من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال آخر (٧)
إن يحسدوني فإني غير لائمهمقبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
الضمير في " يحسدوني " لطائفةٍ من الناس خصهم بالإخبار عنهم، وقصدهم بالكلام. فيقول: إن نافسوني وحسدوني، ورمقوا النعمة علي بعين التسخط. فإني لا أولمهم ولا أعتب عليهم، إذ كان التنافس والحسد يتبعان الفضل، وإذ كان من قبلنا اعتاد بعضهم من بعضٍ مثل ما نراه بسبب الفضل. وقد أحسن كل الإحسان من قال:
وإذا سرحت الطرف حول قبابهلم تلق إلانعمةً وحسودا
فأما قوله " قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا ". فمثله قول عمر بن أبي ربيعة:
وقديماً كان في الناس الحسد
وقبلي جعله لغواً، ومن الناس تبيينٌ، وقد حسدوا خبر المبتدأ.
فدام لي ولهم ما بي وما بهمومات أكثرنا غيظاً بما يجد
هذا الكلام دعاءٌ لنفسه وعلهيم، على طريق التسلي وقلة الاحتفال، ولأن الحاسد يرفع الخامل من الفضل وينود به. فيقول: أدام الله لي ما أنا عليه من الفضل، ولهم ما هم عليه من الحسد، ومات أكثرنا لغيظه بما يجد. وقوله " ومات أكثرنا " الأكثر هم الحسدة، لأنه - وإن أدخل نفسه فيمن أضاف الأكثر إليه - واحدٌ. وقوله " بما يجد " حذف المفعول، والمعنى بما يجده في نفسه من الحسد، أو بما يجده من النعمة والفضل عند المحسود. وحدثني أبو عبد الله حمزة بن الحسن قال: سمعت أبا الحسن علي بن مهدي الكسروي يقول: أنا قد تتبعت من دواوين الشعراء قديمهم ومحدثهم فوجدت أبا تمامٍ الطائي متفرداً بمعنى قوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍطويت أتاح لها لسان حسود
لولا التخوف للعواقب لم يزلللحاسد النعمى على المحسود
غير مسبوقٍ إليه. وعندي أنه أخذه من فحوى لهذين البيتين وإن كان زاد عليه.
أنا الذي يجدوني في صدورهملا أرتقي صدراً منها ولا أرد
قوله " يجدوني " كان يجب أن يقول يجدونني؛ لأن الفعل في موضع رفعٍ، لكنه حذف النون تخفيفاً. وكان يجب أن يقول لو جرى على حكم الصلة: يجدونه، حتى يكون في الصلة ضمير يعود إلى الذي. وإنما جاز أن يجيء وليس فيه ما يعود إلى الذي وإن كان صلةً له، لأن الذي خبر أنا، وهو المبتدأ شيءٌ واحدٌ، فلما كان الأول والثاني شيئاً واحداً لم يبال أن يرد الضمير الذي يجب رجوعه إلى الثاني إلى الأول. ومثل هذا ما نسب إلى أمير المؤمنين ﵇:
أنا الذي سمتن أمي حيدره
فقال سمتن ولم يقل سمته. وقد مضى القول في مثله فيما تقدم مستقصىً، ومعنى البيت: أنا الذي صرت غصة في صدورهم قد نشبت فلا تصدر ولا ترد، أي صارت لازمةً لا تسوغ ولا تؤوب. وقوله " صدراً " مصدرٌ في موضع الحال. و " لا أرتقي " إن جعلت في صدورهم لغواً يكون في موضع المفعول الثاني، وإن جعلت في صدوهم مفعولاً ثانياً كان لا أرتقي حالا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع