تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال البرج بن مسهرٍ

فنعم الحي كلبٌ غير أنارأينا في جوارهم هنات

هذا الكلام تهكمٌ وسخريةٌ. وجاز أن يأتي به بلفظ المدح لأنه بما بعده تبين الغرض؛ فيكون أبلغ في الهزء. والهنات: الأمور المنكرة، ولا تستعمل إلا في الشر، وهي جمع هنةٍ، وإنما يكنى بها عن المحقرات، كأنه يرى الإبقاء والمجاملة، ويجري الأمر على المداجاة وترك المجاهرة. وقد يجمع هنةٌ على هنواتٍ، فمن رد اللام في الجمع رده في النسبة أيضاً، ومن لم يرده فهو في النسبة بالخيار، إن شاء قال هنيٌ وإن شاء قال هنويٌ. فيقول: قبيلة كلبٍ محمودةٌ في الأحياء، غير أنا منينا في جوارهم بدواهٍ وبلينا بمنكراتٍ. والاستثناء في هذا المكان يكون منقطعا. وكان فارق قومه طيئاً مراغماً وجاور كلباً فلم يحمد جوارهم ففارقهم ذاماً لهم.

ونعم الحي كلبٌ غير أنارزينا من بنين ومن بنات

يريد مثل ما أراد في البيت الأول من السخرية. ومعنى رزينا: أصبنا ببنين وبناتٍ. ويقال فلانٌ مرزأٌ في ماله فيكون مدحاً، وفلانٌ مرزأٌ في أهله فيكون ترحماً وتوجعاً. ومثل هذا التهكم قول الآخر:

فدًى لسلمى ثوباى إذ دنس القوم وإذ يدسمون ما دسموا
للشاعر الجميح الأسدي، من قصيدة «في كفه لدنة مُثقفة»

فالتفدية ها هنا كالمدح بنعم ثم. وقوله " من بنين " من دخل للتفضيل، كأنه قال: رزينا أناساً من بنين وبناتٍ، ومفعول رزينا محذوف، ويجوز أن يكون ذاد من في الواجب على ما أجازه الأخفش وحكاه عنهم من قولهم: " قد كان من مطرٍ فخل عني "، فيكون المراد رزينا ببنين وبناتٍ.

فإن الغدر قد أمسى وأضحىمقيماً بين خبت إلى المسات

يقول زارياً عليهم ومبيناً: إنه نالهم ما نالهم لأن الغدر مقيمٌ فيما بين ديارهم، ومما انطوى عليه أحشاؤهم: وفائدة قوله أمسى وأضحى بيان اتصال الوقت. وقوله " فإن الغدر " الفاء ربط الجملة التي بعدها بما تقدم ورتبها عليه، كأنه قال: قاسوا ما قاسوه في جوارهم فإنهم غادرون. وخبتٌ والمسات: ماءان لكلبٍ. يقول: الغدر مقيمٌ في كلبٍ بين هذين، أي في أول ديارهم وآخرها.

تركنا قومنا من حرب عامٍألا يا قوم للأمر الشتات

هذا الكلام اقتصاصٌ لحاله، وإظهارٌ للتأسف على مجاورة كلبٍ، والتندم على ما اتفق من مفارقة العشيرة: وقوله " يا قوم للأمر الشتات " تعجبٌ. والشتات: مصدرٌ وصف به. واللام في الأمر لام الإضافة، لكن فائدته ما ذكرناه من التعجب، وأتى به مع المدعو. وقد يقال يا لزيدٍ فيكون المنادى محذوفاَ. وهذه اللام تدخل مفتوحةً في المنادى ويراد به الاعتزاء، كقولك يا لبكرٍ ويا لتميمٍ. فيقول: انتقلنا عن قومنا وفارقناهم منذ زمن الحرب التي اتفقت بيننا عاماً أول. ثم أخذ يستعطفهم، ويتذمم من مراغمتهم، ويظهر الحاجة إليهم فقال: يا قوم أقبلوا لما تشتت من أمرنا، واختل من حالنا. وقوله " من حرب عامٍ " جعل من بدل من، لأنه في المكان مثله في الزمان، كما قال زهيرٌ:

أقوين من حججٍ ومن دهر

وأخرجنا الأيامى من حصونٍبها دار الإقامة والثبات

يقول: أخرجنا النساء اللاتي صرن أيامي من مقر عزهن، ودار أمنهن، إلى جوار كلب، حتى اتفق عليهن من الأعداء ما اتفق، ومن حلول الرزايا ومقاساة الهنات بهن ما أقلق. ووصف النساء بما آل إليه أمرهن من الإيمة، وإن كن وقت الإخراج ذوات بعولٍ. ومثله قول الآخر:

ستضحك مسروراً وتبكي بواكيا

وفي القرآن: " إني أراني أعصر خمراً ". وأيامى: جمع أيمٍ، ويقع على الرجل والمرأة. والفعل منه آم، أي بقي بلا زوجٍ. وهو من الفعل فيعلٌ، وجمعه أيايم على فياعل. وأيامى مقلوبٌ كأنه قدم اللام على العين فصار أيامى على فيالع، ثم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفاً.

فإن نرجع إلى الجبلين يوماًنصالح قومنا حتى الممات

هذا إظهار رغبةٍ في الرجوع إلى العشيرة، ومعاودة الوطن والمحلة. يقول: إن اتفق لنا عودةٌ إلى بلادنا تركنا الخلاف على ذوينا، وأقمنا بها إلى انقضاء الأجل، واستنفاد المهل. ويعني بالجبلين أجأ وسلمى: جبلي طيئ. وقوله " حتى الممات " أراد به إلى حين الممات، فحذف المضاف. والممات يكون مصدراً، وإن جعلته اسماً للحين فلا حذف.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.