تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال موسى بن جابرٍ

لا أشتهي يا قوم إلا كارهاًباب الأمير ولا دفاع الحاجب
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة

يصف بهذا الكلام ميله إلى البدو، وتفضيله رجاله على رجال الحضر، فيقول: لا أتمنى ورود باب الأمراء، ومدافعة الحجاب، ولا أعلق شهوتي بهما إلا على كرهٍ وعن داعيةٍ عارضةٍ؛ إذ كنت ألفت الصحاري والبراري، وصاحبت بها من لا تملكني معه حشمةٌ، ولا يصدني دونه عزة. وانتصب " كارهاً " على الحال.

ومن الرجال أسنةٌ مذروبةٌومزندون شهودهم كالغائب
للشاعر موسى بن جابر الحنفي، من قصيدة «لا أشتهي يا قوم إلا كارهاً»

يقول: من الرجال رجالٌ كالأسنة المطرورة، أي يمضون في الأمور ويفصلونها نفاذ الأسنة؛ ومنهم مزندون. والمزند: المبخل المقلل. ووقيل الزند ضرب به المثل في القلة. يقال: " زندان في مرقعةٍ "، ثم قيل هو مزندٌ مشتقاً منه. وقوله " شهودهم كالغائب " أي لا غناء عندهم، ولا دفاع بهم، فحضورهم كغيبتهم. وأراد بالغائب الكثرة لا التوحيد. وكان من حق التقسيم أن يقول: ومنهم مزندون، لكنه اكتفى بمن الأول. ومثله قول الله تعالى: " منها قائمٌ وحصيدٌ ". وسمعت أبا عليٍ الفارسي رححمه الله يقول: كل صفتين تتنافيان وتتدافعان فلا يصح اجتماعهما لموصوفٍ لا بد لإضمار من معهما إذا فصل جملةٌ بهما، متى لم يجيء ظاهرا، ثم

أنشد:

وما زودوني غير سحق عباءةٍوخمس ميءٍ منها قسيٌ وزائف

وقال: يريد ومنها زائف. وهذا كما تقول زيدٌ منطلقٌ وعمرٌو، والمعنى وعمرو منطلق، فحذف اكتفاءً بالخبر عن الأول، وعلماً بأن المنعطف ذلك حاله. قال: فإن أمكن اجتماع الصفتين لموصوفٍ واحد استغني عن إضمار من، ذلك كقولك صاحباك منهما ظريفٌ وكريمٌ.

منهم ليوثٌ لا ترام وبعضهممما قمشت وضم حبل الحاطب
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة

يقول: من الرجال رجالٌ كالأسود عزة وأنفةً، لا يطلب اقتسارهم واهتضامهم، ومنهم متقاربون كالقماش واللفائف، جمعوا على ما اتفق من شيءٍ إلى شيء. كأنه لم يقنعه ذلك التشبيه وتلك القسمة، فاستأنفهما على وجهٍ آخر. وقوله " وبعضهم مما قمشت " ينوب فيه ذكر بالبعض عن قوله " ومنهم "، لأن من للتبعيض فاستغنى به. وقوله " وضم حبل الحاطب " كقول الآخر:

وكلهم يجمعهم بيت الأدم

قال الأصمعي: لأن بيت الأدم يجمع الجيد والرديء، على تقارب بينهما، ففيه من كل جلدٍ رقعةٌ. وكذلك الحاطب يجمع في حبله الجيد والرديء، والرطب واليابس، على تدانٍ بينهما. فإن قيل: وما الفائدة في إعادة التقسيم والتشبيه؟ فالجواب أن يقال: كأنه صنفهم في الأولى من حيث اختلفوا عنده في الأعمال والأخلاق، وعلى توهم تباعدٍ بينهم، بدلالة قوله من الرجال أسنةٌ ومنهم مزندون لا يعتد بحضورهم. وبين الصفتين تفاوتٌ عظيم، وتباين شديدٌ. وصنفهم في الأخرى من حيث اختلفوا فيها على توهم تقاربٍ بينهم؛ لأن فيمن يقمش من لا يباين المباينة الفاحشة، ولا يخالف المخالفة المنكرة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.