ تجاز عليه لم يجز الشرط والجزاء إلا على إضمار هاءٍ.

وقوله:

وبين الرضى والسخط والقرب والنوىمجال لدمع المقلة المترقوق

يقال: ترقرق الدمع إذا جرى على الخد, ووزن ترقرق عند سيبويه: تفعلل, وعند صاحب كتاب العين: تفعفع, وعند الفراء, وأبي إسحاق الزجاج: تفعفل. ويقال: دمع رقراق, قال امرؤ القيس:

فأسبل دمعي كفيض الجمانأو الدر رقراقه المنحدر

وقوله:

وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربهوفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

ادعى أبو الطيب أن أحلى الهوى ما شك في الوصل ربه, وفي الهجر. وليس هذه الصفة صفة حلوٍ؛ بل هذا الفن يجب أن يوصف بالمرارة, وإنما حلاوة الهوى أن يكون سالمًا من الفراق والهجر, وقد وصفت ذلك الشعراء, قال الشاعر:

إذ الناس ناس والأحبة جيرةجميع وإذ كل الزمان ربيع

وقال كثير:

سقى الله أيامًا لنا لسن رجعًاإلينا وعصر الحاجبية من عصر
ليالي أجررت البطالة مقوديتمر الليالي والشهور ولا أدري
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «سقى الله أياما لنا لسن رجعا»

وقال كثير أيضًا في صفة تمكن المحب من هواه:

إلا يا حبذا نفحات نجدٍوريا روضه بعد القطار
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
وأهلك إذ يحل الحي نجدًاوأنت على زمانك غير زار
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
شهور ينقضين وما شعرنابأنصافٍ لهن ولا سرار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»

وقال المجنون فيما رووا:

تعلقت ليلى وهي ذات موصدٍوليدًا, ولما يبد من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم ياليت أنناإلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم

المؤصد: مثل الأصدة, ويقال: إنها الصدرة أو نحو منها, قال الشاعر في صفة راعٍ:

مثل البرام غدا في أصدةٍ خلقٍلم يستعن وحوامي الموت تغشاه

وقوله:

وغضبى من الإدلال سكرى من الصبىشفعت إليها من شبابي بريق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

ريق الشباب: أوله, وأصله من ذوات الواو؛ لأنه إن أخذ من الروق؛ أي: الأول, أو من راق يروق إذا أعجب فكأنه من ذوات الواو, وأصله ريوق, كما أن أصل سيدٍ: سيود, فقلبت الواو ياءً.

وقوله:

وأشنب معسول الثنيات واضحٍسترت فمي عنه فقبل مفرقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»
وأجياد غزلانٍ كجيدك زرننيفلم أتبين عاطلًا من مطوق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

هذان البيتان من أحسن ما قيل في العفة, وقوله: معسول الثنيات؛ أي: كأن فيه العسل, والبيت الذي أوله: وأشنب: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعني بأشنب شخصًا, والآخر: أن يعني فمًا. والوجه الآخر أحسن؛ لأن الشنب مقصور على الفم والأسنان, ويقال: غزال أجيد أي: طويل الجيد, قال عمر بن أبي ربيعة:

دعاني من بعد شيب القذالغزال له عنق أجيد

وهذا مما تفق فيه الجيد المراد به العنق, والجيد إذا كان جمع الأجيد؛ فجاءا على لفظٍ واحدٍ, لأنك إذا قلت: هذه غزلان جيد فالجمع مساوٍ للعنق في اللفظ.

وقوله:

وما كل من يهوى يعف إذا خلاعفافي ويرضي الحب والخيل تلتقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

كانت نساء العرب تفتخر بشجاعة رجالها, وتذكر أنهم إن لم يقاتلوا لم يسمحن لهم

بالوصال, ومن ذلك قول القائلة, وهو يروى لهند بنت عتبة بن ربيعة, ولا مرأةٍ من إيادٍ لما تلاقوا هم والفرس:

نحن بنات طارقنمشي على النمارق
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «نحن بنات طارق»
المسك في المفارقوالدر في المخانق
إن تقلبوا نعانقأو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

وقوله: سقى الله أيام الصبا ما يسرهاويفعل فعل البابلي المعتق

البابلي: شراب منسوب إلى بابل, وهي كلمة ليست بالعربية, وليس في كلام العرب باءان بعدهما لام, وقد استعملت العرب بابل في أشعارٍ, قال:

هذا ورب مسوفين صبحتهممن خمر بابل لذةً للشارب
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

أراد بمسوفين قومًا عطاشًا, يقال لهم: سوف تسقمون وسوف تروون. وقد جرت عادة الشعراء أن يثنوا على ما سلف من الزمان, كما يثنون على من يعقل, وقد سلك أبو الطيب في هذا البيت مسلك غيره, فدعا لأيام الصبا أن تسقى ما يسرها, وليست مما يحس, نحو من هذا الفن ذمهم الزمان, وهو لا يعلم ولا يستطيع أن يفعل حسنًا ولا قبيحًا؛ وإنما يفعلون هذه الأشياء على معنى المجاز والاتساع في اللغة, كما قالوا: نام الليل؛ لأنه ينام فيه, ولا علم لليل بنومٍ, ومن ذلك قول الشاعر:

فإن تحدث الأيام بيني وبينهابذي الأثل صيفًا مثل صيفي ومربعي
أسد بأعناق النوى بعد هذهمرائر إن جاذبنها لم تقطع

إنما أراد أن يحدث في الأسام فجعل الإحداث منسوبًا إليها على السعة.

وقوله:

إذا ما لبست الدهر مستمتعًا بهتخرقت والملبوس لم يتخرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

هذا البيت إذا طولب الشاعر بحسن الأدب وجب ألا يقابل الممدوح بمثله, وقد أنكر عبد الملك بن مروان على جريرٍ ما هو دون هذا, وذلك أنه لما أنشده:

أتصحو أم فؤادك غير صاح

قال له عبد الملك: بل فؤادك, أنكر عليه مخاطبته إياه بالكاف. ولا ريب أن الشاعر لم يرد بهذا إلا نفسه أو غيره من المخاطبين دون الممدوح, ولكن يكره مثل هذ خيفةً من التطير.

وقوله:

أدرنا عيونًا حائراتٍ كأنهامركبة أحداقها فوق زئبق

أراد أنهم يبكون؛ فالمدمع يجول في العيون كانه زئبق فشبه به الدمع؛ لأنهم إذا وصفوا الماء بالصفاء قالوا: كأنه دموع, وأراد أن نظرهم لا يثبت لكثرة البكاء.

وقوله:

نودعهم والبين فينا كأنهقنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الفيلق: الكتيبة العظيمة كأنها تفلق هام من يحارب؛ ولذلك قيل للداهية: فلق وفلقة؛ لأنها كالتي تفلق الرأس, قال الأعشى:

في فيلقٍ شهباء ملمومةٍتعصف بالدارع والحاسر

القنا: ليس بين واحده وجمعه فرق إلا الهاء, فإذا كان الجمع كذلك جاز أن يجمع نعته وأن يوحد, فلو قال القائل: قنًا ماضٍ قاضٍ, فوحد الصفة لكان مصيبًا, وكذلك لو قال: قنًا قواضٍ مواضٍ. وقوله: قواضٍ يجوز أن يكون رفعًا على البدل من قنا ابن أبي الهيجاء, أو إضمار هي, فيكون خبر ابتداءٍ محذوفٍ.

والدروع: تنسب إلى داود, وقد نسبها بعضهم إلى سليمان على معنى الغلط, قال النابغة الذبياني:

وكل صموتٍ نثلةٍ تبعيةٍونسج سليمٍ كل قضاء ذائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

النثلة: الدرع القصيرة, وقال الحطيئة:

وما رضيت لهم حتى رفدتهممن ائلٍ رهط بسطامٍ بأصرام
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»
فيه الرماح وفيه كل سابغةًقضاء محكمةٍ من نسج سلام

بنى سليمان على فعالٍ, وجعله كالأسماء العربية. وقد نسبوا الدروع إلى فرعون, قال الشاعر:

وكل فرعونيةٍ لونهامثل غدير الديمة الغاديه

وقد جعل أبو ذؤيب تبعًا صنعًا للسوابغ, وإنما كانت تصنع له. قال:

وعليهما مسرودتان قضاهماداوود أو صنع السوابغ تبع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

وهذا من جنس قولهم: قتل الأمير فلانًا, وهو لم يك قتله بنفسه وإنما أمر غيره بذلك.

والخدرنق: ذكر العناكب, وربما قالوا: هو العنكبوت, وفيه لغات: خدرنق وخدرق وخذرق.

وقوله:

هوادٍ لأملاك البلاد كأنهاتخير أرواح وتنتقي

اللام في قوله: لأملاك الجيوش (*): في معنى إلى كأنها تهدي الفوارس إلى طعن الأملاك.

وقوله:

تفك عليهم كل درعٍ وجوشنٍوتفري إليهم كل سورٍ وخندق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الجوشن في كلام العرب: الصدر, وقد مر ذكره, وليس في كلامهم الجشن فيكون مشتقًا منه. وإن كان الجوشن من الحديد عربيًا, فاشتقاقه من الجوش, ووزنه فعلن, وتفري إذا ضمت التاء فهو قطع على جهة الإفساد, وقد قالوا: فرى في معنى أفرى, وكثر قولهم: تفري, بفتح التاء في معنى الإصلاح, قال زهير:

ولأنت تفري ما خلقت وبعــض القوم يخلق ثم لا يفري

والسور: إذا أريد به سور المدينة: فهو مأخوذ من السورة؛ أي: الارتفاع, ومن قولهم: سار يسور إذا وثب, وبيت النابغة ينشد على وجهين:

ألم تر أن الله أعطاك سورةًترى كل ملكٍ دونها يتذبذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

ومنه قولهم: رجل مسور؛ أي: ذو سورة. والخندق ليس له أصل في كلام العرب, إلا أنهم قد تكلموا به قديمًا, واحتفر أصحاب النبي ﷺ خندقًا في المدينة, قال الراجز:

فصدهم عن لعلعٍ وبارقضرب يشظيهم عن الخنادق

وقال النابغة:

فدوخت البلاد فكل قصرٍيجلل خندقًا منه وحامي

وليس في كلامهم الخدق, فيشتق منه الخندق, وتكون نونه زائدةً.

وقوله:

يغير بها بين اللقان وواسطٍويركزها بين الفرات وجلق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

اللقان: اسم أعجمي, وقد وافق من العربية الفعال من: لقنت الشيء إذا فهمته وحفظته, وجلق: اسم لدمشق وبلادها, ويقال: إنه في الأصل اسم صنمٍ. وفعل: بناء قليل في كلام العرب, وقد وافق جلق لفظ قولهم: جلق رأسه: إذا حلقه.

والفرات, بالتاء لا غير, وإنما ذكر ذلك, لأن كثيرًا من البادية اليوم يقولون: الفراه, بالهاء؛ وذلك على سبيل الغلط, وقد تردد الفرات في القرآن وغيره, ولم يستعمل منه فعل, ومن الدليل على أن تاءه أصلية قول الأعشى:

ما يجعل الجد الظنون الذيجنب صوب المسبل الماطر
مثل الفراتي إذا ما طمايقذف بالبوصي والماهر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

فثبات الياء في النسب يدل على أنها أصلية, لا يجب أن يوقف عليها بالهاء.

وقوله:

ويرجعها حمرًا كأن صحيحهايبكي دمًا من رحمة المتدقق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

هذا من أحسن ما وصفت به الرماح, ولم يسبق إليه قائله؛ لأنه وصف أن الدماء تجري عليها وهي متدققة, كأن سالمها يبكي على ما هلك منها, وكلاهما قد وصف بجريان الدم. والكلام (*) المشقق: يجوز أن يريد به الذي اشتق بعضه من بعضٍ, فيكون ذلك مدحًا للكلام, وصفةً للممدوح بأن ما صعب لديه هين, فهو كالذي يلعب به, ويحتمل أن يعني بالمشقق: الكلام الذي كأنه مكسر من قولك: شققت العود, وغيره, ويكون هذا الكلام لما ينظمه الشعراء في مدحه؛ لأن ذمه لهم قد تكرر مثل قوله:

والشعر تهذي طماطمه

وقوله:

رأى ملك الروم ارتياحك للندىفقام مقام المجتدي المتملق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

المتملق: الذي يخضع ويلين كلامه, وهو مأخوذ من الصخرة الملقة, وهي الملساء, قال الهذلي:

أتيح لها أقيدر ذو حشيفٍإذا سامت على الملقات ساما

ويقال: ملق جلده: إذا غسله, قال الراجز:

رأت غلامًا جلده لم يملقبماء حمامٍ ولم يخلق

وقوله:

وخلى الرماح السمهرية صاغرًالأدرب منه بالطعان وأحذق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الرماح السمهرية: فيها قولان: بعض الناس يزعم أن ردينة كان لها زوج يقال له: سمهر, فنسبت الرماح إليه. وقال غيرهم: إنما هو من اسمهر الشيء إذا اشتد, وجاء هذا الاسم منسوبًا, كما قالوا للقوي من الإبل: قيسري, كأنه منسوب إلى قيسر, وكما قالوا للشاب: قنسري كأنه منسوب إلى قنسرٍ, قال رؤبة:

فازجر بني النجاخة الفشوسعن مسمهر ليس بالفيوش

وقوله:

ولم يثنك الأعداء عن مهجاتهمبمثل خضوعٍ في كلامٍ منمق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقال: كلام منمق؛ أي: محسن, ويقال: نمق الكتاب إذا كتبه, ونظر بعض العرب إلى رجل قد كتب شيئًا, ثم محاه فقال: نمنقه ثم لمقه. واللمق عندهم من الأضداد, ويكون في معنى كتب, وفي معنى محا.

وقوله:

وكنت إذا كاتبته قبل هذهكتبت إليه في قذال الدمستق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

القذال: معروف, وهو منقطع منبت الشعر في مؤخر الرأس, ويقال: قذله الحجام إذا حجمه في ذلك الموضع.

والدمستق: كلمة رومية لم تستعمل في الكلام القديم, وبناؤها لم يأت في أبنية العرب لأنه فعلل, ومن شأن أصحاب التصريف إذا جاء اسم على بناءٍ لم تستعمله العرب, وفيه حرف من حروف الزيادة؛ حكموا عليه بأنه؛ وإن لم يشتق منه ما يدل على زيادة الحرف, مثال ذلك أن يقولوا في الكنهبل, وهو الشجر العظام: نونه زائدة؛ لأنه ليس في كلامهم مثل فرزدق.

وقد ذهب بعض الناس إلى أن كنهبلًا بناء كل حروفه أصلية, فوزنه على هذا القول: فعلل, وفي القول الأول: فنعلل؛ فل أن الدمستق عربي وحمل على هذا القياس لكان وزنه على أحد القولين: فعلل, وعلى القول الآخر فعلتل.

وقوله:

فإن تعطه بعض الأمان فسائلوإن تعطه حد الحسام فأخلق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أخلق به: في معنى ما أخلقه, أي: أجدره؛ يقال: أخلق بفلانٍ أن يفعل كذا, وهذا لفظ موضوع للتعجب, وقد حذف الباء التي جرت عادتها أن تجيء بعد هذا اللفظ كما جاء في التنزيل: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾, لما جاء بقوله: «بهم» في اللفظ الأول حذفه في الثاني, ومثل ذلك قول الكميت:

دار التي تركتك غير ملومةٍكلفًا وأرع بها عليك وأشفق

وقد يحذفون الباء, وإن لم تحذف في أول الكلام, قال عروة بن الورد:

فذلك إن يلق المنية يلقهاحميدًا وإن يستغن يومًا فأجدر
للشاعر السليك بن عمرو، من قصيدة «ولكنَّ صعلوكاً، صفيحة ُ وجههِ»

أي: ما أجدره بالغنى.

وقوله:

لقد وردوا ورد القطا شفراتهاومروا عليها رزدقًا بعد رزدق (*
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الشفرات: جمع شفرةٍ, وهي معروفة, والشفرة هاهنا: حد السيف, وكان أصلها من شفير الشيء, يقال: هو على شفير كذا؛ أي: مشرف عليه؛ كأنه واقف على آخره. والرزدق (*): الصف الممدود, وأصله فارسي معرب. ووصف أنهم وردوا السيوف وردًا متتابعًا كورد القطا الماء, ويجوز أن يكون أراد أنهم سافروا إلى السيوف حتى وردوها, كما أن القطا الوارد يجيء من البلد البعيد ليصل إلى الماء.

وقوله:

بلغت بسيف الدولة النور رتبةًأنرت بها ما بين غربٍ ومشرق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جعل النور وصفًا لسيف الدولة على سبيل المبالغة, وذكر أنه بلغ رتبةً أنار بها ما بين الشرق والغرب, وإنما أراد علو الذكر والنباهة الكائنة بعد الخمول.

وقوله:

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍأراه غباري ثم قال له الحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

سكن واو يلهو للضرورة, كما قال الشاعر:

أترضون أن تغزو تميم بلادكمبألفي كمي ذي سلاحٍ مقاتل

وقوله:

ويمتحن الناس الأمير برأيهويغضي على علمٍ بكل ممخرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الممخرق: كلمة مولدة, وأصلها من المخراق, وهو ثوب يفتل ويلعب به الصبيان يتضاربون به كالتضارب بالسيوف, ولذلك قال عمرو بن كلثومٍ:

كأن سيوفنا فينا وفيهممخاريق بأيدي لاعبينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وقال قيس بن الخطيم:

أجالدهم يوم الحديقة معلمًاكأن يدي بالسيف مخراق لاعب

ووزن مخراقٍ: مفعال, ووزن ممخرقٍ: ممفعل, وقد جاء نحو من هذا في قولهم: تمسكن الرجل, ووزن تمسكن: تمفعل, ومثله: تمدرع إذا لبس المدرعة.

وقوله:

وإطراق طرف العين ليس بنافعٍإذا كان طرف القلب ليس بمطرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

أطرق الرجل: إذا نظر إلى الأرض, واشتقاق ذلك من أنه ينظر إلى الطريق الذي يطؤه, ومن أمثالهم: «أطرق كرى أطرق كرى إن النعام في القرى» يضرب ذلك مثلًا للرجل يتكلم في موضعٍ, وفيه أحق بالكلام منه, والمعنى في ذلك أن النعام أعظم شخوصًا من الكروان, جمع كروانٍ, وكرى في المثل مراد به الكروان, ورخم على قول من قال: يا حار, وقد استعمله الفرزدق بالألف واللام, قال:

على حين أن جربت وابيض مسحليوأطرق إطراق الكرى من أحاربه

وأطرقا اسم موضع, وقد جاء في شعر أبي ذؤيبٍ, قال:

على «أطرقا» باليات الخيام إلا الثمام وإلا العصي
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «عرفت الديار كرقم الدوا»

ويقال: إن هذا الموضع سمي بأطرقا؛ لأن ثلاثةً عبروا فيه فأحس أحدهم نبأةً, فقال لصاحبيه: أطرقا. والله العالم بيقين الأمور. واستعار أبو الطيب الإطراق لطرف القلب, والمستعار كثير في الشعر.

وقوله:

إذا سعت الأعداء في كيد مجدهسعى مجده في جده سعي محنق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المجد: الشرف. قال قوم: لا يقال ماجد للرجل حتى يكون شريف الآباء, وقال قوم: بل الماجد البين الفضل في نفسه, ومنه قولهم في المثل: «في كل شجرٍ نار واستمجد المرخ والعفار». ويقال: إن المجد مأخوذ من: أمجدت الدابة إذا أكثرت علفها. والجد: الحظ, والمحنق: المغتاظ. والمعنى: أن الأعداء إذا سعت في كيد مجد هذا الممدوح سعى حظه سعي مغضبٍ يجتهد في أن يفعل فيما يستقبل أكثر مما فعل في الزمان الأول.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف القاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.