من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال بعض بني جرمٍ من طيئ
إخالك موعدي ببني جفيفٍوهالة، إنني أنهاك هالا
في قوله " إخال " ضرب من الاستهانة، يقول: أحسبك تهددني ببني جفيفٍ وبهالة. ثم أقبل على هالة فقال: إني أزجرك عن التحكك بنا، ونصرة من ينابذنا. ومثل هذا الكلام يسمى التفاتاً. والعرب قد تجمع في الخطاب أو الإخبار بين عدة، ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم، أو أحسنهم سماعاً لما يلقى إليه، أو أخصهم بالحال التي تنطق بالشكوى بينهم، فتفرده بكلام. على هذا بيت الهذلي:
أحيا أبا كن يا ليلى الأماديح
فقال أبا كن، ثم قال يا ليلى. ويقال: خلت أخال، وإخال طائيةٌ، فكثر استعمالها في ألسنة غيرها، حتى صار أخال كالمرفوض. والهالة: الدارة حول القمر، في اللغة، وإذا أنث خطابها فإنه جعلها قبيلةً، وإذا ذكرها فعلى إرادة رجلٍ هو أبو القبيلة، وإذا جمع فعلى المعنى. وفي جميع ذلك قد صرف كلامه.
فإلا تنتهي يا هال عنيأدعك لمن يعاديني نكالا
يقول: إن لم تنزجري عني ولم ترتدعي بكلامي، أجعلك لأعدائي عبرةً رادعة، وعقوبةً زاجرة. والنكال: اسم لما يجعل عبرة للغير، ويقال نكل ينكل، ونكل ينكل لغتان، الأولى تميمية والأخرى حجازية.
إذا أخصبتم كنتم عدواًوإن أجدبتم كنتم عيالا
يصفهم بالأشر والبطر وسوء الحفاظ، والتعجل إلى الشر، فيقول: إذا نلتم الخير وطاوعكم الوجد خرجتم لنا أعداء، ثم إن أثر فيكم الدهر، أو ضغطكم البؤس والضر، أويتم إلينا، ولحقتم بجملتنا، فاحتجنا إلى أن نمونكم.
وقال آخر:
اللؤم أكبر من وبرٍ ووالدهواللؤم أكرم من وبرٍ وما ولدا
فضل اللؤم في اللفظ عليهم وعلى أسلافهم، والقصد به إلى تفضيله على أخلاقهم وأفعالهم وطباعهم، لأن الشرط تشبيه الأحداث بالأحداث، والذوات بالذوات. وإذا كان كذلك فقد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كأنه قال: اللؤم أكرم من أخلاق وبرٍ وأخلاق والده، وقوله " ووالده " دخل فيه كل أبٍ لهم، كما دخل في قوله " وما ولدا " كل ولد لهم. واللؤم: خصالٌ منكرة، إذا اجتمعت سميت لؤماً، كدناءة النفس والآباء والبخل مردداً فيهم، والنظر في الأمور التافهة المخزية. ووبر في اللغة: دويبةٌ أصغر من السنور طحلاء اللون ترجن في البيوت، وجمعه وبارٌ. ويسمى بهان ثم جعلت للقبيلة. فإن قيل: لم لم يقلك ومن ولدا؟ قلت: أشار إلى الجنس وما يقع للأجناس.
قومٌ إذا ما جنى جانبهم أمنوامن لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
يقول: هم قومٌ إذا جر واحدٌ منهم جريرةً أمن جميعهم، لدقة أصولهم، ولؤم أحسابهم، أن يؤاخذوا كلهم بها، فكيف الواحد منهم. كأن القبيلة بأسرها لا يعدون بواءً لقتيلٍ فيقتلوا به، فالأمن الذي شملهم عند اتفاق الجنايات منهم لهذا. والقود: أن يقتل القاتل بالقتيل، فيقال: أقدته به. وإذا أتى الرجل صاحبه بمكروهةٍ فانتقم منه بمثلها، قيل: استقادها منه، وهذا كما قال الآخر:
من ذا يعض الكلب إن عضا
ونقله أبو تمام فقال:
أما الهجاء فدق عرضك دونهوالمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنهعرضٌ عززت به وأنت ذليل
اللؤم داءٌ لوبرٍ يقتلون بهلا يقتلون بداءٍ غيره أبدا
أشار بهذا إلى أن مطامعهم الخسيسة ترديهم، وإسفافهم لها يعرضهم للقتل ويهلكهم، فقال: هذا داؤهم لا يقتلون إلا به، ولأن حين كان حائنٍ فيما يغلب به وعليه. ويجوز أن يريد أنه لما ترفع القصاص عنهم عند وقوع الجرائر منهم، كانت القتلة الكريمة فيهم أزهد، وعنهم أبعد، ولا يموتون إلا بدائهم الذي هو اللؤم. والموت قد يسمى قتلاً. وإنما أدخل هذه الأبيات في الباب لقوله " قومٌ إذا ما جنى جانيهم أمنوا " فلما ذكر من يجتهد في إدراك الثأر من جهته تيسر أو تعسر، ذكر أيضاً ما يضاده ممن يرغب عنه ويزهد في النيل منه، ترفعاً عن مكافأته. وهذا عادته في إتباع الشيء بضده، فأعلمه.
وقال آخر:
ألا أبلغا خلتي راشداًوصنوى قديماً إذا ما اتصل
قديماً، انتصب على الظرف لقوله خلتي. والمراد: أبلغا خليلي قديماً راشداً، وصنوى إذا ما انتسب. والصنوان: الفرعان يخرجان من أصلٍ واحدٍ. ويقال للأخوين هما صنوان، تشبيهاً بذلك، ولعم الرجل صنو أبيه. ويقال صنوٌ، وصنوانٌ في التثنية، وصنوانٌ في الجميع، ولا يعرف له نظير إلا قنوٌ. فيقول: راشدٌ خليلي القديم، ونسيبي القريب، فأبلغاه عني رسالةً. وفي جمعه بين خلتي وصنوي، وتأخيره قديماً إذا ما اتصل، ما ذكره أبو العباس المبرد ﵀، من أن العرب تلف الخبرين لفاً، ثم ترمى بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى كل ما له.
بأن الدقيق يهيج الجليلوأن العزيز إذا شاء ذل
الباء دخل للتأكيد، وموضع أن مفعول ثانٍ من أبلغا. فيقول: أبلغاه أن صغير الأمور يجني الكبير، وأن العزيز من الرجال متى أراد عاد ذليلاً، بأن يعدو طوره، ويشتغل بما لا يهمه. ومثل هذا قولهم: " الشر يبدؤه صغاره "، وقول شاعرهم:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ
وقول الآخر:
كم مطر بدؤه مطير
وأن الحزامة أن تصرفوالحيٍ سوانا صدور الأسل
هذا الكلام تحذيرٌ وإنذار. يقول: وأبلغاه أن الحزم في صرف أعنة خيلكم إلى غيرنا، فإنكم لا تقومون لنا إذا هيجتمونا؛ والرأي في أن تعدلوا بصدور رماحكم إلى طعن من سوانا، فإنكم لا تكملون لدفاعنا، ولأن الكرة لا يخرج منا إلا إباءً وامتناعاً.
فإن كنت سيدنا سدتناوإن كنت للخال فاذهب فخل
العرب تقول: " سيد القوم أشقاهم ". ولذلك قال شاعرهم:
وإن سيادة الأقوام فاعلملها صعداء مطلعها طويل
فيقول: إن رمت سيادتنا من وجهها، وبالآلات التي يحتاج إليها في تحصيلها، تم لك ذلك؛ وإن كنت للكبر فاذهب فاحسب أنك سيدٌ، فإنك لا تكون. هذا إذا رويت " فخل " بفتح الخاء. وإن رويت " خل " بضمها فالمعنى: اذهب وتكبر، فإنا لن ننقاد لك، واستعمال البغي والصلف والكره لا يزيدنا إلا إباءً عليك، وتمادياً في اللجاج معك. والخال: الكبر. واختال الرجل فهو مختالٌ وخالٌ أيضاً. قال الشاعر:
إذا تجرد لا خالٌ ولا بخل
ويقال خال يخول ويخال خولاً وخالاً، وفي الظن يقال خال يخال لا غير. وقوله " فاذهب " أمرٌ من قولك ذهب يقول كذا. وعلى هذا قول الشاعر:
فاذهب فما بك والأيام من عجبٍ
وكذلك قولك للغريم: قم فأعطني حقي. فالأمر في الحقيقة بالعطية لا بما سواه. وأجري مجراه قولهم: أخذ يتمسك بكذا، وطفق يتحدث بكذا، وجعل يشتمني. وخرجوا في التوسع إلى أن قالوا: قام يهزأ بي، وقعد يظن أنه أمير. وليس القصد إلى فعله القيام والقعود، ولكن زيادةً كالتصوير للحال والتأكيد للقصة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع