تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال بعض بني فقعس (٣)

يا أيها الراكبان السائران معاًقولا لسنبس فلتقطف قوافيها

الراكب: اسمٌ لمن ركب حيواناً إلا الفرس، فإنه يقال لراكبه فارسٌ متى أطلق. ومعاً، انتصب على الحال، ومعناه مصطحبين ومجتمعين. فيقول: يا أيها السائران المصطحبان، قولا لهذه القبيلة لتترك قول الشعر، أو تتوقف قليلاً حتى تتباطأ قوافيها عني. وفي هذا الكلام ضربٌ من الاستهزاء بهم، وإشارةٌ إلى التجبر والتعلي عليهم. والقطوف من الدواب: الذي في خطوه بطء مع تقارب. وجعل فعل الأمر للقوافي على السعة والمجاز. وسنبس هم المأمورون. وهذا كما يقال في النهي: لا أربنك ها هنا، والمخاطب هو المنهي، لأن المعنى: لا تكن ها هنا فأراك. ثم بين الشاعر الوجه الذي أوجب منه اطراح الافتخار ورفض الهجاء له، فقال:

إني امرؤٌ مكرمٌ نفسي ومتئدٌمن أن أقاذعها حتى أجازيها

يقول: إني رجلٌ أربأ بقدري عن مكايلتهم، وأترفع عن موازنتهم، وأتوقف عن ملاحاتهم، طلباً لمجازاتهم. والتقدير: لا أقاذعها لكي أجازيها، لأن حتى الداخلة على الفعل مرةً يكون بمعنى كي، ومرة يكون بمعنى إلى أن. ويجوز أن يكون المعنى: لا أقاذعها إلى أن أجازيها، أي أولاً أجازيها فعلاً لأرى القدرة عليها، ثم حينئذ أجازيها بالكلام. والأول أحسن. ثم أخذ يقتص ما كان منهم لما طلب مكافأتهم بالفعل. والمقاذعة: المفاحشة. ويقال قذعته، إذا رميته بالفحش. ومتئدٌ: مفتعلٌ من التؤدة، وهي الرفق.

لما رأوها من الأجزاع طالعةًشعثاً فوارسها شعثاً نواصيها

يقول لما رأوا الخيل بارزةً لهم ومفاجئةً إياهم من أجزاع الوادي - وهي جوانبها - مغبرة النواصي مغبرة الفرسان. وجواب لما فيما بعده. ويقال شعث شعثاً وشعوثةً، وهو أشعث وشعثٌ. وأضمر الخيل في قوله " لما رأوها " وإن لم يجر لها ذكرٌ، لأن الحالة الحاضرة تدل عليه. ويجوز أن يكون تقدم ذكرها فيما ترك من أبياته.

لاذت هنالك بالأشعاف عالمةًأن قد أطاعت بليلٍ أمر غاويها

يقول: التجأت في ذلك الوقت إلى قلل الجبال وأعالي الهضاب، عارفة سوء اختيارها في تحككها بي، وتعرضها بالشعر لي، وأنها قد ائتمرت لغواتها بليلٍ. وذكر الليل ها هنا إشارةٌ إلى حيرتها فيما أتته من تركها الرشاد، وقبولها مشورة الغواة. والأشعاف: جمع الشعفة، وهي أعلى الجبل، وأعلى كل شيء، ولذلك قيل شعفة القلب لرأسه عند معلق النياط. وهنالك ظرف، ويكون للزمان والمكان جميعاً، وزيادة اللام تكون للتأكيد فيه، كأن البعد فيما يشار إليه بهنالك أبلغ مما يكون فيما يشار إليه بهناك. وهذا على طريقة ما تقوله في ذلك وذاك. وقوله " أن قد أطاعت " أن فيه مخففة من الثقيلة، أي عالمة أنها قد أطاعت. ويقولون لما لا يعمل بتثبيتٍ وحسن تدبر: " هذا أمرٌ قد قدر بليل ". وعلى هذا قوله تعالى: " بيت طائفةٌ منهم غير لذي تقول ".

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.