تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب

أرسل عبد الله إذ حان يومهإلى قومه لا تعقلوا لهم دمي

الشعر لكبشة أخت عبد الله. والكلام بعثٌ وتهييجٌ. وإنما تكلمت به على أنه إخبارٌ عما فعله عبد الله وأقامه من الوصاة عند الوفاة، فتقول: راسل عبد الله بن معد يكرب لما دنا أجله قومه وذويه، بأن لا يعقلوا دمي. وإن كانت آمنةً من ميلهم إلى قبول الدية، فغلظت القول لتهتاج حميتهم. ويقال عقلت فلاناً، إذا أعطيت ديته. وجعل هذا المفعول الدم لأن المراد مفهوم، كأنه قال: لا تأخذوا بدل دمي عقلاً. ويقال عقلت عن فلانٍ، إذا غرمت عنه دية جنايته أو أرشها.

ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكراًوأترك في بيتٍ بصعدة مظلم
للشاعر كبشة الزبيدية، اقرأ القصيدة

الإفال: جمعٌ وواحده أفيل، وهي صغار الإبل، والأبكر: جمع البكر، وهو الفتى منها. يقول: لا تأخذوا من قتلتي صغار الإبل وبكارتها، فتتركوني في قبرٍ مظلم بصعدة؛ وهو مكان باليمن. وإنما جعل قبره هكذا، لأنهم كانوا يزعمون أن المقتول إذا ثأروا به أضاء قبره، فإن أهدر دمه أو قبلت ديته بقي قبره مظلماً. فإن قيل: لم ذكر الإفال والأبكر وما يؤدي في الديات لا يكون منهما؟ قلت: أراد تحقير الديات، وهذا كما يقول الرجل إذا أراد تحقير أمر خلعةٍ خاز بها إنسانٌ: إنما أعطي خرفاً وفلوساً! وإن كانت الثياب المعطاة كسوةً فاخرةً، والمال الموفر جائزةً سنيةً. وانتصب وأترك بإضمار أن وهو جواب النهي بالواو.

ودع عنك عمراً إن عمراً مسالمٌوهل بطن عمرٍو وغير شبرٍ لمطعمٍ

عمرو هو أخوها، وكان يعد بألف فارس، ولم يكن ممن يسالم ولا سيما في طلب دم أخيه. وإنما رمته بهذا الكلام لتهيج منه وتبعثه على التعجل في درك الثأر والتسرع في الانتقام. وقوله: " وهل بطن عمرٍو غير شبرٍ لمطعم " تزهيدٌ في الدية، وهذا كما روي في الخبر: " وهل بطن ابن آدم إلا شبرٌ في شيرٍ " لما أريد تزهيده في الدنيا وحطامها. أي ما يصنع بالمال وجوفه يمتلئ باليسير. وعمرٌو لم يكن ممن

يميل إلى الدية، كما لم يكن يميل إلى المسالمة، ولكن المراد ما ذكرناه من التحضيض والحث.

فإن أنتم لم تثأروا واتديتمفمشوا بآذان النعام المصلم

الصلم: قطع الأذن من أصلها، ومنه الصليم: الداهية المستأصلة. واتديتم، معناه قبلتم الدية. يقال: وديته فاتدى، كما يقال وهبته فاتهب، أي قبل الهبة. وفي الحديث: " هممت ألا أتهب إلا من قرشيٍ أو أنصاري " ومثله قضيته الدين فاقتضاه، أي قبله وتوفره. وقوله: " فمشوا " أي امشوا. وضعف الفعل للتكثير. ومن روى " فمشوا " بضم الميم فمعناه امسحوا؛ ويقال لمنديلٍ الغمر: المشوش. والمعنى: إن لم تقتلوا قاتلي وقلتم ديتي فامشوا أذلاء، بآذانٍ مجدعةٍ كآذان النعام. ووصف النعام بالمصلم تصويراً لها، وإن كانت خلقة جميعها ذلك. ومن أحاديثهم عن البهائم: " ذهبت النعامة تطلب قرنين فجدعت آذانها ". ومن روى " فمشوا " فامعنى امسحوا بآذانكم مجدعةً مثلةً بكم كآذان النعام.

ولا تردوا إلا فضول نسائكمإذا ارتملت أعقابهن من الدم

ترمل وارتمل إذا تلطخ بالدم. قال:

إن بني رملوني بالدم

ويجوز أن يكون هذا الكلام دعاء عليهم، أي أحلكم الله محل من ذا صفته. وعلى هذا يكون قوله " فمشوا " من البيت الأول أيضاً. وإن شئت جعلته تهياً، وفمشوا أمراً. والمعنى: إذا فعلتم ذلك فتأخروا في المواطن كلها والمناجع، وتخلفوا عن المشاهد والموارد، والبسوا الذل راضين به، فإن مآل أمركم مع تضييعكم دم صاحبكم إلى مثل ذلك. وكان عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم الرجال ثم العضاريط والرعاة، ثم النساء، إذا صدرت كل فرقةٍ عنه، فكن يغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن آمناتٍ مما يزعجهن غير مستعجلات، فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهو الغاية من

الذل. وجعل النساء مرتملات بدم الحيض تفظيعاً للشأن، وتدنيساً للماء. والأعقاب واحدها عقبٌ، وهو موخر الرجل. يقال: ولى على عقبيه، إذا انصرف راجعاً عن مطلوبه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.