تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عويف القوافي

ذهب الرقاد فما يحس رقادمما شجاك ونامت العواد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

يقول: طار النوم فلا يعرف له أثرٌ، مما دهاك وحزبك، ونام الذين كانوا يعودونك ولم يسهروا لك. والمعنى: إني اختصصت فيك بما عرى منه عوادك، وتحملت من الجزع ما سقط عنهم وخف عليهم. والرقاد والرقود: النوم بالليل، وعرف الأول تعريف الجنس، ونكر الثاني لأنه أراد نوعاً من الجنس، كأن المراد: ذهب النوم على اختلافه حتى ما يرى لنوعٍ منه مختصٍ أثرٌ.

لما أتاني عن عيينة أنهأمست عليه تظاهر الأقياد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

قوله " لما أتاني " ظرف لقوله " نخلت له نفسي " لن لما إذا وليه الفعل الماضي، كان علماً للظرف، وفسر بحين. والمعنى: حين تساقط إلى عن هذا الرجل وتأدى أنه أسر وقيد بقيدٍ بعد قيد، فارقني ما كنت أخامره وأنطوي عليه من التنكر له، وأزلت عن نفسي ما استجفيته فيه، لأن الكريم يرق لمثله من الكرام عند النوازل. ومعنى التظاهر: أن يصير الشيء فوق الشيء فيقوى. ويقال: ظاهر بين ثوبين، إذ لبس أحدهما فوق الآخر. وقوله تعالى: " وإن تظاهرا عليه " معناه تعاونا، ومنه قولهم: هو ظهرٌ ظهيرٌ، أي قويٌ في الاستغاثة.

نخلت له نفسي النصيحة إنهعند الشدائد تذهب الأحقاد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

يقول: أصفت عند ذلك نفسي له النصح، لأن الضغائن تفارق عند الشدائد. وهذا الكلام هو بيان علة مفارقة ضغنه ورجوعه إلى سلامة الصدر له. وقد ذكر فيما

بعده ما يدل على حسن الإنصاف من النفس، والاعتراف بالفضل للغير. ويجوز أن يروى " أنه " بفتح الهمزة، والمعنى لأنه عند الشدائد. وإذا روي بالكسر يكون على الاستئناف.

وذكرت أي فتى يسد مكانهبالرفد حين تقاصر الأرفاد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

مصدر ذكرت في هذا الذكر بضم الذال، لأنه بالقلب. وقوله " بالرفد "، يريد ببذل الرفد، فحذف المضاف. يقول: أجلت في فكري، وقلت في حديث نفسي: لو خلى مكانه من كان يسد مسده، ومن يعطي عطاءه عند تقاصر العطايا وتراجع المعونات. وهذا إشارةٌ إلى زمان الجدب والقحط وقت تنافس الناس في المتملكات، والدفع عنها بإعداد العلات. والمعنى: إن مثله لا يوجد ولا يظفر به في مثل ذلك الوقت، فإذا كان كذلك فكيف يسمح المنصف به لدهره، أو كيف ينطوي الصدر على السلو عنه والخلو منه، مع شدة الحاجة إليه. ويقال: رفدت الرجل رفداً إذا أعطيته، ثم سمي العطية رفداً بكسر الراء، وجمعه الأرفاد. وأرفدته محكيٌ لكنه ليس بالمتخير. وتقاصر، أصله تتقاصر فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، وهو في موضع الجر بإضافة حين إليه.

أم من يهين لنا كرائم مالهولنا إذا عدنا إليه معاد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

أم هذه هي المنقطعة، والاستفهام دخل في الكلام على طريق التوجع والتلهف لما جرى على عيينه المذكور. والمعنى: لو فقدناه من كان يبذل لنا عقائل أمواله، ومتى شئنا وجدنا عنده معاداً فلا يمل السؤال، ولا يغب النوال؛ وهذا الكلام تنبيهٌ على أنه كان يديم الإحسان، ولا يحول عطاء يومه دون عطاء غده. وقوله " كرائم ماله "، جمع كريمةٍ، وقد أجري مجرى الأسماء حتى جاء في الحديث: " إذا جاءكم كريمة قومٍ فأكرموه ".

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.