من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال تأبط شراً
وقالوا لها لا تنكحيه فإنهلأول نصلٍ أن يلاقي مجمعا
كان تأبط شراً خطب امرأة عبسية، فأرادت إجابته ووعدت مناكحته، فلما جاءها أظهرت الزهد، وأخلفت الوعد، واعتلت بأن الرغبة في شرفه وفضله كما كانت لكنه قيل لها ما تصنعين برجلٍ يقتل عنك قريباً، لأن له في كل حيٍ جنايةً، وعنده لكل إنسانٍ طائلة، فتبقين أيماً! فانصرف تأبط شراً وقال هذه الأبيات.
وقوله " أن تلاقى " يجوز أن يكون موضعه رفعاً بالابتداء، وخبره لأول نصلٍ، والجملة في موضع خبر إن. والتقدير: إن تأبط شراً ملاقاته مجمعاً لأول نصلٍ يجرد. ويجوز أن يكون " يلاقي " في موضع النصب على أن يكون بدلاً من الهاء في " إنه "، كأنه قال إن ملاقاته مجمعاً لأول نصل. والهاء في فإنه يجوز أن يكون لتأبط شراً، وهو الأجود في الوجهين. ويجوز أن يكون للأمر والشأن في الوجه الأول، ويكون تفسيره الجملة. ويجوز أن يكون في موضع الظرف، أي زمن أن يلاقي مجمعاً. والمعنى هو لأول نصلٍ إذا لاقى مجمعاً، أي يقتل بأول نصلٍ يعمل في ذلك الوقت. ويروى " أن يلاقي مصرعا "، والمصرع يجوز أن يكون مصدراً، ومكاناً، وزماناً. وانتصابه يجوز أن يكون على أنه مفعول يلاقي ويجوز أن يكون مفعول يلاقي محذوفاً ويكون مصرعاً في موضع الحال؛ كأنه قال أن تلاقيه ذا مصرعٍ، أي مصروعاً، فحذف المضاف.
فلم تر من رأيٍ فتيلاً وحاذرتتأيمها من لابس الليل أروعا
يقول: لم تر هذه المرأة من الرأي لما قبلت مشورة الناس وتمنعت من مناكحتي ما يوازي فتيلاً، أي ما يغنى غناء فتيل. وقد حذرت بقاءها أيماً من رجلٍ ركاب الليل لا يفارقه فيما يهمه، فكأنه لبأسه ذكي القلب شهمٌ. والقتيل والنقير والقطمير يضرب المثل بها في حقارة الشيء. والأروع يكون الحديد القلب المروع الفؤاد، ويكون الجميل. وقوله " وحاذرت " في موضع الحال والأجود أن يضمر معها " قد " أي لم تر فتيلاً من الرأي محاذرة.
قليل غرار النوم أكبر همهدم الثأر أو يلقى كمياً مسفعاً
هذا من صفة لابس الليل. فإن قيل: ما معنى قليل غرار النوم؟ وإذا كان الغرار القليل من النوم، بدلالة قولهم ما نومه إلا غراراً، فكيف جاز أن تقول قليل غرار النوم، وأنت لا تقول هو قليل قليل النوم؟ قلت: يجوز أن يراد بالقليل النفي لا إثبات شيءٍ منه، والمعنى: لا ينام الغرار فكيف ما فوقه؟ ويجوز أن يكون المعنى نومه قليل ما يقل من النوم، أي نومه قليل القليل، يريد به أنه مسهدٌ، وأن أكابر ما يهتم له طلب دم الثأر، أو ملاقاة كميٍ مسفع الوجه، لدوام تبذله للسمائم، وتسياره في الهواجر. والكمي: الذي يكمي شجاعته لوقت الحاجة إليه، وقيل هو الذي يتكمى في سلاحه، وقوله " أو يلقى " أن مضمرةٌ بين أو والفعل، ولولا ذلك لم يجز عطف الفعل
على الاسم، لاختلافهما. وإذا أضمر " أن " يصير حرف العطف ناسقاً اسماً على اسم، والتقدير: أكبر همه دم الثأر أو لقاء كميٍ. ومثل هذا قوله تعالى: " ما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً "، والتقدير: أو أن يرسل رسولاً، حتى يكون أن مع الفعل في تقدير مصدر منسوق على قوله وحياً، إذ قد امتنع أن يحمل على أن يكلم.
يماصعه كلٌ يشجع قومهوما ضربه هام العدى ليشجعا
يجوز أن يكون قوله " يماصعه " صفة لكمياً مسفعاً؛ لأن مثله من الأفعال يكون صفةً للنكرة وحالاً للمعرفة، ويكون الثناء على خصمه الذي همه ملاقاته، كالثناء عليه. ويجوز أن يكون راجعاً إلى الأول، وداخلاً في صفاته فيتبع قوله قليل غرار النوم. ومعنى يماصعه: يقاتله. وأصله الضرب بالسيف والرمي. ويقال مصع بذنبه، إذا حركه. ومصع الطائر بذرقه، إذا رمى به. وقوله " كلٌ " أي كل واحدٍ من الناس، فأفرد وهو في النية مضافٌ. ومعنى البيت: إن كل من قاتل هذا الرجل قاتله طمعاً في أن ينسبه قومه إلى الشجاعة، وليتبجح به عند أقرانه، ويذهب به صيته في الناس. وليس قتله للشجعان وضربه هام الأعداء لمثل ذلك، لكنه طبعٌ منه، وجريٌ على عادته. وقوله " يشجع قومه " أي لأن يشجعه قومه، والمفعول محذوف بدلالة قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
يريد أن أحضر، يدل على هذا ما بعده، وهو:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
قليل ادخار الزاد إلا تعلةًفقد نشز الشرسوف التصق المعا
قوله " إلا تعلةً " من عللته بكذا، فهو كالتقدمة من قدمت. والشراسيف: مقاط الأضلاع، ولا ينشز إلا للهزال. وذكر القلة ها هنا مقصودٌ به إلى النفي لا غير، بدلالة مجيء الاستثناء بعده، وإذا كان كذلك لم يثبت القليل به. والمعنى: ما يذخر من الزاد إلا قدراً يتعلل به، فقد أثر الطوى فيه حتى هزل، فترى رءوس أضلاعه شاخصةً، وأمعاءه بجنبه ملتصقة، لقة طعمه، واتصال ممارسته للشدائد. وعلى هذا
قول الله ﷿: " قليلاً ما تؤمنون " و " قليلاً ما تذكرون ".
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنهويصبح لا يحمى لها الدهر مرتعا
قوله " يبيت بمغنى الوحش "، أي استمرت هذه الحالة به، واتصلت منه ودامت، لأن الأماكن سواه ضاقت عنه، ومجامع الإنس تكرهته فلفظته، فألف القفار ولزم مرابع الوحش ومساكنها، حتى أنست به وسكنت إليه، وعدته واحداً منها، وصار هو أيضاً على تعاقب الزمان وتصرف الأحوال لا يحمي من أجلها مرعى، ولا يراعي من مرادها مأوىً، لأن همته مصروفةٌ إلى غيرها، ونفسه مشغولةٌ بسواها، فلا نفرتها منه تقبضها عنه، ولا صيده لها يجعلها من همه. ومثل هذا قول الآخر:
علام ترى ليلى تعذب بالمنىأخا قفرةٍ قد كان بالغول يأنس
وأضحى صديق الذئب بعد عداوةٍوبغضٍ وربته القفار الأمالس
على غرةٍ أو جهرةٍ من مكانسٍأطال نزال القوم حتى تسعسعا
تعلق قوله " على " بقوله " لا يحمى ". والمعنى: لا يحافظ لها ولا يترقبها، لا على غفلةٍ منها واغترارٍ منه إياها، ولا بمجاهرةٍ لها ولا مكاشفة دونها، بل أطال مزاولة الغارات ومنازلة الكماة منذ ترعرع، إلى أن ولى شبابه وتسعسع. وهذه إشارةٌ إلى ما تنقل فيه على تغير الأحوال ومضي الأوقات، من اكتساب العداوات وإيقاع الوقعات، وتهييج الغارات. وقوله " تسعسع " من قولك تسعسع الليل أو النهار، إذا أدبر. وفي الحديث: " تسعسع الشهر ". والمكانس: الملازم للكناس. ويقال كنسى الظبي فهو كانسٌ، إذا أوى إلى كناسه. قال لبيد:
تسلب الكانس لم يؤر بهاشعبة الساق إذا الظل عقل
ويقال للكناس المكنس. تقال: ظبيٌ كنسٌ، إذا لزم كناسه.
ومن يغر بالأعداء لا بد أنهسيلقى بهم من مصرع الموت مصرعاً
قوله " لا بد " يجري مجرى لا محالة، وهو من البدد مصدر للأبد، وهو سعة ما بين اليد والجنب، كأن المراد لا سعة في ذلك ولا تجوز. وكان الواجب أن يقول: لا بد من أنه سيلقى، فحذف من. فإذا قلت: لا بد من كذا، فانتصاب بد بلا، وخبره من كذا. ولم يتعلق من ببد كما تعلق بخير من قولك لا خير منه لك، لأنه لو كان كذلك لنون بدٌ ولم يجز غيره: يقول: من أولع بمنابذة الأعداء، وغري بمضارتهم لا بد أن يلقى بهم يوماً من الأيام مصرعاً من مصارع الموت، لأنه كما يرى فيهم يرى بهم. ويقال: غري بكذا وأغري به، وقد روى " يغر " بفتح الياء، و " يغر " بضمها. والمصرع ها هنا مصدرٌ، وقد يكون في غير هذا اسماً للمكان والزمان وعلى طريقة هذا البيت المثل السائر: " من ير يوماً ير به ". وجواب الجزاء في ضمن قوله لا بد أنه سيلقى، والتقدير من يغر بالأعداء فهو سيلقى بهم مصرع الموت، لا بد من ذلك.
رأين فتىً لا صيد وحشٍ يهمهفلو صافحت إنساً لصافحنه معاً
رجع إلى ذكر الوحش بعد أن اعترض بين الكلام فيها بقوله: " أطال نزال القوم "، وبقوله " ومن يغر بالأعداء ". وهو يريد أن يبين سبب أنسها به، وزوال نفارها منه بأشفى مما قدمه. فيقول: رأت الوحش به فتىً صيد الوحش مما ليس يخطر ببال، ولا يعده من جملة الأشغال. فلو مكنت من نفسها إنساً لمكنت هذا. فقوله " لا صيد وحشٍ يهمه " من صفة الفتى، ونفى بقوله لا الغفل، فلذلك لم يكرر لا مرتين كما تقول لا عبدٌ لك ولا جارية. وإذا كان كذلك فقد أضمر بعد لا فعلاً، وجعل الصيد يرتفع به، ويكون الفعل الظاهر بعده تفسيراً، كأنه قال لا يهمه صيد وحشٍ يهمه. والمصافحة أصلها في مماسة صفحة إحدى اليدين للأخرى عند السلام، فاستعارها للتمكين والاستسلام. وقوله " معاً " في موضع الحال، أي مجتمعةً ومصطحبةً. والفائدة في ذكر الإتيان بلفظةٍ تفيد العموم، فكأن المراد الوحش على اختلاف أجناسها.
ولكن أرباب المخاض يشفهمإذا اقتفروه واحداً أو مشيعا
وإني وإن عمرت أعلم أننيسألقى سنان الموت يبرق أصلعا
قوله " المخاض " هي النوق الجوامل، وهو اسمٌ صيغ للجماعة منها، ولا واحد لها من لفظها، وإنما خصها لأن التنافس فيها أكثر، وأربابها بها أشح. والشاعر ترك قصةً إلى قصةٍ، فكأنه قال: لا يهمه طلب الوحش، ولكن يهمه قصد أرباب الإبل في أموالهم، فهو يؤذيهم ويفزعهم، ويضنيهم إذا تتبعوا أثره. وقد أغار عليهم واستاق إبلهم منفرداً عن أصحابه، أو محتفلاً بهم معاناً بتشييعهم. وهذا بيان ما قدمه في قوله " أطال نزال القوم حتى تسعسعا ". وانتصب واحداً على الحال، والعامل فيه اقتفروه، أي منفرداً. ويقال اقتفرت للوحش إذا تتبعت أثره. ومعنى يشفهم، يهزلهم ويكد عيشهم. ومشيعاً: معه شيعةٌ. يريد أنه لا يبالي كيف سقط عليهم وأنه يشفهم على كل حالٍ. وقوله " وإني وإن عمرت " بيان قوله " ومن يغر بالأعداء "، لأنه فسر كل بيت من الأبيات الثلاثة ببيتٍ. فيقول: أنا وإن أطبل عمري، ومد من نفسي بما يلحقني من واقية الله تعالى على ما أجترحه وأختاضه، أتيقن أني سألقى أجلي، وأوافي مصرعي إذا دنا الحين المعلوم، بالحين المحتوم، وتراءى سنان الموت لي بارزاً بارقاً، أي السنان الذي يكون به الموت، فلا أختار النفس إلا ما لا يكسبني عاراً. وفي الكلام مع هذا الذي ذكرناه التسلي التام، والرضا بالمقدور. وجواب الشرط في قوله أعلم أنني، وهو على إرادة الفاء، ويجوز على نية التقديم والتأخير.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع