من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الأشتر النخعي
بقيت وفري وانحرفت عن العلاولقيت أضيافي بوجه عبوس
الوفر: المال الكثير. والعبوس: الكلوح عن غضبٍ، وتوسعوا فقالوا: يومٌ عبوسٌ، أي شديدٌ. وهو جبسٌ عبسٌ، في اللئيم. وهذا من الأيمان الشريفة، واللفظ لفظ الخبر، وظاهره الدعاء، ومحصوله القسم. فيقول: ادخرت مالي ولم أفرقه فيما يكسب لي حمداً، فعل البخلاء، وزهدت في اكتساب المعالي والمآثر زهد الأدنياء، وتلقيت الأضياف بوجه رجلٍ كالحٍ إن لم أفعل كذا. ومثله في اليمين قول النابغة:
إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي
إن لم أشن على ابن حربٍ غارةًلم تخل يوماً من نهاب نفوس
شن الغارة معجمةً، وسنها معجمةٍ: صبها. وأصل جميعها في الماء، ثم حصل التوسع فيها. يقول: تصورت بتلك الصورة التي ذكرتها وأقسمت بها، إن لم أصب
على هذا الرجل خيلاً لا تخلو يوماً من اختلاس نفوسٍ، وانتهاب آجال. وسمى الخيل غارةً لما كانت من قبلها تكون. وموضع لم تخل يوماً نصب على الصفة للغارة، أي خيلاً جرت عادتها بذلك. والنهاب يجوز أن يكون مصدر ناهبته ويستعمل في المغاورة والمماراة، ويجوز أن يكون جمع النهب. وجواب إن لم أشن فيما تقدم.
خيلاً كأمثال السعالي شزباًتعدو ببيضٍ في الكريهة شوس
الشزب: الضمر. والشوس: جمع أشوس. ويقال شاس يشوس وشوس يشوس، إذا عرف في نظره الغضب أو الكبر. وانتصب خيلاً على أنه بدلٌ من غارةً. وشبه الخيل في ضمرها وسرعة نفاذها بالجن. وانتصب شزباً على أنه صفةٌ للخيل، لأن قوله كأمثال، أيضاً صفة. ويجوز أن يكون حالاً للمضمر في كأمثال السعالي. والمعنى: خيلاً تشابه السعالي في حال شزوبها وضمرها. وقوله: تعدو ببيضٍ أيضاً صفةٌ، إما لقوله شزباً، وإما للأول تعدو برجالٍ كرام، متكبرين في الحرب، ذوي أنفةٍ. وإذا جمع بين مفرداتٍ وجملٍ في الوصف، فالترتيب المختار تقديم المفردات على الجمل، وقد جاء البيت على ذلك، والعرب تجعل البياض كنايةً عن الكرم، كأنها تريد نقاء العرض. على ذلك قوله:
أمك بيضاء من قضاعة ...
وكما فعلوا هذا جعلوا الغر كنايةً عن الكرام، وربما قالوا غرانٌ. أما قولهم: بيض الوجوه فالمراد أنهم لم يفعلوا شيئاً يشينهم فيغير لونهم عند ذكره. وقد قالوا في ضده: أوجههم كالحمم، وسود الوجوه. وأما الشوس فكما وصف به الرجال وصف به الخيل أيضاً، والمراد به عزة النفس. وقوله في الكريهة للحوق الهاء بها ألحق بباب الأسماء، ويستعمل في نوازل الدهر وشدائد الأمر. وهو ظرفٌ إن شئت لما دل عليه قوله بيضٌ من الكرم، وإن شئت لقوله شوسٌ. والكرم في الكرائه: نزاهة النفس عن لوازم العار.
حمى الحديد عليهم فكأنهومضان برقٍ أو شعاع شموس
شعاع الشمس: انتشار ضوئها. ويقال: أشعت الشمس: انتشر شعاعها. يقولك حميت الأسلحة يوم الوغى لصبرهم وثباتهم، وطول مقامهم. ثم شبه لمعانها بومضان البرق أو شعاع الشمس، وجمع الشموس لاختلاف مطالعها. والومضان: مصدر ومض، وكذلك الومض والوميض. ويقال في فعله أومض أيضاً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع