تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عمرو بن شأس

أرادت عراراً بالهوان ومن يردعراراً لعمري بالهوان فقد ظلم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

المضمرة في أرادت رابة عرارٍ، فقال والده عمروٌ: أرادت امرأتي إهانة عرارٍ والاستخفاف به، ومن يطلب ذلك في مثله فقد وضع الشيء في غير موضعه. فإن قيل: هل تفصل بين قوله أرادت عراراً بالهوان وبين قوله لو قال أهانت عراراً؟ قلت: بلى، لأن معنى أرادته بالهوان أرادت كونه لها وصحبته إياها باستعمال الهوان معه، فيجوز أن يكون الهوان واقعاً، ويجوز أن يكون غير واقعٍ. ومعنى إهانته: ابتذلته وأذلته. فهو إخبارٌ لوقوع الفعل به فيما مضى. ويجوز أن يكون معنى ظلم: تحيف حقه وبخسه.

فإن كنت مني أو تريدين صحبتيفكوني له كالسمن ربت له الأدم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب، على عادة تفننهم. يقول: إن كنت تهوين هواي، أو تريدين الكون معي ومصاحبتي، وإن انطويت في حبه مخالفتي، فكوني له في تصنعك كأنك موافقة الظاهر للباطن، جاريةٌ معه على الحد من حسن العشرة، وإظهار الميل والمودة. والسمن إذا رب نحيه لم يتغير. يريد فلا تتعيري أنت أيضاً. ومعنى ريت له أي من أجله، والأدم: جمعٌ، يقال أديمٌ وأدمٌ. وله نظائر قليلة: إهابٌ وأهبٌ، وأفيقٌ وأفقٌ، وعمودٌ وعمدٌ.

وإن كنت تهوين الفراق ظعينتيفكوني له كالذئب ضاعت له الغنم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

يقول: وإن كنت تؤثرين مفارقتي وتميلين إلى التباين عني فأسيئي عشرته وكوني له كالذئب ضاعت الغنم من أجل وقوعه فيها. والمعنى عاشريه عشرته لها. ويجوز أن يريد بقوله " ضاعت له الغنم " فاتته الغنم بعد أن أمكنته. والسبع إذا شارف فريسته ثم فاته كان ذلك مهيجاَ له، وداعياً إلى الفساد فيما يمكنه.

وإلا فسيري مثل ما سار راكبٌتجشم خمساً ليس في سيره أمم

هذا كما يقال عن طريق الوعيد إو إظهار الزهد لمن يؤمر شيئاً: اعمل كذا وكذا وإلا فدعهما ولا تعمل أحدهما فلا حاجة لنا فيه. يقول: وإلا فلا تحسني إلي وفارقيني من وقتك. وهذا إظهارٌ لزهده فيها، واطراح تكلف الاشتراطات معها. ثم قال: ليكن سيرك سير الراكب تكلف ورود الماء لخمسٍ، وليس في سيره قصدٌ ولا قربٌ. وقوله " مثل ما سار راكبٌ " أي سيراً يشابه سيره. وقوله " تجشم " من صفة راكب. والأمم: القرب، ويقال أمري من أمركم أممٌ. ويروى: " ليس في سيره يتم " أي إبطاء.

فإن عراراً إن يكن ذا شكيمةٍتلاقينها منه فما أملك الشيم

يقول: إن عراراً إن يكن ذا سوء خلقٍ تمنين به وتشقين بمقاساته، فإني لا أملك تغيير الطبائع والخلائق. وكأنه جوابٌ لاعتذارها من قلة الملاءمة بينهما. والشكيمة: الحد والشدة. ويقال: إنه لشديد الشكيمة، أي شديد العارضة. ويجوز أن يكون

شكيمة اللجام - وهي الحديدة المعترضة منه في الفم - مأخوذاً منه والجميع الشكائم.

وإن عراراً إن يكن غير واضحٍفإني أحب الجون ذا المنكب العمم

يقول: وإن ولدي عراراً إن لم يكن وضيء الوجه ممسوحاً بالجمال، فإني أحبه على سواده وتمام خلقه. وهذا كأنه إسقاطٌ لقول من يزيف ابنه ويعيره القبح والدمامة. وكان عرارٌ هذا أحد الفضلاء، وتوجه عن المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج رسولاً في بعض فتوحه، فلما مثل بين يدي الحجاج لم يعرفه، وازدراه، فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء، وبلغ الغاية والمراد في كل ما سأل، فأنشد الحجاج: " أرادت عراراً بالهوان ... " الأبيات متمثلاً، فقال عرارٌ: أنا أيد الله الأمير عرارٌ! فأعجب به وبذلك الاتفاق. وفي هذه الطريقة قول المأمون لإبراهيم بن المهدي:

إن يكن للسواد فيك نصيبٌفبياض الأخلاق منك نصيبي
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

والعميم والعمم: الطويل التام من كل شيء. والجون الأسود ها هنا، ويجعل من الأضداد.

وقال آخر

لولا أميمة لم أجزع من العدمولم أقاس الدجى في حندس الظلم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لولا أميمة لم أجزع من العدم»

يروى: " ولم أجب في الليالي جندس الظلم ". والمبتدأ بعد لولا يحذف خيره أبداً، ويستغنى بجواب لولا عنه. والتقدير: لولا أميمة مانعةٌ لم أجزع. فيقول: لولا ابنتي أميمة لم أخف الفقر ولم أرحل في طلب المال، ولم أركب الليل، فكنت أجوب ظلماءه، وأكابد أهواله. والحندس: شدة الظلمة، وقد اشتق منه الفعل، فقيل: حندس الليل فهو محندسٌ. ومعنى لم أجب: لم أقطع. وقاطع المواضع المظلمة كأنه قاطعٌ للظلمة. ومن روى " ولم أقاس الدجى " يريد أهوالها. وإضافة الحندس إلى الظلم كإضافة البعض إلى الكل، أي في الشديد من الظلم. ويقال تحندس الرجل، إذا ضعف وسقط.

وزادني رغبة في العيش معرفتيذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم
للشاعر إسحاق بن خلف البهراني، اقرأ القصيدة

يقول: زادني حرصاً على الدنيا ورغبة في العيش فيها، علمي بذل اليتيمة وقد جفاها أقاربها، واطرحها أهلوها. وموضع " يجفوها " من الإعراب نصبٌ على الحال لليتيمة، والعامل فيه ذل اليتيمة. والتقدير: زادني معرفتي بذل اليتيمة إذا جفاها ذووها رغبةً في العيش ومهلة العمر.

أحاذر الفقر يوماً إن يلم بهافيهتك الستر عن لحمٍ على وضم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لولا أميمة لم أجزع من العدم»

قوله " أن يلم بها " موضعه نصبٌ على البدل من الفقر. والمعنى: أحاذر إلمام الفقر بها فيكشف الستر عمن لا دفاع به، فتناوله من شاء بما شاء. والعرب تقول: " النساء لحمٌ على وضمٍ إلا ما ذب عنه ". والوضم: خوان الجزار والخباز، وموضعه ميضمةٌ، والجميع مواضم.

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاًوالموت أكرم نزال على الحرم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لولا أميمة لم أجزع من العدم»

يقول: تحب ابنتي بقائي لها، وأنا أود موتها إشفاقاً عليها، وخوفاً من ابتذالٍ يلحقها، وابتلاءٍ بمن لا يعرف لها ما يعرف لمثلها، ثم قال: والموت أكرم نزالٍ على الحرم، كما قيل: نعم الختن القبر ودفن البنات من المكرمات. وانتصف شفقاً على أنه مفعول له.

أخشى فظاظة عمٍ أو جفاء أخٍوكنت أبقى عليها من أذى الكلم

هذا تفسير قوله أهوى موتها شفقاً يريد: أشفق من مغالظة عمٍ لها، أو جفوة أخٍ تلحقها، وأنا كنت أبقي عليها من إيذائها بالكلم فضلاً عن غيرها من الأفعال. يقال: رجلٌ فظٌ، إذا كان قاسي القلب غليظ القول. والكلم: جمع كلمةٍ. ومعنى: أذى الكلم الأذى الذي يلحق من الكلم.

وهذه الأبيات مع ما يشبهها لما ضادت ما قبلها في تضمنها رقة القلب، والتعطف على الولد والأهل، أتبعها بها. وكل ذلك كالعارض ثم يعود إلى ما بني عليه الباب. وهذا عادة أبي تمام في أبواب هذا الاختيار. ويشبهها قول الآخر:

لقد زاد الحياة إلي حباًبناتي إنهن من الضعاف
للشاعر عيسى بن فاتك، اقرأ القصيدة
أحاذر أن يرين البؤس بعديوأن يشربن رنقاً بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواريفتنبو العين عن كرمٍ عجاف
للشاعر عيسى بن فاتك، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.