تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال إبراهيم بن كنيفٍ النبهاني

تعز فإن الصبر بالحر أجملوليس على ريب الزمان معول
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة

الخطاب بهذا الكلام للنفس على طريق التسلية، فيقول: تصبر فإن الصبر بالرجل الكريم أحسن من التخشع فيما لا يحسن الخضوع فيه وله. والأصل في الصبر الحبس، ومنه قولهم: قتل فلانٌ صبراً. وقوله " وليس على ريب الزمان معول "، يريد به أن الأحداث لا تقف على شيء بحكم واحد، ولكنها تتنقل وتتبدل، فلا متكل عليها، ولا معتمد على عهدها، فهي كما تحسن تسيء، وكما تدوي تداوى، وكما تجمع تفرق. وقوله " تعز " هو من عزا الرجل وعزي الرجل، إذا صبر عزاءً، ورجل عزيٌ أي صبورٌ. وفي بناء تفعل زيادة تكلف، ودلالة على فرط تعمل. والمعول: المحمل والمتكل. والحر أصله الأعتق من كل شيء والأكرم، ولذلك قيل لما بدا من الوجه في اللقاء: حر الوجه. قال الشاعر:

لقد شان حر الوجه طعنة مسهر

فإن تكن الأيام فينا تبدلتببوسى ونعمى والحوادث تفعل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة

قوله " والحوادث تفعل " يسمى اعتراضا، ومثل هذا من الاعتراض يزيد القصة تأكيداً، وهو ها هنا حائلٌ بين الجزاء وجوابه، لأن جواب إن تكن قوله " فما لينت منا قناةً صليبة " وحسن الكلام به جداً إذا كان تأكيداً لما يقتصه من تحول الأحوال،

وتحقيقاً لما شكاه من ريب الزمان، وبعثاً على التسلي، وأخذ النفس بالتأسي. فيقول: إن كانت الأيام دارت فينا بالنعماء مرةً وبالبأساء أخرى - وهذا عادة الدهر وحوادثه - فما غيرت منا شيئاً.

فما لينت منا قناةً صليبةًولا ذللتنا لذي ليس يجمل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة

ذكر القناة مثلٌ، وقد مضى الكلام في مثله. وأبين ما يستشهد به في اسعارتها للإباء والتشدد قوله:

كانت قناتي لا تلين لغامزٍفألانها الإصباح والإمساء
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كانت قناتي لا تلين لغامز»

وهذا البيت بيانٌ لفائدة الصبر الذي دعاه إليه، وبعث نفسه عليه، لأن الصابر على الشدائد حقيق بألا يتذلل لما لا يحسن به، ولا تجمل الأحدوثة فيه عنه، وألا يتلين لما كان يتصلب له من قبل. فإن قال قائلٌ: فإذا كان غاية الصبر ومعناه هذا، فإلى أي شيء دعا نفسه بقوله: تعز فإن الصبر بالحر أجمل؟ وقد خبر عن نفسه بأنه آخذ بما هو حقيقته؟ قلت: يجوز أن يكون معنى " تعز " دم على التعزي، ويكون بناء الأمر لما هو الحال، ولا يريد استئنافه، كما أن قول الله ﷿: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " معناه دوموا على الإيمان. ويجوز أن يكون أمر نفسه في المستقبل بما كان عادتهم في المستقدم.

ولكن رحلناها نفوساً كريمةًتحمل ما لا يستطاع فتحمل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة

يجوز أن يكون معنى رحلناها رحلنا لها نفوساً، والضمير للحوادث، ويكون هذا كقولهم كلتك وكلت لك، ووزنتك ووزنت لك، ويكون نفوساً مفعولاً لرحلنا. ويجوز أن يكون الضمير أعنى ضمير المنصوب في " رحلناها " للنفوس، على أن يكون مفعولاً. وأتى بالضمير قبل الذكر، ثم جعل قوله نفوساً بدلاً منها، على طريق التبيين. وقوله " ولكن " حرفٌ يستدرك بها بعد النفي، فيكون المعنى ما تذللنا للنوائب

ولكن هيأنا لها نفوساً تأنف من الرضا بالدنية، فلا تنسى كرمها، وتكلف أمور لا تنهض بها فتتكلفها. وفي وصف النفوس بالكرم إشارةٌ إلى الظلف والعفة، والتأبي من المخزية، ومجانبة الريبة، والنفور من كل قبيحة. ولذلك قال الله ﷿ في صفة المختارين من عباده المزكين: " والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً ". فأما قوله: " رحلناها " في الاستعارة، فكما يقال استحملت فلاناً نفسي، وركبتني ظلاماتٌ وما أشبهها. وحكى: هو يرحله بما يكرهه، أي يركبه؛ ولا رحلتك بالسيف، أي لا علوتك.

وقال آخر:

وكم دهمتني من خطوبٍ ملمةٍصبرت عليها ثم لم أتخشع

يقول: مراراً كثيرة فاجأتني خطوبٌ شديدةٌ، ونزلت بي، فحبست نفسي عليها، وتجلدت لها، فلم يظهر في مناظري خشوعٌ، ولا بدا من جوارحي خضوع. وموضع كم على هذا التأويل ظرفٌ. " ومن " على طريقة الأخفش تكون زائدة، لأنه يجوز زيادة " من " في الواجب، ويستدل من المسموع بقول بعضهم: " قد كان من مطرٍ فخل عني " وبغيره. فكأنه قال: كم مرةً دهمتني خطوبٌ كثيرة. ويكون قوله صبرت عليها صفةً للخطوب. ويجوز أن يكون كم في موضع الابتداء، ومن خطوب هو بيانٌ له، وقد فصل بينهما بخبره، وهو دهمتني، وتقديره كم من خطوبٍ دهمتني، أي كثيرٌ من الخطوب. فأما فائدة العطف بثم من قوله " ثم لم أتخشع " فهو إبانة الاستمرار في الصبر، وإن طالت المهلة إلى أن انكشفت تلك الملمات العارضة وانفرجت. ومعنى دهمتني: فاجأتني، ومنه الدهم ودهماء الناس.

فأدركت ثأري والذي قد فعلتمقلائد في أعناقكم لم تقطع
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أراني إذا عاديت قوما ركنتم»

يقول: أصبت ما طلبته، وتقاضيت به ممن كان لي عنده ثأر أو وترٌ، فاستنزلته عنه، وما فعلتم من القعود عن نصرتي، وخذلاني فيما نابني لزمكم، فكأنها قلائد وأطواقٌ لا تنحل عنكم ولا تنقطع. وهذا تحقيقٌ للزوم العار لهم فيما أتوا. ومثله قول بشر:

وقلدها طوق الحمامة جعفر

يصف غدرةً ارتكبوها. ومثله القرآن: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.