من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الراعي
وقد قادني الجيران حيناً وقدتهموفارقت حتى ما تحن جماليا
يقول: جذبني الخلطاء زماناً وجذبتهم، حتى كنت في حكم من لا يصبر عنهم، ولا ينفك منهم، كالقائد للشيء وهو مقودٌ له، لن من كان هذه صفته مع شيءٍ فهو يلزمه ولا يفارقه. والآن فارقتهم فلا أحن إليهم، ولا أنزع نحوهم. ونسب الحنين إلى جماله وإن كان المراد النفس، لأنها في الحنين أقل صبراً حتى ربما تهيم على وجوهها، وتند عن صواحبها، طلباً للإلف، وجرياً مع الهوى. وعلى هذا قال من قال في مخاطبة راحلته وقد رآها:
فإني مثل ما تجدين وجديولكن أصحبت عنهم قروني
رجاؤك أنساني تذكر إخوتيومالك أنساني بوهبين ماليا
يقول: أملي فيك أنساني الفكر في إخوتي وأهل بيتي، وطمعي في مالك أنساني مالي بوهبين. وهذا قاله لأنه يرى أن رجاءه فيه لتحققه صار مؤثراً على ذكر وطنه وعشيرته، وأن ما طمع فيه من ماله لما كان أكثر مما ملكه بوهبين صار منسياً له.
وهذه القطوعات بما اشتملت عليه من الفظاظة والقسوة، وذكر قلة الفكر في الأوطان والأحبة، وتناسي العهود والأذمة، ومفارقة الأماكن المألوفة. والحلل المورودة، وشكوى النفس إلى التنائي والغربة، دخلت في باب الحماسة. وبمثل هذه المناسبة دخل فيه كثير من نظائرها. وستدل عليها إذا انتهينا إليها.
وقال آخر:
وإنا لتصبح أسيافناإذا ما اصطحبن بيومٍ سفوك
يروى " تصبح " بفتح الباء على ما لم يسم فاعله، فيكون المعنى: إنا لتسقى أسيافنا الصبوح بيومٍ سفوكٍ إذا ما اصطحبن. ومن روى " لتصبح " بكسر الباء فخبر تصبح في الثاني، وهو " منابرهن بطون الأكف ". والمعنى: إنا لتصير أسيافنا إذا شربت الصبوح في يوم سفوكٍ للدماء بهذه الحالة. ونسبة السفك إلى اليوم مجازٌ لما كان يقع فيه، فهو كقولهم: نهاره صائمٌ.
منابرهن بطون الأكفوأغمادهن رءوس الملوك
أراد أنها تنتضى فتخطب واعظةً للأعدء زاجرةً، ومنذرةً للكماة محذرةً، لكن منابرهن أكف الضاربين، وأغمادها إذا أغمدت رءوس الملوك المعظمين. وهم يتبجحون بقتل الملوك وقتالها. ويقرب من هذا قوله:
يكون جفيرها البطل النجيد
وقوله:
من عهد عادٍ كان معروفاً لناأسر الملوك وقتلها وقتالها
والمنابر: مواضع النبر، وهو الصوت، لأنها نصبت للخطب والمواعظ والتحميدات.
لا يمنعنك خفض العيش في دعةٍنزاع نفسٍ إلى أهلٍ وأوطان
يقول: لا يزهدنك اشتياقك إلى السكن، وحنينك إلى الوطن، في إيثار سعة العيش ورغده مع الراحة والسكون. ويروى: " نزوع النفس " والنزوع اشتهاره في الكف عن الشيء، والنزاع في الشوق، وإن كان جائزاً وقوع أحدهما موقع الآخر في التشوق. ويقال ناقةٌ منازع ونزوعٌ. وقد أنزعوا، أذا حنت إبلهم. والنزع: الجذب، ويقال: خرج نازع يدٍ، إذا خرج عن الطاعة.
تلقى بكل بلادٍ إن حللت بهاأهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران
هذا تسليةٌ للنفس عن الأهل. يقول: تجد بكل بلد تنزل به أهلاً بدلاً من أهلك، وجيراناً بدلاً من جيرانك. والعرب تقول: هذا بذاك، أي هو عوضٌ منه. وإنما ضمن أبو تمام هذه الأبيات باب الحماسة، لما قدمته من أنها صادرةٌ عن قسوةٍ شديدةٍ، وقلة فكرٍ في التحول عن الإلف والعادة، ولأن ترك الوطن والإحلال بالعشيرة يضم إلى القتل وتلف النفس، فالصبر عليه كالصبر على القتل. ألا ترى قوله تعالى: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم ".
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع