تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال حسيل بن سجيح

لقد علم الحي المصبح أننيغداة لقينا بالشريف الأحامسا

يقول: صبحته مشدداً ومخففاً، إذا قصدته للغارة صباحاً. وفي المثل:

صبحناهم فغدوا شأمةً

والأحامس لقبٌ لبني عامر، وجمع جمع الأسماء وإن كان صفةً في الأصل فهو كالأبطح والأجدل وأشباههما؛ وقد تقدم القول فيه. والشاعر يقول: تيقن الحي المغار عليهم صباحاً أنني غداة لقينا بني عامرٍ بالشريف - وهو موضعٌ بنجدٍ، وكذلك الشرف -

أيليت. وهذا الكلام منه استشهادٌ بمن دافع عنهم. وخبر أن فيما بعده، وهو قوله " جعلت لبان الجون ". وغداة لقينا ظرفٌ له. فإن قيل: هلا جعلته ظرفاً لعلم أو للقينا؛ قلت: لا يجوز أن يكون ظرفاً لعلم، لأنه إذا جعل كذلك صار أجنبياً مما دخل في صلة أن، وحائلاً بينه وبين خبره، والفصل بين الموصول وما في صلته بالأجنبي منه غير جائزٍ. ولا يجوز أن يكون ظرفاً للقينا، لأنه مضافٌ إليه، والمضاف لا يجوز أن يكون عاملاً في المضاف.

جعلت لبان الجون للقوم غايةًمن الطعن حتى آض أحمر وارسا

جعلت ها هنا عدى إلى مفعولين لأنه بمعنى صيرت. واللبان: الصدر من الفرس. والورس: صبغٌ أحمر معروف. وثوبٌ ورسٌ ووارسٌ. وأورس الرمث، إذا اصفر ثمره، فهو وارسٌ، وهو أحد الحروف التي جاءت على أفعل فهو فاعلٌ؛ ولا يقال مورسٌ. وربما فسر الورس على الزعفران. يقول: ثبت في وجوه القوم فصيرت صدر فرسي للطعن وموقعاً، حتى صار لسيلان الدم عليه أحمر كالورس.

وأرهبت أولى القوم حتى تنهنهواكما ذدت يوم الورد هيماً خوامسا

يقول: خوفت أوائلهم حتى كفوا وتنكسوا، كما تكلف إبلا عطاشاً وردت لخمسٍ، فازدحمت على الماء يوم الورود. والهيم: التي بها الهيام، وهو داءٌ يصحبه العطش الشديد. جعل أوائلهم تتبادر وتزدحم حرصاً على القتال، مبادرة الهيم وازدحامها على الماء وردت لخمسٍ. وهذا التشبيه من باب التصوير، وقد تقدم القول في شرحه. وقوله: " تنهنهوا كما ذدت " يجوز أن يكون أراد حتى ذدتهم كما ذدت، فوضع تنهنهوا بدله ودالاً عليه. ويجوز أن يكون أراد: كما نهنهت يوم الورد إذا ذدت هيما، فوضع ذدت موضعه. ويجوز أن يكون المراد: أرهبتهم كما أرهبت، فوضع ذدت موضع أرهبت، وهذا أقرب.

بمطردٍ لدنٍ صحاحٍ كعوبهوذي رونقٍ عضبٍ يقد القوانسا
وبيضاء من نسج ابن داود نثرةٍتخيرتها يوم اللقاء الملابسا

الباء من قوله " بمطردٍ " تعلق بقوله أرهبت. فيقول: خوفتهم بالبروز لهم، ومعالنة ذوي الحشمة بالتنكر معهم، والشد عليهم برمح مسوى لينٍ صحيح الكعوب والأناييب، وسيفٍ ذي ماءٍ، قاطعٍ نافذٍ في القوانس، لا ينبو ولا يرتدع. ومعنى الاطراد في الرمح تقومه وتوافق أنابيبه عند الهز. والقوانس: أعلى البيض؛ وقونس

الفرس منه، وهو العظم الذي تحته العصفوران. هكذا قال أبو عبيدة. وقال الأصمعي: هو والعصفوران سواء، والقد: القطع طولاً، فإن كان عرضاً فهو القط. وقوله " وبيضاء من نسج ابن داود " فإنه عنى به درعاً، والمراد تعداد عدته واحداً واحداً. أي أرهبتهم بدرع نقية اللون من الصدا داودية واسعةٍ، اخترتها من الملابس يوم اللقاء. وإنما قال " من نسج ابن داود " كما قال الآخر:

ونسج سليمٍ كل قضاء ذائل

وللعرب عادةٌ معوفةٌ في إقامة الأب مقام الابن، والابن مقام الأب، وتسمية الشيء باسم غيره إذا كان من سببه. والأعلام لا يدخلها المجاز، ولكن تستعار إذا حصل بها القصد وأمن معها اللبس عند الذكر. وانتصب الملابس على المفعول، لأن الفعل بعد انحذاف حرف الجر منه وصل إليه فنصبه. وأصلها تخيرتها يوم اللقاء من الملابس. ومثله قوله تعالى: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ". والمراد: اختار موسى من قومه، ومثل هذا من الحذف لا ينقاس.

وحرميةٍ منسوبةٍ وسلاجمٍخفافٍ ترى عن حدها السم قالسا

يريد: وبقوسٍ متخذة من شجر الحرم، لها نسبٌ لجودتها وعتق نجارها، حتى يقال فيها: ملكها فلانٌ، وورثها فلانٌ، واتخذها فلان، وهي القوس التي من شأنها كيت وكيت، وبنصالٍ طوالٍ خفافٍ تقلس حدودها السم وترشحه، لأنها أمهيت به وشربته. والقلس: القيء، يقال قلس قلسا، ثم يقال للدسعة تخرج إلى الفم القلس، بتحريك اللام. والسلاجم: الطوال، وأراد بها النبل كما هي، ويقال حرمٌ وحرمٌ. وانتصب قالسا على الحال للسم، كأنه قال: ترى السم ذا قلسٍ، أي ممجوجاً به ملقى من جوانب حدودها.

فما زلت حتى جنني الليل عنهمأطرف عني فارساً ثم فارسا

يروى " أطرف فرساناً وألحق فارسا ". يقول: لم أزل بياض ذلك اليوم أدفع في جوانب مجالي وأطراف أرضي، الفارس بعد الفارس، إلى أن تغشاني الظلام فحال بيني وبينهم، وستر كلاً منا عن صاحبه. ومعنى أطرف أجعله مني في طرف، وموضعه من الإعراب نصبٌ على أن يكون خبر ما زال. وأراد بقوله " فارساً ثم فارساً "

المداومة والاتصال. أي لم أفتر عن دفاعهم وقتاً واحداً بعد واحدٍ. وهذا كما يقال: جاءني بنو تميم واحداً فواحداً، أي توالوا أفراداً. ومن روى " أطرف فرساناً وألحق فارساً " فالمعنى أسوق فرساناً وأذودهم عني، وقد ألحق في الطرد الواحد بعد الواحد فأصيبه.

ولا يحمد القوم الكرام أخاهم العتيد السلاح عنهم أن يمارسا

هذا الكلام تبرؤٌ من التحمد بما فعل إلى الناس، وترك للتبجح بالدفاع حين دافع، وإظهارٌ لأن مذهب الكرام ذلك وأن الواجب في اعتقادهم ألا يحمد الواحد منهم إذا قاتل دونهم، أو مارس الشدة فيهم ولهم، متى كان تام السلاح، مزاح العلل، إذ كان ذلك دأبهم ودينهم، وإذ كان سبيله فيما يأتيه كمن يؤدي الفرض الذي لا يحتمل التضجيع، والحتم الذي لا يسوغ التجوز فيه والتأويل. وقوله " عنهم " يتعلق بالعتيد السلاح، ولا يجوز أن يتعلق بيمارس، لأنه لو كان كذلك لكان في صلة أن، فلم يجز تقدمه عليه. ويكون المعنى: أخاهم المعد السلاح عنهم، النائب منابهم. ومعنى أخاهم الواحد منهم، كما يقال: يا أخا بكرٍ أو تميمٍ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.