من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الحصين بن الحمام
فقلت لهم يا آل ذبيان مالكمتفاقدتم لا تقدمون مقدما
يقول: قلت لهؤلاء القوم: ما لكم تحجمون ولا تقدمون، فقد بعضكم بعضاً ولا اهتدى أحدكم إلى الآخر. وهذا الكلام تضجرٌ منه بهم لما تخاذلوا ولم يكونوا عند الظن فيهم. ووضع مقدماً موضع الإقدام، وساغ ذلك لأن مصادر الكلمات
الصادرة عن أصلٍ واحدٍ يوضع بعضها موضع البعض لداعٍ يدعو إذا لم يكن ثم مانعٌ. وإنما قلت هذا لأن قدم يكون مرةً متعدياً، ومرة يكون بمعنى تقدم ولا يتعدى، ومقدماً ها هنا مصدر ما لا يتعدى، فهو مثل تقدم لو قاله، ومنه مقدمة الجيش، يراد متقدمته. وقوله " تفاقدتم " اعتراضٌ بين ما لكم وبين لا تقدمون، وهو دعاءٌ عليهم. ومثله في الأمرين جميعاً قول الآخر:
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وإن كان هذا دعاء خيرٍ.
مواليكم مولى الولادة منهمومولى اليمين حابساً متقسماً
إنما قسم المولى هذه القسمة لأن المولى له مواضع في استعمالهم، منها المولى في الدين: وهو الولي. على ذلك قول الله تعالى: " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم "، وقول النبي ﵇: " من كنت مولاه فعليٌ مولاه "، وقوله ﵇: " مزينة وأسلم وغفارٌ موالي الله ورسوله ". ومنها العصبة وبنو العم، وهو الذي سماه الشاعر مولى الوالدة. ومنها الحليف، وهو من انضم إليك واعتز بعزك وامتنع بمنعك، وهو سماه مولى اليمين؛ لأنه يقسم له عند الانضمام بذلك، وهو المعتق لك ينتسب بنسبك، وأنت مولاه وذاك مولاك. وهم يقولون: إن المولى لا يكاد يفضل الصميم، قال:
وليس أبير كم كأبير سوءٍوما جعل الموالي كالصميم
يقول تداركوا الذين ينتسبون بالولاء، ولاء النسب، وولاء الحلف والنصرة، فكلٌ منهم ذو حبسٍ على الشر متقسم الحال، متوزع المال مغارٌ عليه، فما لكم لا تمتعضون ولا تنكرون.
وقوله: " حابساً " في معنى محبوسٍ؛ لكنه أخرجه مخرج النسب؛ أي ذو حبسٍ، وانتصابه على الحال. وقوله " مواليكم " على هذا انتصب بفعل مضمرٍ، كأنه قال: أغيثوا مواليكم وتداركوا. ويروى " حابسٌ قد تقسما ". وقيل هو اسمٌ علم، وارتفاعه
على أنه بدلٌ من مولى اليمين، وقد تقسما في موضع الخبر. واكتفى بالإخبار عن الموليين لأن الموالي انقسموا إليهما.
وقلت تبين هل ترى بين واسطٍونهى أكفٍ صارخاً غير أعجما
يروى " فارساً غير أخرما "، كأنه أقبل على واحد منهم فقال: تأمل هل ترى بين هذين الموضعين فارساً غير منقطع. المعنى: أنهم يتواترون أرسالاً في الصراخ غير متجمعين له، بل يتبع بعضهم بعضاً في أرضكم ودياركم يستنصرون فلا ينصرون، فما لكم لا تأنفون. ومن روى: " صارخاً غير أعجما " فمعناه مستغيثاً لا يجاب، فكأنه أعجم لا يفهم قوله. يريد: تبين فإنك لا ترى إلا فارساً أخرم، أو صارخاً أعجم. والأعجم: الذي لا يفصح. والصارخ والصريخ واحد، ويقال صرخ فأصرخته، أي استغث فأغثته. وفي القرآن: " ما أنا بمصرخكم " والصرخة تستعمل في الفزع والمصيبة. وفي المثل " له صرخة الحبلى ". والخرم: القطع، ومنه أخرم الكتف، وهو محزٌ في طرف عيرها.
من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترىمن الخيل إلا خارجياً مسوما
أي ابتدأ الأعداء بغيرون وينهبون، وهؤلاء يصرخون ويستغيثون، من وقت الغداة إلى أن غابت الشمس، فلا ترى من الخيل إلا ما خرج بنفسه لا أولية له كمثله، وقد أعلم بعلامة ليعرف بلاء صاحبه. وقوله: " من الصبح "، وضع من فيه موضع منذ، لأن منذ في الأزمنة بمنزلة من في الأمكنة. ومثله قول زهير:
أقوين من حججٍ ومن دهر
وقال الأصمعي: الخارجي: كل متناه في جنسه، فائق نظراءه في معناه. والمسوم من السيما، وهي العلامة، وفي القرآن: " سيماهم في وجوههم ".
عليهن فتيانٌ كساهم محرقٌوكان إذا يكسو أجاد وأكرما
يقول: على هذه الخيل رجال كساهم محرقٌ، أي دروعهم وسائر أسلحتهم مما كان يكسوهم، ويجعله خلعة: وكان محرقٌ إذا كسا الأسلحة أتى بها جيدةً كريمة. ومحرقٌ: لقبٌ لعمر وبن هندٍ، وكان أحرق قوماً من تميم حين أجج النار بأوارة، فلقب به، وقال بعضهم: لقب بذلك لأنه كان إذا عاقب عاقب بالنار. وقوله " إذا يكسو " اعتراضٌ بين الفعل وهو يكسو وبين المفعول به وهو " صفائح بصرى " من البيت الثاني. ويقال أجاد الشيء بمعنى جاء به جيداً، وبمعنى جوده. وكذلك أكرمه يكون بمعنى أتى به كريما، وبمعنى أتى به كريما، وبمعنى كرمه. وقد توسعوا في كسا وإن كان أصل الكسوة اللباس، فقيل: اكتسى الأرض بالنبات، على التشبيه، فقال رؤبة يصف الثور والكلاب:
وقد كسا فيهن صبغاً برزغا
أي كسا الكلاب دماً طرياً. وقال بعضهم في وصف نبالٍ:
وزرقٍ كستها ريشها مضرحيةٌ
أي قذذها من ريش مضرحيٍ. فعلى هذا قوله " كساهم محرق ".
صفائح بصرى أخلصتها قيونهاومطرداً من نسج داود مبهما
صفائح انتصب على أنه مفعولٌ ثان من كساهم محرقٌ. وبصرى: قريةٌ بالشام تطبع بها السيوف. فيقول: كساهم محرقٌ سيوفاً بصريةٌ، اتخذها طباعوها من خالص الحديد، ودروعاً لينةً سهلة سلسةً، متتابعة السرد، تطرد ولا تختلف، داودية. والصفائح: جمع صفيحة، وهي كل سيفٍ عريضٍ أو خشبةٍ عريضة. ويقال سيف مصفحٌ أيضاً، أي عريض، كأنه زيد في صفحتيه، أي جانبيه. ويقال أصفح بسيفه، أي ضرب بصفحه. ومعنى أخلصتها: أتت بها خالصة الحديد. واستعمل الكسوة في السيف كما يستعمل فيه البز. قال:
فوفر بزٌ ما هنالك ضائع
يريد السيف. ووصف الدرع بالاطراد لتتابع سردها على حدٍ واحد، لا اختلاف في حلقها، ولا تفاوت في نظمها. وجعلها مبهماً لإحكامها.
فلما رأيت الصبر قد حيل دونهوإن كان يوماً ذا كواكب مظلماً
يقول: لما رأيت الأمر مستفحلاً، والخطب عظيما مستفظعاً، والصبر عاماً لنا كلنا، مغلوباً عليه ممنوعاً، صبرنا نحن من بين أصحابنا على عادتنا المعهودة منا، ووطنا أنفسنا على الشر. ويجوز أن يريد بقوله " لما رأيت الصبر قد حيل دونه " لما رأيت الوقت وقتاً يعال فيه الصبر، ويجال بين طالبيه وبينه. وقوله " وإن كان يوماً ذا كواكب مظلماً " اعتراضٌ بين لما وجوابه، وهو شرطٌ في وقوع الصبر منهم يترجم عن الحال. أي صبرنا وإن كان اليوم يوماً مظلماً ترى فيه الكواكب ظهراً، لانسداد عين الشمس بغبار الموت. وجواب الجزاء استغنى عنه بجواب لما. وروى بعضهم: " وأن كان يوماً " بفتح الهمزة على أن يكون أن مخففة من الثقيلة، والمراد وأنه كان اليوم يوماً ذا كواكب. وهذا الراوي لعله لم يعرف الاعتراضات والفصاحة فيها، والتبس المعنى عليه أيضاً.
صبرنا وكان الصبر منا سجيةًبأسيافنا يقطعن كفاً ومعصما
يقول: حملنا أنفسنا على المكروه، وحبسناها في مجال الموت والشر، وكان ذلك منا عادةً وطبيعةً. وقوله " أسيافنا " يجوز أن يتعلق الباء منه بصبرنا، واعترض بينهما قوله " وكان الصبر منا سجيةً "، إذ كان أراد أن يبين أن ذلك الفعل ليس بمستبدعٍ ولا مستنكرٍ من أخلاقهم. ويجوز أن يتعلق بما دل عليه " وكان الصبر منا سجيةً ". ويقطهن في موضع الحال للأسياف على الوجهين جميعاً. وفي طريقته قول نهشل بن حريٍ:
ويوم كأن المصطلين بحرهوإن لم يكن نارٌ قعودٌ على جمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنماتفرج أيام الكريهة بالصبر
نفلق هاماً من أناسٍ أعزةٍعلينا وهم كانوا أعق وأظلما
يقول: نشقق هاماتٍ من رجالٍ يكرمون علينا ويعزون، لما يجمعنا وإياهم من الأحوال الوكيدة، والحرم القوية بالأنساب والأسباب، وهم كانوا أشد عقوقاً وأتم
ظلماً، بما اطرحوه من مراعاة الحقوق، وبدءوا به من تناسي العهود، واستعجلوه من البغي، وسلكوه من سنن الغي. ويروى أن يزيد ابن معاوية لا ﵀ تمثل بهذا البيت لما وضع بين يديه رأس الحسين ابن علي ﵄.
ولما رأيت الود ليس بنافعيعمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بذلةٍولا مرتق من خشية الموت سلما
قوله " إلى الأمر الذي كان أحزما " جعل الحزم للأمر كما جعل له العزم في قوله تعالى: " فإذا عزم الأمر "، فكل ذلك مجازٌ واتساعٌ. وصلح أن يريد بقوله أحزم، أحزم من غيره، لوقوعه خبراً، لأنه كما يجوز حذف الخبر بأسره إذا دل دليلٌ عليه، كذلك يجوز حذف ما يتم به منه إذا لم يلتبس بغيره، ولم يختل الكلام بسببه. وقوله " لما رأيت الود " حذف المضاف فيه وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: لما رأيت مراعاة الود ومحافظته، أو إظهار الود وإبقاءه. ومعنى البيت: لما رأيتهم لا يرتدعون عن ركوب الرأس، والمجاذبة إلى أقصى ما في الطوق من اللجاج والشر، قصدت إلى ما كان أجمع للحزم معهم من مكاشفتهم، وترك الإبقاء عليهم؛ لأن ظهور التعادي والتكاشف خيرٌ من ركوب الغرور مع التشابك. ويلاحظ هذا البيت قول الآخر:
إذا حاجةٌ عزتك لا تستطيعهافدعها لأخرى لينٍ لك بابها
وقوله " فلست بمبتاع الحياة بسبةٍ "، يقال ابتاع الشيء بمعنى اشترى، وإن كان بعته بمعنى اشتريته وبعته جميعاً. والسبة: الخصلة التي يسب بها، فهي كالهجنة والعرة. يقول: فعلت ذلك، فإنني لست ممن يطلب العيش مع الذل، ولا ممن يرتقي في الأسباب خوفاً من الموت، بل الميتة الحسنة على ما يتعقبها من الأحدوثة الجميلة آثر عندنا، وأوقع من هوانا، من العيشة الذميمة على ما يخالطها من الرضا بالدنية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع