تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال بشامة بن الغدير

ولقد غضبت لخندفٍ ولقيسهالما ونى عن نصرها خذالها
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «ولقد غضبت لخندف ولقيسها»

خندفٌ. لقبٌ لليلى امرأة الياس بن مضر، لقولها لزوجها يوماً: ما زلت أخندف في أثركم - والخندفة: مشية كالهرولة - فقال لها: وأنت خندفٌ. فلزمها، فصارت مضر نسلين: أحدهما ولد قيس بن عيلان، والآخر خندفٌ. ويروى أن رجلا على عهد الزبير بن العوام ظلم. فنادى: يالخندف. فخرج الزبير وبيده السيف، وهو يقول: خندف أيها المخندف، والله لئن كنت مظلوما لأنصرنك. يقول: عضبت لنسلي مضر خندفٍ وقيسٍ، لما ونى عن معاونتها والنهوض لها نصارها. ويقال ونى يني ونياً، وهو وانٍ. وإنما قال: خذالها ولم يقل نصارها، لأنه وصفهم بما آل إليه أمرهم. وهذا كما يقال قتلت فتيل بني فلان؛ وقد مضى له أشباهٌ وأمثال. فكأن الشاعر تبرع بما كان منه من المدافعة دونهم والمقاتلة عنهم، فلذلك تحمد به. وقال غضبت لهم لما رأيت من وجب نصرتهم عليه خذلهم. وجواب لما ونى، ما هو صدر البيت.

دافعت عن أعراضها فمنعتهاولدي في أمثالها أمثالها
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «ولقد غضبت لخندف ولقيسها»

هذا تفسير للغضب الذي ذكره وبيان نتيجته. والعرض: النفس، ويستعمل في الحسب. يقول: ذببت عنها ومنعت الأعداء منها، ولدي في أمثالها من القبائل أمثال هذه النصرة. هذا وجه، ويجوز أن يريد ولدي في أمثال هذه النصرة أمثال هذه القصيدة. والقرائن التي تسوغ رد الضميرين إلى جميع ما ذكرناه حاضرةٌ في الكلام قوية.

إني امرؤٌ أسم القصائد للعدىإن القصائد شرها أغفالها
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «ولقد غضبت لخندف ولقيسها»

هذا يمكن الاستدلال به على صحة المعنى الثاني، ومعنى " أسم القصائد ": أعلمها بما يصير كالسمة عليها، حتى لا تنسب إلى غيري، وحتى يعرف منها السبب الذي خرجت عليه، فمن سمعها عرف قصتها؛ ولهذا قال إن القصائد شرها أغفالها، أي شر الشعر ما لا ميسم لقائله والمقول فيه عليه. ويقال دبةٌ غفلٌ، إذا عرى من الأعلام. وسمعت من يقول في البيت إنه مقلوبٌ، والمراد أسم العدي بقصائدي، كما قال الآخر:

جعلت له فوق العرانين ميسماً

والأول أكشف وأصح، بدلالة أن الغفل جعله من القصائد، فكذلك الموسوم يجب أن يكون منها.

قومي بنو الحرب العوان بجمعهموالمشرفية والقنا إشعالها
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «ولقد غضبت لخندف ولقيسها»

يروى " والمشرفية بالجر " ويكون معنى البيت قومي إخوان الشر الفظيع، وأبناء الحرب التي قوتل فيها مرةً بعد أخرى، فصارت عواناً بعد أن كانت بكراً، أي رفعت من حالٍ إلى حالٍ أشد منها، ويكون هذا مثل قول الآخر:

فلسنا من بني جداء بكرٍولكنا بنو جد النقال

وعلى ما ذكرنا يتم الكلام بقوله العوان؛ ثم قال " بجمعهم " أي باجتماع قومي واجتماع آلات الحرب اشتعلت نارها. والباء من بجمعهم يتعلق بقوله إشعالها. ويروى " والمشرفية " بالرفع، ويكون على هذه الرواية تمام الكلام عند قوله بجمعهم؛ لأن الباء منه حينئذٍ يتعلق بقوله العوان. والمعنى: قومي بنو الحرب التي عونت، أي صارت عواناً بهم، وباجتماع جيشهم؛ ثم استأنف الكلام؛ فقال: " والمشرفية والقنا "، والمراد واشتعال نارها بالرماح والسيوف المشرفية. وهذا الكلام - أعني والمشرفية - وإن استؤنف به فمن صفة الحرب. وقيل في المشرفية إنها نسبت إلى المشارف، وهي قوىً معروفة تجلب منها وتطبع بها. ويقال: أشعلت النار في الحطب، وأشعلت الخيل في الغارة، وأشعلته غضباً.

ما زال معروفاً لمرة في الوغىعل القنا وعليهم إنها لها

ما زال لدوام الماضي، وارتفع عل القنا على أنه اسمه، وخبره معروفاً. والمعنى: سقى الرماح عللاً بعد نهلٍ عادةٌ معروفةٌ لهم، فيما تقادم من الأيام إلى الآن إذا حضروا الحرب. والعل والعلل: الشربة الثانية، ويقال: عل إبله يعلها فعلت هي. وأنهلت الإبل، إذا سقيتها أولاً، فنهلت، إذا شربت في أول الورود حتى رويت. ومثل هذا البيت قول الآخر:

نهلنا من دماء بني لؤيٍوأنهلنا القنا حتى روينا

وتوسعوا في الاستعمال حتى سموا منازل السفر على المياه مناهل. وإنما قال: " وعليهم إنهالها " لأنه كأنه جعل ذلك واجباً عليهم.

من عهد عادٍ كان معروفاً لناأسر الملوك وقتلها وقتالها
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «ولقد غضبت لخندف ولقيسها»

وضع من قي قوله " من عهد عادٍ " موضع منذ لقوتها وكثرة تصرفها وتمكنها في باب الجر، وأداء معنى الابتداء، ومثله قول الله تعالى: " لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يومٍ أحق "، وقول الراجز:

من غدوةٍ حتى كأن الشمسابالأفق الغربي تطلي ورسا

ومعنى البيت أنه نبه على مجاذبتهم للملوك والعلية، لا للأذناب والسفلة. والقتال في ترتيب الفعل مسابق للأسر والقتل، لكنه لم يبال بتأخيره في ترتيب اللفظ، لأن الواو لا يوجب في العطف ترتيباً، إنما هو موضوعةٌ للجمع فقط، وتبجح أيضاً بأن ذلك قديمٌ فيهم منذ زمن عادٍ لا حديثٌ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٦)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.