تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال حجر بن خالد (٢)

وجدنا أبانا حل في المجد بيتهوأعيا رجالاً آخرين مطالعه
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

قوله " حل في المجد بيته " في موضع المفعول الثاني لوجد، لأنه بمعنى علم. والبيت لا يحل ولكن يحل فيه، لكنه رمى بالكلام على السعة والمجاز، لأن المعنى لا يختل. ويقولون: فلانٌ عالي المكان، لأنه إذا علا مكانه فقد علا هو. وقال الآخر:

وحلت بيوتي في يفاعٍ ممنع

فيقول: علمنا بالاختبار في طلاب العلو، والاجتهاد في منال أقصى السمو، تمكن بيت أبينا من ذروة المجد والشرف، فمحله فائتٌ لا يلحق، ومطلعه معجزٌ لا يمكن، إذ كان مداه الغاية التي ليس وراءها مستشرفٌ لناظرٍ، ولا منالٌ للاحق.

فمن يسع منا لا ينل مثل سعيهولكن متى ما يرتحل فهو تابعه

يقول: من طلب نيل مكانه، أو الارتقاء إلى درجته، بسعيٍ يتكلفه ويجهد فيه نفسه، وقف دونه وقعد به طوقه، وكان أقصى غايته بعد استفراغ مجهوده، أن يكون تابعاً له، وواطناً عقبه؛ فأما مساماته في مدارجه، أو مسامتته في مطالعه، فلا سبيل إليه، ولا مطمع فيه.

وقد سلك الأعشى هذا المسلك فقال:

كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعا

وذكر الارتحال حسنٌ في الاستعلاء مع ذكر السعي. وقد قيل: " لولا السعي لم تكن المساعي ".

يسود ثنانا من سوانا وبدؤنايسود معداً كلها ما تدافعه
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

الثني: من دون الرئيس، لكنه يليه في الرتبة. والبدء: السيد غير مدافعٍ عن أولية سيادته، فكأن المراد بهما الأول في الرياسة والثاني. وأصله من ثنيت الشيء. وفي حديث النبي ﷺ: " لا ثنى في الصدقة ". والمعنى أنها لا تؤخذ في السنة مرتين. ويقال ثنيت الشيء ثنياً، ثم يسعى المثنى ثنياً وما ثني به هو أيضاً ثنياً. وعلى هذا الضعف، يقال ضعفت الشيء مخففاً في معنى ضاعفت ضعفاً، ثم يسمى المضعوف ضعفاً بالكسر، والمضعوف به ضعفاً أيضاً. قال لبيد:

وعالين مضعوفاً وفرداً سموطه

والبدء: العظم المنفصل مما عليه من اللحم، كأنه من هذا. قال:

أغلت الشتوة أبداء الجزر

ومعنى البيت: المغمور فينا إذا حصل في غيرنا سادهم وعلاهم، والرئيس منا تسلم له الرياسة على قبائل معدٍ كلها، غير معارضٍ فيها، ولا مدافعٍ عنها.

ونحن الذين لا يروع جارناوبعضهم للغدر صقم مسامعه
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

يصف عزهم ومنعتهم، وعهدهم ووفاءهم، وأن المجاور لهم، والمعتصم بحبلهم، يبقى آمناً معهم غير مذعورٍ، وموفوراً غير مسلوبٍ. ثم قال معرضاً بغيره: وبعض الناس لما يستعمله من الغدر، ويشتهر به من تضييع الذمار، ولكونه منطوياً فيما يأتيه على الإصرار، يصم مسامعه عن ذكر العار، فلا يبالي بذم الناس له، ولا يأنف من تهجينهم أفعاله. وفي طريقته قول الآخر:

إن يجبنوا أو يغدرواأو يبخلوا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجلين كأنهم لم يفعلوا

وكان وجه الكلام أن يقول لا يروع جارهم حتى يرجع من الصلة إلى الموصول الذكر؛ لكنه لما كان المقصود بقوله نحن والذين شيئاً واحداً لم يبال برجوع الضمير إلى كل واحدٍ منهما. وقد مضى مثله.

ندهدق بضع اللحم للباع والندىوبعضهم تغلي بذمٍ مناقعه
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

الدهدقة: الصوت. والبضع: القطع. أي نتولى ذلك كرماً منا على اعتسافٍ وسوء تأتٍ: ويجوز أن يكون البضع جمع بضعةٍ فيكون المعنى: إنا نقلبها في القدور، فلعظمها يسمع لها في التقلب صوتٌ. والمناقع: جمع المنقع والمنقعة، وهي القدور الصغار، وقيل هي الأتوار الصغيرة. وقيل المناقع واحدها، وأصله ما ينقع فيه

الشيء، فاستعاره للقدور. فأما قوله منقع البرم فقد قيل فيه ما ذكرنا وغيره. وقد روي منقع البرم، بكسر الميم، وفسر على وعاء القدر وذكر الباع مثلٌ، والمراد الكرم. فعلى الطريقة الأولى يكون معنى البيت: يسمع لقطع اللحام بأيدينا دهدقةٌ، لقلة رفقنا فيه وسوء حذقنا به، كما قال الآخر:

جفاة المحز لا يصيبون مفصلاًولا يأكلون اللحم إلا تخذما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة

على الطريقة الثانية يكون المعنى: تغلي قدورنا بفدر اللحم، فإذا قلبناها فيها إقامةً لخدمة الضيف، واكتساباً للحمد، ورغبةً في ابتناء المجد، تقلبت ولها صوتٌ، لعظمها واتساع قدورها. وبعض الناس - وهذا تعريضٌ بالغير - تغلي قدوره التي كأنها مناقع في الصغر بذم الناس له. فقوله " بذمٍ " في موضع الحال، تقديره: تغلي مذمومةً.

ويحلب ضرس الضيف فينا إذا شتاسديف السنام تستريه أصابعه
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

يروى " ضرس الضيف " بالرقع على أن يكون فاعلاً، وسديف بالنصب على أن يكون مفعولاً، وهو الجيد. ويعضهم ينصب الضرس ويرفع سديف السنام، والمعنى لا يلتبس في الوجهين. يقول: وإذا اشتد الزمان، وأسنت الناس، فإن الضيف فينا يأكل سديف السنام، من الإبل السمان، على ما تختاره أصابعه في الجفان. والسديف: قطع السنام. وقيل هو شحم السنام. ومعنى إذا شتا، إذا أمحل. وذكر الحلب كنايةٌ عن الأكل. والمعنى: إنا لا نرضى بنحر الكسيرات المهزولات، بل نعتبط خيار الإبل وكرائمها عند حلول الضيفان. وتستريه: تختاره، يقال استسريت الشيء أيضاً. والسري: الخيار من كل شيء. وموضع تستريه نصبٌ على الحال للسديف، والعامل فيه يحلب، كأنه قال تحلبه الضرس مختاراً بالأصابع.

منعنا حمانا واستباحت رماحناحمى كل قومٍ مستجيرٍ مراتعه

يقول: إذا أحمينا مكاناً ذببنا أعداءنا عنه، ولا يجسر أحدٌ منهم على دخوله، ومتى شئنا استبحنا أحمية الناس لعزنا وفضل قوتنا، ولاستسلام القبائل لنا، وإن كانت الأحمية مستجيرة المراتع. وقوله " مستجيرٍ مراتعه " الهاء يرجع إلى حمى كل قومٍ،

والمعنى الحمى الذي قد استجار مراتعه بالممتنع القوي، وتعزز بالظهر الظهير. وهذا إشارةٌ إلى إيلاف الجوار، كأنها تجمع بين جوارين في حيها وحي غيرها، تستظهر بأحدهما على الآخر. وجعل الفعل للمراتع مجازاً، أي تستبيح الحمى الذي هذا صفته. ويجوز أن يكون أراد الحمى الذي قد أدخل على قومه الضعفاء من الأجانب في الجوار. ويقال: استجار، إذا تضمن الإجارة وطلب من غيره المجاورة، واستجار أيضاً إذا طلب أن يدخل في الجوار ويحامى عليه. ويقال استجرت فلاناً وبفلانٍ، والمفعول محذوف.

وقال أيضاً:

لعمرك ما ألياء بن عمروبذي لونين مختلف الفعال
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

وصفه بأنه ثابت القدم بحسن الوفاء، محافظٌ على الذمار، باقٍ على طريقةٍ واحدةٍ في الشدة والليان. فيقول: وبقائك ما هو بذي لونين يخالف باطنه ظاهره، ولا يوافق مقاله فعاله، يتنقل في الأهواء، ويتلون تلون الأوفاقات، فهو على أن يجيب كل ناعقٍ، ويتبع كل قائدٍ وسائقٍ، إن ضمن لم يف، وإن وعد لم ينجز.

غداة أتاه جبارٌ بإدٍمعضلةٍ وحاد عن القتال
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

جبارٌ: رجل. والإد: المنكر من الأمر الشديد. وفي القرآن: " لقد جئتم شيئاً إداً ". وقد أفرد ها هنا عن موصوفه فأجري مجرى أسماء الدواهي. والمعضلة: الداهية العسرة الضيقة. ومنه قولهم: هو عضلةٌ من العضل، وداءٌ عضالٌ: الذي غلب وأعيا. وقوله " غداة أتاه " ظرف للفعل الذي دل عليه قوله " بذي لونين مختلف الفعال "، كأنه جلب عليه هذا الرجل أمراً منكراً، ضيقاً عسراً، ثم خلاه يصلى بناره ويقاسي مكروهه، ويماصع خصماءه فيه ويجاذبهم، وهرب هو.

ففض مجامع الكتفين منهبأبيض ما يغب عن الصقال
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

الفض: الكسر والتفريق، ويقال انفض القوم، إذا تفرقوا. يقول: فصل مجمع كتفيه بضربةٍ من سيفٍ بحادث بالصقل، ولا يتغافل عنه. والإغباب: أن ترد الإبل

الماء غباً. ويقال أغب القوم، إذا صارت إبلهم كذلك. وليس يريد بنفي الإغباب أن يدل على صقل السيف كل يوم؛ ولكن المراد أنه لا يهمل صقله زماناً ممتداً؛ إذ كان صاحبه يستعمله كل يوم. وعلى هذا ذكر الغب في المثل السائر: " زر غباً تزدد حباً ".

فلو أنا شهدناكم نصرنابذي لجبٍ أزب من العوالي
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو حضرناكم لنصرناكم وجاهدنا معكم بجيشٍ له جلبةٌ وصوتٌ، أزب لكثرة الرماح فيه. أي تشبه كثرة الرماح فيه والتفافها كثرة شعر الأزب. وهذا على طريق الاستعارة، لأن أصل الزبب في الشعر. وفي المثل: " كل أزب نفورٌ "، يعني البعير الكثير الشعر على الوجه والعثنون، لأن ما حوالي عينيه من الشعر يخيل إليه المناظر على خلاف ما تكون عليه فينفر. والعوالي: جمع عالية، ويراد بها جنسٌ من الرماح.

ولكنا نأينا واكتفيتمولا ينأى الحفي عن السؤال
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

يروى " واكتفينا ". يقول: بعدنا عنكم فاستقللتم بأنفسكم واستغنيتم عمن يعاضدكم في كل ما يدهمكم، فلم تدعكم حاجة إلى مجاورتنا، ولا ألجأتكم الضرورة إلى التكثر بنا. والرجل اللطيف البار بصاحبه لا يبعد عن تنسم الأخبار واستنشائها لمن يهمه أمره، وإن بعد بنفسه ومكانه. ومن روى " واكتفينا " كان المعنى اكتفينا في البعد عنكم فلم تحتج إليكم. والقصد في الروايتين أنه لم يكن بإحدى الجنبتين افتقارٌ إلى الأخرى، فصار ذلك سبباً في التنائي، وعذراً بيناً في التأخر عن المعاونة والمكانفة. ودل بقوله: " ولا ينأى الحفي " على أن القلوب في التعطف والخلوص، على ما يوجبه الوداد ولم يغيرها البعاد. ويقال فلانٌ حفيٌ بفلان ظاهر الحفوة، أي البر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.