تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر (٨)

الشيء يبدؤه في الأصل أصغرهوليس يصلى بكل الحرب جانيها

يبدؤه أي يبدأ منه، فحذف حرف الجر ووصل الفعل فنصب. يقول: أوائل الأمور ضعيفةٌ، ومبادئها صغيرةٌ حقيرة، ثم تستحكم على مر الأيام وتصرف الأحوال فتعظم. وهذا كما قال الأخر:

الحرب أول ما تكون فتيةٌتسعى بنزتها لكل جهول
للشاعر موسى بن جابر الحنفي، من قصيدة «وقلت لزيدٍ لا تترتر فإنهم»

وفي طريقته قول الآخر:

كم مطرٍ بدؤه مطير

وقوله " وليس يصلى بنار الحرب جانيها " يروى: " بجل الحرب " والمعنى: لا يصطلي بنار الحرب ومعظمها من يكتسبها ويوقدها فقط، بل يحصل بالمشاركة فيها ويمنى ببلواها، من لم ينقل خطوته في بعثها، ولم يسع في تهييجها.

والحرب يلحق فيها الكارهون كماتدنو الصحاح إلى الجربى فتعديها

يقول: شر الحرب يعدي إعداء الجرب، فترى الكاره لها يلتحق بها وإن كان غير حازمٍ لها، وتلقى البعيد منها يصطلي بحرها وإن لم يذكها ولم يشيع موقدها. وفي هذا التشبيه خروج المشبه من الكمون إلى الظهور، ومن الخفاء إلى البروز، حتى يتجلى لمتأمله والمفكر فيه على بعده في التصور تجلي القريب في العرف والاعتياد. وهذا هو غاية المراد من التشبيهات.

إني رأيتك تقضي الدين طالبهوقطرة الدم مكروهٌ تقاضيها

هذا البيت يصلح أن يكون مدحاً، فيكون المعنى: إني رأيتك تخرج إلى المدينين سريعاً من دينهم عليك، غير مدافعٍ بما في ذمتك لهم ولا مماطلٍ، فإذا

طولبت بدمٍ أو نوزعت في ذحل، شق تقاضيك به وتعذر، وتصعب نيله من جهتك وتعسر. فعلى هذا قوله " مكروهٌ تقاضيها "، معناه مروهٌ تقاضيك بها. ويصلح أن يكون ذماً، فيكون المعنى: إني رأيتك بأهون سعيٍ وأقرب طلبٍ تخرج من الأوتار والدماء إلى طلابها، فلا كلفة في نيلها وإدراكها من جهتك، والتقاضي بالدم عسرٌ صعبٌ إلا إذا كان عندك وقبلك، فما ذلك إلا لضعف كيدك ومهانة نفسك، وقصور آبائك. والدين في هذا الوجه يراد به الوتر والدم. وقوله " مكروهٌ تقاضيها " يعني تقاضي غيرك بها. ومثل قوله مكروهٌ تقاضيها فيما أضيف إليه قول لبيدٍ:

باكرت حاجتها الدجاج بسحرةٍ

لأن المعنى باكرت حاجتي إليها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.