تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال ربيعة بن مقرومٍ

أخوك أخوك من يدنو وترجومودته وإن دعي استجابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

قوله أخوك مبتدأٌ، وكرره على وجه التأكيد، ومن يدنو في موضع الخبر. ومعنى البيت: مخالصك في الأخوة والود من يقرب مكانه منك، ويحسن شفقته عليك، وتطمع في إثمار وده لك، وإن استغثت به لملمةٍ تنزلن أو نائبةٍ تطرق، أغاثك باذلاً مقدوره في نصرته لك. ويجوز أن يكون قوله، " من يدنو " أراد به قرب النصح والشفقة، لا تقارب الدار والمسافة، كما يقال فلانٌ أدنى إليك من فلانٍ.

إذا حاربت حارب من تعاديوزاد سلاحه منك اقترابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

يجوز أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله، والضمير في حارب لأخوك ومن تعادي في موضع المفعول من حاربت، ويكون المعنى: إذا حاربت من تعادي حارب هذا المواخي لك معك، وزاد نصرته وعدته منك قرباً ما دمت محارباً. ويجوز أن يكون منقطعاً مما قبله، ويكون مثلاً مضروباً، فيقول: إذا كاشفت عدوك وأبديت صفحة ما تضمره من السوء له بعثه ذلك على مكاشفتك، وازداد عدته من الكيد وغيره منك دنواً. وإذا جاملته وداجيته بقي على ما ينطوي عليه مساتراً لا مجاهراً.

وكنت إذا قريني جاذبتهحبالي مات أو تبع الجذابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

هذا مثل قول عمرو بن كلثوم:

متى نقصد قرينتنا بحبلٍنجذ الحبل أو نقص القرينا

وجعل الجذاب للحبال على المجاز. وقوله أو تبع الجذاب يريد أوانجذب وترك الطماح والإباء. ومعنى البيت: إذا جاذبني قرينٌ لي حبلاً بيني وبينه، فإما أن ينقطع دون شأوي في الجذاب فيهلك، وإما أن يتبع صاغراً فينقاد. وخبر كان في إذا أو جوابه.

فإن أهلك فذي حنقٍ لظاهعلي يكاد يلتهب التهاباً
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

هذا الكلام تسلٍ عن العيش بعد قضاء حاجته، وإدراك ثأره، وإرغام عدوه، ولولا ما تيسر له من ذلك وتسهل لكان لا يسهل عليه انقطاع العمر، ولو مات مات بغصةٍ. فيقول: إن أمت فرب رجلٍ ذي غيظٍ وغضبٍ تكاد نار عداوته تتوقد توقداً، أنا فعلت به كذا. وقوله " لظاه " في موضع المبتدأ، و " يكاد يلتهب " في موضع الخبر، والجملة في موضع الصفة لذي حنقٍ، وانجر ذي حنقٍ بإضمار رب، والمجرور برب يقع موصوفاً في الأكثر وجواب رب فيما بعده، والفاء من وقوله " فذي حنقٍ " مع ما بعده جواب الجزاء. فإن قيل: إن الفاء في جواب الجزاء إنما يجيء إذا خالف الجملة التي تكون جزاء الجملة التي تكون شرطاً بأن تكون مبتدأ وخبراً، فكيف يكون تقديرهما بعد الفاء ها هنا؟ قلت: يكون التقدير: إن أهلك فالأمر والشان رب ذي حنق بهذه الصفة فعلت به كذا. فقوله طرب ذي حنق " خبرٌ للمبتدأ الذي أظهرناه.

مخضت بدلوه حتى تحسىذنوب الشر ملأى أو قرابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

هذا جواب رب. فيقول: رب إنسانٍ هكذا، أنا حركت بدلوه التي أدلاها في الأمر الذي خضنا فيه، حتى ملأتها. وجعل الدلو كنايةً عن السبب الذي جاذبه فيه، والطمع الذي جرأه عليه، قال: فتحسى دلو الشر مملوءةً أو قريبةً من الامتلاء. وقراب الملء: أن يقارب الامتلاء، ويقال قرابٌ بكسر القاف وقرابٌ بضمها. والمعنى: جعلت شربه من الشر شرباً مرويا.

وقد استعمل أبو تمام الدلو على الطريقة التي استعملها ربيعة فقال:

ألقوا دلاءً في بحورك أسلمتترعاتها الأكراب والأوذام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

واستعمل غيره دلوت في معنى الاستخراج فقال:

قد جعلت إذا ما حاجتي نزلتبباب دارك أدلوها بأقوام

فكأن المراد أن هذا المعادى الممتلئ غيظاً لما ألقى دلوه يستقي بها الماء من بئر ملأتها شراً وجعلته سقياه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.