من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال رجلٌ من بني كليبٍ
وحنت ناقتي طرباً وشوقاًإلى من بالحنين تشوقيني
انتصب طرباً على أنه مصدرٌ في موضع الحال، أو على أنه مفعولٌ له. وأول البيت خبرٌ عن راحلته، وآخره خطابٌ لها. وقوله تشوقيني حذف نونه استثقالاً لاجتماع نونين، والأصل تشوقينني. ومثله في الحذف قول الآخر:
يسوء الفاليات إذا فليني
يريد فلينني. والمعنى: اشتكت ناقتي حانةً لطربها وشوقها. ثم أخذ يخاطبها منكراً عليها ما ظهر منها فقال: تشوقينني بحنينك إلى من؟ أراد أنه مع حصول اليأس يجب ألا تحن ولا تشوق. ويجوز أن يكون المعنى تعظيم المشتاق إليه، فكأنه قال: تشوقينني إلى من بحنينك؟ أي إلى إنسانٍ وأي إنسان؟ ومن من قوله إلى من في هذا الوجه يكون نكرةً غير موصوفةٍ وإن كان الكلام خبراً، وفي المعنى الأول يكون من
استفهاماً. وتقول: مررت بما صالحٍ، ومررت بمن كريمٍ. تريد بإنسانٍ كريمٍ. وقد حمل قوله ﷿: " مثلاً ما بعوضة "، على أن معناه مثلاً شيئاً بعوضة. والطرب: خفةٌ تعتري لعارض سرورٍ أو همٍ:
فإني مثل ما تجدين وجديولكن أصحبت عنهم قروني
هذا الكلام اعترافٌ بالحب، وتسويغٌ لحنين الناقة وإن كره التذكير الحاصل منه. والشجو المنتج عنه. وقوله مثل ما تجدين يجوز أن يكون خبراً مقدماً والمبتدأ وجدي، فيكون التقدير: إنى وجدي مثل ما تجدين، والجملة خبر إن. ويجوز أن يكون مثل خبر إن، ووجدي بدلٌ من ياء الضمير المتصل بإنى، كأنه قال: إن وجدي مثل ما تجدين. وما بمعنى الذي، وتجدين من صلته، والضمير العائد إليه محذوف، كأنه قال: مثل ما تجدينه، أي مثل الوجد الذي تجدينه. ويجوز أن يكون ما مع الفعل في تقدير مصدرٍ، كأنه قال: إنى وجدي مثل وجدك. والأصل في إنى إنني، لكنه حذف نونه لاجتماع ثلاث نونات، ويجوز أن يكون لم تأت بنون العماد كما لم يؤت به في لعلي وليتي، والمعنى إن وجدي مثل وجدك، ولكن تابعتني نفسي باليأس منهم، وأنت لا تعرفين اليأس. والإصحاب: الانقياد. والقرون والقرونة: النفس. ويقولون: أخذت قروني من هذا الأمر، أي رفضته واطرحته.
رأوا عرشي تثلم جانباهفلما أن تثلم أفردوني
يقول: رأوا عزي قد تهدم جانباه، وانهد ركاناه، فلما صار أمري كذلك تركوني وحيداً، وقعدوا عن مشايعتي ومتابعتي، فدعتني الحال إلى مفارقتهم، والتحول عنهم. والعرش: سرير الملك، وقوام أمر الرجل وعزه، فإذا زال قيل: ثل عرشه وتثلم. وقد ألم في هذا بقول أوسٍ:
وهم لمقل المال أولاد علةٍ
وبقوله:
بنو أم ذي المال الكثير
هنيئاً لابن عم السوء أنيمجاورةٌ بني ثعل لبونى
أني في موضع الفاعل لهنيئاً، ومجاورةٌ ارتفع على أن يكون خبر أن، ولبوني في موضع الرفع على أنها فاعلةٌ لمجاورة، وبني ثعلٍ مفعولٌ به. والمعنى: ليهنئ ابن العم السوء بعدي عنهم، ومجاورة لبوني لغيرهم. واللبو ن: الناقة التي بها لبنٌ. ويجوز أن يرتفع مجاورةٌ على أنه خبرٌ مقدمٌ، والمبتدأ لبوني والجملة كما هي تكون خبر أن. ويجوز أن يكون لبوني بدلاً من الضمير المتصل بأني، والخبر مجاورةٌ. والمعنى والتقدير أن لبوني مجاورةٌ بني ثعلٍ. وهذا الكلام إنباء أن ما حصل من بعده عن العشيرة كانوا يتمنونه، فقال هنأ الله أبناء عمي ما أرادوه وفازوا به. ويجوز أن يكون وعيداً وتهكماً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع