من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال جابر بن ثعلب الطائي
وقام إلى العاذلات يلمننييقلن ألا تنفك ترحل مرحلاً
يقول: انتصب اللواءم عاتبات علي، سائقات العنف إلي قائلات: ألا تزال ترحل ارتحالاً فلا تستقر بك دار، ولا يقرب لك مزار، ولا يحط عن راحلة رحل.
ومرحلاً انتصب على المصدر، كما تقول: أما تنفك تخرج مخرجاً وتبعد مبعداً. ومعنى ترحل تشد الرحل. وموضع يلمنني موضع الحال، ويقلن في موضع البدل من يلمنني.
فإن الفتى ذا الحزم رام بنفسهجواشن هذا الليل كي يتمولا
في الكلام اختصار، كأنه قال: فأجبتهن فقلت: إن الفتى الحازم يحمل نفسه المشقات، ويرمي بنفسه المتالف الصعبات، ويمتطي الأهوال، كي ينال الأموال، غير مفكر في ظلمة ليل، ولا مستصعب لركوب خطب. وقوله: جواشن هذا الليل يعني صدورها وأوائلها. والليل بإزاء النهار في الاستعمال، والليلة بإزاء اليوم. والإشارة بهذا على طريق التقريب. وهم يستعيرون الجواشن والهوادي والصدور والنحور والأعناق والرؤوس لأوائل الأمور، كما يستعيرون الأعجاز والأدبار والأعقاب والأذناب لآواخرها.
ومن يفتقر في قومه بحمد الغنىوإن كان فيهم واسط العم مخولاً
افتقر فعل مفتقر وفقير جميعاً، استغنى به عن فقر. يقول: من ناله الفقر بين عشيرته وأهليه حمد الغنى، وصار عنده المطلوب والمتمنى، وإن كان معطوفاً عليه مكرماً، ومع ما فيهم مخولاً. وقوله: واسط العم سطة الحسب: كرمه، والفعل منه وسط. قال:
وقد وسطت مالكاً وحنظلاً
ويقال: فلانٌ وسيطٌ في قومه: جليلٌ، وفلان واسط القوم، وهو أوسطهم أي أشرفهم.
كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسىولم يك صعلوكاً إذا ما تمولا
هذا الكلام بعث على التجوال، وتحضيضٌ في اكتساب المال، فيقول: إذا اقتنيت بعد فقرك، واكتسيت عن عريك، فكأنك ما كنت قط فقيراً ولا عرياناً.
والمعنى: إن من استبدل بعسره يسراً، ونال عقب ضيقه رخاء، فكأنه ما سبق إليهما، ولا زوحم فيهما. وفي طريقته ما بعده، وهو: ولم يك في بوسٍ. والصعلوك: الفقير.
ولم يك في بوس إذا بات ليلةًيناغي غزالاً ساجي الطرف أكحلا
يقول: وإذا استمتع ليلةً بمناجاة إنسانٍ كأنه غزالٌ في طرفه فترٌ، وفي عينه كحلٌ، فكأنه ما كان ذا بوسٍ قط. أي تعفى النعمة على آثار الضر، وتمحوها حتى تنسى. وقوله ولم يك في بوس قد مر الكلام في حذف النون منها تخفيفاً. والمناغاة: المغازلة، وأصله من النغية، وهي الصوت اللطيف، والنغمة الحسنة الخفية، ولذلك يفسر المناغاة على المسارة. والساجي: الساكن، يقال ليلٌ ساجٍ. قال:
يا حبذا القمراء والليل الساج
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع